صفحة 1
مقدمة الكتاب
الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيراً طيباً مباركاً والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وصفوة بني ادم محمد رسول الله النبي الأمي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى اله وصحبه أجمعين وبعد...
شهدت نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين تزايد وانتشار ظاهرة من أخطر الظواهر الإنسانية المعاصرة في كل دول العالم المتقدم والنامي، وهي ظاهرة المشاغبة Bullying ، فهي قضية بحاجة إلى أن يتم مواجهتها من قبل المجتمعات الدولية وفي كافة المؤسسات التربوية وغير التربوية، ومما يزيد من خطورة هذه الظاهرة سرعة انتشارها وزيادة معدلاتها خاصة وأن تلك الفئة والتي تعرف باسم المشاغبين يحاولون اكتساب القوة أو الحصول عليها بشتى الطرق والوسائل، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على تدنى مستوى تلك المجتمعات من النواحي النفسية والاجتماعية وغيرها، فسلوك المشاغبة هو سلوك متعلم وهذا يزيد من خطورته.
وتحتل المؤسسات التربوية مقدمة المؤسسات المعنية بمواجهة هذه الظاهرة، خاصة وأننا في وقت ننادي فيه باحترام قيمة المتعلم وتعزيز مكانته الاجتماعية والنفسية في كل من المنزل والمدرسة والمجتمع تحت شعار جودة الحياة وجودة التعليم حتى يصبح هذا المتعلم نموذجاً لشاب صالح يحقق ما هو مراد ومتوقع منه، إلا أننا نجد أن نسبة انتشار التلاميذ المشاغبين في تزايد وبالتالي يزداد عدد الضحايا، فسلوك المشاغبة قد تخطى حدود التلاميذ وبدأ يتجه من التلميذ المشاغب نحو المعلم ونحو أفراد المجتمع الآخرين خارج نطاق المدرسة. وحينما نكون بصدد الحديث عن المدرسة بحسبانها مؤسسة اجتماعية للتربية فإننا بذلك نكون مقبلين على تناول إحدى دور التنشئة الاجتماعية الهامة والهامة جداً والتي تحظى بنصيب الأسد في بناء فكر الإنسان وإعداده لمواجهة الحياة بكافة ضروبها وأصنافها وأطيافها. والمدرسة عموماً تمثل موقعاً أساسيا في حياة الفرد طفلاً كان أم مراهقاً فهي التي تحتضن اخطر مراحل النمو وأشدها تأثيراً على حياة الفرد وهي مرحلة المراهقة. كما أنها هي الجهة التي تشترك مع الأسرة في بناء شخصية الأفراد وتوجيههم ورعايتهم على كافة الأصعدة التربوية والنفسية والاجتماعية والثقافية وغير ذلك مما أضاف لها قيمة عظمى في حياة البشرية علاوة على أنها تشكل عقيدة الأفراد المعرفية من خلال كمية التفاعلات الاجتماعية التي تحتضنها البيئة المدرسية سواء تلك التفاعلات التي تحدث بين الأقران بعضهم البعض أو بين التلاميذ ومعلميهم. وتعتبر المشاغبة Bullying أو كما يطلق عليها البعض المشاكسة أو الإساءة للأقران Peer Abuse إحدى المشكلات التي باتت تخيم على مدارسنا بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، وهي إحدى الظواهر التي تقوم على الاستبداد والقهر والذل، وتتجلى حينما يستأسد أحد التلاميذ الأقوياء على تلميذ آخر لا حول له ولا قوة، فيمارس عليه سلوكياته الايذائية فيقهره ويحبطه ويستغله، وتكون النتيجة الحتمية هي وقوع هذا الضحية فريسة سهله للأمراض والاضطرابات النفسية والتي قد تدفعه في نهاية الأمر إلى الانتحار.
ولقد أكدت العديد من الدراسات والبحوث التي أجريت في مجال سلوك المشاغبة بين التلاميذ أن هناك علاقة قوية بين ممارسة سلوك المشاغبة أثناء سنوات الدراسة وبين كون الفرد خارجاً عن القانون بعد ذلك، إذ يقوم المشاغب بعد بلوغه مرحلة الشباب بمشكلات إجرامية، فلقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن أكثر من 60% من التلاميذ المشاغبين في سن التاسعة أصبح كل منهم خارجاً عن القانون في سن الرابعة والعشرين. إن تفشي ثقافة المشاغبة بين تلاميذ المدارس بمراحل التعليم المختلفة لها أثر بالغ وطويل المدى على كل من المشاغب والضحية، فالتلميذ ضحية سلوك المشاغبة يتولد لديه شعور قوي بالتعاسة واليأس من الحياة وتصبح استجابة الخوف لديه استجابة راسخة في حياته اليومية، بل قد تتفاقم هذه الاستجابة لتصل عند الضحية إلى درجة الهروب من الأماكن التي من المحتمل أن يتواجد فيها التلميذ المشاغب، فيتغيب عن المدرسة ويحرم نفسه من كافة الأنشطة الاجتماعية، فيشعر بالكآبة ويفقد تقديره لذاته ويشعر بأنه إنسان بلا قيمة تنتابه مشاعر الضعف والدونية، فيحتقر ذاته ويشعر في كثير من الأحيان بأنه سيء ويستحق العقاب فيصبح أسيراً للقلق والاكتئاب والتوتر والوحدة النفسية وتلازمه أمراضاً سيكوسوماتية وربما يتطور الأمر ليفكر بجدية في إنهاء حياته هروباً من هذا العالم الظالم، كما أن التلميذ المشاغب يتأثر أيضا بأفعاله هذه، فالتلميذ المشاغب إذا ما مارس سلوكياته الايذائية بحصانة من قبل مدرسته وإدارتها فإننا نعده بذلك ليصبح راشداً مشاغباً ثم ينجب أطفالاً مشاغبين بطبعهم وبهذا تتوارث المشاغبة جيلاً وراء جيل لتصبح ثقافة سائدة في المجتمع.
صفحة 2
لقد كتب هذا الكتاب ونظمت محتوياته في ثمانية فصول عرضت بشكل مبسط لتساعد الوالدين والباحثين القادمين في مجال علم النفس والصحة النفسية و كل من له علاقة بالعملية التعليمية، وقد جاءت فصوله على النحو التالي:
الفصل الأول: يلقي الضوء على طبيعة سلوك المشاغبة من حيث المفهوم والتطور التاريخي لمصطلح المشاغبة، وحجم مشكلة المشاغبة ومدى انتشارها وكذلك الفروق بين الجنسين في ممارسة سلوكيات المشاغبة، إضافة إلى الأنماط السلوكية التي تتضمنها المشاغبة وتلك الأماكن التي من المحتمل أن تحدث فيها.
الفصل الثاني: ويناقش هذا الفصل التمييز الفارق بين مصطلح سلوك المشاغبة والمصطلحات الأخرى التي اعتدنا على سماعها في أروقة البحث العلمي كمصطلح السلوك العدواني وسلوك الشغب وسلوك العنف وكذلك مصطلح صراع الأقران أو التحرش.
الفصل الثالث: يتعرض هذا الفصل إلى ما يسمى بهرم المشاغبة أو بمثلث المشاغبة ويختص بالدراسة لجميع الأفراد المشاركين في موقف المشاغبة سواء مشاغبين أو ضحايا أو تلاميذ مشاهدين للموقف ولحادثة المشاغبة كل حسب دوره.
الفصل الرابع: يتناول هذا الفصل تلك العوامل الكامنة وراء سلوك المشاغبة وهي إما عوامل بيولوجية أو نفسية أو أسرية أو اجتماعية وكذلك النظريات المفسرة لسلوك المشاغبة.
الفصل الخامس: ويعرض التباين بين سلوكيات المشاغبة بين مراحل التعليم المختلفة الابتدائية والمتوسطة والثانوية وخصائص المشاغبين وضحاياهم وفقاً لهذه المراحل التعليمية.
الفصل السادس: ويهدف هذا الفصل إلى مساعدة الوالدين والمعلمين والأخصائيين النفسيين على التعرف على التلاميذ المشاغبين وضحاياهم في مراحل التعليم المختلفة بالإضافة إلى تناوله أداة مقننة يمكن التعرف من خلالها على مشاغبي الأقران في المرحلة الإعدادية والثانوية.
الفصل السابع: وهو الفصل الذي يتناول بعض الوسائل المختلفة المستخدمة للحد من ظاهرة سلوك المشاغبة ودور الآباء والمعلمين والإدارة المدرسية في تبني سياسة عامة للحد من ظاهرة مشاغبة الأقران في البيئة المدرسية.
الفصل الثامن: يتناول أداة علمية مقننة يمكن التعرف من خلالها على مشاغبي الأقران في المرحلة الإعدادية والثانوية. وقد تم عرضها بشكل تفصيلي من حيث كيفية إعدادها وكيفية تطبيقها واستخدامها كأداة تشخيصية هامة .
وفي النهاية ندعو الله العلي القدير أن يكون هذا الكتاب إضافة إلى المكتبة العربية وأن تكون له فائدة في الحد من إحدى مشكلات التعليم في وطننا العربي وان تؤتى ثماره حتى تنعم مدارسنا بقدراً معقولاً من الأمن والأمان والاستقرار.
والله من وراء القصد....
تقديم
أ.د / هشام عبدالرحمن الخولي
بنها الجديدة 2010م
صفحة 3
طبيعة سلوك المشاغبة
• مقدمة.
• التطور التاريخي لمصطلح سلوك المشاغبة.
• مفهوم سلوك المشاغبة.
• الطبيعة الخفية للمشاغبة.
• حجم مشكلة المشاغبة ومدى انتشارها.
• عملية المشاغبة ومراحلها.
• أنماط سلوك المشاغبة والسلوكيات العدوانية التي تتضمنها.
• الفروق بين الجنسين في ممارسة المشاغبة.
• أماكن حدوث المشاغبة.
صفحة 4
مقدمة
لقد أصبح في حكم المؤكد أن تقدم الأمم والشعوب إنما يقاس بقيمة أفرادها ومكانتهم الاجتماعية فيها، ومدى الرعاية التي يعيشون في كنفها سواء كانت رعاية نفسية أم صحية أم اجتماعية أم رعاية تعليمية، والتعليم في المجتمعات هو أحد أشكال الرعاية المقدمة للأفراد وهي رعاية إجبارية إلزامية في كثير منها وليست اختيارية، لأن التعليم أصبح السبيل الوحيد والملاذ الحقيقي للأمم للنهوض بأفرادها لملاحقة ذلك التطور الذي نعيشه في وقتنا الحالي ونعجز عن مواكبته وملاحقته.
والمدرسة بحسبانها المنبر الأول للتعليم وأحد الوسائط الهامة والفاعلة في عملية التنشئة الاجتماعية لم تعد مجرد امتداد للأسرة لتقوم بدورها بل أصبحت وبحق مؤسسة اجتماعية أوجدها المجتمع لتؤدي دوراً اجتماعياً ثقافياً تربوياً يهدف في المقام الأول إلى إعداد الأفراد للحياة من كافة الجوانب. ونظراً لتلك الأهمية البالغة التي تتمتع بها المدرسة بوجه خاص والعملية التعليمية بوجه عام نص ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل أن من حق كل طفل أن يتعلم وأن يكون آمناً. وعلى الرغم من أن العاملين في النظام التعليمي يحاولون دائماً التأكيد على أن التعلم يتم في بيئة ءامنة وصحية إلا أن بحوث وتقارير ودراسات عديدة تشير إلى أن نسبة كبيرة من التلاميذ يعيشون تحت ويلات العنف والعدوان والإساءة والقهر والإذلال داخل البيئة المدرسية. لقد كانت المدرسة حتى وقت قريب مضى بما فيها من معلمين وزملاء مكاناً ممتعاً للتلاميذ، وكانت تؤدى وظيفتها على أكمل وجه، وظيفة تربوية وأخرى تعليمية، وكان لها من القداسة ما يجعلها مكاناً يتحقق فيه العدل والمساواة بين الجميع، أما الآن فقد تحولت المدرسة بقصد أو بدون قصد إلى مكان غير آمن لبعض التلاميذ والتلميذات، إن رصد المشكلات التي تعانيها العديد من المدارس أمر يتطلب جهد ليس بقليل ويحتاج إلى فريق عمل متكامل، ذلك لأننا نعيش مشكلات تعليمية متنوعة ومتعددة وتحتاج إلى خبراء في شتى المجالات لرصدها والعمل على حلها، ومن الممكن أن نتناقش ونتبادل الآراء حول المشكلات التعليمية التي نعاني منها في المدارس ومن الممكن أن نقبل حلولاً على فترات زمنية طويلة شريطة ألا تتحول المدرسة إلى بيئة للقهر والإذلال والظلم والاضطهاد وفرض السيطرة والهيمنة على التلاميذ الضعاف فهذا ما لابد أن نقف أمامه فوراً ونتساءل ماذا يعني ذلك ؟. نعم لقد أصبحت بعض المدارس مكاناً وبيئة خصبة لبعض التلاميذ لفرض وصايتهم وسلطتهم على تلاميذ آخرين أقل منهم في ناحية معينة، تلميذ يتلذذ بإيلام الآخرين وتلميذ آخر استسلم وارتضى الذل والمهانة لأنه يعلم تماماً أن أحداً لن يفيده ولن ينقذه، وتلميذ آخر تترسخ في معتقداته أننا نعيش في زمن الذئاب وغير ذلك من التشوهات المعرفية الخطيرة، فهل سألت نفسك يوماً عزيزي الأب لماذا يكره ابني المدرسة ؟ أو هل سألت نفسك لماذا يعاني من تدنى مستواه التحصيلي ؟ هل فكرتم للحظة أيها الآباء ما إذا كان ابنكم ضحية لزملائه في المدرسة أم لا ؟. إن هذا الفصل الذي بين أيدينا يتناول بشكل نظري ظاهرة من الظواهر التي باتت تخيم على بعض المدارس بل وعلى بعض الجامعات بل وأكثر من ذلك لتمتد إلى حياتنا بشكل كامل وهي ظاهرة سلوك المشاغبة Bullying Behavior.
صفحة 5
التطور التاريخي لمصطلح سلوك المشاغبة:
في عام 1972م تنبه البروفيسور النرويجي أولويس Olweus إلى وجود ظاهرة غريبة بين تلاميذ المدارس أطلق عليها آنذاك مسمى الصعلكة Mobbing وكانت هذه الظاهرة تتمثل في قيام بعض التلاميذ بإزعاج زملائهم والتحرش بهم ومضايقتهم ببعض السلوكيات غير الاجتماعية، وذاع انتشار هذا المصطلح بين الدول الاسكندنافية (السويد، الدنمارك، النرويج) وأجريت العديد من البحوث المتعلقة بتلك الظاهرة الغريبة والتي زادت بشكل ملحوظ في تلك الفترة بين تلاميذ المدارس بوجه عام. وفي عام 1978م استيقظ المجتمع النرويجي على كارثة إنسانية مأساوية حيث أقدم العديد من التلاميذ وخاصة ممن ينتمون إلى المرحلة المتوسطة والثانوية على الانتحار وسط ذهول معلميهم وذويهم حائرين متسائلين عن الأسباب الحقيقية وراء ذلك التصرف. وفي هذا التوقيت بدأ العديد من الباحثين والمهتمين بالعملية التعليمية بإجراء البحوث الميدانية التخصصية محاولين بها كشف الغموض الذي يحيط بتلك الحادثة المأساوية وكانت الدراسة الرائدة التي أجريت في عام 1978 على يدي دان أولويس Dan Olweus هي الدراسة الجادة الأولى التي كشفت اللثام عن الأسباب الحقيقة الكامنة وراء انتحار هؤلاء التلاميذ وكانت تحمل مسمى سلوك المشاغبة بين تلاميذ المدارس.
ومن هنا يمكن القول أن الإرهاصات الأولى لاستخدام مصطلح سلوك المشاغبة كانت في نهاية السبعينات من القرن الماضي وتحديداً في نهاية عام 1978م وكان الفضل للنرويجي أولويس في البدء الحقيقي لمجال الدراسات العلمية المتعلقة بمثل هذه النوعية من المشكلات في البيئة المدرسية، ومنذ ذلك الوقت حظي ميدان البحث الاجتماعي والتربوي والنفسي المتعلق بسلوك المشاغبة باهتمام طائفة كبيرة من الباحثين وكانت قمة هذا الاهتمام تحديداً في عام 1987م حينما انعقد المؤتمر الأوربي للعاملين في الأنظمة التعليمية وكان حينها يحمل عنوان " سلوك المشاغبة في البيئات المدرسية " حيث كان الهدف الرئيس من انعقاد هذا المؤتمر هو جذب انتباه العالم إلى هذه النوعية من الدراسات والتي بدورها كشفت عن ظاهرة خطيرة تعد من الظواهر المدمرة للحياة الإنسانية نظراً لما يترتب عليها من آثار تمتد مع الزمن الطويل لتلقي بالعديد من أطرافها في نهاية المطاف خلف الأسوار أو في دوامات من الأزمات والاضطرابات النفسية. ولم يتوقف الأمر فقط على انعقاد هذا المؤتمر بل فاق ذلك بمراحل حيث تبنت الحكومة النرويجية في بداية التسعينات حملة قومية للتوعية عن مخاطر تفشي ظاهرة سلوك المشاغبة بين تلاميذ المدارس المختلفة وعن أسباب هذه الظاهرة والطرق الإرشادية التي يمكن من خلالها مكافحتها والقضاء عليها. وتدريجياً بدأ العالم بأسره يلقى الضوء على تلك الظاهرة الغريبة التي يقع بعض التلاميذ كضحايا لها فزاد البحث وزادت الاهتمامات فتبنت الدراسات الإنجليزية والاسترالية تلك المشكلة في حيثيات بحثها عن المشكلات التي تعوق العملية التعليمية فكانت النتائج مفزعة والأرقام تشير إلى معاناة تلك الدول من نفس الظاهرة وربما بدرجات أعلى وأكثر شدة.
والمتتبع لنتائج الدراسات العلمية الحديثة يمكنه ملاحظة ذلك السيل من الدراسات التخصصية خاصة منذ بداية الألفية الثالثة والتي تهتم بمجال المشاغبة سواء في البحث عن الأسباب الكامنة ورائها أو الطرق التي يمكن من خلالها معالجة هذه الظاهرة السلبية الخطيرة والدخيلة على إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية بل قل المؤسسة الاجتماعية الأم لعملية التنشئة. وإذا كان التطور التاريخي لمصطلح المشاغبة يفيد بأنها ظاهرة منتشرة بين تلاميذ المراحل التعليمية المختلفة، الابتدائية منها والمتوسطة والثانوية، إلا أن الوضع الآن أصبح أكثر اختلافاً من ذي قبل، فقد ذاد الفهم لمفهوم المشاغبة وزادت الدراسات مما كان نتاجه أن توصلت نتائج بعض الدراسات إلى أن ظاهرة سلوك المشاغبة ليست قاصرة فقط على نطاق المدارس بل إنها تمتد إلى جميع الأماكن التي يقع فيها حراك وتفاعل اجتماعي كأماكن العمل بل وأكثر من ذلك إلى داخل نطاق الأسرة الواحدة، فمن مفهوم الصعلكة في بداية السبعينات أو الإغاظة teasing إلى مفهوم المشاغبة الأسرية والمشاغبة داخل نطاق العمل، وإذا كانت الدراسات الأولى للمشاغبة ركزت على تلك الفئات العمرية والتي تقع في نطاق مراحل الطفولة أو المراهقة فاليوم امتد الأمر ليشتمل على جميع المراحل العمرية من الطفولة وحتى الرشد.
صفحة 6
مفهوم سلوك المشاغبة (تعريف المشاغبة):
اتفق هوفر وجول Hoover & Jull (1993) مع روس Ross (1996) على أن سلوك المشاغبة هو ظاهرة حديثة نسبياً، لذلك لا يوجد اتفاق على تعريف إجرائي مقبول عالميا للمشاغبة، ومع ذلك يتفق كل من بيساج Besag (1993)، وأولويس Olweus (1996)، وهازلر Hazler (1996) على أن سلوك المشاغبة يشتمل على عناصر رئيسة هي:
1- الإيذاء المتكرر (ليس لمرة واحدة) للآخرين عن طريق جرح المشاعر من خلال الكلمات أو من خلال الهجوم الجسدي عليهم.
2- يصدر من خلال تلميذ واحد أو مجموعة من التلاميذ تجاه تلميذ واحد أو أكثر.
3- تحدث المشاغبة في فناء المدرسة أو في الطرقات المؤدية من وإلى المدرسة.
4- المشاغبة مباراة غير عادلة لأن المشاغب يكون فيها إما أقوى جسدياً من الضحية أو يمتلك مهارة لغوية فائقة.
وذكرت اروراArora (1987) أن سلوك المشاغبة هو تحقيق السيطرة والهيمنة الاجتماعية من خلال عدة أساليب عدوانية موجهة إلى بعض التلاميذ الذين لا يملكون قدرة أو مهارة تكفي لأن يندمجوا ويتفاعلوا مع أصدقائهم في المجموعة. ويشير جرينبيوم وآخرينGreenbaum et al. (1989) إلى أن المشاغبة هي تلك الإساءة التي يوجهها فرد أو أكثر بشكل متكرر نحو فرد آخر سواء كانت تلك الإساءة بدنية أو لفظية أو انفعالية، بحيث تتضمن الأذى الجسمي والاغتصاب وانتهاك الحقوق المدنية والضرب والجرح وحيازة الأسلحة ومحاولات القتل والمضايقة الجنسية. ولذلك فإن سلوك المشاغبة يتضمن عناصر رئيسية هي:
1- هجوم أو تخويف جسدي أو لفظي أو نفسي يقصد به إيذاء الضحية.
2- إساءة استخدام القوة في علاقة غير متكافئة يضطهد فيها الطفل الأكثر قوة طفلاً أقل منه قوة.
3- غياب عام للإثارة من قبل الطفل الضحية.
4- سلوكيات المشاغبة تحدث بشكل متكرر بين نفس الأطفال لفترة طويلة من الوقت.
وأكد أولويس Olweus (1991) على أن التلميذ يصبح ضحية لسلوك المشاغبة حينما يتعرض بشكل مستمر ومتكرر ولفترة طويلة من الوقت لأفعال سلبية ومؤذية من قبل تلميذ آخر أو مجموعة من التلاميذ، ويؤكد أندريو Andrew (1993) على أن سلوك المشاغبة هو وصف لكم هائل من السلوكيات السلبية التي تحدث بين شخصين أحدهم مشاغب والآخر ضحية، ومن هذه السلوكيات الإغاظة والسخرية والرفس والركل وإساءة المعاملة بوجه عام، وتتسم هذه الأفعال بالاستمرارية لفترة طويلة من الوقت وتحدث بين أفراد مختلفين في القوة سواء كانت قوة حقيقة أو قوة مدركة. وقرر أولويس Olweus (1993) أن المشاغبة هي ممارسة بعض الأفعال العدوانية بصفة مستمرة ومتكررة لفترة طويلة من الوقت من قبل تلميذ ما تجاه تلميذ آخر، وشرط حدوث هذه السلوكيات هو وجود فرق في القوة بين التلاميذ. ورأى هوفر وآخرون Hoover & Others (1993) المشاغبة على انها الإساءة النفسية أو الجسدية الموجهة من قبل شخص ما أو مجموعة من الأشخاص تجاه شخص ما في مجموعة الأقران. والمشاغبة عند جاللوأي Galloway (1994) هي ممارسة الضغوط من قبل شخص ما أو مجموعة من الأشخاص تجاه شخص محدد في المجموعة.
ووصف زكريا الشربيني (1994) المشاغبة بالبلطجة والتنمر على الآخرين، حيث يكون الطفل المهاجم هنا لديه تلذذ بمشاهدة معاناة الشخص الضحية، وقد يسبب للضحية بعض الآلام الجسمية ومنها شد الشعر أو الأذن أو الملابس أو القرص. ونختلف هنا مع تلك الرؤية التي وصفت المشاغبة بالبلطجة، فالبلطجة تتضمن حمل الأسلحة وقد تتضمن القتل، وهذا ما يجعل مفهوم البلطجة بعيداً كل البعد عن المقصود بالمشاغبة. وأكد سميث وشاربSmith & Sharp (1994) على أن سلوك المشاغبة هو إساءة استخدام القوة بشكل منتظم ومتكرر تجاه الآخرين، كما أن التلميذ يصبح ضحية للمشاغبة من قبل أقرانه في المدرسة حينما يتعرض بشكل مستمر لسلوكيات وأفعال مؤذية منهم.
صفحة 7
وعرف رجبي Rigby (1996) سلوك المشاغبة بأنه التكرار المستمر للظلم والاضطهاد الجسدي والنفسي الموجه إلى شخص قليل الحيلة والقوة من قبل شخص أو مجموعة من الأشخاص الأكثر قوة، ويرى أن المشاغبة من الممكن أن تكون مشاغبة خبيثة Malign Bullying، وذلك عندما يستمتع المشاغب ويتلذذ بمشاغبته للآخرين، ويؤكد على أن المشاغبة ترتكز على نقاط رئيسة هي:
1- رغبة مبيتة ومقصودة للإيذاء.
2- سعي دائم لتحقيق هذه الرغبة.
3- إلحاق الألم والضرر بالآخرين.
4- فرق في القوة بين التلاميذ.
5- غياب عنصر الاستفزاز من قبل التلميذ الضحية.
6- سلوك نمطي متكرر.
والمشاغبة عند مارليز وآخرونMarlies et al. (1996) هي الإيذاء المستمر والمتكرر والهجوم على الآخرين ومضايقتهم، وهذه الهجمات والمضايقات تأخذ العديد من الأشكال وتشمل العديد من السلوكيات المختلفة. واتفق أعضاء هيئة التدريس في قسم التربية بجامعة فلوريدا F.D.E (1997) على أن سلوك المشاغبة هو شكل من العدوان يتمثل في قيام أحد الأشخاص بمضايقة وإزعاج وإيذاء شخص آخر بشكل مستمر ومتكرر، وهذا الإيذاء قد يكون نفسياً أو جسدياً. ولا يختلف بانكس Banks (1997) عن سابقيه إذ رأى أن سلوك المشاغبة هو تكرار ممارسة بعض السلوكيات السلبية المباشرة مثل الإغاظة والمضايقة والتوبيخ والسخرية والتهديد بالضرب أو بسرقة الممتلكات الخاصة، وتصدر هذه السلوكيات من قبل شخص أو مجموعة من الأشخاص تجاه شخص آخر يعرف بالضحية، وبالإضافة إلى هذه السلوكيات المباشرة فإن المشاغبة قد تأخذ أشكالاً غير مباشرة كخصام الضحية واستبعاده من مجموعة الأقران، ورأى ديهان Dehan (1997) أن سلوك المشاغبة هو مدى واسع من الإغاظة وسوء استخدام القوة الجسدية تجاه الآخرين من التلاميذ. وذكر ميشيل Michael (1997) أن " أولويس " Olweus (1978) عرف سلوك المشاغبة على أنه النية والقصد المتعمد لإيذاء شخص ما من خلال مجموعة منوعة من السلوكيات السلبية العدوانية الجسدية أو اللفظية أو الاجتماعية. وبهذا يكون قد أزال " أولويس " من البداية باعتباره أول من أشار لسلوك المشاغبة أي خلط بين سلوك المشاغبة والسلوكيات الأخرى التي ربما تعد مقبولة بين الأصدقاء والزملاء من باب الممازحة، فحدد المشاغبة بأنها نية مبيتة للإيذاء المتعمد الذي يهدف إلى إلحاق الأذى والضرر بالآخرين. ويتفق أتلس وبيبلر Atlas & Pepler (1998) على أن سلوك المشاغبة يشتمل على:
1- عدم توازن في القوة بين التلميذ المشاغب والتلميذ الضحية، وتتمثل هذه القوة إما في الحجم (قوة جسدية) أو في العمر (فارق في السن) أو قوة مكتسبة يكتسبها المشاغب من أقرانه في المدرسة من خلال تشجيعهم وموءا زرتهم له.
2- تكرار مستمر لأفعال سلبية يمارسها المشاغب على الضحية إلى درجة أن تصبح هذه الأفعال مزمنة (مستمرة لفترة طويلة جداً).
3- وجود نية وقصد لإيذاء شخص مستهدف يسمي الضحية.
4- سلوكيات عدوانية جسدية وإساءة لفظية ونشر شائعات سيئة عن الآخرين وخصامهم واستبعادهم من مجموعة الأقران أو عزلهم من مختلف الأنشطة.
ووصف بسوورث وآخرون Bosworth et al. (1999) المشاغبة على أنها مجموعة من السلوكيات العدوانية التي تمارس على شخص ما وتسبب له ألما نفسيا وجسدياً. ورأى ليود Lioyd (2000) سلوك المشاغبة على أنه سلوك متعمد ومقصود ومتكرر، عادة ما يبدأ في صورة المزح الهازل، وإلقاء النكت على الآخرين وممارسة بعض الألعاب الخشنة ضدهم، ومن ثم لا يلبث إلا وأن يصبح أكثر إيذاء للآخرين ليشمل إلقاء الألقاب والكنايات البذيئة عليهم والسخرية منهم وتكرار الهجوم عليهم كالدفع والركل والارتطام بهم.
صفحة 8
ولا نتفق هنا مع Lioyd، لأن المشاغبة لا تبدأ في صورة مزح هازل، فالمشاغبة يشترط فيها وجود نية مبيته للإيذاء فهي ليست ممازحة بين الأصدقاء فقد أكد كوى Coy (2001) على أن المشاغبة هي كل ما يفعله شخص ما أو يقوله بشكل متكرر بهدف اكتساب السلطة وفرض السيطرة والسيادة والهيمنة على شخص آخر، ويتضمن ذلك التهديد والتخويف والترهيب. ويذكر أن ايفا و ديلوين Eva & Delwyn (1992) وصفتا سلوك المشاغبة بأنه رغبة شعورية مقصودة لإيذاء شخص ما ووضعه تحت ضغط دائم ومستمر.
وفي عام 2001 حددت فوقية محمد مشاغبة الأقران في المدرسة على أنها مجموعة من السلوكيات العدوانية المتكررة التي يرتكبها تلميذ أو مجموعة من التلاميذ ضد تلميذ آخر أو مجموعة من التلاميذ (الضحايا) الذين لا يملكون القوة للدفاع عن أنفسهم، وتأخذ المشاغبة أشكالاً متعددة تشتمل على الهجمات الجسمية واللفظية والاستبعاد الاجتماعي. ويذهب مايو Mayo (2001) إلى أن سلوك المشاغبة هو نمط محدد من العدوان والذي فيه:
1- يكون السلوك بقصد الضرر أو الإزعاج.
2- يحدث هذا السلوك بشكل متكرر مع مرور الوقت.
3- يوجد فيه عدم توازن في القوة.
4- يمارس من قبل شخص أو مجموعة من الأشخاص الأكثر قوة على شخص أقل قوة.
ورأى كليتس وآخرون Cletus et al. (2002) أن سلوك المشاغبة هو أي شكل من أشكال الإساءة اللفظية أو الجسدية أو النفسية المتعمدة والمقصودة والمتكررة بهدف إلحاق الأذى والضرر والألم بالآخرين. واتفقت ليندا Linda (2002) مع سابقيها إذ تعرف المشاغبة على أنها التكرار المتعمد لاستخدام القوة تجاه الآخرين بقصد الإيذاء، وتشتمل المشاغبة على كم هائل من السلوكيات اللفظية والجسدية كالإغاظة والإساءة بأنواعها المختلفة. وذهب ألين Ellen (2003) إلى أن المشاغبة هي شكل من أشكال العنف بين الأشخاص، ولكن المشاغبة تتميز عن العنف والسلوك العدواني في حتمية وجود فرق في القوة بين المشاغب والضحية، كما أن سلوكيات المشاغبة تتميز بالتكرار والاستمرار لفترات طويلة بينما رأى إسماعيل بدر (2003) سلوك المشاغبة على أنه الرغبة في الأذى وفعل الأذى وتكرار الأذى والتمتع بإيقاع الأذى بالآخرين. واتفق بيتر وآخرون Peter et al. (2003) على أن المشاغبة هي شكل من أشكال السلوك العدواني تتميز بتكرار الاعتداء على ضحية مستهدف يعجز بسهولة عن الدفاع عن نفسه ومواجهة هذا الاعتداء المستمر والمتكرر. ويؤكد بوني Bonnie (2003) على أن المشاغبة هي تعرض تلميذ معين إلى سلسلة من الأفعال السلبية والمؤذية بصفة مستمرة ومتكررة طيلة الوقت من قبل تلميذ واحد أو مجموعة من التلاميذ مع عجز هذا الضحية عن الدفاع عن نفسه، وهذه السلوكيات إما جسدية أو لفظية أو مباشرة. ويرى دوروثي وسوسان Dorothy & Suysan (2003) أن المشاغبة هي عنف دائم ومستمر، جسدي أو لفظي، موجه من شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص إلى شخص يعجز عن مواجهتهم في مواقف المشاغبة.
ورأى دانيال Danial (2003) أن المشاغبة ليست صداماً أو لقاء عرضياً غير متوقع بين شخصين أو أكثر، وهي ليست إهانة بسيطة قصيرة الأجل كالتي يتعرض لها أي إنسان في حياته، وهي ليست استبعاد مؤقت لشخص ما من جماعته ورفاقه، بل إن المشاغبة هي إصرار وعزيمة على القيام بغارات مؤلمة ومهينة تجاه هدف محدد هو تلميذ بعينه في المدرسة دون سواه، وهي نموذج من الإساءة المستمرة تتطلب اختلافاً في القوة بين المشاغب والضحية، والمشاغبة هي عزل الضحية بطريقة منظمة ومحكمة بهدف تجريده من جميع أصدقائه وزملائه في المدرسة وإيصاله للدرجة التي يهرب منها الضحية من زملائه خجلا منهم. واتفقت سوسان مع ماركSusan & Mark (2003) على أن المشاغبة هي سلوك عدواني مقصود، يهدف إلى إلحاق الضرر بالآخرين ووضعهم تحت ضغط، وتحدث في العلاقات الاجتماعية التي ينعدم فيها التكافؤ الجسدي والقوى البدنية، والمشاغبة هي أي فعل علني يقوم به أحد التلاميذ أو مجموعة من التلاميذ ضد تلميذ آخر بقصد السخرية منه وإذلاله وتخويفه وتهديده، والمشاغبة هي أي تعليق لفظي أو كتابي أو أي فعل جسدي يهدف إلى أيلام الآخرين. ونختلف هنا أيضاً مع هذا الرأي في جزئيتين.
صفحة 9
الأولى هي حصر المشاغبة بالفعل العلني وإهمال الطبيعة الخفية والأفعال الأخرى التي لا تظهر للعيان، مع أن لها آثار قد تكون أكثر جرماً على الضحية، والجزئية الثانية هي وصف المشاغبة بالسلوك العدواني وهذا بعيد عن الصواب، فلفظ السلوك العدواني قد يفهم ضمنيا أنه موجه تجاه الذات وهذه احتمالية قائمة أما المشاغبة فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن توجه تجاه الذات. وأكد كاس وآخرون Kass et al. (2003) على أن المشاغبة ليست عراكاً جسدياً يحدث عادة عند مواقف الغضب بين الأقران، وليست وسيلة ممازحة بين الأصدقاء، ولكن المشاغبة هي سلوك إيذائي عدواني متعمد ومقصود يمارسه تلميذ أو مجموعة من التلاميذ لفترات طويلة جداً ضد تلميذ آخر أقل منهم في القوة الجسدية. ووصف فاي Faye (2003) المشاغبة بأنها نموذج من العدوان يظهر بين شخصين هما المشاغب والضحية مختلفين في القوة الجسدية أو النفسية، وتحدث المشاغبة في السياق الداخلي للعلاقات في مجموعة الأقران. بينما يرى كاثلين Kathleen (2003) أن المشاغبة هي مشكلة اجتماعية معقدة تتجلى بين الأفراد حينما يكون هناك فرق في القوة بينهم، وهي نتاج خلل في منظومة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، والمشاغبة تحديداً هي أن يصبح تلميذ معين هدفاً دائما للسخرية والإهانة من قبل أقرانه في المدرسة. واتفق كل من ميشيل وشريستين Michelle & Christine (2003) على أن سلوك المشاغبة هو سلوك إيذائي(جسدي أو لفظي أو غير مباشر)، يحدث بشكل متكرر لفترة طويلة من الوقت، ويوجه من قبل تلميذ أو مجموعة من التلاميذ إلى هدف محدد (تلميذ) قليل القوة الحيلة يسمي الضحية. وتؤكد وندي ودبرا Wendy & Debra (2003) على أن المشاغبة هي مشكلة في العلاقات الاجتماعية تتمثل في فرض السيطرة والقوة على الآخرين باستخدام العدوان، ويمكن تعريفها على أنها أفعال سلبية (لفظية أو جسدية) تمارس بقصد الإيذاء ووضع الضحية تحت حالة من الضغط، وتمتد هذه الأفعال لفترات طويلة، والفرق بين المشاغب والضحية في القوة هو جزء هام في دينامية المشاغبة.
وأشار ماركل وآخرون Marcle et al. (2004) إلى أن المشاغبة هي سلسلة من السلوكيات والأفعال السلبية المتكررة بصفة دائمة ومستمرة تمارس من قبل طفل واحد أو عدة أطفال بشكل موجه إلى طفل محدد قليل الحيلة.
ويؤكد كيث وآخرون Keith et al. (2004) على أن سلوك المشاغبة هو سلسلة من الأفعال السلبية والعدوانية والمؤذية عن طريق شخص أو أكثر ضد شخص آخر أو أكثر على مدار فترة طويلة من الوقت، وهو سلوك إيذائي مبني على عدم التوازن في القوة ويشتمل على العناصر التالية:
1- أن الشخص الذي يقوم بالمشاغبة لديه سلطة وقوة أكبر من الشخص الضحية.
2- أن سلوك المشاغبة غالباً ما يكون مرتباً ومنظماً وخفياً.
3- أن كل أفعال المشاغبة لها بعد انفعالي أو نفسي.
وفي دراسته الرائدة عام 2004 أكد هشام الخولي على أن المشاغبة إيذاء متكرر وليس لمرة واحدة للآخرين من خلال الهجوم والإيذاء البدني وجرح مشاعرهم، ورأى أن المشاغبة تحدث عن طريق شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص، كما أنها تقع في الفصل المدرسي أو في الطرقات أو في الملاعب أو في الطريق من وإلي المدرسة، كما أنها أيضا عملية غير متكافئة القوى، فالمشاغب دائما أقوى بدنيا وأكثر طلاقة لفظية من الضحية. إن المشاغبة هي أي تعبير لفظي أو كتابي، أو أي فعل جسدي، أو أي إيماءة أو إشارة، أو أي نموذج سلوكي آخر يكون الهدف منه إلحاق الأذى والضرر بشخص ما مستهدف أو بأشخاص آخرين مستهدفين. بينما أشار كل من كاثرين ودافيد Kathryn & David (2005) إلى أن المشاغبة هي إساءة لفظية أو نفسية أو جسدية غير مسبوقة بأي نوع من أنواع الاستفزاز تصدر من شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص تجاه مستهدف واحد أو مجموعة من المستهدفين.
ومن خلال عرض هذه المفاهيم السابقة التي تناولت سلوك المشاغبة يمكننا أن نستنتج منها نقطتين رئيستين هما:
أولاً: أجمع العديد من الباحثين إن لم يكن جميعهم على أن سلوك المشاغبة يقوم على ثلاث ركائز أساسية وهي:
القــــوة Power:
فلا مشاغبة بين شخصين متساويين في القوة (جسدية أو نفسية) لأن الشخص لا يصبح ضحية للمشاغبة إلا إذا كان عاجزاً تماماً عن أن يرد ظلم المعتدى واضطهاده له، أما إذا أظهر الضحية أية مقاومة للمعتدى فإن ذلك يخرج عن نطاق المشاغبة، ولا يقصد المؤلف بالقوة هنا فقط الضخامة أو العضلات أو حتى فارق السن بين المشاغب والضحية، ربما تكون هذه الأمور موجودة وربما تسهم بشكل أو بآخر في موقف المشاغبة ولكنها ليست قاصرة عليها، فهذه القوة من الممكن أن تتجسد في مهارة لغوية فائقة يعجز عنها الضحية، أو مكانة مادية أو اجتماعية يتمتع بها المشاغب دون الضحية، وفي ذلك يتفق كثير من الباحثين مثل رجبي Rigby (2003)، كيث وآخرون Keith et al. (2004)، هشام الخولي (2004).
التكــــرار Frequency:
ففعل المشاغبة ليس فعلا عارضاً أو فعلاً فردياً حدث صدفة أو بشكل عشوائي أو نتيجة موقف اجتماعي بين المشاغب والضحية توهجت فيه الأمزجة، وتسبب للمشاغب في نوع من الإحباط أدى للغضب فدفعه ذلك للاعتداء على الضحية، بل هو فعل متكرر ومزمن مستمر لفترة طويلة من الوقت، ويتفق في ذلك على سبيل المثال كل من ألين Ellen (2003)، وبوني Bonnie (2003).
النيـة المبيتـة للإيذاء Intent to harm:
فسلوك المشاغبة لا يحدث بين أصدقاء أو زملاء اختلفوا في وجهات النظر فتطاولوا على بعضهم بالألفاظ، وليس سلوكاً الهدف منه الممازحة أو التسلية بين الأقران، بل إن المشاغبة سلوك يسبقه قصد ونية مضمرة لإيذاء الآخرين المستهدفين وإيلامهم نفسيا وجسديا واجتماعياً.
ثانياً: اتفق بعض الباحثين على أن المشاغبة هي شكل من أشكال الإساءة الموجهة إلى الأطفال أو التلاميذ:
ولقد اعتدنا على سماع عبارة إساءة المعاملة وكان أول ما يتبادر إلى أذهاننا منذ الوهلة الأولي أن هذه الإساءة صادرة من أحد الوالدين أو كليهما أو من المعلم تجاه التلاميذ، ولكن الوضع هنا مختلف، فالإساءة صادرة من الأصدقاء (الأقران) وهذا ما دفع كثيراً من الباحثين أمثال كوسل وبيرى Kusel & Perry (1988)، وهودجس وبيرى Hodges & Perry (1996) إلى دراسة مشكلة المشاغبة تحت مسمي الإساءة للأقران Peer Abuse. وخلاصة القول فسلوك المشاغبة هو الإيذاء المنتظم والمتكرر في العلاقات الاجتماعية البينشخصية، فلا مشاغبة مع الذات ولا مع الجماد، ولكن المشاغبة تستلزم وجود شخصين على الأقل (مشاغب وضحية).
صفحة 10
الطبيعة الخفية للمشاغبة:
تنتعش المشاغبة في ثقافة السرية، لذا فهي تعتبر مشكلة خفية لأن ضحاياها لا يبوحون بمشكلاتهم لذويهم، اعتقادا منهم أن الحل في الكتمان، لأن كشف المشاغب أمام المدرسة ربما يزيد الطين بلة ويجعل المشاغب يستنفر جل طاقته انتقاما من الضحية، ونظراً لأن بعض التلاميذ أو الأطفال في سن المدرسة لديهم القدرة ويجيدون إخفاء مشاعرهم فإن الفرصة لا تسنح لذويهم للإطلاع على المشكلة إلا حينما يبدأ ابنهم فجأة في إظهار تذمره وعدم رغبته في الذهاب إلى المدرسة أو عندما يتظاهر ويحاول بكل الطرق تحاشي الذهاب إليها. إن معظم ضحايا سلوك المشاغبة يمتنعون عن إخبار أي أحد عنها، ففي الاستطلاع الذي طبق على بعض تلاميذ المرحلة الثانوية وجد أنه من بين 81% من التلاميذ ذكروا أنهم شاهدوا موقف مشاغبة أو تعرضوا لها. قام 21% فقط منهم بالإبلاغ عنها لراشد، وحوالي 30% منهم قد تجاهلوا الموقف تماما ولم يتخذوا أي موقف حيال المشاغبة، ونسبة مقاربة لتلك النسبة اعتقدت تماما انه لا يمكن وقف المشاغبة ولا توجد أية استراتيجية يمكن من خلالها التعامل مع المشاغبة. إن التلميذ ضحية سلوك المشاغبة يمتنع عن إخبار أي أحد عن ما يحدث له من قبل أقرانه في المدرسة نظراً لشعوره بالخجل والإحراج اللذين يمنعانه عن الإفصاح عن مأساته الدائمة، وهذا يكفل للمشاغب الاستمرار في مشاغبته بأمان، ومن الجدير بالذكر هنا أن عدم التوازن في القوى بين التلميذ المشاغب والتلميذ الضحية هو جزء من دينامية المشاغبة، وهذا يضمن عدم الإخبار عنها، كما توجد عدة أسباب تجعل التلاميذ الضحايا لا يخبرون معلميهم أو ذويهم عن ذلك، وهذه الأسباب معقدة ومركبة ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
1- يخاف التلاميذ ضحايا المشاغبة من تكرار البطش بهم حينما يكشفون المشاغب أمام المدرسة.
2- يعتقد التلاميذ ضحايا المشاغبة أن كشف المشاغب والإبلاغ عنه سيؤدى إلى عزلهم بشكل أكبر.
3- يأمل التلاميذ ضحايا المشاغبة في أن يحبهم المشاغب في يوم من الأيام نظير عدم البوح عنه.
4- يؤمن التلاميذ ضحايا المشاغبة بفكرة مؤداها أن المعلمين لا يستطيعون فعل شئ حيال المشاغبة لكي تتوقف.
5- لا يريد التلاميذ ضحايا المشاغبة إزعاج آبائهم.
6- يعتبر التلاميذ ضحايا المشاغبة الوشاية بالأقران أمراً سيئا وغير مقبول اجتماعياً.
7- يشعر التلاميذ ضحايا المشاغبة بأنه في نهاية المطاف سيلقي عليهم اللوم.
8- يخاف التلاميذ ضحايا المشاغبة من إخبار آبائهم لأنه ربما يصل ذلك إلى إدارة المدرسة وبالتالي ستصبح المشاغبة أكثر سوءاً.
هذا واتفق كل من ميشيل Michael (1996)، ونايرن وسميث Nairn & Smith (2002) وجاجر Jaeger (2003) على أن المعلم يسهم بشكل أو بآخر في أن تنتعش المشاغبة بصفة خفية، وذلك لأن بعض المعلمين لا يقدرون خطورة المشاغبة التي يعاني منها بعض التلاميذ في المدرسة، وبعضهم الآخر يقر بأنه غير مدرك لوجود هذا السلوك، وبعض آخر يجزم بأن ظاهرة سلوك المشاغبة ليست موجودة إطلاقاً وإن إدارة المدرسة مسيطرة على الوضع.