الإهداء
إلى تلك الأرض التي احتضنتني وأنا صغير،
وإلى أرواح أولئك الذين روضوا قير العجاب
فذرت الأرض بفضلهم الخير العميم..
وإلى فطاحل ڤير، شعراء الهجمة،
وأبطال هوبـي الموهوبين.
إلى الميلود ولد يعڤوب والطالب لعقيد.
1
يمر عليه ذاك الشريط أسود، ثقيلا، يسحقه حتّى النخاع، حتى لكأنّ شظايا بركان ملتهبة هزت دواخله.
لا يرغب في الذكرى، ولكنها تراوده، تخنقه حد الغرغرة، يعود من منفاه والطعنة التي تلقاها من سميرة، بعد طعنة عمه تدمي سويداه، ولولا أمه التي قطع وعدا على نفسه، بعد تلقيه خبر وفاتها المفاجئ، بأن يقف على قبرها قبل أن تجف سعفة النخيل، وإناء الماء اللذان وضعا على قبرها الطاهر، لما عاد إلى هذه البقعة كما كان يسميها.
تهادت مياه الواد تعانق سفح جبل المنقار، وأخذت تزحف شيئا فشيئا كأفعى نهمة تبحث عما تسكت به أمعاءها الباردة، تمتص الرمال بشره، وتأخذ بأعناق شجر الفرسيق، فتقذف بها إلى أعماق البطحاء، أما شجيرات القطف فقد غمرتها السيول، وأخذ الطمي يغطيها بشكل جنوني إلى أن اختفت تماما.
كان الواد في سنواته الأولى، وقبل أن يخنق جبروته سدّ جرف التربة، مخيفا حد الأساطير، فكان بمثابة الأسد الضاري الذي يأتي على كل شيء، صوته المدوي يبشر بقدومه من بعيد، ليعلن سلطته على الحي والميت.. واد قير، الذي أصبح جزءا من ذاكرة ذوي منيع، أضحى كذلك، هاجس الرهبة والرغبة في آن، لأنه مصدر رزق هؤلاء، وفي ذات الوقت قد يفاجئهم بأن يخطف منهم عزيزا، أو يحدث فاجعة. ولكن مع ذلك، فإن الفلاحين كانوا يربطون به مصيرهم، حين يهجم، كان يغمر الأرض، ولا يرضى بغير المرتفعات التي يتسلل إلى قممها كثعبان أعمى بديلا.. يحاصر الدور السكنية، فيسرع الناس إلى شراء حوائجهم خوفا على أنفسهم وعلى أبنائهم.. كان الواد في بداية قدومه مرهبا، بحيث يصعب التكهن بحدوده فقد كان يلامس الدور حتى ينتهيبحي الكاستور وبناية الحاج عيسى، فيصبح السوق الشعبـي هو الآخر في مواجهة هدير هذا القادم من الأطلس.
كانت المتعة تستمر أسابيع أو أياما، ثم سرعان ما تغور هذه المياه في جوف الأرض، نشعر نحن بالقنوط والكآبة، لأننا سنفتقد صورة البحر الذي قرأنا عنه فقط في كتب الجغرافيا، أو ما كان يحكي عنه المعلم زوزو، الذي لم يكن يحفظ من الأناشيد سوى نادي الرحيل بالفراق، هل بعده لقاء، وهو نشيد من المفترض أن يلقنه لتلامذته مع نهاية شهر ماي، إلا أن زوزو ولخلو وفاضه من أي زاد معرفي، فقد كان يستمر السنة كلها، وبدءا من شهر سبتمبر، في تجنيد التلاميذ المساكين في هز أركان القسم بهذا النشيد المأسوي، ولولا جهود معلمي القرآن ومعلمي الحساب لحدثت الكارثة مع زوزو الذي أكرمه تلامذته بهذا اللقب بعدما تلعثم وأخطأ في قراءة موضوع التلاوة: "زوزوة يصطاد السمك".
إلاّ أن بركا من الماء ستبقى راكدة لشهر أو يزيد بفعل الحفر التي تركها صانعو الطوب المخصص لبناء الدور، فيلتجأ الصغار كما الكبار للسباحة فيها، خاصة حين يكون الموسم صيفا.. استبشر الحاج منصور وثلة من أقرانه بخبر (الحملة)، بعد أن سمعوا أن قير "جابها من القاف إلى القاف"، لأنه جاء مع موسم الحرث، كان هؤلاء يقضون أوقاتا جميلة بعد صلاة العصر بالسوق الشعبـي المتواجد بالقرب من مقهى القائد الطيب، الذي يمثل ذاكرة أخرى في تاريخ الثورة التحريرية بالمنطقة، السوق يمثل للجميع منبرا لتبادل الآراء والأفكار، عن التاريخ، وعن الأيام الخوالي، وعن السهل وخيراته. كنت وأنا صغير، أتابع هذه الأحاديث، حين أرافق الوالد، أستمتع بها رواية، ومواقف، ولأنها كانت تجمع بين الجد والهزل، فقد كنت أحرص على أن لا أتخلف عن مثل هذه الحلقات.
أذكر أن الجماعة كانت تفضل كبار السن من أجل الحديث، وكانوا هم يكتفون بالسماع، تتشعب الروايات إلى تواريخ خلت، كحروب القبائل في ما بينها، والصراع على الماء وهلم جرا.. ولا تزال القصة التي رواها "امعمر لدريسي" وهو شيخ قارب القرن آنذاك، تزلزل كياني، بحيث شدت عيناي إلى الراوي، ومسكت "بسلهام" والدي غير مصدق.. كان ذلك عام "القفل"، حين هاجرت ثلة من أقوياء القبيلة وفرسانها، في اتجاه الساحل من أجل الحصول على الرزق والمال، أو ما كان يسمى بالسعي، وقد لاقوا الأهوال والصعاب، وحاصرهم الجوع، فمات منهم من مات، وبقي البعض حيث كان الرجل منهم ينحر جمله ويشرب ما حفظته أمعاؤه من ماء حتى يحافظ على حياته.
كانت مغامرة، أعاد فصولها هؤلاء الرجال الذين كنت أرى فيهم النموذج للقوة والجلد.
كان عمي العربـي، وهو رجل متدين يملك حانوتا متواضعا بهذا السوق وكان طيبا، وصاحب نكتةما جعل متجره يقصده الناس أكثر من غيره، وكان يتيح للجماعة التجمهر بالقرب من جدار متجره، ويتبرع عليهم بمشروبات باردة دون مقابل.
وكان يحضر هذه الجلسات الحميمية التي يغلب عليها الاستئناس بالماضي، وذكر وقائع فحول شعراء القبيلة مع غيرهم من الغنانمة وأولاد جرير، الشيخ مسعود، وهو رجل قوي البنية مفتول العضلات، له عينان صادمتان، كان شاعرا فحلا يستحضر القصيدة في حينها، ويرتجل بحسب رغبة الحضور، فقد كانوا يطلبون منه قول شعر عن فلان أو فلان، وغالبا ما يكون تعريضا، أو استهزاء، فيلبـي، فتأتي القصيدة مسبوكة وكأنه
رسام.
تستمر جلسات هؤلاء الرجال بهذا السوق، يتذكرون أحوال البلاد والعباد، يعرفون في حينها من مات ومن مرض وحتى من طلق أو تزوج، وكانوا في ذات الوقت يمثلون الجماعة التي تصلح بين المتخاصمين، أوتواسي من وقع له مكروه.
يستعدالرجال لموسم الحرث وقد صقلوا محارثهم، وانتقوا الدواب من جمال وأحصنة وحتى البغال والحمير، استعدادا لموسم خيرإذ لن يتأخر قير العجاب في مدهم بالقناطر المقنطرة من شعير وقمح "قيري" سيملأ الغراير ثم يدفن ما تبقى منه في خواب آمنة يستنجد بها أيام الشدة.
تفقد الحاج منصور المضمد والمحراث، واختار للمرة الثانية لدهم حصانهالذي حرث به أرضه الكائنة بالسويهلة العام الفائت، وقد درت عليه خيرا كثيرا ومن ثم قرر أن يعيد به الكرة، إذا ما جاء الغيث قابلا.
تمتد أرض السهل على مد البصر بعد أن تختفي المياه التي غمرته، وبعد أن يسكن الواد، ويهدأ روعه، تعود الحركة من جديد، وتعانق الأرض ثانية رجالا كالأسود، شمروا على سواعدهم الصلبة، والتحموا بها في وله صبياني، وقد ذابوا في حبيباتها، إنها جزء منهم منذ أمدطويل، تذوقوا تربتها الندية كما يتذوقون لذيذ الطعام وبكوها دموعا حرى حين كانت تعجز عن مدهم بالعطاء، فتغدر بهم مكرهة، أما عطوفا جف ثديها، فاستسلمت للقدر المحتوم.
وهي تتشقق مستسلمة لمحراث أحكم صاحبه شده، ورسم به خطوطا متناسقة أخفت الحبوب تباعا لتواريها الأسفل.
كانت الأرض تفوح منها رائحة ندى مبللة بمياه تخمرت مع تربة طينية رخوة، سهلت مهمة المحراث الذي أضحى في يد الحاج منصور طيعا كقلم فقيه على لوحة ملساء.
يمر اليوم رائعا، وقد علا المكان دخان عانق السماء في هدوء، امتزجت رائحته بعبق الأرض، حيث النساء أسرعن إلى حرق ما يعترض الرجال من أشجار وأعشاب طفيلية كبقايا "عماية" أو "قطف" بعد أن ينصبن برقية الشاي على أثافي صلبة، تحتها جمر حي من طلح مصفّى، يعود إلى ارتشافه الرجال متى أحسوا بالتعب وهم يقلبون الأرض ويدسون في رحمها حبوب الخير. كان الحاج منصور معلقا بمحراثه الذي أضحى لامعا من شدة غوصه في الأرض، تحيط به هالة من الاطمئنان وكأنه شاب في العشرين خاصة حين يفسح الفرصة لبصره.. يمسح "الولجة" فينطلق خياله في التفكير في ما ستمده به ولأسرته من عطاء.
لم يكن يرضى بغير ثلاثة كؤوس"مشحرة" يكرم بها رأسه مع خبزة شعير قيري مرفوسة بتمر الحميرة ودهان حر، يلتهمها في ثوان، ثم يعود إلى المحراث وهو يدندن:
باسم الله بها ابدينا
والصلاة على نبينا
ارحيم ارحم والدينا
قولوا باسم الله.
تعاود امبارك الماصة الذكرى، وكأنه يعيش اللحظة، يقف أمامه قير كالطود، تتهاوى كل الأساطير، وتتجلى الحقيقة، قير يمثل له أحلام قرون، وزمنا لا يشيخ، هو في ذاكرته.. يختزل ألف سؤال وسؤال، هذا السهل المترامي الأطراف، الساكن في عمقه كما في عمق هذه الحدبان والوديان.
كان قصة رواها الأجداد، وامتص رحيقها صبيان القبيلة في ما بعد.
يصمت أحيانا، وقد يغيب كالذي يبحث عن سر ضيعه، وهو الذي ما فتئ يقنع جماعته بأن ذاكرته لا تزال ندية، وقد ينافس بها الشباب.
2
روى ما لقنه أبوه عن جدهم الأول عن بطولة قومه وفروسيتهم، وصدهم لقبائل غازية طامعة في أرضهم السخيةالتي تهاب عبورهاالقوافل، وكانت المياه تغمرها ما جعل النباتات الطفيلية تلتف على الأرض ولا تترك للسالكين سبيلا.
جاءوا زاحفين من عمق الجنوب، عرب من المعقل، سحنتهم كأهل اليمن السعيد، استقروا بعد أن أجفلوا من لا يجابه السيف والحديد، فطاب لهم المقام، وروضوا قير (العجاب)، أهل سيف وشعر وخيام من وبر مصفى سابحات على مد البصر، كرماء أعفاء، سمر المحيا، وعلى الرؤوس "رزز"مكممة، مشدودة بإحكام، وعلى العباءات أحزمة أسفلها يماني مصقول، يقطر من جنباته موت زعاف، وحول الخيام خير كثير، من إبل وأغنام، وأسلاق صيد بخفة الريح.
طاردوا بربر الغرب الطامعين، وأحدثوا فيهم ما صارت نساؤهم تخفن به صبيتهن كلما طار عن جفونهم الكرى، يتوزعون على أخماس خمسة في نظام غاية في الدقة.
يضيف أن قومه كانوا أهل فروسية، اعترفت لهم بها قبائل الجنوب، وقد زادت بعد أن أطل الاستعمار برأسه غازيا. شدوا الرحال لنصرة الشيخ بوعمامة، ونكلوا بالدخلاء في موقعة المنقار.
هز لحديبـي رأسه، وقد أثقلته تسعون سنة ظل يئن تحت وطأتها جسمه المتبدد مقاطعا الماصة خوفا من أن تهرب الفكرة من دماغه مضيفا.
- ولا يجب أن تنسوا ياجماعة ما قام به "ولد بوزيد"في 1928، فقد قضى على الجنرال "كلا فري" وهو يعبر شرق قير رفقة ابنه ومساعديه، وما أحدث ذلك في نفوس الفرنسيين، ومن ثم تيقنوا من أن المنطقة أخطر مما يتصورون.
ثم يسترسل، وقد استقام في جلسته، عن بلقاسم الشهيد الذي أدخل الرعب في قلوب الغزاة بعد معركة دامية استمرت ليوم بالقرب من "الكرطى"، وكاد "عوج الفم"و"لرقط"أن يخرجا عن صوابهما لشجاعة هذا الشاب وزملائه، فطلبوا النجدة بشكل زائد وقد انتقموا.
نتذكر صورته مضرجا بالدماء، وقد وضعوه أمام الناس تشفيا لكن زغاريد النسوة ولفه بالعلم الوطني رغما عنهم أحال المشهد عرسا، وبهت عوج الفم الذي صار يرغي كثور مطعون، حاول تمزيق بدلته العسكرية والتفت للناس شاتما، ولكن صوته المبحوح تلاشى كسراب في غناء جماعي للنساء اللواتي لفت خواصرهن أردية سوداء، غناء مزجن فيه بين الحزن والفرح، وظللن يترنمن به حتى وصل إلى كل بيت، وصار هو رمزا للمجاهدين، وطيفا مخيفا يطارد الفرنسيين ليل نهار.
كان بلقاسم شابا وسيما، اختار أن يسيل دمه فداءًا للوطن، متحمسا إلى درجة التحدي، ما جعل ثلة من شباب قير تحذو حذوه.
أضاف لمقدم التهامي:
- لقد دفع الأهالي أعز ما يملكون، فإلى جانب الأرواح، فقدنكل بهم بأن أحرقت مواشيهم وإبلهم بطائرات مقنبلة أتت على الأخضر واليابس، وبعد أن ضاقت بهم السبل، جمعوا السكان قسرا بحي الكرطي أين توجد مكاتبهم قصد عزلهم عن الثوار، وذكرهم بالشيخ امحمد.
قالوا ترحلوا من غدوة
شيء حد قاع لا يتلى
صبحت خيامهم تطوى
تمشوا تجاورو القبطان.
3
كنت أقف كثيرا بجانب الفلاحين وهم يرددون هذه الأزجال، وكم تمنيت أن أكون بينهم أحمل منجلا واهوى على رقاب تلك السنابل الصامدة صمود هؤلاء الرجال، فأسقطها أرضا وأتمرغ على حباتها العامرة، أقبلها واحدة واحدة، وأرفع يدي إلى السماء كما كان يفعل والدي، وأطلب من الخالق أن يحي هذه الأرض. تمنيت ذلك كثيرا، وقد فعلتها ذات يوم، عندما استراح القوم لأخذ لقمة تضيف لهم طاقة العمل إلى ما بعد صلاة العصر، بحيث امتدت يداي إلى أحد المناجل المصقولة، وتسللت إلى الحصيد، وبدأت أقوم بتقليد الرجال، وأنا أردد بعضا من أهازيج حفظتها عن ظهر قلب، فيأتي أحدهم وينتزعه مني زاجرا.. ولكن مع ذلك لم أكن أقلق من هذا الصنيع لأنني متأكد أن عملا كهذا ليس سهلا، وأنه ما خلق إلا لرجال كهؤلاء، برزت صدورهم كأسود نهمة.. كان الرجل منهم يحمل لوحده شبكة الحصيد فيرميها على ظهر الحمار الذي يفقد توازنه لتوه، ولا يستقيم إلا بعد مساعدته من قبل صاحبه، بحيث يظل يترنح إلى أن يصل مكان "النوادر" فيرمي بالشبكة هناك، كنت أرافق والدي إلى عمق السهل حين يجيء الموسم، كان قويا، وكانت إرادته فولاذية، الأرض بالنسبة له هي كل شيء وأمي لم تكن أقل منه جهدا.
ينحني الحصادون صفاواحدا ومناجلهم الصلبة لا تبرح أيديهم العطشى إلى قطف رقاب هذه السنابل، وقد وضعوا على رؤوسهم مظلات من سعف نخيل كانت تصنعهن لهم خصيصا عجائز قدمن من واد الساورة "للتصياف"فيجمعن السنابل المهملة بعد انتهاء عملية الحصاد، وقد نصبن لأنفسهن مأوى من أخشاب "الاثل والفرسيق"، وكان الفلاحون يتبرعون عليهن بالمزيد بعد انتهاء العملية، يشرع الرجال في العملية مرددين أهازيجهم الجميلة:
زرعي ياعوج الرقاب
وحمات عليك القايلة
نبغي لك سربة أرجال
تمشي وتجي كيف أجمال
غا بمناجلها طائبة.
ثم يرد عليهم آخرون وقد سووا مظلاتهم التي صارت متآكلة بفعل حرارة الشمس:
سايروسايرو
سايرو بالمهل عليكم
الحصادة شكون مولاي علي فيكم.
أنهى الحاج منصور رفقة أبناء عمومته عملية الحصاد مع نهاية شهر ماي، جلس بجانب آخر شبكة ملأها من شعير خالص، وتأمل أرضه وكأنه يودعها، أو أحس أن السد الذي يتحدث عنه الناس هذه الأيام سوف يقهر إرادتهم، بل ويضمر عضلاتهم التي خلقت للأرض ولرفع التحدي. مسح على وجهه وأزال بقايا غبار ترسب خلف أذنيه، وقد بدأ يصدق أن العام القادم سوف لن يكون كسابقيه.
أذكر أن شبر الأرض كان غاليا، وكان كل فلاح يخط حدوده بحجر، أو بغصن شجرة يابس، وكثيرا ما وقعت منازعات حادة أدت بالرجال إلى التصادم، والاقتتال، لأن أحدهم قد تجاوز حدوده المرسومة، فدفع ثمن هذا الخطأ معركة قد يشترك فيها الكثيرون.. لكن هذا لم يكن يحدث إلا نادرا، لأن الصلح كان سباقا قبل استفحال الخطر. ومما أذكره أيضا، أن أمي قد دفعت الثمن عندما تسرب خروف من القطيع إلى أرض أحد الفلاحين، مع أنه لم تكن بها سوى حشائش طفيلية يابسة، فلما أبصرها هجم عليها كالأسد الضاري، وكاد أن يرفعها من على الأرض ليرميها بعيدا، لولا أنها استدركت الموقف وولت الأدبار.
كان سهل قير يوحي بزمن لم نكن نتصور أنه سيزول، كانت الحياة بسيطة، وكانت الأرض تبشر بعطاء سرمدي.. كنا صغارا، ولكن عقولنا كانت كبيرة، آمالنا كانت بيضاء، بياض ذلك اللبن الذي تذره تلك القطعان الموزعة على امتداد السهل، سخية سخاء واد قير الذي رسم على محيا مدينتي الصغيرة فرحا لا يزول، ورسم على عينيها النائمتين بهاء اللحظة.
كنا حين نسمع بقدومه، تصيبنا قشعريرة ممزوجة بالخوف والحبور، فقد يفاجأ من كان في عمق السهل أو في عرض البطحاء، فلا نسمع إلا نعيهم، وقد تداولتهم الألسنة، وزاد السمار بشأنهم في نسج الروايات.
هذه المرة، شاركت الرجال وهم يذرون القمح والشعير، بعد أن كدسوه فوق أرض صلبة، ودكوه بقوة بمعية أحصنة وبغال قوية، ما جعل الحبوب تتحرر مما علق بها من تبن وبرسيم، وقد كان الفلاحون يتحينون الفرصة مع كل هبة ريح، فتشرع السواعد في رفع كميات الحب المتماسكة مع التبن وغيره إلى الأعلى بواسطة المدرة وهم يرددون بصوت عال يزيد من تشجيعهم على مواصلة الذرو:
يا هبوب ياهبوب
أدي التبن وخلي لحبوب
هاذا النادر فيه وفيه
يا ربـي قوي ما فيه
هبـي ياريح البركة هبـي وزيدي
راه أعشاك الليلة عند لكريم سيدي.