صفحة 1
(1)
بدأ حميد يفتح حزامه الجلدي العريض بعد أن انتزع منه الخنجر المفضض، ثم ألقاه على سريره المصنوع من جريد النخل· ورفع العقال والشماغ من فوق رأسه ورماهما فوق السرير أيضاً، تنفس بارتياح بعد ذلك وهو يجلس على الأرض فوق سجادة صوفية بهت بريق الوانها من الوسخ والقدم·
ودلفت حسنة وراءه الى الغرفة وهي تسأله :
- أتريد فطورك؟
هز رأسه بالإيجاب ثم اتكأ على الحائط، فانهال التراب متساقطاً، ولكن الحصيرة المعلقة على الحائط منعته من التساقط فوق السجادة·
سألها بأجهاد :
- ماذا عندك؛
- بيضة واحدة· وجدتها في القن قبل قليل·
- احتفظي بها للأولاد، هات لي شاياً وخبزاً فقط·
فأوضحت له حسنة قائلة :
- لقد أفطر الأولاد خبزاً وزبداً وخرجوا، عباس وكامل الى المدرسة ونجية الى السوق·
ثم أضافت :
- أنت سهران ومتعب وبحاجة الى ما يقيم أودك·
أخذ يمسد بيده على لحيته الكثة وهو يقول :
- حسناً، ولكن بسرعة·
وسحبت حسنة جسدها الصغير وخرجت متجهة الى السقيفة الواقعة في زاوية من الدار حيث يخزن الحطب المكون من سعف النخيل وفضلات الحيوانات· استخرجت الطباخ النفطي وأشعلته· ثم بدأت بقلي البيضة·
كانت حسنة سمراء وناعمة· جف لحمها ولم يبق من جسدها غير هيكل صغير شاحب· حدث لها ذلك بعد أن أصيبت بنزلة صدرية منذ سنوات وكانت في رحلة الى قريتها أبو هاون الواقعة في منتصف الطريق بين الشطرة والرفاعي وعلى الضفة اليسرى من نهر الغراف· وقد مكثت في مستشفى المدينة ثلاثة أسابيع خرجت بعدها وقد انتزع المرض منها كل علامات الشباب والبهاء وتركها هكذا ضامرة لا تقوى على أداء عمل·
صفحة 2
وضعت الطعام أمام زوجها، فحمل الصحن وسكب البيضة المقلية في رغيف الخبز ثم لفه وأخذ يقضمه بسرعة واشتهاء·
تقع دار حميد في زقاق يتفرع من الشارع العريض الممتد بين المستشفى ومنطقة الروف(ü) حيث المقابر وضريح المجاهيل الذي يرتاده سكان المدينة والقرى المحيطة بها ويقدمون له النذور·
وكان الزقاق يعمر بالبيوت الطينية الواطئة· وجل سكانه من المهاجرين الذين تركوا حقولهم وقراهم وانغمسوا في عالم المدينة حيث عملوا فراشين وجنوداً ورجال شرطة وحراساً ليليين وخدماً في البيوت والمستشفيات وعمالا في البناء الى آخر هذه الحرف الصغيرة التي لا يقدم عليها سكان المدينة الأصليون·
في دار حميد غرفة واحدة، جدرانها الطينية غطيت من الأسفل بحصران من خوص النخيل حتى تمنع التراب من التساقط، وقد سقفت بجذوع النخيل المغطاة بالبواري(ü)·
ويستقر في كل ركن من الغرفة سرير من جريد النخل، الأول للأب والأم، أما الثاني فلعباس وكامل، وتنام نجية في وسط الغرفة إذ لا مكان لسرير ثالث فيها·
وفي مواجهة الباب وضعت منضدة لها جاروران كبيران دست فيهما بعض الحلى الفضية والملابس النظيفة· وفوقها نضدت بعض السجاجيد الجنوبية المزركشة التي لا تستعمل الا في حالات قدوم الضيوف·
أما جدران الغرفة فقد زينت بصور للحسين والعباس وهما يقارعان خصومهما وعلى رأسهم الشمر بن ذي الجوشن· كما أن هناك صوراً أخرى لبعض المراقد المقدسة أُلصقتْ على الحصران بالعجين·
وكان حميد يمنع أولاده من تعليق أيّ صورة لامرأة من تلك التي تحفل بها المجلات الملونة التي يلف بها الشاي والسكر والملح وغيرها من اللوازم التي يبتاعونها من دكان حمد الواقع في رأس الزقاق·
وفي باحة البيت غرس حميد نخلة، وأحاطها بحوض صغير ليتسنى له سقيها، ويحفظها من عبث الدجاجات اللواتي ينتشرن في البيت سياج من الأسلاك·
- أتريد الشاي؟
أجابها مسرعاً·
- ماذا تنتظرين؟
وبعد أن شرب ثلاثة أقداح متتالية تجشأ ثم ربت على صدره علامة الرضى، ونهض باتجاه المغسلة التي كانت عبارة عن صفيحة ذات صنبور، وحوضها حفرة صغيرة ترش في باحة البيت كلما امتلأت بالماء·
واغتسل مسرعاً ثم عاد الى الغرفة ثانية· وقال لزوجته بصوت آمر:
- سأنام بعض الوقت قبل أن يعود عباس وكامل من المدرسة·
وتمتمت حسنة:
- أمرك·
وكانت تجمع الأواني التي تناول فطوره فيها لتخرج بها·
صفحة 3
- أين نجية؟
- أخبرتك أنها ذهبت الى السوق
- وحدها؟
- لا، مع غالية·
وتمتم ببطء :
- من حسن الحظ أن لك هذه البنت·
- انها يدي ا ليمنى يا أبا عباس·
- وإن تزوجت فلن يبقى أحد يعتني بنا وأنت في مثل هذه الحال·
وعلقت بألم :
- الله كريم· انه لا يقطع بعباده وستتحسن صحتي·
واستلقى حميد على سريره· أما حسنة فقد حملت الأواني خارج الغرفة ثم عادت وجلست على حافة السرير وهي تمسك بمروحة يدوية مصنوعة من سعف النخيل وبدأت تنش الذباب عن وجهه حتى غفا وغاص في نومة عميقة·
أخذت حزامه الملقى بجانبه وعلقته ثم أخفت الخنجر في صندوق خشبي وضع تحت السرير حتى لا يصبح في متناول أحد·
خرجت حسنة بعد ذلك لتتفقد شؤون بيتها· وبدأت بوعاء العجين إذ تحسسته بأطراف أصابعها بعد أن أزاحت عنه الدثار السميك· وعندما وجدته على وشك الاختمار عجنته ثانية بساعديها الهزيلين وهي تلهث وتسعل أثناء العمل وكأنها تزحزح صخرة تفوقها حجماً· وبعد أن أنهت عملها دثرت العجين ثانية واتجهت الى التنور ووضعت فيه حزمة من الحطب واشعلته فهب اللهب عالياً وبلسان طويل له ذؤابات من الدخان· تركته وانشغلت بتنظيف باحة البيت من فضلات الدجاج والتمر المتساقط من عذوق النخلة·
لقد اعتادت حسنة هذه الأعمال اليومية· وفي فترة شبابها الأولى كانت تؤديها بحماس وقوة حيث كانت يومذاك عروساً ناعمة ريانة الوجه، حملها حميد من القرية وجاء بها الى الناصرية ليتنقل بين المهن الصغيرة حتى انتهى به المطاف حارساً ليلياً يجوب أزقة المدينة وشوارعها المظلمة ليطرد عنها اللصوص الزاحفين من القرى القريبة·
كان ذلك منذ عشرين عاماً· ويومها لم تكن الناصرية الا ثكنة كبيرة ومسجداً بناهما ناصر الأشقر لجنوده واتباعه لصد غزوات العشائر المنددة·
سمعت حسنة صوت طرقات على الباب فألقت بالمكنسة وذهبت لتفتحه وطالعها وجه زكية حيث حيتها وهي تدلف مسرعة داخل البيت لاهثة من صفيحة الماء التي كانت تحملها على رأسها·
- أين أضعه؟
فردت عليها حسنة :
- في الحِبْ·
ثم أضافت :
- الله يساعدك·
صفحة 4
وبخفة حملت زكية صفيحة الماء من فوق رأسها وسكبتها في الحِبْ· وبعد أن انتهت من ذلك وضعت الصفيحة على الأرض وجلست لتسترد أنفاسها·
كانت زكية أرملة مات زوجها بالسل وبقيت وحيدة لا أحد يعيلها فأخذت تعمل بحمل صفائح الماء من النهر الى بيوت الزقاق لقاء أجر زهيد يعينها على دفع ايجار الغرفة من بيت غالية وشراء أقراص الخبز والخضروات أحياناً·
- هل أنت جائعة ؟
وقبل أن تسمع جوابها دخلت حسنة الى الغرفة وجلبت حفنة من التمر ورغيفاً من الخبز وضعتهما أمامها وهي تضيف :
- كلي· لا بد وأنك جائعة·
وتمتت زكية:
- الله يطيل عمرك يا أم عباس ويخرجك من شدتك ومرضك·
- الله يسمع منك·
- دعاء غريب لغريب·
وعندما انتهت من تناول طعامها· قالت لها حسنة :
- هات صفيحتين بعد· أبو عباس يريد أن يغسل جلده·
- أمرك· ولكن بعد أن انتهي من بيت الشيخ علي·
واضافت حسنة وكأنها تذكرت شيئاً :
- يقول الشيخ علي أن الحكومة ستأتينا بحنفيات الماء· كل بيت له حنفية·
وأجابت زكية بحرقة :
- وسينقطع رزقي يومذاك·
ثم ضحكت وهي تردف :
- لكن عين الله لا تنام وهي ترعى المقطوعين أمثالي·
وتوقفتا عن مواصلة الحديث عند دخول نجية وهي تحمل مشترياتها في قفة فوق رأسها·
وكانت نجية قصيرة وسمراء مثل أمها الا أنها كانت ممتلئة تفور بالشباب والفتنة·
وبعد أن حيتهما دلفت الى الغرفة وضعت قفتها وخرجت من جديد وهي تتمتم:
- الجو نار هذا اليوم·
ثم أضافت :
- درت كل السوق لأجد سمكة مناسبة· أعطيت ربع دينار لواحدة بطول الذراع فلم يقبل السماك·
ورددت زكية :
- الله يساعد الفقراء·
ثم استأذنت بالخروج·
قالت حسنة :
- ماما نجية، العجين على وشك أن يتلف، أخبزيه قبل كل شيء·
- حاضر·
- وأنا سأدخل لأنش الذباب عن وجه أبيك·
صفحة 5
(2)
قال عباس :
- أخذت خمساً وتسعين بالانكليزي·
أطلق كلمته وهو يلوك قطعة من الخبز الحار في فمه بتلذذ بعد أن غمسها في الأدام· وكان الزهو يرتسم على وجهه الأسمر المائل الى الامتلاء حيث تفوح ملامحه بالرجولة التي تجعله يبدو أكبر من عمره الذي يدنو من الأربعة عشر· يتأمله حميد بفرح ثم يلتفت الى حسنة هامساً:
- لا أصدق بأنهما سيكبران ويصبحان موظفين وأرتاح من الحراسة والسهر·
فانتبه كامل الى كلام والده وأمنيته وقال :
- سأدرس حتى أنجح وأشتري لأمي الدواء·
وكان كامل أصغر من أخيه بعام· وكانت حسنة تعلن :
- ما أن اغتسلت من الأربعين حتى حملت بكامل أما نجية فقد انقطعت عن الانجاب بعد ولادتها ثلاث سنوات تقريباً حيث اشتد علي المرض· وقد قصدت مرقد الحسين والعباس والكاظميين ونذرت النذور لهم وللمجاهيل وسيد خضير وفوادة أم هاشم(ü) وكتب لي الشيخ علي الله يطيل عمره عشرات الأدعية ولكن لا فائدة، له بها ارادة، جل جلاله، ثم حملت بعباس، الله لم يكسر بخاطري·
كان عباس يشبه والده تقريباً، السمرة الداكنة نفسها والأنف الطويل، وكذلك الجبين الواسع والوجه العريض· أما كامل فوجهه يميل الى الطول وبشرته أفتح، كما أنه مميز بحنك طويل كان عباس كثيراً ما يثيره عندما يجعل من طوله مادة للتندر·
أما نجية فكانت تمضغ طعامها بصمت دون أن تجد الرغبة لمشاركتهم الحديث فقد كانت متعبة لكثرة الأعمال التي أدتها، ولكنها سعيدة بوجودها في هذه العائلة الهانئة التي تعيش في بحبوحة ورضى قياساً الى العوائل الأخرى التي يضمها الزقاق· فقد كانت الحبوب والسمن تأتيها من أبناء أخ حميد الذين لم يلحقوا بعمهم في المدينة وظلوا في قريتهم مع أولادهم ومواشيهم·
نطق كامل :
- بابا، اريد أن آخبرك عن عباس·
وهب عباس قائلاً :
- بماذا تخبره؟
- لقد تشاجر مع أحد الطلاب وضربه على رأسه بالمسطرة فأرسل عليه المدير ووبخه·
وانتبه حميد لما قاله كامل حيث سأل عباساً:
- أصحيح هذا؟
فعض عباس على شفته وهو يتأمل أخاه متوعداً· لكن الأم بادرته معاتبة:
- كم مرة أوصيناك بأن لا تتشاجر مع الطلاب؟
- لقد شتمني ومزق دفتري·
صفحة 6
وهنا تدخل الأب مردداً بغضب :
- في مثل هذه الحالة أخبر المعلم بالموضوع·
- المعلم لا يعاقبه لأن والده غني
وكان رد عباس قاطعاً رغم كل ما فيه من افتعال· صمت الوالد مدارياً انفعاله· وقطع تساؤلاته مع ابنه· وعادت يده لتثلم رغيف الخبز·
قالت الأم :
- بعد سنة أو سنتين ستتوظفان أنت وأخوك ونصبح أغنياء، الأغنياء لم ينزلوا من بطون امهاتهم وهم كذلك، دع والدك يحدثك عن أغنياء المدينة وماذا كانوا قبل أن يغتنوا، انه يعرفهم واحداً واحداً· من كان يبيع الجلود، ومن كان مهرباً، ومن ومن · نحن ناس أشراف يا ولدي، والله أعلم بحالنا، نصوم رمضان ونؤدي الصلاة في أوقاتها·
وردد عباس بغضب :
- ولكن لماذا يخبركم بذلك؟ هل هو جاسوس علي؟
- أخبرتهم حتى لا تتشاجر بعد·
وكز عباس على أسنانه وهو يعلن متوعداً :
- سأضرب من يضربني حتى لو كان ابن مدير الشرطة، أفهمت؟ لا أرضى ان يهينني أحد·
وكان حميد يراقب ثورة ابنه ففرح لها في قلبه، ولكنه لم يفصح عن فرحته بل واصل موقفه الحازم، ربت على كتف ابنه قائلاً :
- ليس هناك أحد من أهلك يرتضى الاهانة· ولكن يا ولدي لا تنفعل· تصرف بهدوء· نحن ناس بسطاء وعلى قدر حالنا، ماذا نفعل لو طردوك من المدرسة؟
ثم قبل ابنه على خده· وعادوا الى طعامهم· وملأت الأم طاسة باللبن· قدمتها لعباس· فتناولها منها ثم كرعها دفعة واحدة، مما جعل الأم تردد:
- هنيئاً·
بعد ذلك نهض معلناً·
- سأقرأ قليلاً ثم أخرج لألعب مع أصدقائي·
- وأنا سأكتب، لدي موضوع في الانشاء·
وجمعت نجية الصحون الفارغة، ثم رفعت سفرة الطعام المصنوعة من خوص النخيل وخرجت· آنذاك التفتت حسنة الى زوجها هامسة :
- في رأيي يا أبا عباس أن نعطيها لأم هاتف· ان هاتف شاب طيب وبيده مهنة، وأجرته دينار لكل يوم، والبناء له مستقبل، والناصرية تتوسع يوماً بعد يوم·
وردد حميد بحيرة :
- لا أدري ماذا أقول، ولكن اخواني وأبناء عشيرتي في أبي هاون لا يرتضون باعطائها لشخص غريب، ولديهم أولاد شبان لا ينقصهم شيء· كيف أقنعهم؟
أجابته حسنة بصوتها المتعب المريض :
صفحة 7
- أقنعهم بأن البنت نشأت في المدينة، وحرام أن تتزوج وتعيش في القرى، انها حياة قاسية لم تعتدها من قبل وللحياة في المدينة طابع أسهل بكثير·
وعاد صوت حميد الى الترديد بنفس حيرته:
- ولكنهم لا يفهمون هذا التبرير ولا يقتنعون به مطلقاً، وإذا ما زوجتها دون علمهم ستكون مصيبة·
- ابن عمكم الشيخ علي معك، ويؤيد زواجها من هاتف، دعه يسافر الى القرية ويعرض عليهم الموضوع وسيقنعهم برأينا· ان كلمته مسموعة بينهم ولا أحد يعترض عليها·
وصفن حميد مفكراً، ثم قال وكأنه تذكر شيئاً :
- وهل تعرفين كم سيدفع لها؟
واستنكرت حسنة سؤاله فقالت :
- وهل هي بقرة؟
- ليس هذا ما أقصده، ولكن هذه مسألة حق·
فكرت حسنة قليلاً ثم نطقت :
- ربما سيدفع خمسين أو أكثر·
وعلق بهدوء :
- الله يعلم بأنني لا طمع لي في مهرها· حرام علي لبن أمي ان فكرت بذلك·
- أنصحك بمفاتحة الشيخ علي برأيي·
وهنا نهض حميد وهو يقول :
- خير البر عاجله· سأذهب اليه الآن·
تقع دار الشيخ علي في مواجهة دار حميد ولا تفصل بينهما الا بضع خطوات هي عرض الزقاق· وهواول رجل هاجر من قريته لينضم الى المدينة، هجرها هرباً من زوجة خاله التي تبنّته بعد وفاة والديه بالجدري، وقد عاش في كنفها ذليلاً جائعاً، لا تطعمه الا اللبن وخبز الشعير، ثم جاءت سنوات الجوع التي يسميها الناس هناك بسنوات لوعة فماتت الأبقار وجفت الأرض، وقد تمكن ذات يوم من الاهتداء الى وعاء للسمن كانت زوجة خاله تحتفظ به فشربه وهرب· وكم حاولوا العثور عليه ولكنهم عجزوا، وتناقلوا الحكايات عن اسباب غيابه· قال البعض انه هرب مع الغجر، وقال آخرون انه غرق في النهر، وثالث تصور أن الذئاب أكلته· عمل خادماً في فندق ثم جاءه من يخبره ان العمل في البصرة مربح أكثر فذهب الى هناك وعمل مع سماك في شط العرب، وبعد ذلك عبر الى الأحواز واستقر هناك مرافقاً لأحد رجال الدين، وتعلم منه القراءة والكتابة وقراءة الطالع وكتابة الأدعية· كان ذلك في عشرينات هذا القرن· وتزوج من ايرانية ثم طلقها بعد أن اكتشف أنها عاقر، وطاف في كل مدن ايران·· عبادان، طهران، كرمنشاه، اصفهان، وزار مرقد الرضا عشرات المرات، ولكنه عاد الى وطنه بعد أعوام ليطفىء الحنين الذي ظل يطارده أينما حل· وكانت الصورة عن أهله غائمة· زوجة الخال التي تسومه العذاب، والأقارب الذين كانت تشغلهم همومهم عنه· والجوع الذي سحقه ولكنه عاد، وعمل قارئاً للبخت في شارع الهواء يفرش حصيرة على الرصيف في المنطقة المجاورة للسوق، ويستقبل الزبائن، وكانت النساء عادة يضعن البراقع على وجوههن ويتلفعن بعباءاتهن السوداء حتى لا يعرفهن العابرون فذاع صيته، وبدأ الناس يتحدثون عن مهارته وقدرته على كشف الطالع، فوسع دائرة عمله واستأجر دكاناً للالتقاء بزبائنه·
صفحة 8
وذات يوم سافر الى قريته والتي ظل اسمها عالقاً بباله وهناك قدم نفسه الى أفرادها· فوجد الشيوخ قد ماتوا بمن فيهم زوجة خاله· وكبر الأولاد وشاخ البعض منهم مبكراً· ولم يصدقوا أن هذا الرجل الوقور ذا الثياب النظيفة واللحية السوداء الكثة هو علي بن هلال·
وسأل عن أبناء عمه فأخبروه عن مآلهم· ومن ثم توقفوا عند حميد الذي هجر القرية هو الآخر وانضم الى المدينة حيث عمل حارساً فيها· وعندما رجع الشيخ علي الى المدينة لم يجد صعوبة في العثور عليه· فاشترى البيت المقابل له، ومن ثم تزوج من خيرية أخته، وكانت أرملة قتل زوجها بعد شجار حول ساقية للماء وكانت ما زالت شابة فأنجبت له ولداً وبنتاً، عزيز في السادسة عشرة من عمره وكوثر في الثانية عشرة·
طرق الباب، ففتحته كوثر :
- أهلا خالي، تفضل·
- أبوك هنا؟
- نعم
فدخل حميد واستقبله ابن عمه مرحبا:
- زارتنا البركة·
ثم أدرك بحدسه ان ابن عمه قد جاءه بأمر· وبعد أن شربا الشاي أخبره حميد بالموضوع·
وأعلن الشيخ علي:
- وأنا رأيي من رأيك، وغدا من الصباح الباكر سأسافر الى أبي هاون· والمكتوب يجري·
صفحة 9
(3)
وصل الشيخ علي الى قريته مجهداً· كانت تبعد مسافة طويلة عن المدينة، وكان عليه ان يستقل سيارة خشبية كبيرة زهاء الثلاث ساعات على طريق ترابي حتى يصلها· وكانت السيارة عادة مكتظة بالقرويين وهم في طريقهم الى قريتهم، وحتى سطحها كان مغطى بالأحمال واقفاص الخضروات والسلال والمشتريات التي يعودون بها من المدينة بعد أن يبيعوا منتجات حقولهم فيها·وبعد أن شرح السبب الذي جاء من أجله قال عبد ابن أخ حميد :
- ولم نزوجها لشخص غريب؟ هل خلت قبيلتنا من الرجال؟ أبناء حمود الأربعة لم يتزوجوا بعد· واثنان من أبناء عيسى لم يتزوجا، وأحد أبناء جاسم كذلك، فلماذا تعطونها لرجل غريب؟
وأطرق الشيخ علي مفكراً بعض الوقت ماسحاً بأنامله على شعيرات لحيته الكثة، وطال صمته وهو يبحث عن الرد المناسب الذي يستطيع به اقناع عبد واخوته·
وضع يده على صدره ثم سحب نفساً عميقاً من سيكارته التي كان قد لفها بيديه· ونطق بهدوء بالغ :
- لست غريباً عنكم فأنا عمكم أيضاً، وأعرف كل شيء هنا، إن عدداً كبيراً من أبنائنا لم يتزوجوا بعد، ولكن بالمقابل هناك عدد كبير من بناتنا لم يتزوجن كذلك، فلماذا نقارن المسألة بالنسبة للأولاد فقط؟
ثم اعتدل في جلسته وواصل القول :
- اسمع يا عبد كنت أود أن أخبركم بمسألة واحدة وأرجو أن تنظروا اليها نظرة معقولة فالدنيا تغيرت يا ابن أخي· أنتم تعلمون ان نجية ولدت في المدينة وعاشت فيها، وتعلمون ان الحياة في المدينة رغم كل شيء تختلف عنها هنا·· أنتم تريدون امرأة تجيد طحن الحنطة وحلب الأبقار ورعاية الأغنام، ولكن نجية لا تجيد أي شيء من هذا، فأن من يتزوجها منكم ستكون كالعالة عليه، والزوجة التي ولدت هنا وتربت وعاشت وعرفت كل شيء عن القرية هي التي تفيدكم·
وهنا قال عبد بعد أن حسن من وضع عقاله الشطري(ü) فوق رأسه: - أنا معك في هذا، ولكن كيف نقنعهم؟
ثم أضاف بلهجة اخفت :
- على أية حال ان زيارتك عزيزة علينا، وليس هناك من مانع بالنسبة لي، فأنا متزوج والحمد لله ولا أفكر بزوجة أخرى· وهنا ضحك الشيخ علي من قلبه وهو يقول :
- لست مثل عمك·
وأشار بيده الى صدره، فضحك عبد وعقب :
- ولا مثل والدي الله يرحمه·
وبعد أن ارتويا من الضحك انتابت حنجرة الشيخ علي موجة من السعال الخفيف، وبعد أن مرت تنفس بارتياح وهو يقول :
- الله يلعن السيجائر·
- نحرق فلوسنا وصدورنا·
- بلاء، بلاء·
وامتلأ صدر الشيخ علي بالفرح وهو يقرأ القبول في وجه عبد والاقتناع بما قاله، فهو يعرف جيداً ان كلمته نافذة المفعول، وعلى الرغم من صغر سنه فهو صاحب الكلمة المسموعة في القرية·
وأضاف الشيخ علي حاسماً الموضوع الذي جاء من أجله :
- ما اريد أن أقوله أيضاً، اذا كان لأحدكم رغبة في البنت أرسلوا لنا الخبر خلال اسبوع والا فنحن في حل·
صفحة 10
ومرت فترة صمت أخرى كان الشيخ علي يجذب أنفاس سيجارته بشهية وهو متكىء على الجدار وذراعه مسندة الى الوسادة الصوفية، بينما تسرح نظراته في الفضاء الأخضر المنطرح أمامه وعلى مقربة منهما ربض كلب أحمر كبير الحجم، بسط يديه أمامه وبدا وكأنه يتنصت لما يقولانه·
وفي الساحة تبعثر الدجاج لالتقاط الحب المتساقط من السدائن(ü) وجلس بعض الأطفال في ظل المضيف لاعبين بالكعاب متصايحين بين وقت وآخر·
كان المساء يقترب، وعودة الرجال من حقولهم قريبة، وسرعان ما تمتلىء القرية بالحياة، خوار العجول، وثغاء الأغنام، وصياح النسوة وهن يحلبن، وتتصاعد السنة النيران من التنانير تهيئة لخبز المساء·
كان الصباح والمساء أكثر الأوقات صخباً وحياة في القرية، الأول بداية الرحلة الى الحقول والمراعي والثاني العودة منهما بالجني والمواشي المملوءة الأجواف بعد تعب طويل وعناق مع الأرض والخضرة وزرقة السماء وسماع اشهى الألحان وهي تنبت من شبابات الرعاة المتوزعين في السهول الفسيحة لا يحميهم من الحر أو المطر الا اخصاص صغيرة يصنعونها من القصب وسعف النخيل·
قال عبد :
- لا تنس يا عم بأنني أثق فيك ثقة كبيرة، وأنا موقن بأنك تسمع كلمة الله·
- ولكن مع هذا يا عبد اذا أرادها أحد منكم فلا حيلة لنا في الأمر·
- لم أسمع بأحد يريدها لحد الآن· وفوق هذا المسألة قسمة ونصيب·
وعاد الشيخ علي الى المدينة مبكراً في اليوم التالي· وكان حميد ينتظر عودته، وعندما عرف بها دخل عليه في غرفته، فرآه غارقاً في تلاوة آيات من القرآن بصوته المتهدج الوقور· هذه الغرفة المبنية من الطابوق على خلاف غرف البيت الأخرى المبنية من الطين والتي لا يدخلها أحد الا زوجته خيرية لمرتين في الأسبوع من أجل تنظيفها· وقد وزعت فيها الكراسي الخيزرانية بينما فرشت أرضيتها بالسجاد الجنوبي الجميل· وعلى جدارها المواجه للباب علقت مسبحة طويلة جداً تحتوي على آلاف الحبات السوداء الصغيرة وكانت معلقة على هيئة ملتوية تجعلها أشبه بحية صحراوية ملساء·
وفي زاوية منها وضعت منضدة كتابة صفت عليها كتب دينية صفراء، وقناني الزعفران التي يستعملها في كتابة الأدعية بدلاً من الحبر· كما وضعت فوقها ثلاث مباخر نحاسية على هيئة قباب ثم مجموعة من المكعبات الحديدية الصغيرة نقشت فوقها كلمات واشارات مبهمة ترمى في طبق الصفيح أثناء قراءة الطالع·
هذه الغرفة هي العيادة التي يستقبل فيها الشيخ علي زبائنه حيث يدفعون له أجراً زهيداً ليكتب لهم حجاباً للخير والمحبة أو طرد الأشرار، أو ليقرأ لهم طالعهم وما سيؤولون اليه· والجميل في الأمر ان الشيخ علي كان يثق بعمله هذا ويؤديه بقناعة تامة، وكان يعتبره مساعدة للآخرين وثوابه أكبر بكثير من الدريهمات القليلة التي يتلقاها مقابله· وقد كرر مراراً أمام جلسائه ان مجرد كتابة اسم الله والأئمة وبعض الأدعية على ورق نظيف بماء الزعفران سيبرىء الانسان من كل مرض ويبعد عنه الشرور، ولذلك أكثر من كتابة الآيات القرآنية بتشكيلات جميلة وعلقها في غرفته قبالة المسبحة·
وكان الشيخ علي يحظى باحترام نادر· وعندما يمر في الزقاق متمهلاً في مشيته ومتمتماً بأسماء الله يفسح العابرون له الطريق بعد أن يحيونه بأرق الكلمات·
ولم يضع الشيخ علي عمامة على رأسه كما يفعل رجال الدين، بل كان يضع العقال والشماغ، ولكنه أطلق لحيته تيمناً بقول الرسول: اكرموا اللحى، وكان أيضاً يغطي بها اثار الجدري الذي أصابه في سنوات لوعة وقضى على والديه· وقد أكسبته هذه اللحية هيئة وسيمة تزيدها جاذبية قابليته الفذة في الحديث والتي تجعل جليسه منصتاً له بشغف مهما طال الحديث· وفي ليالي الصيف كانت باحة داره تضم العديدين من رجال الزقاق ليستمعوا اليه وهو يحدثهم أحاديث غريبة، عن البصرة وايران، وعن العرب والفرس، والانس والجان، كما يحدثهم عن السياسة والسياسيين والاستعمار والوطنية والانكليز والألمان، فكانوا يصغون اليه بانتباه طالبين الاستزادة·
وقد قالت زكية الساقية ذات يوم :
- ان الله أرسل الشيخ علي الى زقاقنا ليطرد الشرور التي يجلبها الينا جبار شارب العرق الذي لا تمر عليه ليلة دون أن يأتي سكراناً· فيضرب المسكينة زوجته وتظل تصرخ حتى يسمعها كل سكان الزقاق·
وعندما أنهى قراءة القرآن أطبقه ثم قبله ووضعه في مكانه· والتفت الى ابن عمه بابتسامة مرحبة· بعدها بادره حميد بالسؤال :
- حمامة أم غراب؟