eKtab
EN ع
القريبة كاف
اقرأ عينة مجانية

القريبة كاف

بقلم ياسمينة خضرا

صفحة 1
مقدمة

ثمة أشخاص لا يحالفهم التوفيق في شيء.

بسبب أسلوبهم الأخرق، اليد التي يمدونها إلى جارهم تقلع عينه، فيعربون عن أسفهم، ولكنهم يرفضون أن يضعوا قبضتهم في جيبهم. يرغبون أن يكونوا مفيدين، ويثابرون على حب الآخرين بالجملة، بلا معايير أو بلا مقابل، وأحياناً بصدق مسرف لا تبرِّره سوى الحاجة المرضية إلى الإيمان بقدرتهم على العطاء رغم الحرمان الذي يكتنف وضعهم. لئن شابت نواياهم الحسنة الشوائب بسبب حماقاتهم، فلا يبدو أن نيتهم تتأثر جراء ذلك على الإطلاق. سوف يعمدون بعناد إلى إساءة القيام بالخير الذي يكنونه للآخرين على غرار سمك الشبق، بقبلته التي لا تنفصل عن عضته.

هكذا كانت تعتبرني القريبة كاف : كريهاً حتى في أريحيتي. ولئن كنت لا أغفر لها، فلأنها لم تفهم شيئاً على الإطلاق. ومن ثم، لم الغفران؟ فمنذ أن صار الكون كوناً، لم يرْقَ الغفران يوماً بذاك الذي يمنحه إلى مرتبة الحكيم العاقل. لا يغفر المرء إلا بداعي الجبن أو لنية مبيَّتة ( أو لحساب يحسبه).

علام كنت ألوم القريبة ك. تحديداً؟ على عدم رؤيتها للأمور إلا من جانبها السيء؟ ماذا اقترحت عليها حقاً لكي أثنيها عن ذلك؟ الحركة الزائدة عن حدِّها أم الجملة التي في غير محلها؟ أخفقت في كل المساعي التي بذلتها لكي أستحقها. كانت نواياي محمودة ولكن كل ما فعلت لم يكن كافياً. إن الخير المصنوع بصورة سيئة هو إساءة لا تعذر لسببين، لإخفاقها أولاً، وللانتقاص الذي تتماهى معه ثانياً. أما الشر الذي ينفد بجلده فهو نجاح خالص، وكل خيرات الأرض لن تبلغ مستوى كاحله.

بين القريبة كاف وبيني كانت تدور هذه المعركة. الخير السيء الصنع، الشر الحسن الصنع. لم يكن من الضروري تحديد من منا على خطأ، ومن منا على صواب، أين حصة الله وأين حصة الشيطان، أو تحديد موقع هذا أو ذاك من حقيقته ـ وما هي الحقيقة أصلاً؟ ـ، بل كان المهم المضي في اقتناعاتنا. لا يتعلق الصواب بما هو صائب بل بما يحقق هدفه. في هذا الاشتباك حتى الرمق الأخير، ليس المهم هو الصحيح بل الفعال. حين يصرع الشر الخير، فهذا هو الدليل على أن الخير قد أخفق. وإذا كان ذلك لا يطهِّر المنتصر من شواذاته، فهو لا ينقذ المهزوم كذلك.

ومع ذلك، كانت القريبة كاف جميلة. وحين أفكر فيها، تتوارى عيناها النجلاوان وراء قسوتها. من كانت؟ ملاكاً، شيطاناً، أم الإثنين معاً؟ ما هي الذكرى التي يجدر بي أن أحتفظ بها عنها؟ رقَّتها أم خسَّتها؟ في الحقيقة، بوسعي أن أحتفظ بكل شيء كما بوسعي أن ألفظ كل شيء. فيجب أن أرى، ويجب أن أقرِّر. فبقدر ما أتمتع بحرية نسيان هذه القصة، أتمتع بحرية سردها كما يحلو لي. إنها قصتي. أختمها بالعظة التي أريد. وبوسعي كذلك أن أعفيها من أية عظة. لا أؤمن شخصياً بالدروس والعبر. فأية منافسة لا يمكن أن تتقدم بدون أن يدوس المرء عليها. ذلك هو رأيي، وقيمته هي قيمته وأتحملها بالكامل. كما أتحمل مسؤولية القصة التي سوف تلي ذلك. قيمتها هي قيمتها، كذلك؛ أما سائر الأمور، الانطباعات التي سوف تثيرها أو الأسلوب في التعاطي معها، فآخر همِّي.
صفحة 2
I

في أية ليلة من الحمى والهذيان،

من هي تلك الجالوتات التي أنجبتني

طويلاً وعديم الجدوى إلى هذا الحد؟

ماياكوفسكي

تعلمت منذ نعومة أظفاري أن أختبئ.

لم أكن خائفاً، ولا أحد كان يلاحقني.

أختبئ حالما أتوارى عن ناظري أمي.

يتراءى لي، كلما أشاحت ببصرها عني، أنني أختفي، وأكف عن الوجود.

أجهل ماذا نعني بقولنا إننا "نعبر إلى الجهة الأخرى من المرآة". ومع ذلك، فلو كان ثمة تعبير أوافق عليه تماماً لوصف الإحساس الذي يخالجني حين أكون وحيداً، فذلك هو بالضبط. يتراءى لي أنني أتحرك وراء مرآة بدون طبقة قصديرية؛ وبوسعي أن أرى بدون أن يفطن أحدهم إلى وجودي.

لم يكن ذلك الأمر يروقني.

لا بل كان يقض مضجعي.

لم أكن أعيش، لا، بل أهيم في دارتنا مثل روح ضاربة مدجَّنة، لا تثير لا الرعب ولا الفضول، بل، في بعض الأحيان، ضيقاً لم أفلح أبداً في تبيانه...

ثم جاءت كاف.

لم أشاهد يوماً حدقتين واسعتين مثل حدقتيها.

لم أعرف يوماً قلباً أقسى من قلبها.

كانت تلك الفتاة، لوحدها، تختصر الليل والنهار.
صفحة 3
1

الزمن يمضي ولا ينتظر أحداً. وكل مراسي العالم لا تستطيع أن تمسك به. لا مرفأ يعود إليه. الزمن؛ إنه مجرد ريح تعبر ولا تعود أدراجها.

أسبِّح بسبحة اللحظة آلياً، مثل ساعة الحائط، معلناً عن الساعة بدون أن أتلكأ عندها.

لا أعيش بكل ما للكلمة من معنى؛ أكتفي بوجودي هنا، أخدود على درب، إسم على قيد محلي، لا تلهيني الغيوم التي تتجمَّع فوق الجبل، والنسمة التي تتلاعب وسط النتانة، والصبية الذين يتفتحون في الشارع، ونهيق الحمير.

أعتبر الصوت اعتداءً، وأخضع لنظرات الآخرين مثل اغتصاب، وأعرِّض نفسي للعنف كلما فتحت نافذتي على القرية.

لا أحبُّ الفراشات. ومع ذلك، لو أمكنها أن تفسح لي مكاناً في شرنقتها، لوهبتُها روحي وجسدي ولتغنيتُ بأمجادها حتى يوم الدين.

صباحي محزنٌ بقدر ما هو غث؛ إنه جزيرة ضائعة وسط العدول والعزوف. شمسه تحرقني، وآفاقه تصيبني بالغثيان. أنهض، ومن ثم ماذا؟ لأمضي إلى أين، لأفعل ماذا؟ مرآتي بدون طبقتها القصديرية هي قفصي الزجاجي. بوسعي أن أخبط عليها حتى يغمى علي، ولن يسمعني أحد. وأساساً، أنا لست موجوداً لأجل أحد. صباحي صحراءٌ أقفرتْ من أي مخلوق. لا يحمل لي شيئاً في طياته، لا أتوقع منه شيئاً؛ وهكذا، نكون قد تعادلنا.

ليلي محظية باردة وبريئة. قبلاتها قارصة واستيهاماتها غريبة. توافيني منذ غروب الشمس. بالطريقة نفسها. في الموضع نفسه. في اللحظة نفسها. بلا حياء وبلا تحفظ. مزعجة مثل نشوة تتمنَّع. تدنِّس ملاءاتي وجسدي مثل الخنزيرة. ثم تنسحب، متزامنة مع المد، وهي تجذب الغطاء إليها، متخلية عني وحيداً وعارياً، مثل دودة وحيدة، في عالم جنوني من "مشهد مألوف".

لا أكترث للحاق بالركب، والمضي إلى عثرات أخرى؛ لا أعبأ بترقب العودة الخلاصية لمسيح ما. البشر يضايقونني. الغدوات لا تغريني. خساسات الأرض لا تطالني. لا أهتم لحلم يموت أكثر من اهتمامي بورقة شجرة دلب لطخها الخريف. أبقى خلف مرآتي، حصناً منيعاً، ألوذ بلحظات وحدتي، وأصغي، وهو فضول لا يورِّطني في شيء...

أصغي إلى الليل يترسخ في روحي المؤرقة، والتجاعيد تشقِّق صدغي، ومغازل القلق البيضاء تنسج شبكتها حول أنفاسي.

غالباً ما يحدث لي، أسيراً للإرهاقات والأيمان المجهضة والسنوات الميتة، أن أتحرى العتمة بدون أن أعرف ما يدفعني إلى القيام بذلك، وأن أسهر طويلاً على الصمت مترصداً لا أدري ماذا بالضبط. أجهل لماذا أتيت إلى هذا الكون، ولماذا يتوجب علي أن أغادره. لم أطلب شيئاً. ليس لدي ما أعطيه. لا أفعل سوى الانزلاق نحو شيء سوف يفلت مني على الدوام.

توفي أبي عشية اليوم العظيم. كنت في الخامسة، وأنا من اكتشفه معلقاً على عقافة في الزريبة، عارياً من رأسه إلى أخمص قدميه، مفقوء العينين، وقضيبه في فمه. كانت البقرة قد وضعت للتو. وكل صباح، مع انبلاج الفجر، أقفز من فراشي وأذهب لمشاهدة العجل الصغير يتغلب على نوبات الدوار التي تصيبه. كان حيواناً بديعاً، أسمر مثل الأرض المحروثة. في ذلك الصباح، رفض أن يقترب مني. كان يقف وراء أكوام التبن ويرتجف، مرعوباً على ما يبدو بسبب الجثة المعلقة في العقافة. لا أذكر كم بقيت مسمَّراً في مكاني. وافاني أحدهم، ووضع يديه على عيني، وأبعدني عن هذا الكابوس.

لم أرجع أبداً إلى الزريبة لكي أنعم بمشاهدة ارتعاشات العجل. لا مبرِّر بعد اليوم يدعوني لزيارته. اجتاحتني الريبة. لن أتعلق بعد اليوم بما ليس بوسعي أن أحافظ عليه.

لاحقاً، أدرك سكان القرية أنهم أخطأوا الظن في والدي. ولكن الأزهار على قبره الذي رُد إليه الاعتبار، وذكر اسمه والاعتراف به بعد رحيله، ونحيب الندَّابات وعويلهن، كل هذه المظاهر لم تفلح في إقناعي بأن الله وحده معصوم عن الخطأ.

لا أذكر أبي.

لم أتألم لغيابه.

ولكني لم أغفر.
صفحة 4
2

كانت أمي ثرية.

إنها إلى حدٍّ ما "سيدة " دوار يتيم.

إنها تهيمن على كل شيء وعلى الجميع في قلب دارتها الشبيهة بالحصن، بين أنصاب ترمُّلها العظيم وإخضاع الضمائر المذنبة. يحني الناس رؤوسهم حين يخاطبونها، بل يكادون يخرون ساجدين أمامها. في البداية، كان الأمر يحرجها. ومع الوقت، طاب لها هذا الإسراف في التبجيل، وتملق المتزلفين، وطعم الامتيازات؛ فتنامت لديها متعة ماكرة بالإشراف على عالمها من عل لكي تحسن تمريغه في الوحل. لم يلبث ازدراؤها أن تحوَّل إلى بغضاء باردة. أظن أنها لم تغفر حقاً الهفوة التي أدت إلى إعدام زوجها على الإطلاق. وبعد عشرين عاماً، ما زال طيفه حاضراً، وهيمنته تطغى وتتعاظم. تمد أمي يدها نحوه أحياناً، ويبدو أنها تلامسه، فتضيء وجهها شعلة قادرة على إحراق القرية بحالها. أصبحت متطلبة وشرسة، لا شيء يفلت من نظرتها أو من الصاعقات التي تنهال منها على الذين يسيئون التصرف. انسحب الخدم الواحد تلو الآخر، بمن فيهم أولئك الذين خدموا منذ أجيال الكولونيل المتقاعد ماجيفو والسيدة بوفييه.

ظل البستاني وحده صامداً. لا أسرة يلوذ إليها. كان عجوزاً سقيماً، حضوره غير محسوس تحت قبعة القش التي يعتمرها، يتنقل بخطى مكتومة وكأنه يخشى أن يزعج الآخرين. كان مستوحداً ومتوارياً، لا يكترث له أحد، ولكن هذه اللامبالاة لا تضايقه البتة. كان لا يطلب الكثير، ويحب مخاطبة الأشجار، وكلبه أحياناً، ويقلِّم الأزهار بورع مذهل...

وافته المنية العام الماضي. رحل بدون ضجة مثل ظلٍّ ذهب لموافاة ظلمات النسيان.

منذ ذلك الحين، اجتاحت ممرات الحديقة الأشواك والأعشاب البرية.

لم تعلم أمي أبداً بوفاة البستاني. توفي خلال سفرها. ولدى عودتها، تصرَّفت كأن شيئاً لم يكن، وأظن أنها لم تنتبه حتى لرحيله.

أمي غامضة. توحي بأنها قادرة على الصمود بوجه المآسي. مات فيها شيءٌ ما في ذلك الصباح داخل الزريبة حيث كان العجل الصغير يتعلم الوقوف ثابتاً على قوائمه. لا أدري بالضبط ما هو ذلك الشيء، ولست حريصاً على معرفته. أعتبر أنه من شأنها... لم أباغتها يوماً تبكي. ولا مرة واحدة. ولا لحظة واحدة. بهيئتها الصلفة تحت شعرها المعقوص بتقشف، ونظرتها الحادة، وإيماءاتها الخاطفة، لا أذكر أنني لمحتها يوماً تبتسم لي كذلك. ومع ذلك، فالغريب أن أمي كانت تظهر، على حين غرة، حين تتكور القريبة كاف في أحضانها، حنان السيدة العذراء، ويتوهج وجهها الجامد القسمات توهجاً أشبه بهالة من نور.

لم تنطبع شفتاها يوماً على وجنتيَّ، ولا مسَّدت أناملها شعري. كما أنها كانت لا تضربني؛ ولا تحرمني شيئاً. نعيش معاً ولكن كلاً منا يتجاهل الآخر. أعجز عن التكهن بشعورها جراء ذلك؛ أما أنا فكنت أشعر كما لو أنني وصلت سهواً إلى سيرك غادره روَّاده،؛ وأخجل بقدر المرات التي تضم فيها منصة النظارة مقاعد شاغرة.