eKtab
EN ع
القصائد المائية - دراسات أسلوبية في شعر نزار قباني
اقرأ عينة مجانية

القصائد المائية - دراسات أسلوبية في شعر نزار قباني

بقلم سمير الشيخ

صفحة 1
نص موازٍ

في أوديسا الأفكار والمفاهيم التي أفرزتها المنظومة المعرفية في القرن العشرين، يبرز «النقد الأسلوبي» كاتجاه يقوم فيه النقد على أساس من العلم. وبقدر ما كان هذا الاتجاه رفضاً للانطباعية التي تسيّدت الوضع النقدي الأوروبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بقدر ما كان استجابة للتحولات الدرامية التي شهدها الدرس اللساني الحديث ومدى إسهاماته في الدراسات النقدية. فالدرس اللساني قد قدّم للنقد الأدبي أساساً جديداً لرصد البنية اللسانية واستنطاق جمالياتها المكوّنة. وبالرغم من أن البنية كرسالة لم تعد مثار اهتمام المدارس النقدية، وانصراف النظر النقدي عنها حيناً إلى القارىء كشريك في العملية الإبداعية، إلّا أن البنية بمستوياتها الشكلية تظل البيانات الأساس للجدل النقدي. تطرح الدراسات الأسلوبية تطرح الصورة المفهومية (للنقد الأسلوبي) في محاولة لتأصيل هذا الاتجاه. ففي دراسته لأسلوب (شلي) الشعري في مرثيته (أدونيس) يقدِّم (تيموثي ر. أوستن) بُعداً تطبيقياً/تنظيرياً لهذا الإجراء النقدي. فالنقد الأسلوبي هو دراسة العلاقة المنكبتة في النص الأدبي بين شكله اللساني وشكله الجمالي الكلي. قد يتوحْدَن التحليل الأسلوبي والتقويم الجمالي بطريقة يسهم فيها الشكل اللساني بذلك التأثير الجمالي الذي يمارسه النص على القارىء. وتحدّد المنظورات الأسلوبية لهذا الاتجاه مكونات ثلاثة: تحليل لساني وبسط الطبيعة الجمالية للنص وفرضية يدعمها نقاش مستفيض، إذ لا بد من علاقة مفترضة بين الشكلين اللساني والجمالي. فالتحليل أو الوصف اللساني يعدّ، هنا، ضرورة لأي بيان مقنع حول الشكل الجمالي وأن يكون متوافقاً معه. فالملاحظات اللسانية ينبغي أن تتوافق والتصور النقدي حول الشبكة اللسانية للنص بمستوياته النحوية والدلالية والصوتية والسياقية. هنا يكمن منزلق الدراسة الأسلوبية التي قد تتحوّل إلى محض ملاحظات عابرة إن هي أخفقت في رصد تلك العلاقة القارة بين التحليل الأسلوبي والحكم النقدي. هنا، لا بد من النظر في الطريقة أو النظرية التي يتبنّاها الناقد الأسلوبي في التحليل اللساني، كذلك النظر في الوسائل الخاصة التي من شأنها تشذيب التحليل، وبعبارة أخرى فصل جوانب اللغة في الشبكة النصية. ومن ثم تأتي الخطوة الأساس التي هي إدماج أو توحدن الشكل اللساني بالتقويم الجمالي الصادر حول ماهية النص الأدبي. غير أن الدرس اللساني يؤكد أن النقد الأسلوبي لا يلتزم نظرية بعينها كإطار للتحليل، إذ بوسع الناقد الأسلوبي أن يتبنّى أية نظرية تمكّنه من تقديم الحقائق اللسانية التي يرغب في مناقشتها.

والمساءلة الآن: ما علاقة الفعل النقدي بالوعي الجمالي؟ وهل (النقدي/الجمالي) هو المختلف المؤتلف؟

نحسب أن الوعي (النقدي/الجمالي) على شيء من التناظر ما دام الوعي نشاطاً إنسانياً متعالياً وأن مقصدية (النقدي/الجمالي) البحث في القيمة الجمالية. فالنقد بوصفه نشاطاً لسانياً منمذجاً يظل دوماً حديثاً عن الاستعارة المجازية، ماهية المتخيل الشعري/السردي/الدرامي، وتقويم مجازية الأبد حيث يشكل التقويم «مركزية النقد». وفي سياق العلاقة بين (النقدي) و(الجمالي) أدخلت فلسفة (كروتشه) الجمالية اللسانيات مدخل الإستطيقا. ففي كتابه (علم الجمال بوصفه علماً للتعبير وللسانيات) في بدايات القرن، يُدرك الجمالي الإيطالي الإستطيقا بوصفها لسانيات عامة تُعنى بالدرجة الأساس بالوسائل التعبيرية حيث اللغة تشكل أنموذجاً لكل أشكال النظم الرمزي الإنساني. وبذلك يسنّ (كروتشه) النظرة العامة لمعظم فلسفات القرن العشرين في الفن حين يستبدل فكرة الجمال بفكرة التعبير أو أنه يماثل الجمال بالتعبير. ولما كان الفعل النقدي فعلاً تعبيرياً بل «نشاطاً إنسانياً ونموذجاً للوعي الإنساني هو في طريقه للتعرف على طبيعة التجربة الإنسانية» ـ كما يقول (هيرنادي) في (ما هو النقد؟)، فإن الإستطيقا بوصفها أحد الأشكال الرئيسة للروح الإنساني تتناظر والنقد بوصفه ماهية لسانية تعبيرية و«شكلاً أدبياً موضوعه الأدب». «إننا عندما نتفحّص قصيدة لكي نحدِّد ما يدفعنا إلى الشعور بأنها قصيدة»، يقول (كروتشه) في علم (الجمال)، «فإننا نعثر في الحال على عنصرين ضروريين ومكرّسين: مركب من الصور وشعور مفعمين بالحياة. والأكثر من هذا، فإن هذين قد يبدوان عنصرين اثنين في التحليل التجريدي الأولي ولكن ليس بالإمكان اعتبارهما خيطين متمايزين، مهما كان انضفارهما، ذلك أنه في التأثير يتحوّل الشعور بكليته إلى صور، إلى هذا المركب من الصور». بهذا السياق، يفترض الفيلسوف الجمالي الوحدة الكلية للأثر المتخيل، وهو ما تدرج عليه استراتيجيات النقد اللسانية.

من هنا يأتي طرحنا لمفهوم (النقدية الجمالية) بوصفها مقاربة نقدية أسلوبية تجعل التأويل النقدي يستند إلى نظريات الجمال. وهي بذلك تدخل مدخل (النقد الأسلوبي) الذي نتبنّاه في دراساتنا النقدية. ولكن ثمة فرق: فإذا كان النقد الأسلوبي يؤكد على وجوب الوصف اللساني والتأويل الجمالي المتراتب أو المتداخل، فإن هذه المقاربة تشدِّد على تبنِّي نظريات الجمال وتأتي في مقدَّمها مقولات الجمال عند (كانط/سانتيانا/كروتشه) وقبل ذلك الفكر الجمالي الأفلاطوني. (النقدية الجمالية) تختلف عن (النقد الجمالي) وهو نقد الفن المبني أساساً على مبادىء الإستطيقا أو علم الجمال. فنحن، هنا، نمارس تحليل لسانيات النص من أجل الكشف عن الجماليات القارة في الشعر النزاري استناداً إلى المقولات الجمالية كما سنرى في التأويل الجمالي للنصية النزارية.

وفي ضوء هذا التصور، وكما سنرى في دراساتنا للأسلوبية النزارية، شرعنا بتبنِّي منظورات حلقة (براغ) اللسانية في (الغائية الرمزية)، وأساسيات النظرية (التوليدية) في (الكون الأزرق)، ومبادىء مدرسة (لندن) أو (الفيرثية الجديدة) في (الأسلوبية النزارية والمونولوغ الدرامي) في التحليل أو الوصف اللساني، فالتحليل اللساني في ضوء نظرية ما يتيح لنا المضي إلى التقويم النقدي ونحن نعي تلك الآصرة المعقودة بين الشكلين.
صفحة 2
وبهذا المعنى، فإنه ليس هناك من حكم نقدي يتجاوز لسانياته. النقد الأسلوبي، وكما يتضح من هذا التجوال العابر، يقوم على الموضوعية، شأنه شأن الاتجاهات النقدية الحديثة في فلسفاتها العقلية العلمية، إلّا أن هذا الاتجاه يفارق الاتجاهات الأخرى في أنه يهب أرضية للإلماعات النفسية والثقافية ضمن نقاشاته. فالناقد البنائي، على سبيل المثال، يعتبر الأدب «شكلاً فريداً للمعرفة الإنسانية هو أدعى ما يكون إلى الفحص على وفق مفرداته». أما الناقد الأسلوبي فهو وإن اتخذ النص نقطة بداية إلّا أنه يستدعي تلك الإلماحات السيكولوجية والثقافية الخاصة بجوانب معينة من التحليل اللساني وبذلك يستعيد النص جزءاً حاراً من طبيعته الإنسانية التي تصادرها الدراسات البنيوية.

إذن، حين يَجِد الناقد الأسلوبي في محاولة ربط ملاحظاته اللسانية بالشكل الجمالي الكلي للنص، فإن ملاحظاته هذه تشكّل جوهر بيانه حول الطبيعة الجمالية لذلك النص. وبهذا الصدد، لا يُحرِم النقد الأسلوبي على الناقد الأخذ بالتحليلات التي يقوم بها النقاد الآخرون، وحتى من غير الممارسين في حقل الأسلوبيات بل قد يعمد إلى مناقشة الأفكار النقدية الخلافية بقصد دحضها. إن ما يميِّز الناقد الأسلوبي عن الناقد الأدبي إدراكه لأهمية التحليل اللساني قدر علاقته بالشكل الجمالي. لذا تمثّل الفرضية الجانب العلائقي لمجمل النقاش، إذ بوسع الناقد الأسلوبي أن يدرك قدرته على تحديد جوانب الشكل اللساني وجوانب الحكم الجمالي ورصد تلك العلاقة النقدية المفترضة بين الشكلين على وجه التحديد. في ضوء هذه الآلية، يقدّم كتاب (القصائد المائية) ممارسة نقدية على مدوّنة جادة في الشعرية العربية المعاصرة، هي مدوّنة الشاعر (نزار قباني). فالأسلوب الشعري النزاري قد شهد انعطافات مثيرة على مستوى التقنية منذ البواكير. يتغاير مفهوم (الأسلوب) بتغاير المدارس النقدية التي تتداوله. فالأسلوب الشعري في منظورات (موكاروفسكي) تشويه جمالي قصدي للغة التداول اليومي، والبنية الشعرية إنما تشكِّل خرقاً للمعايير لتشكل لغتها، وميزة الأسلوب الشعري هي (الأمامية) الصورية التي غالباً ما تقوم على التوتر والصراع. هذه المنظورات التي تعتبر الأسلوب ضرباً من المغايرة عن المعيار نجد تطبيقاً لها في (الغائية الرمزية) حيث اللغة النزارية ضرب من الخرق القصدي الجمالي. هذا التنافر الدلالي للسلاسل اللسانية الصحيحة نحوياً نجده في (الكون الأزرق)، وهي دراستنا الثانية التي تتأسس على منظورات (النحو التوليدي) للعالم اللساني (جومسكي). فالتأويل الصوتي (الفنولوجي) ينبثق من البنية السطحية، فيما ينبثق التأويل الدلالي من البنية العميقة، وأن هذين المستويين يرتبطان بشبكة من التحويلات داخل النص الشعري. وتتمحور هذه الدراسة حول (الموازاة الشعرية) كظاهرة أسلوبية في القصيدة النزارية. وقد يعني (الأسلوب) شبكة من الانتقاءات أو الاختيارات اللسانية داخل النسيج النصي، وأن تكرار أنماط لسانية بعينها يشكّل العلامة الفارقة للأسلوب. هذا التصور ترشح عنه منظورات (هاليدي) في (اللسانيات الوظيفية) حيث (جملة القول) تعدّ السمة السائدة في الأسلوب النزاري. هذا ما ترصده دراستنا الأخيرة (الأسلوبية النزارية والمونولوغ الدرامي). وبهذا يمكن للنظرية، بشكل عام، أن تسهم إسهاماً فاعلاً في إدراكها للعملية الشعرية، وهي الوسيلة التي بها ومن خلالها يمكن للنقد الأسلوبي الكشف عن جماليات الأسلوب.

سمير الشيخ

بغداد 2005
صفحة 3
الفصل الأول

الغائية الرمزية

شهد الفكر اللساني في القرن العشرين تجدُّد الاهتمام بالبلاغة بصيغتها الثنائية: نظرية الأسلوب ونظرية الأدب. ففي الحقل الأسلوبي تنوّعت الاتجاهات في معاينتها لفكرة الأسلوب، يتقدّم هذه الاتجاهات الاتجاه الذي يدعو إلى اعتبار الأسلوب انحرافاً عن سنن اللغة الاعتيادية. أما نظرية الأدب فقد اتّسعت مباحثها لتشمل (الفن المسرحي)، (فن الرواية)، و(أبنية القصة القصيرة)، إلّا أن الميدان الذي استأثر باهتمام الممارسين هو (الشعرية). فلقد اختلفت المناهج التي تناولت هذا المفهوم. وعلى أساس منهجية (تودوروف)، فإن الشعرية تعني البحث في القوانين الداخلية للخطابات الأدبية قصد استخلاص القوانين والمقولات التي تؤسسها وليست النصوص في ذلك إلّا أدوات خاصة قصد الوصول إلى الأدوات العامة التي تكون متميزة في بنية الخطاب الأدبي (1). يرى الباحثون أن الدافع وراء هذا الاندفاع الصوري هو الاتجاه البنائي وما ألهمه من نقد خلّاق. فالبنائية، بكلمات (أوزياس)، هي بناء أو هي تناسق أقسام البناء من حيث التقنية المعمارية والجمال التشكيلي (2). هذا التعريف يوجز حقيقتين: الأولى هي أن البنية تشكيل بنائي، فهي، كما يقول د. صلاح فضل، مجموعة متشابكة من العلاقات؛ وأن هذه العلاقات تتوقف فيها الأجزاء أو العناصر على بعضها من ناحية وعلى علاقاتها بالكل من ناحية أخرى (3). أما الثانية فهي أن البنية تشكيل جمالي. ويجادل (ويلك) أن القيمة الإستطيقية في حقيقة الأمر لا تزيد عن كونها اسماً للكلية الدينامية لعلاقاتها المتبادلة (4). هذه البنية وظيفية، أي أن لكل عنصر لساني وظيفة يؤدِّيها قدر علاقته ببقية العناصر وبالبنية ككل موحّد.

تتبنّى حلقة (براغ) اللسانية بحث المشكلات التي تعدّ بحق مشكلات أسلوبية، وفي مقدّمها (الصورة الشعرية). فلقد ارتبطت دراسة الصورة الشعرية وعلى وجه التحديد (الاستعارة) في النظريات اللسانية الحديثة (الشكلانية، الوظيفية، التوليدية) بدراسة اللغة. الصورة جوهر الشعر، والشعر بطبيعته فن لساني، فوجود الشعر يعدّ ضرورة لأية لغة لأنه من شأنه أن يوسِّع الأمداء اللسانية التعبيرية. لقد اختلفت طرائق دراسة الفن الأدبي في البنائية الحديثة عنه في الشكلانية الكلاسية. فالشكلانية الكلاسية لم تكن بنائية بالمفهوم المتعارف عليه الآن، إذ استطاعت البنائية الحديثة أن تسلك مسالك البلاغة متسلّحة بمفاهيم البنية والتوصيل، وبأدوات منهجية قادرة على تحديد وتوصيف الأجناس الأدبية والمجازات التقليدية من جديد.

هذه الدراسة رصد أسلوبي للغائية الرمزية في شعر نزار قباني. ونعني بالغائية الرمزية أن (استعارة الماء) في لغة قباني هي شكل جمالي رمزي يشكِّل صيغة صورية أمامية على المستوى الدلالي. كما وتجِد الدراسة في الكشف عن العلاقة بين السياق الدلالي للصورة الشعرية وسياقاتها النفسية التي تأخذ طابعاً رمزياً. وتقع هذه الدراسة ضمن منظورات البنائية الوظيفية، وعلى وجه التحديد بنائية (يان موكاروفسكي).
صفحة 4
1 ـ الاستعارة تشكيل صوري أمامي

تناول الفكر البنائي الوظيفي مفهوم (البنية) بالفحص والتحليل. وقبل الإبحار في المديات الوظيفية، يجدر بنا الإشارة إلى (فرديناند دي سوسير)، واضع اللسانية الحديثة. فمع أن العالم اللساني السويسري لم يتطرّق إلى مفهوم (البنية) تحديداً، إلّا أن تصوراته عن النسق والقيمة والعلاقات كانت تبشيراً بهذا المفهوم. فالنسق ينطوي على استقلال ذاتي، يشكّل كلّاً موحداً، وتقترن كليته بآنية علاقاته التي لا قيمة للأجزاء خارجها. وكان سوسّير يعني بالنسق شيئاً قريباً من مفهوم (البنية) (5). فالرمز اللساني في النسق تتوقف قيمته على مقابلته بما عداه من الرموز ويؤسِّس الرمز في النسق نمطين من العلاقات: العلاقات السياقية والعلاقات الإيحائية (التبادلية). ففي العلاقات السياقية يكتسب الرمز قيمته من مقابلته بما يسبقه أو يلحقه من رموز. أما في العلاقات الإيحائية، فالرمز يشكّل حضوراً في النسق قد يثير دلالات أخرى تمثّل حالة غياب. وبقدر ما تكون العلاقات الأولى (خطية)، تكون الثانية (ذهنية). ولإيضاح هذه الثنائية السوسّيرية، لنتأمل القول الشعري للشاعر نزار قباني:

فلا الليل يخفى ـ لو أراد ـ نجومه

ولا البحر يخفى ـ لو أراد ـ المراكبا

فالعناصر اللسانية، هنا، ترتبط مع بعضها البعض عن طريق شبكة من العلاقات المتداخلة. وتتشكّل البنية النحوية، بعد طرح الجملة الاعتراضية جانباً، على النحو الآتي:

لا النافية للجنس + الفاعل + الفعل + المفعول.

غير أن وقوع الصيغة المضارعة (يخفي) في السياق تشكل خرقاً قصدياً للبنية اللسانية.

استلهمت حلقة (براغ) اللسانية في صياغاتها الفكرية بعض التصورات السوسّيرية مثلما استلهمت المنظورات الشكلانية بعد ربطها بالجماليات العامة. ويعدّ (موكاروفسكي)، أحد أبرز أعضاء حلقة براغ، أول من قدّم للفكر اللساني المعاصر مفهوم (البنية الجمالية). وللوقوف على أبرز اتجاهات الفكر البنائي الوظيفي، لا بد من إيجاز نظرية (موكاروفسكي) البنائية الجمالية كما وردت في بواكير أعماله النقدية الممتدة حتى العام 1936، أي قبل صدور كتابه النقدي (الوظيفة الإستطيقية والمعيار والقيمة كحقائق اجتماعية). ونعني الأعمال المبكرة:أيار ماخا ـ دراسات في الإستطيقا (1928) وهي دراسة تحليلية لقصيدة الشاعر الرومانسي التشيكي (ماخا)، وفيها يرى أن التحليل الإستطيقي للعمل الفني يجب أن يكشف تلك العناصر التي لها وظيفية إستطيقية (6). كذلك (اللغة الشعرية واللغة المعيارية) التي تمثّل خلاصة الأفكار الجمالية للعالم اللساني التشيكي في تلك المرحلة.

تجذر مفهوم (المعيار وانتهاك المعيار) في أعمال موكاروفسكي المبكرة، إذ قام بتأويل فكرة (التغريب) المأخوذة عن الشكلانية الروسية تأويلاً جديداً، فغدت هذه الفكرة تعني الإجراء النسقي لتشويه العناصر الفردية. ويجادل (ويلك) من أن موكاروفسكي يتفق مع الشكلانيين الروس على اعتبار الشكل الفني متصفاً بصفتين أساسيتين: التشويه والتنظيم (7). ويقيم العالم اللساني التشيكي تفريقاً بين مستويين من اللغة: لغة شعرية وأخرى معيارية، فاللغة تكون معيارية حين تلتزم جملة من القواعد الصوتية والصرفية والنحوية مما تواضع عليها أهل اللغة. وأما الشعر فإنه يقوم على «تحطيم قانون هذه اللغة المعيارية»، ومن دون هذا التحطيم لن يكون ثمة شعر، لأنه «هو الجوهر الحقيقي للشعر». وقد استعمل موكاروفسكي لبيان التقابل بين المستويين مصطلح «الأمامية» في مقابل «الخلفية». وقد عنى بالأول العناصر البارزة في النص الفني، وعنى بالثاني العناصر الكامنة وراء الأول كأنما هي سطح خلفي يبرزها. وهو يرى أن «وظيفة اللغة الشعرية تكمن في الحد الأقصى لأمامية القول. والأمامية هي عكس الآلية.. (ولذلك) فكلما كان الفعل آلياً قلَّ الوعي بتنفيذه، وكلما كان أمامياً زاد الوعي تماماً.. وفي اللغة الشعرية تحقق الأمامية حداً أقصى من التكثيف الذي يدفع بالتوصيل إلى الوراء، على أساس أن هذه اللغة هي الهدف وأنها مستخدمة لذاتها فقط.. من أجل وضع التعبير والقول نفسه في الأمام وبذلك فإن الوظيفة الجمالية لها دائماً في لغة الشعور حضور متميز (8). فالأمامية تجتذب إلى السطح الظواهر اللسانية أمام عين المتلقي، تلك الظواهر التي تظل ضامرة في الكلام التواصلي. إنه يعني لا ميكانيكية فعل الكلام. ولو تأملنا ثانية تعريف موكاروفسكي لمفهوم البنية لأدركنا أن عناصر البنية متحققة بصورة جمالية.

يرى (ويلك) أن موكاروفسكي يميّز بين تلك العناصر من العمل الفني التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر من حيث القيمة الإستطيقية (وهذه دعاها «مادة» العمل الفني) وبين الطريقة التي تكتسب بها تلك العناصر فعاليتها الإستطيقية ضمن العمل الفني (وهذه دعاها «الشكل») وقد أدرج تحت عنوان (المادة) الموضوع بما يضمّه من الصور والأفكار والمشاعر واللغة، بينما اعتبر الشكل هو ما ينتظم هذه المواد من نظام (9). فالعناصر المكوّنة للبنية الإستطيقية إنما تكتسب وظيفتها من مواقعها العلائقية في نظام الجملة كلها. إذن، هي ذلك التشويه القصدي لعناصر الأثر الفني، أي الانتهاك أو الخرق القصدي لسنن اللغة المعيارية. ويطلق بعض الأسلوبيين على مثل هذا التكوين الجمالي بـ (الانحراف الفريد). والتدبر الأسلوبي لمنظورات موكاروفسكي اللسانية تبيّن لنا أن اللغة الشعرية لا تشكِّل العلامة الفارقة للغة المعيارية، بل هي لغة خاصة ضمن اللغة، لغة لها مفرداتها وعباراتها وتراكيبها.

ينبِّه الشاعر (أدونيس) في (الثابت والمتحول، ص 110) أنه لا توجد هناك لغة خاصة بالشعر وأخرى خاصة بالنثر، فاللغة واحدة ومفرداتها في معظم الكلام واحدة. وإبداع الشاعر لا يعني أن (يخترع ألفاظاً لا يعرفها معجم اللغة. وإنما يعني أن يستخدم اللغة بطريقة تخلق فيكل لفظ بعداً يوحي بأنها تتناسخ في ألفاظ عديدة بحيث تنشأ لغة ثانية تواكب أو تبطن اللغة الأولى) (10).
صفحة 5
هذا التحديد لطبيعة العلاقة بين الأشكال اللسانية (المعيارية/الشعرية) يقودنا إلى تحديد مفهوم (البنية) وعلاقتها بالحقل الجمالي، كما وردت في منظورات موكاروفسكي اللسانية. يقرِّر موكاروفسكي أن البنية «مجموع مركب من مكونات مترابطة ومتحققة بصورة عملية وجمالية في سلسلة متصاعدة ومعقدة يربط بينها على التوالي العنصر المهيمن على هذه المكونات» (11). وفي مقام آخر يحدِّد العالم اللساني التشيكي البنية على «أنها نسق قائم على الوحدة الداخلية للكل من خلال العلاقات المتبادلة بين أجزائه، ولا يقوم هذا النسق على العلاقات المتوافقة وحسب، بل يقوم ـ بالمثل ـ على التناقضات والتوتر والصراع» (12). ووفقاً لهذا التحديد فإن بنية اللغة الشعرية لا تختلف عن اللغة المعيارية في تركيبها بل في وظيفتها أيضاً. فالوظيفة الشعرية تتمثّل في الحدّ الأقصى لأمامية القول الشعري. ففي القول الشعري تتضام العناصر اللسانية بطريقة لامألوفة لتشكل بنية الشعر في نظام جمالي. لذا يرى موكاروفسكي أن ليس هناك من بنية جمالية خارج نطاق الشعر حيث يشكِّل الخرق القصدي لقوانين اللغة المعيارية جوهر الشعر. فإذا كان التوصيل هو سمة اللغة المعيارية، فإن تشويه العناصر تشويهاً جمالياً هو ما يتأسس عليه الشعر. لذا فالقوانين التي تحكم الإجراء التواصلي ينبغي ألّا تفرض على الشاعر الذي قد يبتكر أشكالاً شخصية من التعبير الحدسي قد تقع خارج أمداء الأشكال اللسانية المألوفة.

إن اللغة في الفكر البنائي الوظيفي متعدّدة الوظائف، غير أنه في الفن، ومن ضمنه الشعر، تحتل القيمة الجمالية أعلى المراتب في سلسلة القيم المتصاعدة بينما تحتل مرتبة أدنى خارج نطاق الفن. فالفن يمارس تأثيره على المتلقي بفعل عوامل جمالية نابعة من الفن نفسه. لذا يدعو الفكر البنائي الوظيفي إلى استقلال الوظيفة الجمالية، إذ إن العمل الأدبي ـ يقول د. صلاح فضل ـ بنية مركبة متعددة الأبعاد مندمجة في وحدة الشيء الجمالية (13).

عند هذه النقطة تلتقي الجماليات البنائية والجماليات الكانطية، إذ تغدو الوظيفة الجمالية، بالاستناد إلى نظرية (كانط) الجمالية الموضوعة المركزية في فلسفة الحضارة. يناقش (ماركوز) في (الحب والحضارة) مفهوم (الغائية الصورية) فيقول:

الغائية الصورية ـ هي الشكل الذي يظهر خلاله الموضوع في التصور الجمالي. وأياً كان الموضوع (شيئاً أو حيواناً أو إنساناً) فإنه لا يتصوّر ولا يحكم عليه بحسب نفعيته، إنما يؤخذ بالاعتبار غائية هذا الموضوع وكماله الداخليين. ففي التخيل الجمالي يتصوّر الموضوع بالأحرى، باعتباره حراً من جميع العلاقات والخصائص التي هي من هذا القبيل، أي باعتباره كائناً هو ذاته بحرية. وتختلف التجربة التي يكون الموضوع «معطى» من خلالها، عن التجربة اليومية كلياً، كما تختلف عن التجربة العلمية، ذلك أن جميع الروابط القائمة بين الموضوع وعالم العقل العملي والنظري، هي روابط مقطوعة أو بالأحرى معلقة. فإن هذه التجربة التي تخلي الموضوع لوجوده (الحر) هي من عمل اللعب الحر للتخيّل (14).

ونعود مرة أخرى إلى تعريف موكاروفسكي للبنية لنرى أن مكونات البنية الجمالية يربط بينها العنصر المهيمن. يحتل العنصر المهيمن أعلى السلسلة المتصاعدة، فيما تستمدّ بقية العناصر قيمتها من زاوية علاقتها بهذا العنصر فهو الذي يوجِّه أو يشوِّه كل العناصر الأخرى، وهو الذي يخلق للأثر الفني وحدته وهي وحدة لها فرادتها وطبيعتها الجمالية. إن تعاقب الألفاظ في اللغة المعيارية ضرورة تقرّرها طبيعة الرسالة، أما في اللغة الشعرية، فإن الألفاظ لا يعقب بعضها البعض بصورة تلقائية. ففي داخل البنية الشعرية تحدث طفرات وخروقات لا تحتّمها متطلبات التوصيل. مثل هذه الخروقات تتحقّق من خلال التقاطع الحاصل بين مستويين: مستوى المعنى الحرفي ومستوى المعنى الاستعاري.

وما يعنينا هنا المعنى الاستعاري الذي يشكِّل خرقاً قصدياً لقوانين اللغة. فالتشكيل الشعري الأمامي لبعض العناصر اللسانية يعدّ المحور الدينامي للغة الشعرية. إلّا أن موكاروفسكي يرى أن اللغة الشعرية لا تحقّق هذا القدر من الأمامية عن طريق التكرار الكمي للعناصر، إنما تتأتى من خلال الانتقاء الدلالي. وقد تتحقّق الأمامية أيضاً عن طريق العلاقات الدلالية اللامألوفة للألفاظ معاً في السياق، إذ إن كلّاً من هذين الإجراءين يقود إلى أمامية المعنى ولكن بصيغة مختلفة. وهكذا نرى أن الانتقاءات اللسانية والعلاقات الدلالية تمثّل خصيصة الشعر، فاللغة الشعرية تحقّق أقصى درجات التوتر بدفعها التوصيل إلى الوراء.

لقد اتخذت مفاهيم «البنية» و«التوتر» و«التناقض» فيما بعد أبعاداً جديدة في (مدرسة لندن) أو (الفيرثية الجديدة) التي أرسى دعائمها (فيرث)، العالم اللساني الإنكليزي ومن بعده تلميذه (هاليدي). فلقد استلهمت هذه المدرسة اللسانية منظورات (مالنوفسكي) الوظيفية في الأنثروبولوجيا. وقدّمت للفكر اللساني من ضمن مفاهيمها (التجاور اللساني) والذي يعني بوجه عام التعايش التلقائي للألفاظ، غير أن الألفاظ في اللغة الشعرية لا تتعايش دوماً بصورة تلقائية بل هي في حالة صراع علائقي بفعل الانتقاءات اللسانية وعلاقاتها اللامألوفة، وبذلك تشكّل (مدرسة لندن) اتجاهاً في الفكر البنائي الوظيفي.

يرتبط مفهوم «الأمامية» في دراستنا بمفهوم (الصورة الشعرية). ولا بد من الإشارة إلى أن القول بأن الصورة شكل منحرف ليس بالقول الجديد. ففي البلاغات الكلاسية يؤكد البلاغي (كانتليان) بأن لفظ (المجاز) يعني أي انحراف في التفكير أو التعبير عن طريق الكلمات البسيطة والعادية (15)، إلا أن النظريات اللسانية الجديدة بنظرتها الجديدة إلى وسائل الأسلوب قد جعلت من (الانحراف) خاصة الأدب الفريدة. يقول (تودوروف) في (الشعرية):
صفحة 6
لقد مثّلت نظرية الصور باباً أساسياً من أبواب البلاغة القديمة. وبدافع من اللسانيات المعاصرة تمّت عدة محاولات لإيجاد قاعدة أكثر انسجاماً مع القائمة التي ورثناها عن الماضي وهي قائمة ثرية، وإن في غير نظام. وقد أرادت نظرية من أكثر النظريات انتشاراً (تعود في الحقيقة إلى كانتليان في الأقل) أن تجد في الصورة خرقاً لقاعدة من القواعد اللسانية (نظرية البعد). وهذه تعتبر السبيل الذي استكشفه جان كوهن في كتابه عن بنية اللغة الشعرية (16).

تقوم الصورة الشعرية والاستعارة، على وجه التحديد، على مبدأ الماهيات المتغايرة عبر قرينة مستترة. إلّا أن الألفاظ في الأبنية الاستعارية تحمل أبعاداً جديدة، ذلك أن معنى الشعر يعتمد على السياق، كما يرى و(يلك) و(أوستن) في (نظرية الأدب)، فالكلمة لا تحمل معها فقط معناها المعجمي بل حالة من المترادفات والمتجانسات. والكلمات لا تكفي بأن يكون لها معنى فقط بل تثير معاني كلمات تتصل بها بالصوت أو بالمعنى أو بالاشتقاق ـ أو حتى كلمات تعارضها أو تنفيها (17). فالفكر اللساني المعاصر ينظر إلى الاستعارة بوصفها ظاهرة لسانية (سمير/الاستعارة النحوية) (18)، وشكلاً أدبياً من أشكال الرؤيا والعمل (ويلك وأوستن) (19).

تقوم الاستراتيجية الاستعارية على مبدأ الانتقاء الدلالي للألفاظ. والبناء الجمالي في الاستعارة يتجاوز تشكيلياً عناصرها إلى إحداث نوع من الغرابة والتأثير الذي تصنعه طريقة تنظيم عناصر البناء فتفيض على الشكل وتهيمن عليه. وعلاقات التناقض والتوتر والصراع تنطبق على الاستعارة بوصفها بنية جمالية مكوّنة من العلاقات المتبادلة بين عناصرها. وإن قيمة العنصر اللساني تكمن في موقعه المعنوي بين علاقات البنية ككل. فالمعنى بوصفه علاقة دقيقة داخل البنية تربط عناصرها في كل موحد. والمعاني في البنية الجمالية هي معاني العلاقات أو (معاني المعاني)، على حدّ تعبير الناقد الجرجاني، فالمعنى هو الطريقة المباشرة التي تتجلّى بها البنية، أما معنى المعنى فهو الطريقة غير المباشرة التي تتجلّى بها البنية الجمالية بالذات. وتبدو البنية، وفقاً لهذا التصور، رمزية. فالمعاني الأُول فيها، المفهومة من أنفس الألفاظ تغدو رموزاً يومىء بها إلى المعاني الثواني نظراً لطبيعتها المجازية.

الجرجاني يحيل الاستعارة في بنائها على المعنى فـ (التأثير في الاستعارة إنما يكون في المعنى)، وهذا المعنى إنما هو المعنى الثاني الذي هو علاقة منسوجة بين الأجزاء (20). إن الاستعارة لا تحمل دوماً طابعاً وصفياً بل تحمل أيضاً قدراً من الرمزية، كما سنرى في دراستنا لاستعارة الماء في لغة قباني. فالرمز، كما يقول بودلير، مجاز نوعاً ما، يساعد الإنسان على فهم المثال (Idée) بالإشارة إليه، وتمثيله وتمويهه في آن (21). ويؤكد كل من (ويلك) و(أوستن) من أن الصورة يمكن استثارتها مرة على سبيل المجاز، لكنها إذا عاودت الظهور بإلحاح، كتقديم وتمثيل على السواء، فإنها تغدو رمزاً قد يصبح جزءاً من منظومة رمزية أو أسطورية (22).

الاستعارة تمثيل للشعور، وفاعلية الاستعارة، كمبدأ لساني، تعتمد بالدرجة الأساس على خاصيتها المنحرفة، غير أن الاستراتيجية الاستعارية قد تفقد فاعليتها الجمالية وخاصيتها الخالقة بفعل الاعتياد والتكرار، وبذلك تدخل الاستعارة كجزء من النسيج اللساني الاعتيادي. والشعر ينبغي أن يكون جيداً ومدهشاً لكن الاستعارة عندما تستعمل بمعنى محدّد وبصورة متكررة بما فيه الكفاية، فإنها تفقد نكهتها المميزة في السحر، وتفقد قدرتها على الإدهاش.

الاستعارة، إذن، بنية جمالية منحرفة ونسق له نظامه الخاص الذي يقوم على مبدأ التشابه المضمر بين العناصر المتنافرة. فإذا كان الشكل في المنظور البنائي الوظيفي يعني الطريقة التي تكتسب بها العناصر فاعليتها الإستطيقية ضمن العمل الفني، أي ما ينتظم هذه العناصر من نظام، فإن الاستعارة، بهذا المعنى شكل جمالي. إنها الغائية الصورية، أي الشكل الذي يظهر خلاله الموضوع في التصور الجمالي. يرى (موكاروفسكي) في (أيار ماخا) أن التحليل الإستطيقي للعمل الفني ينبغي أن يكشف عن عناصره التي لها وظيفة إستطيقية. أما العلاقة التي بينها وبين الكاتب من جهة وبين الواقع خارج العمل الفني من جهة أخرى فلا أهمية لها من وجهة نظر ذلك الهدف. ويضيف اللساني التشيكي أن الفصل المعتاد بين الشكل والمضمون فصل لا يقوم على أساس مقنع (23).

وفي ضوء هذا التصور، وبما أن الاستعارة بنية للمعنى، فإنه يمكن إدخال المدونة الشعرية النزارية في دائرة التحليل الأسلوبي. يرى (ويلك) و(أوستن) أن الاستعمال الأدبي والجمالي للأسلوبيات يقصرها على دراسة عمل فني أو مجموعة من الأعمال التي يجب أن توصف بحدود معناها ووظيفتها الجمالية (24). وعلى هذا، فإن دراستنا تتمحور حول تحليل العناصر الجمالية وعلاقاتها المتداخلة في المجموعة الشعرية «أشهد أن لا امرأة إلّا أنت» للشاعر الراحل نزار قباني، غير أن التحليل الأسلوبي يأخذ بالاعتبار علاقة المجموعة الشعرية بمنجز قباني الشعري من أجل الكشف عن الغائية الرمزية وعلاقة السياق الدلالي للصورة بسياقها النفسي.
صفحة 7
2 ـ غائية الصورة الشعرية (استعارة الماء)

تضم مجموعة قباني الشعرية «أشهد أن لا امرأة إلّا أنت» (الطبعة الثالثة، 1981) (25) نصاً شعرياً يغلب عليها طابع القِصَر باستثناء النص الذي اتخذه الشاعر عنواناً لمجموعته الشعرية. والتأمل الأسلوبي لنصوص المجموعة يبيّن لنا أن العنصر الذي يحرّك المسار الشعري للنصوص هو المستوى الدلالي، وعلى وجه التحديد استعارات الجمال المرتبطة ارتباطاً وظيفياً بدلالة الماء.

يشكّل (الماء) في الفكر الفلسفي مصدر الوجود ومبعث الحياة. فالماء العنصر الثالث الذي يشكّل الخليقة. يتلخص رأي (أمبيدوكل) في أن كل ما في الوجود مكوّن من العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب. وهذه العناصر عنده متساوية في الجوهرية والأزلية والأبدية... وكل ما يشبه أنه يوجد وينعدم في هذا الكون لا يأتيه وجوده أو انعدامه الظاهري إلّا من اجتماع هذه العناصر وتفرقها (26). ويعدّ الماء رمزاً أسطورياً في أساطير الخلق والتكوين. فأسطورة «تلمون»، وهي إحدى أساطير وادي الرافدين، توضح العلاقة بين الأرض (الأنوثة) والماء (الذكورة). فالانقطاع بين الأرض والماء ينذر باليباب وضمور الحياة، واللقاء بينهما يشي بالاخضرار والرواء.

أما أسطورة «أنيوما أيلش»، فإنها تصوّر الماء العذب تفيض به وهدة عميقة تحيط بالأرض التي بدت وسط ذلك المحيط حقيقة ناتئة قامت فيها جبال عالية قرّت عليها القبة السماوية. وهذه المياه المحيطة بالأرض تدعى «أبسو». نظرية (الميلاد المائي) هذه أو هذا التصور الميتوبي يكاد يضارع التصور الإغريقي. فلقد جعل الأغارقة أرضهم يحيط بها نهر (الأوقيانوس) الذي سمّاه (هوميروس) (أبا الكائنات). ويذهب الفيلسوف (رسل) في(تاريخ الفلسفة الغربية) إلى أن (طاليس) كان أحد (الحكماء السبعة) في اليونان، كل منهم اشتهر بحكمة قالها، وتجري الرواية بأن حكمته التي قالها هي (أفضل الأشياء هو الماء). وبناء على ما يقوله أرسطو، فإن طاليس قد ذهب إلى أن الماء هو العنصر الأصلي الذي تتألف منه سائر العناصر جميعاً؛ ويعتقد أن الأرض مرتكزة على الماء (27).

وفي الأدبيات الدينية يتخذ الماء دلالات قدسية «ففي الربع الأخير من الليل جاء يسوع إلى التلاميذ ماشياً على مياه البحيرة». يقول المعلم: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه». وفي التنزيل العزيز، وبعد أن خلق اللَّه الوجود (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، والماء سر الخلق (وَ جَعَلْنَاْ مِنَ المَاْءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ). وتقول (المندائية) إن الحي قد أقام الحياة من المياه الجارية في اليوم الخامس للخلق، إذ خلق الحي الوجود النوراني في خمسة أيام غير منفصلة. أما في الديانة الهندوسية، فإن الماء قد نزل من السماء على شعر الإل~ه الراقص (شيفا) ليجري بعدها نهر (الغانج) المقدس.

الماء، إذن، مصدر الحياة: يتشكّل تارة مطراً، وتارة يتشكّل بحراً. إن حركة الماء في الطبيعة تدور ولا تسير، ولأنها تدور فإنها لا تنتهي إلّا لمبتدأ جديد. فعلى مستوى التكوين المادي، يتصاعد الماء من البحر واليابسة ليشكّل غيوماً. وما هذه الغيوم سوى قطرات صغيرة من الماء المتكاثف. وبتكاثف المزيد من الماء وبهذه الطريقة يهطل مطراً ليعود ثانية إلى اليابسة أو إلى البحر.

هذه الظاهرة الطبيعية (الماء) تصبح دلالة مكتنزة بالثراء في تجربة قباني الشعرية. فالماء بثنائيته (المطر/البحر) يتوزّع قصائد الديوان: دلالة الماء في «أشهد أن لا امرأة إلّا أنت» ترتبط بجدلية قباني الأثيرة (المرأة/الحب)، وبذلك تغدو (الماء/المرأة/الحب) العناصر الدلالية التي تبني الصورة المفترضة للعالم. والخطوة الأولى في تحليلنا ستكون في الكشف عن ذلك التكوين اللساني الأمامي الذي يؤدِّي وظيفة جمالية. لنأخذ، أولاً قصيدة (الحضارة) مادة لسانية للتحليل. ترتبط استعارة الماء (المطر/البحر) بثنائية قباني (المرأة/الحضارة). والمعاينة الأسلوبية للنص تظهر لنا أن الانتقاء اللساني «حبك» في البيت الشعري الأول يشكِّل انتهاكاً قصدياً لقانون اللغة:

يغسلني حبك من بداوتي.
صفحة 8
فمن المعلوم أنه في الإجراء التواصلي الاعتيادي تتلازم الصيغة الفعلية «يغسل» تلازماً لسانياً ولفظة «الماء». هذا التجاور التلقائي للألفاظ لا يتحقّق في اللغة الشعرية، فهذه اللغة تحقِّق قدراً من التوتر عن طريق الانتقاء الدلالي اللامألوف. وبهذا تبدو العلاقات داخل البنية الجمالية علاقات سالبة لأنها تقوم على التوتر والتناقض والصراع. فلقد أسبغ قباني على التجريدي «الحب» صفات الكائن الحي. وهذا التشخيص من شأنه أن يشحن البنية بدينامية جديدة. كذلك فإن انتقاء الألفاظ المتداولة في اللغة الدارجة كما في لفظة «يشيل» في البيت الثاني يدفع إلى مثل هذا القدر من التوتر:

يشيل عني الرمل والحجارة.

ويمكن أن نجادل مع (موكاروفسكي) من أن الألفاظ التي تنشأ في اللغة الدارجة واللهجات أو اللغات الأجنبية، غالباً ما يتم تبنِّيها بسبب من أصالتها وغرائبيتها، أي لأغراض التكوين اللساني الأمامي الذي يلعب فيه التقويم الجمالي دوراً أساسياً. ويتضح لنا من سير المعنى أن العنصر اللساني «حبك» هو العنصر الجمالي المهيمن الذي يوجِّه حركة النص:

يدخلني في قصره المائي كل ليلة

يدخلني في زرقة العبارة.

في هذه الأبنية الاستعارية نجد أن عبارتي «قصره المائي» و«زرقة العبارة» تنتميان إلى الحقل الدلالي للماء، وفيهما نلحظ ذلك التراسل بين المادي والمعنوي بحيث تتشكّل الأفكار في سياق صوري دائم الحركة (28). هذا السياق في جوهره سياق رمزي. فالمشهد بكليته مشهد رمزي، وصياغة «زرقة العبارة» صياغة رمزية. إن إضفاء الحسي (الزرقة) إلى التجريدي (العبارة) من شأنه أن يذيب المادة اللسانية لكي يخلقها خلقاً جديداً. فهنا الألفاظ تفقد قيمتها المعيارية بالقياس إلى قيمتها الإيحائية. والبناء الاستعاري في (الحضارة) يتجاوز تشكيل عناصره إلى إحداث نوع من الغرابة والتأثير الذي تخلقه الطريقة التي تكتسب بها تلك العناصر فاعليتها الجمالية. فالاستعارات المائية، هنا، استدعتها قدرة الخيال لبناء المشهد الرمزي. هذه الاستعارات لا تبني المشهد الرمزي فحسب بل تقود خيال القارىء إلى التجريدي البعيد. والاستعارات بدفقاتها المتواترة تشكِّل بمجموعها «استعارة ممتدة». إن مستويات النظام اللساني تكتسب في لغة قباني قيمة مستقلة ذات أهمية خاصة. فعلى مستوى النحو، نجد الأفعال المضارعة «يغسلني/يشيل/يدخلني» هي التي توجِّه حركة الزمن داخل النص. واستعمال الصيغة المضارعة تجعل التجربة بكليتها حاضرة أمام نظر المتلقي، كما أنها تشحن المشهد بالحيوية والحركة. ومن اللافت للنظر أن قباني يتخلّى عن (واو) العطف ليضاعف من رمزية المشهد. على المستوى الدلالي، نرى أن قباني يعمد إلى ألفاظ الماء «يغسل/الثلجي/زرقة» لبناء الصورة الذهنية للواقع، أما على المستوى الصوتي (الفنولوجي)، فإن تقفية (الحجارة/العبارة) تجعلنا على وعي برمزية الصورة مثلما هي عامل هارمونية وتنغيم. ويظل العنصر الجمالي يهيمن على علاقات البناء الشعري ويسير المعنى فيه حتى نهايات النص:

وعندما أسأله:

من أنتِ يا حبيبتي؟

يرفع لي عن وجهكِ الستارة

ثم يقول: ها هي الحضارة.

يأتي القول الشعري الأخير بصيغة حوارية يتوحْدن فيه المعياري والاستعاري حتى يبلغ البيت الأخير الذي يشكِّل (الضربة). ونحن نرى أن القيمة الجمالية المهيمنة تبدأ بالبيت الأول وتسير متنقلة عبر الأبيات الشعرية حتى البيت الأخير.

يشكّل البيت الأخير تكويناً استعارياً طرفاه (المرأة = طبيعة بشرية) و(الحضارة = طبيعة تجريدية). ونحن نشعر بتلك الفجوة بين طرفي الاستعارة، غير أن هناك شرارة، كما يقول (سي. دي. لويس)، تقفز لتملأ الفجوة، لتشع لا لتنطفىء، فجماليات المرأة تضيء جماليات الحضارة.

تقوم قصيدة (الحضارة) على مبدأ التناقض بين محورين: «البداوة» التي ينتهي بها البيت الأول و«الحضارة» التي ينتهي بها البيت الأخير. والشاعر يشعر بذلك الإشراق الروحي وهو ينتقل من طور «البداوة/اليباب» إلى طور «الحضارة/المرأة». المحتوى الشعوري ينعكس في الاستعارات المائية، وهي استعارات جمالية بطبيعة الحال. يشكّل الجزء الأول من القصيدة مشهداً رمزياً: الحب ـ هذه الفكرة المتجسدة صورياً ـ يغسل المتكلم ليزيل عنه أوشاب البداوة وليدخله في قصره المائي (وهي صورة تذكّرنا بصورة القصر العجائبي الذي بناه ـ قبلاي خان ـ على ضفاف نهر «آلف» السحري) كما جاء في قصيدة (كوليرج). ثم يدخله في (زرقة العبارة)، وهي عبارة صورية تستدعي إلى الخيال صور آباء الرمزية الأثيرة، إذ إن مائية الصور تشكّل السمة الأسلوبية الأكثر بروزاً في منجز قباني الشعري على مدى أكثر من نصف قرن. ثم يرفع الحب الستارة ليطلّ المتكلم على مشهد ترتبط فيه جماليات المرأة بجماليات الحضارة. هنا نرى أن الذائقة الجمالية لقباني تقف على النقيض من الذائقة الجمالية العربية الكلاسية. نساء قباني «المدينيات» هنَّ لسن نساء الشعر العربي الكلاسي. المتنبي الشاعر يفضِّل «حسن البداوة» ويجعله متقدماً حتى على صعيد النحو الشعري:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي البداوة حسن غير مجلوب (29)
صفحة 9
قد يشكِّل القول الشعري الأخير «ها هي الحضارة» مجازاً رمزياً. فالرمز ـ كما يقرِّر (بينيه) ـ صورة (image) تمثّل فكرة. وإن من طبيعة الرمز أن يكون تلقائياً ذاتياً، أساسه أن يتعقّب الشاعر العلاقات الخفية بين أفكاره ومشاعره ـ بوصفها عناصر ذاتية ـ من ناحية،والأشياء بوصفها عناصر موضوعية من ناحية أخرى (30). ولكي نحصل على الرمز لا بدّ أن يكون هناك مستويان: مستوى الأشياء الحسية أو الصور الحسية التي تؤخذ قالباً للرمز، ومستوى الحالات المعنوية المرموز إليها (31). في المجاز النزاري، نرى أن المرأة هي الصورة الحسية التي تمثِّل ما هو تجريدي (الحضارة)، غير أن منظِّري الرمزية يرون أنه لا بدّ من وجود علاقة بين ذينك المستويين، هذه العلاقة هي التي تهب الرمز قوة التمثيل الباطنة فيه، نعني علاقة المشابهة التي لا يقصد بها التماثل في الملامح الحسية بل يقصد بها تلك العلاقات الداخلية بين الرمز والمرموز من مثل النظام والانسجام والتناسب وما إلى ذلك من سمات أساسها تشابه الواقع النفسي في كليهما (analogy) وهو من هذه الناحية ـ كما يقول (تندال) على علاقة بالمجاز (metaphor) ولكنه مجاز شطره غيرموضوعي أو محدّد، ونعني ذلك شطره الموحى به (32).

واستناداً إلى هذا، فإنه لا بدّ للرمز من أن يشغل حساسيتنا بتغطية الفكرة وحجبها، وبقول مختصر أن يحل محلها، وبالتالي أن يمنعها من بلوغ منطقة الوعي الواضح (33). ومن اللافت للنظر أن ثنائية «المرأة/الحضارة» سوف تظهر بصورة جلية في قصائد قباني اللاحقة. ففي مقطوعة «افتراضات رمادية»، يظهر ذلك التداخل بين الجمال والثقافة والشهرة والإبداع والخلق، «صعب أن أتصوّر حضارة لا تشرب من ينابيعك». غير أننا نرى أن الرمز في المجاز الرمزي لا يحجب الفكرة كما هو الحال في قصيدة «تنويعات موسيقية عن امرأة متجرّدة»، وهو أمر لا نعدم وجوده في أشعار (بودلير)، إذ يظهر الرمز والمرموز، ومن هنا يقف بعض شعر (بودلير) على حافة التشبيه لا يتعداه:

رأسك وإيماؤك وروحك

جميلة كالريف الجميل

والضحكة التي على وجهك تشبه النسمة الرقيقة في سماء صافية (34).

وهكذا نرى أن قباني لم يكن بمنأى عن التأثيرات الرمزية. يقول قباني في «قصتي مع الشعر»: «ونشأنا في ظلال الثقافة الفرنسية... نقرأ راسين، وموليير، وكورناي، وموسيه، ودوفيني، وهوغو، وألكساندر دوماس، وبودلير، وبول فاليري، وأندره موروا في لغتهم الأصلية ونتذوّق الأدب الفرنسي من منابعه» (35). ويقول الناقد (نذير العظمة): «نزار لم ينكر في سيرته الذاتية تأثره بالشعر الفرنسي ولا سيما المدرسة الرمزية وأساطينها، كما لم ينكر تأثره في بداياته بالشعر في لبنان الذي كان بدوره حاضناً لرمزية شارل بودلير ومالارميه وفرلين» (36).

قلنا، فيما سبق، إن موكاروفسكي قد أدرج تحت عنوان (المادة) الموضوع Thème بما يضمّه من الصور والأفكار والمشاعر واللغة. وفي فن الشعر ليس هناك من خلاف جوهري بين الموضوع واللغة، إذ إن موضوع النص الشعري يمثِّل وحدته الدلالية الكبرى. في (الحضارة)، لا تشكّل المرأة/الحضارة خرقاً قصدياً على صعيد اللغة فحسب بل على صعيد الموضوع أيضاً. فالإدماج بين الحالة الجمالية الحسية (المرأة) والحالة الجمالية الذهنية تعدّ موتيفة لم تألفها الشعرية العربية الكلاسية التي توقفت عند حدود التوصيف الشعري للمحاسن الأنثوية دون ربط صورة المرأة بالسياقات الإنسانية. وفي واقع الأمر، فإن (المرأة) و(الحضارة) ماهيتان مختلفتان: المرأة تجسيد والحضارة تجريد. والأساس المشترك بينهما هو أنهما حالة عقلية ونفسية. فالصورة الحضارية ـ مثلما هي المرأة ـ ينبغي أن تكون حاضرة في الذهن وهكذا ترتبط المرأة بالحضارة على الرغم من أن المرأة حقيقة واقعة وأن الحضارة سابقة على التاريخ (37). ولكن ثمة حقيقة لا بدّ من الإفصاح عنها وهي إذا كانت المرأة «حالة عقلية ونفسية» على سبيل التماثل الموحى به، فإن هذه الحالة لا بدّ أن تنمو نمواً طبيعياً في فضاءات من الحرية والجمال. وهذا النمو لا يتحقّق إلّا بقيام واقع لا قمعي. إن نشوء واقع لا قمعي بعيداً عن التشيؤ (استخدام الجسد كأداة للذة):

إياك أن تتصوّري

إني أفكر فيك تفكير القبيلة بالثريد

وأريد أن تتحوّلي حجراً (38)..

ونشوء واقع يقوم بصلابة ضد الإرهاب الجسدي الذي تمارسه القوى القهرية على أرض الواقع:

ما زال أبو لهب يتمطّى فوق وسائد هذا الشرق

يتسلّى في قص الحلمات

وقطع الثدي، وضرب العنق (39).

ونشوء واقع يكرِّس التهذيب الحضاري للجنسية وتصعيدها إلى مرتبة الحب:

العالم عشق... فاتحدوا يا أهل العشق (40).

هي أفكار تومىء بها أشعار قباني على مدى أكثر من نصف قرن. يرى (ماركوز) في (الحب والحضارة) أنه ينبغي للإنسان أن يكون موجوداً سامياً حتى وهو على مستوى ارتوائه بالضبط، وخاصة ارتوائه الجنسي، فينصاع وهو هناك للقيم السامية، أي أن على الغريزة الجنسية أن تكتسب جدارتها من الحب (41). يحلِّل الناقد (محي الدين صبحي) في (الكون الشعري عند نزار قباني) إنجاز الشاعر وشجاعته في مواجهة الآخر فيرى أن شجاعة الشاعر تتحدّى المجتمع في صميم قيمه وأما إنجاز الشاعر فإنه يؤدِّي إلى تغيير طريقة الحياة الموروثة بأكملها ـ وبذلك لا يقتصر الشاعر على أن يكون مكتشفاً للجمال وخالقاً له ومعبِّراً عنه، وإنما يكون مكتشفاً أيضاً لطريقة للحياة الجميلة، وممارساً لحريته في خلقها، ومعبِّراً عن جمال الحرية وحرية الجمال. إنه داعية إلى أخلاق جديدة وحضارة جديدة (42).
صفحة 10
تعدّ (المرأة/الحضارة) موضوعة جديدة في الفكر الشعري العربي، إذ يقدِّم قباني الرمز/المرموز في خواتيم القصيدة، وبذلك يتمّ الإفصاح عن الفكرة أو المثال دون إحلال الرمز محلها أو حجبها عن منطقة الإدراك الواضح. غير أن قباني يقدّم هذه الموضوعة الأثيرة بصورة أكثر عمقاً في «تنويعات موسيقية عن امرأة متجرّدة»، وهي من قصائد «أشعار خارجة عن القانون». ترقى هذه القصيدة إلى مصاف القصائد الرمزية إذ لا يتمّ الإفصاح عن المثال بل يومىء إليه. وقبل الشروع بتحليل القصيدة، ينبغي الإشارة إلى مبدأ الإدراك الحسي في علم الجمال، فقباني شاعر جمالي. والشاعر بفعل ملكاته الجمالية يتناول العالم تناولاً جمالياً. الجمال، في الفكر الكانطي، «كمال الإدراك بواسطة الحواس». فإدراك الجمال، بالاستناد إلى (كانط) في (نقد الحكم) يعتبر إدراكاً مباشراً مستقلاً عن تصورنا لما هو جميل، ففي الشيء تتبدّى سمة الجمال التي ندركها فيه دون الحاجة إلى تصور نموذج أو مثال للجمال نقيس بمقتضاه جمال الأشياء. والشيء الجميل إنما يتراءى لنا في صورة ذات أبعاد وحدود، وعلى هذا فإن ظاهرة الجمال عند (كانط) تعبِّر عن الانسجام أو الاتساق أو النظام. وهذا هو قوام الجمال ومناط تقديرنا وإعجابنا بالشيء الجميل (43). لقد كان لفلسفة (كانط) بنوع خاص تأثيرها البالغ في المذهب الرمزي سواء في أسسه الجمالية العامة أو فلسفته الفنية. وأهم ما أثّر به (كانط) في فلسفة الفن الرمزي، تفرقته بين الجمال في ذاته والمنفعة، فالعمل الفني ذو خصائص جوهرية بها تتوافر له صفة الجمال، وجماله المحض لا يتمثّل في سوى شكله، والجمال هو الصورة الغائية لموضوعه، «من حيث تدرك فيه الغائية بغير تمثل للغاية» كما يقول، أما الحكم الجمالي فمردّه إلى الذوق، وهو حكم ذاتي ابتداء ولكنه موضوعي من ناحية افتراض عموم الشعور به لدى ذوي الأذواق (44).

تقوم قصيدة «تنويعات موسيقية عن امرأة متجردة» على الإدراك الحسي لنهدين عاريين. فالشاعر يدرك موضوعات الجمال إدراكاً حسياً. وموضوعة التأمل (نهدان عاريان) في النص الشعري موضوعة ثرية بالإيحاءات الشعرية ولها قدرة على إثارة الانفعالات الغامضة. فالنهدان العاريان واقع ماثل وهو مصدر اللذّة الجمالية لما يتمتّع به من جمال. لذا تكون العلاقات بين جمال الموضوع وجمال التعبير علاقات متداخلة. غير أن الجمال التعبيري يأتي بأشكال متوالية من الصور الشعرية التي تأخذ طابعاً رمزياً.

يقوم التركيب الفني للقصيدة على ستة مقاطع شعرية هي عبارة عن تنويعات جمالية للموضوع المعطى. فالقصيدة بكليتها تقترب من الفن التشكيلي. والمقطع الشعري الواحد ما هو إلا لوحة تشكيلية أو رسم بالكلمات لصورة الجسد الأنثوي. وتختفي وراء غلالة الصور الملونة انفعالات الشاعر الجمالية. إن جوهر الشعر يقوم على القيمة الإيحائية للألفاظ التي تختزن ذلك التماوج الشعوري لنفسية الشاعر إزاء موضوعات الجمال. يرصد المقطع الشعري الأول جماليات الحركة لهذا العنصر الأنثوي بدفق من الصور الرمزية، (ديكان جميلان/حقول الشاي في سيلان/أدغال البهارات/جوز الهند):

كان في صدرك ديكان جميلان

يصيحان كثيراً،

وينامان قليلاً

وأنا كنت بلا نوم

وكان الشرشف المشغول بالإبرة

مزروعاً عصافير..

وورداً

ونخيلاً

كيف يأتي النوم يا سيدتي

وحقول الشاي في سيلان، تدعوني

وأدغال البهارات

وجوز الهند

لا تترك للنوم سبيلاً

ويقدّم الشاعر جماليات اللون بصورة أكثر غرابة؛ تلك هي صورة (سمك القرش) لما يتمتّع به هذا الحيوان البحري من بضاضة اللحم وطراوته:

سمك القرش الذي يقفز من خلجان نهديك

البدائيين يغريني بتنفيذ الجريمة.