نشأة علم القراءات وبدء التأليف فيه
نزل القرآن وحياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مدة ثلاث وعشرين سنة، من يوم مبعثه إلى حين وفاته. وكان يقرأ ما ينزل من آيات القرآن على الصحابة ليحفظوها، ويقرؤوها في صلواتهم، ويسيروا على هداها في عباداتهم، ويعملوا بمقتضاها في معاملاتهم. «فتجرَّدوا لتصحيحه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه. وتلقوه من النَّبي صلى الله عليه وسلم، حرفاً حرفاً. لم يهملوا منه حركةً ولا سكوناً ولا إثباتاً ولا حذفاً. ولا دخل عليهم في شيء منه شكّ ولا وهم. وكان منهم مَنْ حفظه كلَّه. ومنهم من حفظ أكثرَه. ومنهم من حفظ بعضَه. كلّ ذلك في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في أول كتابه في القراءات مَنْ نُقِلَ عنهم شيء من وجوه القراءات من الصحابة وغيرهم»(1).
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم جماعة من الذين يحسنون الخط، وهم كتاب الوحي، بكتابة ما ينزل من آي القرآن. ومن هؤلاء الكتاب علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وهما من رجال قريش أهل مكة. ومنهم زيد بن ثابت وأُبَيُّ بن كعب، وهما من الأنصار أهل المدينة. ومنهم عبد الله بن مسعود الهُذَلي. ومنهم آخرون غير هؤلاء المذكورين.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن بلغات عديدة، أي بلهجات مختلفة، حسب اختلاف لغات قبائل العرب. وذلك للتسهيل على رجالهم، والتيسير على ألسنتهم في لفظه وقراءته. وكان يقول: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. فاقرؤوا ما تيسر منه»[2].
وتوفِّي الرسول صلى الله عليه وسلم من غير أن يأمر بجمع آي القرآن في كتاب. فظلت مفرَّقة، مكتوبة عند بعض الصحابة، ومحفوظة في صدور القرّاء منهم. وارتدَّت قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وسار المسلمون إلى قتال المرتدِّين، واسْتُشْهِد كثير من الصحابة في حرب اليمامة، حتى بلغ عددهم خمس مئة شهيد. وفيهم كثير من حَفَظَة القرآن[3].
فهال مقتل القرّاء كبارَ الصحابة، وخافوا ضياع القرآن بمقتلهم. فبادر عمر بن الخطاب، ودخل على أبي بكر الصِّدِّيق. وقال له: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتهافتون في الحرب تهافتَ الفراش. وإني أخشى أن يضيع كثير من القرآن بموتهم. ولم يزل به حتى أقنعه بفضل جمع القرآن. فأمر أبو بكر زيدَ بنَ ثابت الأنصاري بجمعه وكَتْبه[4].
ذكر الإمام أبو عمرو عثمانُ بن سعيد الدّاني: «قال زيد: فدعاني أبو بكر. فقال: إنك رجل شاب. قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فاجمع القرآن واكتبه. فقال زيد لأبي بكر: كيف تصنعون بشيء لم يأمركم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأمر ولم يعهد إليكم فيه عهداً؟ قال: فلم يزل بي أبو بكر حتى أراني الله مثلَ الذي رأى أبو بكر وعمر. فقال: والله، لو كلَّفوني نقلَ الجبال لكان أيسرَ من الذي كلَّفوني»[5].
وجاء في معجم لسان العرب: «وفي حديث زيد بن ثابت حين أمره أبو بكر الصِّدِّيق بجمع القرآن. قال: فعَلِقْتُ أتتبَّعه من اللِّخاف والعُسُب. وذلك أنه استقصى جميع القرآن من المواضع التي كُتِبَ فيها. حتى ما كُتِبَ في اللخاف، وهي الحجارة، وفي العسب، وهي جريد النخل. وذلك أن الرَّقّ أعوزهم حين نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمر كاتب الوحي فيما تيسَّر من كَتِف ولوح وجلد وعَسِيب ولَخْفَة[6] وإنما تتبع زيد بن ثابت القرآن، وجمعه من المواضع التي كُتِبَ فيها، ولم يقتصر على ما حفظ هو وغيره - وكان من أحفظ الناس للقرآن - استظهاراً واحتياطاً لئلاّ يسقط منه حرف، لسوء حفظ حافظه، أو يتبدَّل حرف بغيره. وهذا يدل على أن الكتابة أضبط من صدور الرجال، وأحرى ألا يسقط منه شيء. فكان زيد يتتبع في مُهْلة ما كُتِبَ منه في مواضعه، ويضمه إلى الصحف. ولا يثبت في تلك الصحف إلا ما وجده مكتوباً كما أنزل على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأملاه على من كتبه»[7].
وأُودِعت الصحفُ المكتوبة عند أبي بكر، ثم عند عمر بن الخطاب حين ولي الخلافة، ثم عند ابنته حفصةَ أُمّ المؤمنين بعد وفاته[8].
ومضى المسلمون يقرؤون القرآن بالحروف التي تلقّوها عنه، فظهر بين هؤلاء الصحابة شيء من الخلاف في التلاوة حسب سماع كل واحد منهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم زاد هذا الخلاف مع الزمن حين تفرقت جموع المسلمين في فتوح الأمصار. والتقى أهل العراق وأهل الشام في فتح أذْرَبَيْجانَ سنةَ ثلاثين من الهجرة، على عهد الخليفة عثمانَ بن عفان. فظهر بين الفريقين خلاف في التلاوة. واتَّهم بعضهم بعضاً بتغيير القرآن. ووقعت بينهم الشبهة، حتى كاد كل فريق يكفِّر الفريق الآخر. وكان فيهم حُذَيْفَةُ بن اليمان صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأفزعه خلاف المسلمين. فأقبل إلى الخليفة عثمان، وقال له: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، ويتفرقوا في أمر دينهم. وأخبره بالخلاف الواقع بين المسلمين في قراءة القرآن[9].
فبادر الخليفة عثمان، وأرسل إلى أُمّ المؤمنين حفصةَ بنت عمر أن ترسل إليه صحف القرآن المُودعةَ عندها. فأرسلتها إليه. فأمر زيدَ بن ثابت الأنصاري بنسخها في مصحف واحد. وجعل معه في هذا الأمر الخطير جماعة من كبار الصحابة، هم عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهم من قريش أهل مكة. وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم[10].
وعكف هؤلاء الصحابة الأعلام على العمل الجليل الذي عُهِدَ به إليهم. وكتبوا أربعة مصاحف، في أشهر الأقوال[11]. فوجَّه الخليفة عثمان بمصحف منها إلى البصرة، وبمصحف إلى الكوفة، وبمصحف إلى الشام. وأمسك لديه مصحفاً، وهو الذي عُرِف بالإمام. وفي قول آخر أن الصحابة المكلفين بهذا الأمر كتبوا ثمانية مصاحف[12]، وأن الخليفة وجَّه بواحد منها إلى مكة، وبآخر إلى اليمن، وبآخر إلى البحرين، وترك مصحفاً في المدينة، غير الإمام الذي أمسكه لنفسه. وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ. والقول الأول هو الأصحّ، وعليه الأئمة والعلماء[13].
ثم رَدَّ عثمان الصحف إلى حفصةَ أُمّ المؤمنين. وأمر بكل ما في غير هذه المصاحف المكتوبة من القراءة، في كل صحيفة أو مصحف، أن يُحْرَق[14] ثم أُحْرِقَت أيضاً الصحف المحفوظة عند حفصةَ أُم المؤمنين بنت عمر بعد وفاتها. أحرقها مروان بن الحكم[15] حين كان أمير المدينة مخافةَ أن يكون في شيء منها اختلاف لما أمر عثمان بنسخه في المصاحف التي كتبت في عهده.
وأجمع المسلمون على ما تضمنته هذه المصاحف، وتركوا ما خالفها. وقرأ أهل كل مِصْر بما في مصحفهم. وتلقّوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمرو الداني: «وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل، من حيث أرادوا الدلالةَ على بقاء السَّعة في اللغات، والفُسْحةِ في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها، والقراءة بما شاءت منها. فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نَقْطَها وشكلَها»[16].
وحقّاً كانت هذه المصاحف قد كتبت خالية من النَّقْط، أي إعجام الحروف وشكلها، لخلوِّ الكتابة العربية آنذاك من هذه العناصر الخطية. فاحتملت قراءتها «ما صحّ نقلُه، وثبتت قراءته عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كان الاعتماد على الحفظ، لا على مجرد الخط، وكان من جملة الأحرف التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه»[17].
وأمر هذا الحديث شأن مشكل. وقد ذهب العلماء مذاهب شتى في تفسير المعنى المقصود بهذه الأحرف السبعة. ونرى أن أصح هذه المذاهب، وأدناها للصواب وواقع الحال، هو أن المقصود بها لغات العرب، أي لهجات قبائلهم. جاء في معجم لسان العرب: «ابن سِيَده[18]: والحرف القراءة التي تُقْرأ على أوْجُه. وما جاء من قوله، عليه الصَّلاة والسَّلام: «نزل القرآن على سبعة أحرف، كلُّها شافٍ كافٍ»؛ أراد بالحرف اللغةَ. قال أبو عبيد وأبو العباس[19] نزل على سبع لغات من لغات العرب. قال: وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوْجُهٍ. هذا لم يُسْمَعْ به. قال: ولكن يقول: هذه اللغات متفرقة في القرآن. فبعضه بلغة قريش. وبعضه بلغة أهل اليمن. وبعضه بلغة هوازنَ. وبعضه بلغة هذيل. وكذلك سائر اللغات ومعانيها في هذا كله واحد.
ومما يبين ذلك قول ابن مسعود[20] إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين. فاقرؤوا كما عُلِّمتم. إنما هو كقول أحدكم: هلمَّ، وتعال، وأقْبِلْ. قال ابن الأثير: وفيه أقوال غير ذلك. هذا أحسنها.. وروى الأزهري[21] عن أبي العباس[22] أنه سئل عن قوله: نزل القرآن على سبعة أحرف. فقال: ما هي إلا لغات. قال الأزهري: فأبو العباس النحوي، وهو واحد عصره، قد ارتضى ما ذهب إليه أبو عبيد واستصوبه. قال: وهذه السبعة أحرف التي معناها اللغات غير خارجة من الذي كتب في مصاحف المسلمين التي اجتمع عليها السَّلف المَرْضِيُّون، والخَلَف المتَّبِعون. فمن قرأ بحرف، ولا يخالف المصحف بزيادة أو نقصان، أو تقديمِ مؤخَّر، أو تأخيرِ مقدَّم، وقد قرأ به إمام من أئمة القرّاء المشتهرين في الأمصار، فقد قرأ بحرف من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها. ومن قرأ بحرف شاذّ، يخالف المصحف، وخالف في ذلك جمهور القرّاء المعروفين، فهو غير مصيب. وهذا مذهب أهل العلم الذين هم القدوة. ومذهب الراسخين في علم القرآن قديماً وحديثاً. وإلى هذا أومأ أبو العباس النحوي وأبو بكر بن الأنباري في كتاب له، ألَّفه في اتِّباع ما في المصحف الإمام. ووافقه على ذلك أبو بكر بن مجاهد مقرئ أهل العراق، وغيرُه من الأثبات المتقنين. قال: ولا يجوز عندي غير ما قالوا. والله تعالى يوفقنا للاتِّباع، ويجنِّبنا الابتداع»[23].
وقد أوضح هذا المعنى، وبَيَّنه أحسنَ بيان أبو محمد ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن. قال: «وكل هذه الحروف كلام الله تعالى. نزل به الروح الأمين على رسوله، عليه الصلاة والسلام. وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضانَ بما اجتمع عنده من القرآن. فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء. وينسخ ما يشاء. وييسِّر على عباده ما يشاء. وما جرت عليه عادتهم. فالهذليّ يقرأ (عَتّى حِينٍ) يريد (حَتّى حِينٍ)[24] لأنه هكذا يلفظ بها، ويستعملها. والأسدي يقرأ: تِعْلَمون وتِعْلَم، و (تِسْوَدُّ وُجُوهٌ)[25] و (أَلِمْ إِعْهَدْ إِلَيْكُمْ)[26] والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز. والآخر يقرأ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ)[27] و (غِيضَ الْماءُ)[28]
بإشمام الضم مع الكسر، و(هذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا)[29] بإشمام الكسر مع الضم، و (مَالَكَ لاَ تَأْمَنَّا)[30] بإشمام الضم مع الإدغام. وهذا ما لا يَطوع به كل لسان. ولو أن كل فريق من هؤلاء أُمِر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده، طفلاً وناشئاً وكهلاً، لاشتدَّ ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه. ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل لهم متَّسَعاً في اللغات، ومتصَرَّفاً في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين، حين أجاز لهم، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته في فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجّهم، وطلاقهم وعِتْقهم، وسائر أمور دينهم»[31].
ونرى في هذا الكلام الذي قاله ابن قتيبة جلاءً واضحاً للمشكل الواقع في مدلول هذا الحديث. وهو أن المعنى المقصود بالأحرف السبعة لغاتُ العرب، أي لهجات قبائلهم المختلفة بعض الاختلاف الذي ذكر ابن قتيبة أمثلة منه.
وعلى الرغم من جمع القرآن، وتدوينه في مصحف واحد، وجَمْع المسلمين عليه، فإن تلاوته ظلت تعتمد على الرواية الصحيحة، بالسند الصحيح المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد قرأه صحابته عليه. وسمعه التابعون من الصحابة، وأخذوه عنهم. فتوالت قراءته بالسند الصحيح، على مرِّ الأيام والسنين، وتعاقب أجيال الرجال، جيلاً بعد جيل، في الأمصار الإسلامية. وثبتت القراءة بذلك سُنَّة متَّبَعة، يأخذها الخَلَف عن السَّلَف كما يسمعها، ويحفظها.
قال أبو بكر بن مجاهد: «حدثنا موسى بن إسحاقَ أبو بكر، قال: حدثنا عيسى بن مِينا قالون، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: «القراءة سُنَّة»[32]. وزيد بن ثابت هو الصحابي الجليل كاتب الوحي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وجامع القرآن في عهد أبي بكر الصِّدِّيق. وابنه خارجة محدّث من الفقهاء في المدينة. وأبو الزناد القرشي المدني قارئ ثقة، توفي سنة 130. وابنه عبد الرحمن محدّث، روى القراءة عن نافع إمام أهل المدينة، توفي سنة 164. أما قالون فهو راوي قراءة نافع، توفي سنة 220. وأبو بكر موسى بن إسحاقَ الأنصاري القاضي راوي القراءة عن قالون، توفي سنة 297.
وقال أبو بكر بن مجاهد أيضاً: «حدثني عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا عمرو بن عثمان الحِمْصي، قال: حدثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعته يقول: قراءة القرآن سنّة، يأخذها الآخِر عن الأوّل. قال: وسمعت أيضاً بعض أشياخنا يقول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز مثل ذلك»[33].
ونبغ في الأمصار الإسلامية قرّاء كثيرون، تلقّوا القراءة من أجيال التابعين. منهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وأبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم في المدينة. وعبد الله بن كثير إمام أهل مكة في القراءة. وأبو بكر عاصم بن أبي النَّجود مقرئ أهل الكوفة. وأبو عمرو بن العلاء التميمي إمام القرّاء في البصرة. وعبد الله بن عامر اليَحْصُبي إمام أهل الشام في القراءة. ومنهم خلف بن هشام البَزّار البغدادي الذي لمع في القراءة ببغداد.
وقد كثر عدد أئمة القراءة في كل مصر، مع مرور الزمن، أمثال هؤلاء القرّاء الذين ذكرناهم. وصار المسلمون يحملون عن كل إمام قارئ قراءتَه الخاصَّة التي اختارها، ويقرؤون بها، ويعلِّمونها جمهور الناس. فدعت هذه الزيادة في عدد القرّاء بعض العلماء إلى تأليف الكتب في القراءة والقرّاء. نذكر منهم يعقوبَ بن إسحاقَ بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاقَ الحضرميَّ. وهو من أهل بيت العلم بالقرآن والعربية. وكان أقرأَ القرّاء. وأُخِذَ عنه عامةُ حروف القرآن، من قراءة الحرميين والعراقيين والشام وغيرهم. «وليعقوبَ كتاب، سمّاه الجامعَ. جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات. ونسب كل حرف إلى من قرأ به. وتوفي سنة خمس ومئتين»[34].
ومن العلماء بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، أبو عبيد القاسم بن سلام الذي جمع القراءات في كتاب. وجعل القُرّاء خمسة وعشرين[35] وتوفي سنة أربع وعشرين ومئتين. ومنهم أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني الذي ألَّف كتاباً في القراءات ذكر فيه القرّاء والعلماء[36] قال عنه القِفْطي: «وكتابه في القراءات مما يفخر به أهل البصرة. فإنه أجلُّ كتاب صُنِّفَ في هذا النوع إلى اليوم»[37]. وكان بعده أحمد بن جُبَيْر بن محمد الكوفي، نزيل أنطاكِيَةَ، «جمع كتاباً في قراءات الخمسة، من كل مصر واحد»[38]. يريد الأمصار الإسلامية الخمسة التي اشتهرت بقراءة القرآن والقرّاء، وهي المدينة ومكة والبصرة والكوفة والشام. وتوفي سنة ثمان وخمسين ومئتين. وكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، صاحب قالون عيسى بن مِينا؛ ألَّف كتاباً في القراءات، جمع فيه قراءة عشرين إماماً[39]. توفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين. وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري؛ جمع كتاباً حافلاً، سمّاه الجامع، فيه نيِّف وعشرون قراءة (3). توفي سنة عشر وثلاث مئة. وكان بُعَيْدَه أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني؛ جمع كتاباً في القراءات أيضاً، وذكر فيه بين القرّاء أبا جعفر يزيدَ بن القعقاع مقرئَ أهل المدينة (3). وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاث مئة.
وما زال الأئمة من القرّاء يتكاثرون مع الزمن، كما يتكاثر حَفَظَةُ القرآن وحَمَلَةُ القراءات عن الأئمة السابقين. فتعدَّدت القراءات، وزادت طرقُها زيادة كبيرة. ولم تكف الكتب المؤلفة في القراءات والقرّاء لوقف هذا السيل المتدافع. وكان من القرّاء العالمُ العارفُ بوجوه القراءات وأسانيدها عن الأئمة. وكان منهم الذي لا علمَ له بهذه الوجوه والأسانيد، الناقصُ الإتقان للرواية والدراية بها. يجعله نقص علمه أن يقرأ شيئاً لم يقرأ به أحد قبلَه من أئمة القرّاء الماضين[40]. وهذه الحال قد تفتح باباً واسعاً للفوضى، وتؤدي إلى الغلط والتغيير في قراءة كلام الله.
تنبَّه على سوء هذا الأمر أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي. وهو عالم فذّ كبير، حفظ القرآن، وطلب العلوم، وأخذ القراءات وطرقها من شيوخها في عصره، ومعرفةَ روايات حروفها من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زمنه في القرن الرابع. ورحل في سبيل ذلك إلى الأمصار، المدينة ومكة والبصرة والكوفة والشام، فألَّف كتاباً اختار فيه قراءاتِ سبعة من أئمة هذه الأمصار[41]، الموثوقين المعروفين بالكِفاية والأمانة والإتقان. وهم:
أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعَيْم المتوفى سنة 169، من المدينة.
وأبو معبد عبد الله بن كثير الداري المتوفى سنة 120، من مكة.
وأبو بكر عاصم بن بهدلةَ بن أبي النَّجود المتوفى سنة 127، من الكوفة.
وأبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات المتوفى سنة 156، من الكوفة.
وأبو الحسن علي بن حمزةَ الكسائي المتوفى سنة 189، من الكوفة.
وأبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المتوفى سنة 154، إمام القرّاء في البصرة.
وأبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي المتوفى سنة 118، إمام القرّاء في الشام.
وهذه الأمصار الخمسة هي الينابيع الكبرى التي تفجرت فيها القراءات، وفاضت منها إلى العالم الإسلامي كله. وهؤلاء القرّاء السبعة الذين اختارهم هم نخبة أئمة القراءة فيها.
قال أبو بكر بن مجاهد في أول كتابه: «اختلف الناس في القراءة، كما اختلفوا في الأحكام. ورُوِيَت الآثار بالاختلاف عن الصحابة والتابعين توسعةً ورحمةً للمسلمين. وبعضُ ذلك قريب من بعض. وحَمَلة القرآن متفاضلون في حمله. ولِنَقَلَةِ الحروف منازلُ في نقل حروفه. وأنا ذاكرٌ منازلَهم، ودالٌّ على الأئمة منهم، ومُخْبرٌ عن القراءة التي عليها الناسُ بالحجاز والعراق والشام، وشارحٌ مذاهبَ أهل القراءة، ومبيِّنٌ اختلافَهم واتفاقَهم، إن شاء الله. وإيّاه أسأل التوفيقَ بمنِّه»[42].
وحقّاً عرض ابن مجاهد أئمةَ القرّاء السبعةَ واحداً واحداً، حسب الترتيب الذي أثبتناه غير بعيد. وساق أنسابهم، وأحصى شيوخهم الذين تلقّوا عنهم القراءة، حتى وصلهم بالرسول صلى الله عليه وسلم. وذكر الأسانيد التي وصلته بقراءة كل إمام منهم. وأوفى بكل ما تعهَّد به في كلامه الذي أوردناه. وسمّى كتابه (كتاب السبعة). وهو يريد بالسبعة أئمةَ القرّاء الذين اختارهم.
وقد أعجب المسلمون بهذا الكتاب، وقبلوه قبولاً حسناً. وارتضاه جمهور العلماء والقرّاء، واتفقوا على تقويمه وتعظيمه. واتَّبعوا قراءات هؤلاء السبعة من أئمة القرّاء. وأجمعوا على أنها مرويّة بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحقّاً كان هذا الكتاب إنجازاً فذّاً رائعاً. اصطفى فيه صاحبه صفوة قراءات القرآن، ونجح بذلك في دَرْء خطر الفوضى، وفي دفع أسباب الاختلاف في قراءة كتاب الله العظيم، ومنع التباس الباطل بالحق، وجمع المسلمين على مَحَجَّة واحدة سَوِيَّة. فاعتمده أجيال القرّاء، ونقلوه وقرؤوه جيلاً بعد جيل. وظل العلماء يروونه، ويُقْرِئونه تلاميذهم، على طول العصور المتوالية.
قال الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، المتوفى سنة 833، في كتابه الكبير (النشر في القراءات العشر): «كتاب السبعة للإمام الحافظ الأستاذ أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي. وتوفي بها في العشرين من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاث مئة. أخبرني به الشيخ المُسْنِد الرُّحَلَة أبو حفص عمر بن الحسن بن مَزْيَد بن أميلة المَرَاغي بقراءتي عليه، في سنة سبعين وسبع مئة، بالمِزَّة الفوقانية، ظاهرَ دمشقَ، عن شيخه أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المَقْدِسي، عن الإمام أبي اليُمْن زيد بن الحسن بن زيد الكندي سماعاً لبعض حروفه، وإجازةً لباقيه. وقرأت القرآن بمضمنه على الشيخ أبي محمد بن البغدادي، وإلى أثناء سورة النحل على أبي بكر بن الجندي. وأخبراني أنهما قرأا به على شيخهما أبي عبد الله محمد بن أحمد الصائغ. قال: قرأت به على الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل التميمي. قال: قرأت به على أبي اليمن الكندي. قال الكندي: أخبرنا به أبو الحسن محمد بن أحمد بن توبة الأسدي المقرئ قراءة عليه، وأنا أسمع. قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هَزَارِ مَرْد الخطيب الصَّرِيفيني. قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير الكتاني. قال: أخبرنا المؤلف المذكور سماعاً عليه لجميعها، وتلاوةً لقراءة عاصم. وهذا إسناد لا يوجد اليوم أعلى منه، مع صحته واتصاله»[43].
وقام العلماء بعد أبي بكر بن مجاهد، فألفوا في القراءات أنواع الكتب. ومنهم أبو بكر أحمد بن الحسين بن مِهْران الأصبهاني الذي ألَّف كتباً في القراءات[44]. منها كتاب (المبسوط في القراءات العشر)[45]. ذكر فيه قراءة القرّاء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد. وأضاف إليهم قراءات ثلاثة أئمة آخرين. وهؤلاء الثلاثة هم:
أبو جعفر يزيدُ بن القعقاع القارئ المدني، المتوفى سنة 130.
وأبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن أبي إسحاق الحضرمي، إمام أهل البصرة ومقرئها في زمنه، توفي سنة 205.
وأبو محمد خلف بن هشام بن طالب البَزّار البغدادي، توفي سنة 229.
ثم ألَّف أبو الحسن طاهر بن أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون الحلبي، نزيل مصر، كتاب (التذكرة في القراءات الثماني). وتوفي سنة 399[46].
وتبعه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، وألَّف كتاب (المنتهى في القراءات العشر) الذي جمع فيه ما لم يجمعه أحد قبلَه. وتوفي سنة ثمان وأربع مئة[47].
وفي هذه الفترة الخصيبة، من القرن الرابع والقرن الخامس، التي كثر فيها التأليف في علم القراءات، وشاع في الأمصار، ولا سيما في العراق، نشأ الإمام أبو محمد العماني. وألَّف (الكتاب الأوسط في علم القراءات) سنة 413، كما ذكر هو نفسه في الصفحة 40 من الكتاب[48].
الإمام أبو محمد العماني :
هو أبو محمد الحسن بن علي بن سعيد المقرئ العماني، كما قال هو نفسه في أول الكتاب.
ولا نعرف شيئاً كثيراً عن حياة هذا الإمام العالم، إذ لم تذكر المصادر القديمة عنه إلا نزراً قليلاً من الأخبار. وهي لا تكفي لرسم معالمَ واضحة في مسيرة حياته، وبيان نشأته، وتكوين ثقافته.
وأوَّل مَنْ ذكره هو عَلَم الدين علي بن محمد السَّخاوي المتوفى سنة 643، في كتابه (جمال القرّاء وكمال الإقراء)، في فصل: القول في (بَلَى). وقد نقل كلامه في هذه المسألة من مسائل الوقف والابتداء في قراءة آيات القرآن. قال السخاوي: «وقال أبو محمد الحسن بن علي بن سعيد المعروف بالعُماني، في قوله عزَّ وجلَّ: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً} [البقرة: 2/81] ونحوِه: يُبْتَدَأ بِـ (بلى). وهو جوابٌ لقولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 2/80] . فقيل لهم: بلى، تدخلونها وتخلدون فيها. وقال في قوله عَزَّ وجلَّ: {وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارَى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (*) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 2/111-112]لم يُجِزْ أَحَدٌ منهم الوقفَ على (بلى)، لأن ما بعدَه في جملة الجواب»[49].
ثم أورد السخاوي رأي الإمام العماني القاطع في هذه المسألة: «قال: والوقف على (بلى) في الآيتين غلط. ومَنْ أجازه فقد أخطأ، لأن (بلى) وإن كان جواباً للجَحْد الذي قبلَه فهو إيجاب لما بعدَه. فلا يُفْصَل بينه وبين الشيء الذي يُوجِبه»[50].
وترجم له ترجمة موجزة شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة 833، في كتابه الكبير (غاية النهاية في طبقات القرّاء). فذكر اسمه: «الحسن بن علي بن سعيد أبو محمد العُماني»[51].
وأثنى عليه بقوله: «إمام فاضل محقق»[52].
ثم أشار إلى كتابين له في الوقف والابتداء في قراءة القرآن. ودلَّ على إجادته وإحسانه وإفادته. قال: «له في الوقوف كتابان؛ أحدهما المغني، والآخَر المرشد، وهو أتَمُّ منه وأبسط[53]. أحسن فيه وأفاد. وقد قسم الوقف فيه إلى التام، ثم الحسن، ثم الكافي، ثم الصالح، ثم المفهوم. وزعم أنه تبع أبا حاتم السجستاني»[54].
ثم قال في رحلته إلى مصر: «وقد كان نزل مصر بُعَيْدَ الخمس مئة»[55]. ونحن نشك كثيراً في صحة تاريخ نزوله مصر، ونظنه غلطاً، إلا أن يكون قد عَمَّرَه الله عمراً طويلاً في حياته، جاوز فيه المئة سنة بسنوات عديدة.
وقد قال الإمام العماني نفسه: إنه قرأ القرآن بحرف أبي عمرو بن العلاء على الشيخ أبي عبد الله اللاّلَكائي، إمام جامع البصرة ومقرئ أهلها، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة (392)[56]. وذكر إسناد قراءة هذا الإمام عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ونعلم من هذه القولة الصريحة أنه كان رجلاً شاباً في أواخر القرن الرابع، قد رحل من موطنه عمان إلى مدينة البصرة، في سبيل الاستزادة من العلم هناك، ولأخذ القراءات من أئمة المقرئين فيها. وكانت البصرة حينذاك من أكبر مراكز العلم في العالم الإسلامي. ولا ندري، هل عاش طويلاً بعد هذا التاريخ ، طوال القرن الخامس، حتى أدرك القرن السادس، ونزل مصر في أوائله وهو طاعن في السِّن، قد جاوز المئة بسنوات كثيرة من عمره؟ إننا لا نملك جواباً على هذا التساؤل. والله تعالى أعلم.
***
وتابع الإمام العماني رحلته في طلب العلم، فمضى إلى الأهواز. ولقي هناك شيخه وأستاذه الأكبر أبا الحسن الكُرَيْزي في تاريخ لم يذكره. فأخذ عنه القراءات التي ضمَّنها كتابه. قال في بيان ذلك: «ثم لم أزل أقرأ على الشيوخ، حتى دخلت الأهواز. فظفرت بأبي الحسن محمد بن محمد الكريزي البصري، رحمه الله، فعلَّقت عنه هذه القراءاتِ بوجوهها ورواياتها وطُرُقها، في ثلاث مئة وخمسينَ ورقةً».
ولم يقنع بأخذ هذه القراءات عن أستاذه، وكتابتها وتصحيحها بالقراءة عليه فحسبُ؛ بل طلب منه الإذن بروايتها كلها عنه، فأجابه إلى مطلبه. وهذا يعني أنه وثق به، وعرف تمكُّنه في العلم والرواية. وهذه هي الإجازة في العرف القديم. وإجازة الشيخ طالبَ العلم في الرواية عنه تعادل في القديم مرتبة الشهادة العالية التي ينالها الطالب الباحث في نهاية المطاف في أيامنا الحاضرة، مثل نيل شهادة الدكتوراه بإشراف أستاذ عالم معروف.
قال في شأن مناله الإجازة: «فلما وقع الفراغ من التعليق وتصحيحه، وقراءته عليه، قلت له: أتأذن لي أن أروي عنك هذه كلَّها؟ فقال لي: نعم. فلم أقنع باستئذانه دفعة واحدة، حتى عاودته مراراً كثيرة، في مجالِسَ عِدَّة. كلَّ دفعة أقول له: أتأذن لي أن أروي عنك هذه، وأُقرئ بها مَنْ شئت؟ فيقول لي: نعم. ثم مكثت دهراً، بعد التعليق، أعرض عليه القرآن تلاوةً، قراءةً بعد قراءة، وروايةً بعد أخرى».
ولم يكتف بما اكتسب من العلم، والحصول على الإجازة العلمية من الشيخ بالإقراء والرواية عنه. بل زاد فالتمس منه أن يعرِّفه شيوخه الذين تلقَّى منهم قراءاته. فأجابه إلى هذا الملْتَمَس. ولا نرى هذه الموافقة إلا دليلاً على ثقته بعلمه وأمنه على مبلغ أمانته فيه. قال في بيان ذلك: «ثم قلت له: أفلا تعرِّفني شيوخك الذين أخذتَها عنهم؟ فدفع إلينا صحيفة شحنها أسماءَ أستاذيه وشيوخه. وهم جِلَّة أصحاب أبي بكر بن مجاهد، والنقّاش، والفضل بن شاذان الرازي، والمعدل وهو الذي يباهي به البصريون ويعظمونه. فذكر في الصحيفة الأسانيد بطولها، مرفوعةً إلى رسول الله، صلَّى الله عليه».
***
انتهت رحلة العلم. وفي زمن لا نعرفه، ولم يذكره هو نفسه، عاد الإمام العماني إلى مستقرّه في وطنه عُمان، وقد استوى على عرش العلم شيخاً كبيراً بارعاً في علم القراءات، وإماماً محيطاً بأصوله إحاطة تامة، متضلعاً وعارفاً قراءات الأئمة واتجاهاتهم ووجوه اختلافاتهم معرفة كاملة.
ويبدو أن استقراره بمستقرّه في عمان لم يدم طويلاً، إذ نراه قد عزم على الرحيل ثانياً بسنة 404، لسبب لم يبيِّنه. وترك وراءه صحيفة شيخه أبي الحسن الكريزي البصري، وتعليقةَ قراءاته عنه، خشيةً عليهما من الضياع، وأملاً في العودة القريبة إلى الوطن. وفي الرحلة الثانية أملى (الكتاب الأوسط في علم القراءات). وهو أول كتاب وضعه فيما نرى. وكان ذلك حين وصل في ترحاله إلى إقليم سجستان وحلَّ فيه.
قال في بيان عودته إلى عمان من رحلة العلم، ورحيله الثاني عن الوطن، وتأليف الكتاب: «فلما عدتُ إلى مستقري بعمان، ثم عزمت على الحركة ثانياً، سنة أربع وأربع مئة، أشفقت على تلك الصحيفة والتعليق. فخلَّفتهما هناك إشفاقاً عليهما، وطمعاً في العودة إلى الوطن. فلم يتسهَّل إلى هذه السنة - وهي سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وأربع مئة - فسئلت فيها إملاءَ هذا الكتاب. فأمليته مستعيناً بالله تعالى، راجياً توفيقه».
ولا ندري هل عاد الإمام العماني إلى وطنه من رحلته الثانية، بعد تأليف هذا الكتاب، أم ظلَّ بعيداً في الاغتراب. ولا ندري شيئاً من أخباره وأحواله وأعماله بعد هذه السنة التي ذكرها سوى تأليفه، في زمن لا نعرفه، كتابه الكبير الشهير: المرشد في الوقف والابتداء في قراءة آيات القرآن وبيان أحكامها وعِلَلها والاحتجاج لها. وهو أكبر كتاب معروف في بابه. أثنى عليه ثناءً حسناً شمس الدين أبو الخير الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القرّاء) كما عرفنا آنفاً غير بعيد.
وقد أشار الإمام العماني نفسه، في مواضع عديدة من (الكتاب الأوسط في علم القراءات)، إلى عزمه على تأليف كتاب آخر في علم القراءات، يكون أكبر وأشمل منه وأكثر تفصيلاً. ويسمِّيه (الكتاب الشامل). ولا ندري هل مدَّ الله تعالى في عمره، ووفَّقه إلى إنجاز هذا العزم، والوفاء بإتمام تأليف هذا الكتاب الموعود. قال في بيان سبب تسمية كتابه الأول بـ (الأوسط)، وفي شروعه بوضع الكتاب الثاني الأوسع من الأول: «وسمّيتُه: الكتاب الأوسط في علم القراءات، إذ قد شرعتُ في وضع كتاب هو أتَمُّ منه، يرتفع المراد منه مع مرور الأوقات، ومساعدة الأيام. وبالله التوفيق».
***
لا نعرف تاريخ وفاة الإمام العماني، كما لا نعرف: هل كانت في مستقره في الوطن، أم في مكان آخر في الاغتراب. وقد عرفنا خبر نزوله مصرَ بعيدَ السنة الخمس مئة، أي أوائل القرن السادس، كما قال أبو الخير الجزري. وبيَّنا الضعف في صحة هذا الخبر. وقد اقتبس عمر رضا كحّالة هذا الخبر، وأورده في كتابه (معجم المؤلفين) نقلاً من الجزري نفسه، من غير زيادة شيء فيه[57].
وأغربَ العالم مصطفى بن عبد الله المعروف بحاجي خليفة، صاحب كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)، المتوفى سنة 1067 هـ، حين ذكر كتاب (المرشد)، في قوله: «المرشد في الوقف والابتداء للإمام الحافظ العماني، المتوفى في حدود سنة 400»[58]. وهو قول خطأ محض، لا ندري وجهه ولا مأتاه. وقد عَرَّفنا الإمام الحافظ العماني نفسه أنه وضع (الكتاب الأوسط) سنة 413، كما رأينا آنفاً غير بعيد.
وهكذا يظل تاريخ وفاته مجهولاً مثل تاريخ ميلاده. ولا ضير في ذلك، إذ يبقى الثابت المعروف، بلا ريب، من أقواله نفسه أنه إمام كبير وعالم بارز من علماء القرنين الرابع والخامس، كان له شأن في زمانه، وأثر كبير ويد طولى في إرساء قواعد علم القراءات وأصولها في الثقافة العربية الإسلامية.
الكتاب الأوسط في علم القراءات :
هذا الكتاب سفر فخم نفيس من أسفار الثقافة العربية الإسلامية. له قيمة خاصة يمتاز بها بين الكتب المؤلفة في علم القراءات. وتتجلى قيمته في ميزتين اثنتين له.
الميزة الأولى كونه من الكتب الأُمّهات المحكمات الأولى في علم قراءات القرآن الكريم. ضنَّ به الزمان على التَّلف والضياع. فقطع مراحل السنين، وطوى عقود القرون، مخبوءاً مجهولاً في عتمة الخزائن، حتى وصل إلى زماننا، وإن لم يكن وصوله كاملاً.
والميزة الثانية كونه أوَّلَ كتاب في هذا العلم عمل فيه صاحبه أبوابَ أصول القراءات قبل فرش الحروف من آي القرآن التي اختلف في قراءتها أئمة القرّاء. وأفرد هذه الأصول، وجعلها مجموعة وحدَها في جزء واحد مستقل قائم بذاته. ثم أورد فرش حروف الاختلاف في جزء آخر، مستقل وقائم بذاته أيضاً. وبذلك التفريق صار هذا الكتاب كأنه كتابان اثنان، أحدهما في أصول القراءات، والآخر يتضمن فرش حروف الاختلاف.
وكان العلماء قبل الإمام العماني يوردون أصول القراءات خلال فرش الحروف كلما عرضت مسألة من مسائل الأصول، أو دعت الحال لبيان قاعدة من قواعدها. وهكذا تأتي الأصول والحروف متداخلة بعضها ببعض، ويؤدي ذلك إلى انقطاع التسلسل الطبيعي في محتوى الكتاب، واضطراب الترتيب فيه. وينشأ عن ذلك نوع من الصعوبة في مطالعة الكتاب، وشيء من العسر في معرفة مواضع أبواب الأصول فيه. فجاء الإمام العماني، وأزال هذا التداخل من كتابه، وأعاد الأمر إلى نصابه، وحقق اليسر فيه. وكان السبّاقَ إليه.
ونرى هذا التداخل والعسر في (كتاب السبعة) في القراءات لأبي بكر بن مجاهد، وفي كتاب (المبسوط في القراءات العشر) لأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني. وهما سابقان في التأليف كما عرفنا آنفاً.
وقد اقتدى الحافظ شمس الدين أبو الخير ابن الجزري بالإمام العماني، وسار على نهجه في تأليف كتابه الكبير (النشر في القراءات العشر). فقدَّم فيه أبواب أصول القراءات بأجمعها على فرش حروف الاختلاف.
وكان الإمام العماني مدركاً لأهمية هذه الميزة التي حققها في ترتيب كتابه، ولسبقه إلى إزالة العسر منه. فأشار إلى ذلك في مقدمة الكتاب، وقال مشيداً بصنيعه: «وهو كتاب يشتمل على علم القراءات، ومعرفة وجوه الروايات. وقد رتَّبْته ترتيباً لم أُسْبَق إليه. ورصَّعته ترصيعاً لا مزيدَ عليه»[59]. ولقد صدق في قوله، وحقّ له التنويه بصنيعه.
***
وضع الإمام العماني هذا الكتاب حين حلوله في سجستان. وكان الدافع لوضعه هو تحقيق رغبة شيخه أبي الحسن علي بن زيد بن طلحة. والظاهر أن هذا الرجل كان من أولي الأمر والسلطان في هذا الإقليم من بلاد الإسلام، أو من ذوي الجاه والشأن في العلم والعرفان. يضاف إلى ذلك رغبة أصحابه القرّاء هناك، وسؤالهم إياه وضعَ هذا الكتاب. ولا نرى هذه الرغبة وهذا السؤال إلا دليلاً على علوِّ كعب هذا الإمام في علم القراءات، واشتهاره فيه، وذيوع صيته في بلاد الإسلام.
قال في بيان ذلك كله في مقدمة الكتاب: «هذا كتاب شرعت في وضعه وتصنيفه لشيخنا أبي الحسن علي بن زيد بن طلحة، أيَّده الله وأبقاه، وأحيا بأيامه رسوم العلم، وأنار بدوام عزّه سبل الأدب، لأني وجدته مصروف العناية إلى كتاب الله تعالى، كثيرَ الاهتمام به وبذويه، شديدَ البحث عنه وعن علومه، متبرِّكاً بالمواظبة على دراسته، آخذاً نفسَه بالمداومة على تلاوته. فرغبته ورغبة أصحابنا القرّاء بسجستان،ومسألتهم إيّانا، نشطتْنا في وضع كتابنا هذا»[60].
***
يحتوي هذا الكتاب على القراءات الثماني عن الأئمة الثمانية الذين روى الإمام العماني قراءاتهم. منهم أولئك الأئمة القرّاء السبعة الذين اختارهم قبله أبو بكر بن مجاهد في (كتاب السبعة). وهم:
1- عبد الله بن كثير، إمام أهل مكة وقارئهم.
2- ونافع بن عبد الرحمن، إمام دار الهجرة، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- وأبو عمرو بن العلاء، إمام أهل البصرة.
4- وعبد الله بن عامر، إمام أهل الشام.
5- وعاصم بن أبي النَّجود، من أئمة أهل الكوفة.
6- وحمزة بن حبيب، من أئمة أهل الكوفة.
7- وعلي بن حمزة الكسائي، من أئمة أهل الكوفة.
وقد ذكرنا أسماء هؤلاء السبعة وأنسابهم ووفياتهم سابقاً. والإمام الثامن الذي روى قراءته، واختاره إلى جانبهم هو:
8 - أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، إمامُ أهل البصرة ومقرئهم في زمنه، توفي سنة 205.
وقد أشار إلى اختياره قراءة القرّاء الثمانية بقوله في مقدمة الكتاب: «فأوردت فيه ما أورده المتقدمون في كتبهم من قراءة القرّاء الثمانية، أئمة أهل الأمصار، من الحجاز والشأم والعراق، مستوعباً أكثرَ رواياتها، مبيِّناً ما اشتهر منها، منبِّهاً على ما شذَّ عنها، مميِّزاً بين المستعمل والمرفوض»[61].
ثم أورد أسانيد هؤلاء القرّاء الثمانية، وأسماءَ الرواة عنهم، وطرقَ رواياتهم، في تفصيل وفضل بيان، في باب خاص من الكتاب بعد المقدمة مباشرة.
ثم جعل بعد هذا الباب فصلاً خاصاً ذكر فيه قراءتَه هذه القراءات على جماعة مختلفين من القرّاء. منهم أبو عبد الله اللالكائي إمامُ جامع البصرة ومقرئ أهلها، الذي قرأ عليه سنة (392) بحرف أبي عمرو بن العلاء.
وعرض هذه القراءة بعينها مراتٍ كثيرة على أبي الحسن ابن بندويه.
وزاد فذكر دخوله الأهوازَ، وظفرَه هناك بشيخه وأستاذه الأكبر أبي الحسن الكُرَيْزي، وتعليقَه هذه القراءاتِ عنه بوجوهها وروايايتها وطرقها، ومنالَه إجازتَه بروايتها عنه وإقرائها. ثم ساق في تفصيل دقيق جميع هذه الروايات والطُّرق.
مخطوطة الكتاب :
هذه المخطوطة نسخة فريدة، لا أخت لها فيما نعلم. وهي محفوظة في الخزانة الحسنيّة في القصر الملكي العامر بالرباط. وهي قديمة جليلة صحيحة، مكتوبة بخط نسخ جيّد من خطوط القرن السادس من الهجرة فيما نقدِّر. وعليها آثار خط النسخ السلجوقي.
وقد تفككت هذه النسخة من أثر القِدم والبلى. فتبعثرت أوراقها، واختلط بعضها ببعض. وتغيرت مواضع كثير من الأوراق. فعملنا جهدنا في ترتيب الأوراق وأعدناها إلى نصابها بعد جهد جهيد. واعتمدناها في التحقيق.
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة المؤلف
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، وَلِيِّ الحمد، وأهلِ الثناء والمجد، حمداً يُوازي نِعَمَه، ويُكافئُ مِنَنَه، ويُؤدِّي حقَّه، ويُوجِب مَزِيدَه. والصَّلاةُ والسَّلام على نبيِّه محمدٍ، خاتَم النبيينَ، وعلى آله الطيبينَ، وأصحابه الطاهرينَ، وأزواجه أُمَّهاتِ المؤمنينَ. وسَلَّمَ تسليماً.
قال أبو محمد الحسنُ بنُ عليِّ بنِ سعيد المُقْرِئُ العُمَانيُّ، وَفَّقَه الله لطاعته:
هذا كتابٌ شرعتُ في وضعه وتصنيفه لشيخنا أبي الحسن عليِّ بنِ زيدِ بنِ طلحةَ، أَيَّده الله وأبقاهُ، وأحيا بأيامه رسومَ العلم، وأنارَ بدوام عِزِّه سبلَ الأدب، لأني وجدتُه مصروفَ العناية إلى كتاب الله تعالى، كثيرَ الاهتمام به وبِذَوِيه، شديدَ البحث عنه وعن علومه، متبرِّكاً بالمواظبة على دراسته، آخذاً نَفْسَه بالمداومة على تلاوته. فرَغْبَتُه ورغبةُ أصحابنا القُرَّاء بِسِجْسِتانَ، ومسألتُهم إيّانا، نَشَّطَتْنا في وضع كتابنا هذا.
وهو كتابٌ يشتمل على علم القراءات، ومعرفةِ وجوه الروايات. وقد رَتَّبْتُه ترتيباً لم أُسْبَقْ إليه، ورَصَّعْتُه ترصيعاً لا مَزِيدَ عليه. فأوردتُ فيه ما أورده المتقدِّمونَ في كتبهم من قراءة القُرّاء الثمانية، أئمةِ أهلِ الأمصار، من الحجاز والشأْم والعراق، مُسْتَوْعِباً أكثرَ رواياتها، مُبَيِّناً ما اشتهرَ منها، مُنَبِّهاً على ما شَذَّ عنها، مُمَيِّزاً بين المستَعْمَل والمرفوض.
ثم ضَمَّنْتُه أبواباً وفصولاً لا تكاد توجَدُ في الكتب المبسوطة في هذا العلم، ليكونَ كتابي هذا مُوفياً على المختصرات، بل على نفائس كتب القراءات. ولا فائدةَ في تَعْداد أبوابه وفصوله في صدر الكتاب، إذ المشاهدةُ تأتي عليها، والعِيانُ يُغْني عن الإخبار، والتطويلُ في ذكر الأسانيد يُورث المللَ.
وسَمَّيْتُه (الكتاب الأوسط في علم القراءات) ، إذ قد شَرَعْتُ في وضع كتاب هو أَتَمُّ منه. يرتفع المرادُ منه مع مرور الأوقات، ومساعدة الأيام.
وبالله التوفيقُ.
باب:في أسماء القُرّاء وأسماء الرُّواة عنهم
قال أبو محمد: نقدِّم أوَّلاً إمام أهل مكةَ وقارئَهم، إجلالاً لبيت الله الحرام وتعظيماً له. وهو أبو مُعْبَدٍ، وقيل: أبو عَبَّادٍ، وقيل: أبو بَكْرٍ، عبدُ الله بنُ كَثِيرِ بنِ المطَّلِب، مولى عَمْرِو بنِ علقمةَ الكِناني. أخذ القراءةَ عن أبي الحَجَّاج مُجاهدِ بنِ جَبْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن أُبَيٍّ، عن رسولِ الله، صلَّى الله عليه. وقيل: إن رسولَ الله، صلَّى الله عليه، عرض القرآنَ على أُبَيّ في السنة التي مات فيها مرَّتينِ. وقال عليه الصلاة والسَّلام: إنَّ جِبْريلَ أمرني أنْ أَقْرَأَ عليك القرآنَ. وهو يُقْرِئُك السلامَ.
والذي عندي في تأويل الخبر أنَّه، صلَّى الله عليه، لما رأى أُبَيّاً عُنِيَ بقراءة القرآن وتَحَفُّظِه أراد أن يُعَلِّمَه كيف يقرأ، فيزيده بذلك فصاحةً، فيكون كالتعليم له. وقد يجوز أنْ يكونَ أراد إكرامَه، لموضع حِرْصِه على تَحَفُّظ كتاب الله تعالى. وفي الخبر ما يدلُّ عليه. وذلك أن أُبَيّاً قال: قلتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قرأ عليَّ: كما كانت لي خاصَّةٌ بقراءة القرآن فخُصَّني بثواب القرآن، مِمَّا علَّمكَ الله تعالى، وأَطْلَعَكَ عليه. يريد: عَلِّمْني ثوابَ كلّ سورة يقرؤها القارئ. فهذا يدلُّك على أنَّها كرامةٌ خَصَّه بها. أراد كرامةً ثانيةً إليها. ويحتمل أنْ يكونَ النَّبي، صلَّى الله عليه، أراد ألا يأنفَ أحدٌ أن يقرأَ على مَنْ هو دونه، لأنَّ العلمَ ضالَّةُ المؤمن، يأخذها حيث يجدها.
وأُبَيٌّ أبو المنذر أُبَيُّ بنُ كعبِ بنِ قيس الأنصاريُّ، من الخزرج. قال الواقديُّ في (كتاب الطبقات): توفِّي أُبَيٌّ في خلافة عمرَ بنِ الخطَّاب، فقال عمرُ، كرَّم الله وجهَه: مات اليومَ سيِّدُ المسلمينَ. وقيل: مات في خلافة عثمانَ بنِ عفّانَ، رضي الله عنه.
والاعتمادَ من رُواة ابنِ كثير على ثلاثةِ نَفَر. وهم القَوَّاس، ويُقال له: النَّبَّالُ، والبَزِّيُّ والفُلَيْحِيُّ.
القَوَّاس: فأمّا القوّاسُ فهو أبو الحسن أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عَوْن القواسُ. والاعتمادُ في روايته على قُنْبُلٍ. وهو أبو عُمَرَ محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ خالدِ بنِ سعيدِ بنِ جُرْجَةَ المكيُّ، الملقَّبُ قُنْبُلاً. لا اعتمادَ على غيره في رواية القواس. على أنه قد رَوَى عن القواس أبو صالح الجدِّي وغيرُه. ولا نعرفُ بينه وبين قنبل خِلافاً إلا في حرف واحد، وهو {الْمَعْزِ}[62]. كان الجدِّي يروي سكونَ العين، وقنبل يروي فتحَ العين. هذا فيما زَعَمَ الزَّيْنَبِيُّ في كتابه. ثم تتفرَّع الطرقُ عن قنبل.
قُنْبُل. روى عنه الزَّيْنَبِيُّ، وهو أبو بكرٍ محمدُ بنُ مُوسَى بنِ سليمانَ الهاشميُّ الزَّيْنَبِيُّ، وأبو عبدِ الله محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ العزيزِ بنِ الصَّباح، وأبو الحسن أحمدُ بنُ بَقَرَةَ، وابنُ شَنَّبُوذٍ، وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ موسى بنُ مجاهد، وأبو عَوْن، وابنُ حَمْدون.
ولا خلافَ بينهم إلا في سورة (لقمانَ)؛ روى أبو عون وابن حمدون (ورحمةٌ)[63] رفعاً، مثلَ قراءة حمزةَ.
ثم إنَّ النبّالَ قرأ على وَهْبٍ، على القُسْط، على شِبْل، ومعروفِ بنِ مُشْكان، على ابنِ كثير، على مجاهد، على ابن عبّاس، على أُبَيّ. قال النبّال: ولا أشكُّ في قراءته على النَّبيِّ، صلَّى الله عليه.
- البَزِّيُّ. فأمّا البَزِّيُّ فهو أبو الحسن أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ القاسمِ بنِ أبي بِزَّةَ، مولى بني مخزوم، مُؤَذِّنُ المسجدِ الحرام. وقد رَوَى عنه جماعةٌ. منهم أبو محمدٍ إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزَاعِيُّ، وأبو عليّ الحسنُ بنُ حباب الدَّقّاقُ، وابنُ فَرَح المُفَسِّرُ، وأبو خُبَيْب، واللَّهَبيانِ. قلت: هما أبو عبدِ الرَّحمن عبدُ الله بنُ عليِّ بنِ عبدِ الله، وأبو جعفرٍ محمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ. وأبو ربيعةَ محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ أَعْيَنَ الرَّبَعي.
وأبو ربيعةَ كبيرٌ منهم. رَوَى عنه الزَّيْنَبِيُّ، والبَلْخِيُّ، وابنُ زِيادٍ، وابنُ الصباح، وابنُ بَقَرَة. والاعتمادُ في رواية البزِّيّ على أبي ربيعةَ والخُزَاعِيّ.
وقرأ البزِّي على عِكْرِمَةَ بنِ سليمانَ، على شِبْل، وإسماعيلَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسْطَنْطين، على ابنِ كثير.
وقرأ البزِّيّ أيضاً على عبدِ الله بنِ زِيادٍ، مولى عُبَيْدِ بنِ عُمَيْر، على القُسْطِ، على ابنِ كثير.
وقرأ البزِّيّ أيضاً على وَهْبٍ، على القُسْط، على ابنِ كثير.
- الفُلَيْحِيّ. هو أبو إسحاقَ بنِ أحمدَ الخزاعي. وهو قُطْبُها، وعليه مَدَارُها. قال الخزاعي: قرأتُ على ابنِ فُلَيْحٍ سَبْعاً وعشرينَ خَتْمَةً. قال: وسمعتُه يقول: هذه قراءتُنا التي اجتمع عليها جميعُ مشايخ أهلِ مكةَ وفِتْيانُهم.
وقرأ ابنُ فُلَيْح على القسْطِ، على ابنِ كثير، على مجاهدٍ، على ابن عبّاس، علي أُبَيّ، على النَّبيّ صلى الله عليه وسلم.
واتَّفقت الرواةُ عن البَزِّيِّ والفُلَيْحِيّ أنَّ القسْطَ قرأ على ابن كثير نفسِه.
وروى قنبلٌ عن القوّاس، عن أبي الإخْرِيط أن القسْطَ قرأ على شِبْل ومعروف بن مُشْكان. وهما قَرَأَا على ابن كثير.
قال ابنُ عُيَيْنَةَ: تُوُفِّيَ عبدُ الله بنُ كثير سنةَ عشرين ومئةٍ.
ومن الأئمة إمام دار الهجرة، مدينةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، أبو الحسن، وقيل: أبو رُوَيْمٍ، وقيل: أبو عبدِ الرَّحمنِ، وهو نافعُ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي نُعَيْم، مولى جَعْوَنَةَ بنِ شَعُوبِ اللَّيْثِيِّ، حليفِ حمزةَ بنِ عبدِ المطَّلبِ. وقال أبو مُسْهِر: سألتُ نافعاً عن وَلائه، فزعم أنَّه مولى جَعْوَنَةَ ـ بالنون ـ بنِ شَعُوبَ الليثي، حليفٍ لبني هاشم.
قال النَّقَّاشُ في (كتاب المعجم): حَدَّثنا عبدُ الله بنُ سليمانَ عن أبي حاتم عن الأصمعي عن نافع أنه قال: أصْلي من إِصْفَهانَ.
والمعروفُ من رُواته أربعةُ نَفَرٍ. قالُون، والمُسَيَّبِيُّ، ووَرْشٌ، وإسماعيلُ بنُ جعفرٍ. وهم المكثرونَ عنه.
وقد رَوَى عنه جماعةٌ غيرُهم. وليسوا بكَثْرَتِهم في الرواية. وهم أبو قُرَّةَ موسى بنُ طارقٍ، وخارجةُ، وابنُ جَمَّازٍ، وابنُ أبي أُوَيْسٍ. وإذا مَرَرْتُ بحروفهم ذكرتُها، إن شاء الله.
- فأمَّا قالون فهو أبو موسى عيسى بنُ مِينا. ورَوَى عنه جماعةٌ. منهم أبو الحسن أحمدُ بنُ يزيدَ الحُلْوانيُّ. وأبو علي الحسنُ بنُ عليّ بنِ عِمْرانَ الشَّحَّام. وأبو نَشِيطٍ محمدُ بنُ هارونَ المَرْوَزِيُّ. وأبو سليمانَ سالمُ بنُ هارونَ بنِ موسى بنِ المبارك. وإسماعيلُ بنَ إسحاقَ القاضي.
واعتمادُ رواية قالون على الحُلْواني. ورَوَى عن الحلواني أبو عَوْن، وابنُ بَسَّام، وابنُ شُجاع. ومَدارُ رواية الحلواني على أبي عون وهو محمدُ بنُ عَمْرو بن عَوْن الواسطي. ومدار رواية أبي نَشِيط على أبي حَسَّانَ بنِ الأَشْعَث.
وخالفَ أبو نشيطٍ الحلوانيَّ في ستَّة أحرفٍ، على ما رواه أبو عون عن الحلواني:
«الدّاعِ»[64] بغير ياء. «إِذَا دَعَانِي» (1) بالياء. «أَنْ يُمِلَّ هُوَ»[65] بضمِّ الهاء. ويُدْغِمُ الثاءَ من قوله: «يَلْهَث ذّلكَ»[66]. وأدغم الباءَ من قوله: «ارْكَب مَّعَنَا»[67]. ولا يَهْمِز «النَّبِيَّ» في الحرفين من الأحزاب[68]. ولا يَمُدَّ «أَنَا» مع «إِلاّ نَذيرٌ»[69]. اختلف أبو نَشيط والحلواني في هذه الحروف. وإذا مَرَرْنا بمواضعها استقصَيْنا القولَ فيها. إن شاء الله.
وابنُ مُجاهد، رحمةُ الله عليه، كان يعتمد رواية إسماعيلَ القاضِي عن قالون. وعليه قرأ.
- فأمّا المسَيَّبِيُّ فهو إسحاقُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ المُسَيَّبِ المَخْزُوميُّ. واعتماد روايته على ابنه محمدِ بنِ إسحاقَ.
- وَرْشُ، هو أبو القاسم، وقِيلَ: أبو عَمْرو، وقيل: أبو سعيد، عثمانُ بنُ سعيدٍ، يُعْرَف بوَرْش. كَثُرَت الروايةُ عنه. واشتهرت قراءَتُه بالمغرب والأندلس ومصرَ، وأكثرِ الحجاز، حتى لا يكادُ أهلُها يتجاوزونها.
فمن رواته المعروفين يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلى، والأَزْرَقُ، وأبو الأَزْهَر، وابنُ أبي طَيْبَة، وأحمدُ بنُ صالح. ثم تَفَرَّعت الطُّرُقُ عنهم.
فاعتمادُ المصريينَ على أبي يعقوبَ يوسفَ بنِ عَمْرٍو الأزرقِ، من طريقِ أبي بَكْرٍ عبدِ الله بنِ مالكِ بنِ يوسفَ، وأبي القاسم مَوَّاس بنِ سَهْلٍ، وأبي الحسنِ إسماعيلَ بنِ عبدِ الله النَّحَّاس.
واعتمادُ أهل العراق على أبي موسى يُونُسَ بنِ عبدِ الأَعْلى، من طريق أبي العبَّاس عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله الجَوارِبي.
وكان أبو الأزهرِ عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الهَيْثَمِ المصريُّ، وأبو سليمانَ داوودُ بنُ هارونَ بنِ أبي طَيْبَةَ قرأا جميعاً على وَرْشٍ. وكذلك أحمدُ بنُ صالحِ.
وكان البُخارِيُّ أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إسحاقَ يُسْنِدُ قراءتَه إلى أبي الأزهر وابنِ أبي طيبةَ.
فأمَّا أبو بكرظس محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيم بنِ إبراهيمَ بنِ شَبيب الإِصْفَهانيُّ فكان متأخِّراً منهم. قرأ على مَوّاس عن يونسَ، عن وَرْش. وقرأ على أبي الأَشْعَث الجِيزيّ، على أصحاب ورش.
- إسماعيلُ بنُ جعفر. هو أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بنُ جعفرِ الأنصاريُّ. واعتمادُ روايته على أبي عُمَرَ حَفْصِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الدُّورِيّ. ثم عنه طريقانِ، طريقُ ابنِ فَرَح المفسِّر، وأبي العَبَّاس عبدِ الله بنِ إبراهيمَ بنِ الهَيْثَم.
وقرأ نافعٌ على سبعينَ من التابعينَ. منهم عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمُزَ الأعرجُ. وأبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القَعْقاع. وشَيْبَةُ بنُ نِصَاحٍ. والنِّصَاحُ الخيطُ يُنْصَحُ به الثوبُ، أي يُخاط.
وكان نافعٌ يَتَخَيَّرُ القراءاتِ. فَحَصَلَ على هذه القراءة. وقَدَّموه للصلاة بالمدينة سنةَ مئةٍ من الهجرة. وعاشَ عمراً طويلا إلى سنةِ بِضْعٍ وخمسينَ ومئةٍ. وقيل: تُوُفِّيَ سنةَ تِسْعٍ، وقيل: سَبْعٍ وستِّينَ ومئةٍ. رحمه الله.
وقراءةُ أهل المدينة منسوبةٌ إلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنَّ أبا جعفر والأعرجَ كانا من التابعينَ، قرأا على ابنِ عبّاس، على أُبَيِّ بنِ كعبٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
ومن الأئمة إمام أهل البصرةِ، أبو عمرِو بنُ العَلاءِ. واخْتُلِفَ في اسمه. قال الأصمعيُّ: سألتُ أبا عمرٍو ما اسْمُكَ؟ فقال: زَبّانُ. وقال عامرُ بنُ صالح المقرئُ: سألتُ اليزيديَّ عن اسْمِ أبي عَمرٍو. فقال: العُرْيانُ. وقيل: اسْمُه يحيى. وقيل: عُيَيْنَةُ. وقال أبو زيدٍ عُمَرُ بنُ شُعْبَةَ: اسْمُهُ وكُنْيَتُه واحدٌ، وهو أبو عمرِو بنُ العلاءِ بنِ عَمَّارِ بنِ عبدِ الله بنِ الحُصَيْنِ. فيه يقول الفرزدق:
ما زِلتُ أَفْتَحُ أبواباً وأُغْلِقُها
حتّى أتيتُ أبا عمرِو بنَ عَمَّارِ
وقرأ أبو عمرٍو على مجاهدٍ عن ابن عبَّاس، عن أُبَيِّ بنِ كعب، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم. وقرأ أيضاً على يحيى بن يَعْمُرَ، وحُمَيْدِ بنِ قيس.
وتُوُفِّي أبو عمرٍو بالكوفة عند محمدِ بنِ سليمانَ. ذكر القُتَيْبِيُّ أنه خرج يجتدي عبدَ الوهّابِ بنَ إبراهيمَ. فَتُوُفِّيَ بالشام سنةَ أربعٍ وخمسينَ ومئةٍ.
ورَوَى عن أبي عمرٍو جماعةٌ من الثِّقات قراءته. منهم أبو محمدٍ يحيى بنُ المباركِ العَدَوِيُّ اليَزِيدِيُّ. وإنما قيل له اليزيديُّ لصحبته يزيدَ بنَ منصورٍ خالَ المُهْدِيّ. ومنهم أبو نُعَيْمٍ شُجاعُ بنُ أبي نَصْرٍ الخُرَاسانيُّ. وأبو عُبَيْدَةَ عبدُ الوارثِ بنُ سَعيدٍ. وأبو زيدٍ سَعيدُ بنُ أوس الأنْصَاريُّ. وأبو نَصْرٍ عبدُ الوَهّابِ بنُ عَطاء العِجْليُّ، وهو المعروفُ بالخَفَّاف. وأبو عبدِ الله هارونُ بنُ موسى العَتَكِيُّ النَّحْوِيُّ. وعليُّ بنُ نَصْرٍ، وكان ممنْ بَرَعَ من أصحاب الخليل. وأبو جعفرٍ أحمدُ بنُ موسى اللُّؤْلُئِيُّ. والحسينُ بنُ عليِّ الجُعْفِيُّ. وعبدُ المَلِكِ بنُ قُرَيْبِ الأَصْمَعِيُّ. فهؤلاء المكثرونَ عنه. وبعضُهم أحسنُ قِياماً من بعض.
ورَوَى عنه جماعةٌ غيرُهم حروفاً ليست على كثرة الرواية عمَّن قدَّمتُ ذِكْرَه.
فأمَّا الإدغامُ فَرَوَى عنه أيضاً جماعةٌ من الثِّقات. منهم أبو جعفرِ الرُّؤاسِيُّ الكُوفيُّ؛ وهو الذي يَأْتَمُّ به أهلُ الكوفة: الكِسَائِيُّ والفَرَّاءُ وغيرُهما. ومنهم اليزيديُّ، والعبَّاسُ بنُ الفضل الأنصاريُّ القاضي، وأبو زيدٍ سَعيدُ بنُ أَوْسٍ، والحسينُ الجُعْفِيُّ، وأحمدُ بنُ موسى اللُّؤْلُئِيُّ، وغيرُهم.
وكان اليزيديُّ أَتَمَّهُم روايةً، وأَشَدَّهُم تَقَصِّياً للحروفِ، وأَجْمَعَهُم لِذِكْرِ الأُصُولِ. ثم العبّاسُ بنُ الفضل؛ فإنَّ ابنَ رُومِيٍّ ذكرَ أنَّه لم يَرَ أحداً أَحْفَظَ منه لِلَفْظِ أبي عَمْرٍو في الإدغام، ولا أتَمَّ روايةً منه.
ثم تَفَرَّعَت الطُّرُقُ عن اليزيديِّ، فرَوَى عنه جماعةٌ: الدُّورِيُّ، وأبو حَمْدونَ، وأُوقِيَّةُ، وأبو أَيُّوبَ الخيَّاطُ، والسُّوسِيُّ، وأبو عبدِ الرَّحمنِ بنُ اليزيديِّ.
واعتماد أهل العراق على أبي عُمَرَ حَفْصٍ بنِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العزيزِ الدُّورِيِّ. وهي التي تُسَمَّى طريقةَ أهل العراق.
ثم أبو شُعَيْبٍ صالحُ بنُ زِيادِ بنِ عبدِ الله السُّوسِيُّ. رَوَى عنه أبو عِمْرانَ موسى بنُ جَرِيرِ الرَّقِّيُّ. وهذه طريقةُ أهل الرَّقَّة. وهذا السُّوسيُّ هو الذي يُعْرَفُ بالقَوَّاس. روى عن اليزيدي، عن أبي عمرو. وروى عن حَفْصٍ، عن عاصم، في سورة الرَّعْد «صُنْوانٌ»[70] بضمِّ الصاد.
وروى أيضاً عن اليزيديِّ أبو الفَتْح عامرُ بنُ عُمَرَ المَوْصِلِيُّ أُوقِيَّةُ. وأبو أَيُّوبَ سليمانُ بنُ أَيُّوب الخيّاط. وأبو عبدِ الرَّحمنِ بنُ اليزيديّ عن أبيه.
وممن كَثُرَتْ روايتُه عن أبي عمرو، وأُخِذَت القراءةُ عنه أبو نُعَيْم شُجاعُ بنُ أبي نَصْرِ البَلْخِيُّ. واعتمادُ روايته على محمدِ بنِ غالبٍ.
ثم تَفَرَّعَت الطُّرُقُ عن ابنِ غالب. فرَوَى عنه أبو عليِّ الحسنُ بنُ الحسينِ الصَّوّافُ، ومحمدُ بنُ نَصْرِ الفَرائِضِيُّ، ومحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مَروانَ القَصَبانيُّ، وأبو محمدِ السَّقَطِيُّ.
وكانَ العبَّاسُ بنُ الفضلِ الأنصاريُّ كبيراً عن أبي عمرو «مَلْكِ يَوْمِ الدِّينِ»[71] بسكون اللاّم.
والمُعَوَّلُ في قراءة أبي عمرو على اليزيديِّ وأصحابه.
وما اخْتُلِفَ فيه من الحروف عنه فإني أذكرُ الخِلافَ فيه على وجهه.
وبالله التوفيقُ.
***
ومن الأئمة إمامُ أهل الشَّام. وهو أبو عِمْرانَ، وقيل: أبو نُعَيم، عبدُ الله بنُ عامرِ اليًحْصُبِيُّ. ويَحْصُبُ قبيلةٌ من قبائل اليمن. قال النَّقَّاش: يَحْصُبُ بطنٌ من حِمْيَر. وهو من التابعين. والذين أُخِذَتْ قراءةُ ابنِ عامر عنهم ثلاثةُ نَفَر: ابنُ ذَكْوانَ، ثم هشامٌ، ثم الوليدُ بنُ عُتْبَةَ.
- ابنُ ذكوانَ. فأمّا ابنُ ذكوانَ فهو أبو عمرٍو عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ قَيْسِ بنِ بشيرِ بنِ ذكوان. وتفرَّعت الطُّرقُ عن ابن ذكوان. والاعتمادُ على ما رواه أبو عبدِ الله هارونُ بنُ موسى الدمشقيُّ المعروفُ بالأخفش. وهو مقرئُ أهلِ الشام، وعليه اعتمادُهم. قال النَّقَّاش: كان الأخفشُ أَعْلَمَ الناس وأضْبَطَهم لقراءة ابن عامر. ثم أبو عبدِ الله محمدُ بنُ القاسم الإسْكَنْدَرانيُّ. ثم أبو بكرٍ محمدُ بنُ موسى. رَوَى عنه الدّاجُونيُّ وغيرُه. ثم أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ عبدِ الرَّزّاقِ. روى عن أبيه وعن ابن ذكوان.
فأمّا هشامٌ فهو أبو الوليدِ هشامُ بنُ عَمّارِ السُّلَمِيُّ الدِّمشقيُّ. وعمدةُ روايته أبو الحسن أحمدُ بنُ يزيدَ الحُلْوانيُّ الصَّفَّارُ. ثم إبراهيمُ بنُ الهيثمِ البَلْخِيُّ. ثم الدَّجُونِيُّ أبو بكر. قرأ على أصحاب هشام، عليه.
وأمّا الوليدُ فهو أبو العبَّاس الوليدُ بنُ عُتْبَةَ الأَشْجَعِيُّ. رورايته مأخوذة من أبي الحسنِ أحمدَ بنِ نصرِ بنِ شاكر.
وهؤلاء الثلاثةُ الذين ذكرناهم أخذوا القراءةَ عن أَيُّوبَ بنِ تميمٍ، عن يحيى بنِ الحارثِ الذِّماريِّ، عن ابن عامر، عن رَجُلٍ، عن عثمانَ، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه. كذا ذكر ابنُ ذكوان.
قال الأخفشُ: لم يُسَمِّ لنا ابنُ ذكوانَ الرجلَ الذي قرأ عليه ابنُ عامر. وسَمّاه لنا هشامٌ، فقال: هو المغيرةُ بنُ أبي شِهَاب. قرأ على عثمانَ، على النَّبي، صلَّى الله عليه. وقيل: ابنُ عامر قرأ على عثمانَ نفسِه. ورَوِيَ عن ابن عامر أنه قال: رأيتُ عثمانَ بنَ عفَّانَ، رضي الله عنه، وصلَّيتُ خلفَه، وسمعتُه يقرأ {إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}[72] بضمِّ الغين.
وتُوُفِّيَ ابنُ عامر سنةَ ثمانيَ عَشْرَةَ ومئةٍ، رحمهُ الله.
***
ومنهم أئمَّةُ أهلِ الكوفة: عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ.
فأمَّا عاصمٌ فهو أبو بكرٍ عاصمُ بنُ أبي النَّجُودِ، مولى بني أسدٍ. وكان حَنّاطاً. تأمَّلْتُ في كتب النَّقَّاش وغيرِه، فوجدتُ فيها كلِّها: كان عاصمٌ حَنَّاطاً، بالحاء والنون مضبوطتينِ.
واسْمُ أبي النَّجُودِ عَبْدٌ. وأمُّ عاصم تُسَمَّى بَهْدَلَةَ. وإنما ذكرنا اسْمَ أمِّه لأنه يُعْرَف بعاصمِ بنِ بهدلةَ. وقيل: بهدلةُ اسْمُ أبي النجُود. وأبو النَّجود، بفتح النونِ. وهو ممّا يُصَحِّفُه كثيرٌ من الناس، فيضمُّ النونَ، وهو خطأ. ذكَرَ ابنُ قتيبةَ ذلك في كتاب (أَدَب الكُتّاب) [ص 454].
وقرأ عاصمٌ على أبي عبدِ الرحمنِ عبدِ الله بن حبيبِ السُّلَمِيِّ، عن عليٍّ، كرَّمَ الله وجهَه، عن رسول الله، صَلَّى الله عليه. وقال عاصمٌ: كنتُ أرجِعُ من عند أبي عبدِ الرحمنِ، فأعرضُ على زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ. وزِرٌّ قرأ على ابنِ مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى عنه أبو بكرٍ وحفصٌ والمفضَّلُ، وأَبانُ وشيبانُ وغيرُهم. والمذكور من رواته في كتب القراءات أبو بكرٍ وحفصٌ. وكنتُ عَلَّقتُ حروفَ المفضَّل عن بعض شيوخنا، رحمه الله، وإذا مررتُ بها ذكرتُها في مواضعها.
أبو بكر. هو أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ. واخْتُلِفَ في اسْمِهِ. فقيلَ: عبدُ الله. وقيلَ: شُعْبَةُ. وقيل: عَطاءٌ. وقيل: رُؤْبَةُ. ورُوِيَ عنه أنه قال: سَمَّتْني أُمِّي أبا بكر[73].
وتفرَّعت الطرقُ عن أبي بكر؛ فروى عنه حَمّادٌ والأعشى والبُرْجُمِيُّ ويحيى والاحتياطيّ، عن أبي بكر. وروى خَلَفُ بنُ هشام وشُعَيْبُ بنُ أيُّوبَ والرِّفاعِيُّ عن يحيى. وعليُّ بنُ حمزةَ الكسائيُّ عن أبي بكر.
وكان حَمّادٌ أكْبَرَهم. روى أبو محمدٍ يحيى بنُ محمدِ العُلَيْمِيُّ عن حمّاد، عن عاصم. ثم قرأ حمّادٌ على أبي بكر بعدَ عاصم. وطريقة حمَّاد مأخوذةٌ عن العُلَيْمي.
الأعشى هو أبو يوسُفَ يعقوبُ بنُ محمدِ بنِ خليفةَ بنِ سعيدِ بنِ هلالٍ، مولى بني عُطَارِدٍ من بني قُثَمَ. تَلَقَّنَ القرآنَ من أبي بكر، من عاصم، من السُّلَمي، من عليّ كرَّم الله وجهَه.
وروى عن الأعشى الآدَميُّ؛ وهو أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ منصورِ الخَفّافُ، والبُرْجُمِيُّ وهو أبو صالحٍ عبدُ الحميدِ بنُ صالحِ البرجميُّ، وكان تعلَّم القرآن من أبي بكرٍ من عاصم، ثم قرأ على الأعشى، والرِّفاعي وهو أبو هشامٍ محمدُ بنُ يزيدَ بنِ كَثِيرِ بنِ سَمَاعةَ بنِ رِفَاعَةَ القاضي، ومحمدُ بنُ غالب الصَّيْرَفِيُّ، وأبو جعفرٍ محمدُ بنُ حَبِيبِ الشمُونيُّ.
وطريقةُ الشموني[74] معروفةٌ، مأخوذٌ بها. وعن الشموني طريقانِ؛ روى عنه محمدُ بنُ جعفرِ الخطيبُ، وأبو محمدِ القاسمُ بنُ أحمدَ بنِ يوسفَ، يُعْرَفُ بالخيّاط.
يحيى هو أبو زكريّا يحيى بنُ آدمَ الحاسبُ. تعلَّم القرآنَ من أبي بكر، من عاصم. وروى عن يحيى قراءتَه الرفاعيُّ أبو هشام، وشعيبُ بنُ أيُّوبَ الصَّرِيفِينِيُّ، وخلفُ بنُ هشام. وطريقةُ الرفاعيّ هي المعروفةُ عن يحيى، وتفرَّد بحروف نذكرُها في مواضعها. إنْ شاء الله.
الكِسَائِيُّ هو عليُّ بنُ حمزةَ. وروايتُه عن أبي بكر مأخوذةٌ عن ابن فَرَحِ المفسِّرِ، عن الدُّوريِّ، عن الكسائيِّ، عن أبي بكر، عن عاصم، عن عليّ كرَّم الله وجهَه. ولا شكَّ في قراءة عليّ على رسول الله صَلَّى الله عليه.
ولم يشتغل الكسائيُّ بكثرة الرواية عن أبي بكر، لأنه اختار لنفسه قراءةً أُخِذَتْ عنه، واتُّبِعَ فيها، واشتهر بها.
حَفْصٌ هو أبو عُمَرَ حفصُ بنُ سليمانَ بنِ المغيرةِ الأَسَدِيُّ البَزّازُ، يُعْرَفُ بحُفَيْصٍ. روى عنه عَمْرٌو وعُبَيْدُ ابْنا الصباح، وهما أَخَوانِ. والسُّوسيُّ وهو المعروفُ بالقَوَّاس، صاحبُ اليزيديّ. وهُبَيْرَةُ بنُ محمدِ التَّمَّارُ.
والذي شُهِرَتْ روايتُه، وأُخِذَتْ عنه، واعْتُمِدَ عليه منهم هو أبو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ الصَّباح البَزَّازُ. وتفرَّعتْ عنه طُرُقٌ؛ فروى عنه أحمدُ بنُ محمدٍ، يُعْرَف بالفيل، وأبو الحسن الدَّقَّاق، وابنُ الجَهْم. وأبو بكر الخيّاط.
قال عمرو: قرأتُ على حفص من أوّل القرآن إلى رأس الثلث من (التَّوْبة). وعرضتُ عليه باقيَ الحروفِ إلى آخِر القرآن، في طريق مكة. وكنتُ عَدِيلَه. قال حفص: قرأتُ على عاصم. وخالفَ عاصماً في (الرُّوم)، فقرأ: «ضُعْف»[75] بضمِّ الضاد.
عُبَيْد هو أبو محمدٍ عُبَيْدُ بنُ الصَّباح. روى عنه أبو العبَّاس بن فَيْرُوزَان، ورفع إسناده إلى السُّلَمِيّ، عن عليّ كرَّم الله وجهَه.
السُّوسيّ هو أبو شُعَيْب المعروفُ بالقَوّاس، صاحبُ اليزيديّ. وذكرتُ اسْمَه فيما تقدَّم. روى عنه ابنُ أبي الهُذَيْل.
هُبَيْرَة. فأمّا هُبيرةُ فروى عنه حسنونُ بنُ الهَيْثَم، عن هُبيرةَ، على حفص، على أختِه، على عاصم. فجميع الطُّرُق عن هبيرةَ مرفوعةٌ إلى حفص، عن أختِه، عن عاصم.
قال عاصم: ما أَقْرَأَني أحدٌ حرفاً قَطُّ غيرُ السُّلَمي. وكنتُ أَرْجِع من عنده، فأَعْرِضُ على زِرِّ بنِ حُبَيْش.
قال أبو بكر: قلتُ لعاصم: لقد اسْتَوْثَقْتَ. أخذتَ القراءةَ من وجهين.
فقراءةُ عاصم مأخوذةٌ من عليّ، وابنِ مسعود، رضي الله عنهما، عن النبي صَلَّى الله عليه.
وروايةُ أبي بكر مأخوذةٌ من قراءة عليّ.
وروايةُ حفص تَرْجِعُ إلى ابن مسعود.
وروى الأعشى عن أبي بكر أنه قال: أَدْخَلْتُ في قراءة عاصم عَشَرَةَ أحرف حتى استوعبتُ قراءةَ عليّ، كرَّم الله وجهه. أوَّلُها في سورة المائدة {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 5/6] [76]نَصْبٌ. وإذا بَلَغْنا هذا الحرفَ من السورة ذكرناه وأخواتِه. إن شاء الله.
وتُوُفّي عاصم سنةَ ثمان وعشرين ومئةٍ. رحمه الله.
ومنهم حمزةُ. هو أبو عُمَارَةَ حمزةُ بنُ حبيب الزَّيَّاتُ، مولى بني عِجْل. ويقال: مولىً لآل عِكْرِمَةَ بنِ رِبْعِيِّ التَّيْمِيِّ.
وزعم ابنُ سَعْدان عن سُلَيْم أنه قال: قرأ حمزةُ على ابنِ أبي ليلى، على المِنْهال بنِ عمرٍو، على سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، على ابنِ عبَّاس، على أُبيٍّ، على النبي صَلَّى الله عليه.
وقال الكِسَائيُّ وسُلَيْمٌ عن حمزةَ: إنه قرأ على حُمْرانِ بنِ أَعْيَنَ، على عُبَيْدِ بنِ نُضَيْلَةَ، على عَلْقَمَةَ، على عبدِ الله، على النبي صَلَّى الله عليه.
وقرأ حُمْرانٌ أيضاً على أبي الأَسْوَد، على عليٍّ وعثمانَ، رضي الله عنهما.
وقيل: قرأ حمزةُ على الأَعْمَش، على يحيى بنِ وَثَّابٍ، على أصحاب عبدِ الله بنِ مسعود، على النبي صَلَّى الله عليه.
وروى ابنُ جُبَيْرٍ عن حَجَّاجٍ أنَّ حمزةَ لم يقرأ على الأعمش، وإنما سَأَلَه عن الحرف، وسمعَ قراءَتَه.
وقراءةُ حمزةَ مأخوذةٌ عن سُلَيْم، وعليه الاعتمادُ. ومنه تفرَّعت الرواياتُ والطُّرُق.
على أنه قد رَوَى عن حمزةَ جماعةٌ غيرُه؛ وهم الكِسائيُّ، وابنُ قَلُوقا، وإبراهيمُ الأزرقُ، ومحمدُ بنُ حفصِ الحَنَفِيُّ، ومحمدُ بنُ زكريّا الكسائيُّ. وسمعتُ بعضَهم يقول: هو الكسائيُّ الصغيرُ، وجعفرُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ الخُشْكَني. غيرَ أنَّ قراءةَ حمزةَ تقرَّرتْ على ما أُخِذَ عن سُلَيْم.
سُلَيْم عن حمزةَ. هو أبو عيسى، ويقال: أبو محمد، سليمُ بنُ عيسى الحَنَفيُّ. روى عنه جماعةٌ: خَلَفُ بنُ هشام، وخَلاّدٌ، والدُّورِيُّ، وعَنْبَسَةُ، وابنُ لاحِق، وتُرَكُ الحَذّاءُ، وابنُ زَرْبيّ.
واشتهرَ خَلَفٌ وخَلاّدٌ من بينهم. ولِكلٍّ منهم روايةٌ معروفةٌ، وحروفٌ أُخِذَتْ عنه.
خلَفٌ عن سُلَيْم. هو أبو محمدٍ خلفُ بنُ هشامِ بنِ طالبِ البَزّارُ. روى عنه أبو الحسن إدريسُ بنُ عبدِ الكريمِ الحَدادُ. وعليه مَدارُ روايةِ خلَف. وروى عن إدريسَ ابنُ الواعظِ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ البُخاريُّ، وأبو القاسم بنُ بُلَيْل القافلاني. وهم المعروفونَ.
خلاّدٌ عن سليم. هو خلاَّدُ بنُ خالدِ الأَحْوَلُ. روى عنه محمدُ بنُ يحيى الخُبَيْبيّ، المعروفُ بحمدانَ الرَّقوم. ومحمدُ بنُ الهيثمِ. والحُلْوانيُّ.
الدُّوريُّ عن سُليم. روى عنه محمدُ بنُ فَرَحِ المفسِّرُ. وأبو بكر الحسنُ بنُ عليّ العَلاّفُ.
عَنْبَسَةُ عن سُليم. هو أبو عبدِ الرحمنِ عنبسةُ بنُ النَّضْر. روى عنه أبو القاسم عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ القاسم الضَّرِيرُ، يعرف بابن السَّوّاق.
ابنُ لاحقٍ عن سُليم. هو محمدُ بنُ لاحق. روى عنه الحسنُ بنُ داوودَ.
تُرَكُ الحَذَّاءُ، وابنُ زَرْبيّ عن سليم. هما محمدُ بنُ حَرْب، المعروفُ بتُرَك الحذّاء، وإبراهيمُ بنُ زَرْبي. رَوَيا عن سليم. وروى عنهما رَجاءُ بنُ عيسى. وهذه الطريقةُ المعروفةُ بطريقة رَجاء، وهي طريقةُ التحقيق. قال رجاءٌ عن إبراهيمَ، عن سُليم، عن حمزةَ، إنه قرأ كذلك بالتحقيق[77].
وروى إدريسُ عن خلف، عن سليم، عن حمزةَ: أنه قرأ على الأعمش وابنِ أبي ليلى. قال: فما كان من قراءة ابنِ أبي ليلى فهو عن عليّ، وما كان من قراءة الأعمش فهو عن ابن مسعود، رضي الله عنهما.
وتُوُفِّيَ حمزةُ سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومئةٍ بحُلْوانَ، رحمه الله.
وقد لقي خلاّدٌ حمزةَ، وقرأ عليه. ثم أخذ القراءةَ بعده عن سليم عنه.
***
ومنهم الكِسَائيُّ. وهو أبو الحسن عليُّ بنُ حمزةَ الأَسَدِيُّ الكسائيّ. وكان قرأ على حمزةَ، وأبي بكرِ ابنِ عَيّاش، وعيسى بنِ عُمَرَ وغيرِهم. وقد ذَكَرْنا اتِّصَالَ قراءة حمزةَ وأبي بكرٍ برسول الله صلَّى الله عليه.
واختار الكسائيُّ لنفسه قراءةً، أُخِذَتْ عنه، واتُّبِعَ فيها. وكان نحويّاً، مقبولَ القول عند الفريقينِ، من الكوفيينَ والبصريينَ.
رُوَاتُه؛ المعروفُ منهم الذي يُؤْخَذُ بروايته في كتب القراءاتِ، مُخْتَصَراتِها والكتبِ المبسوطةِ فيها، الدُّورِيُّ.
الدُّوريّ. وهو أبو عُمَرَ حفصُ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. روى عنه أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ فَرَحِ المفسِّرُ الضَّريرُ. وأحمدُ بنُ فَرَح الغَسَّانيُّ. ومن القُرَّاء من فرَّقَ بينهما، فقال: الغسَّانيُّ هو محمدُ بنُ الفَرَج، بالجيم. والآخرُ هو أحمدُ بنُ فَرَح الضريرُ، بالحاء. حدَّثَني أحمدُ بنُ محمدِ المَرْوَزيُّ، عن أبي الفضلِ محمدِ بنِ بُدَيْل الخزاعيِّ أنه قال: هو محمدُ بنُ الفَرَج الغسانيُّ، بالجيم. والآخَرُ أحمدُ بنُ فَرَح، بالحاء. والذي وَجَدْتُه في تعليقي أنَّهما أحمدُ بنُ فرح، بالحاء. وأبو الزعراءِ عبدُ الرحمنِ بنُ عَبْدوس. وأبو عثمانَ سعيدُ بنُ عبدِ الرحيمِ الضريرُ. والقاسمُ بنُ عبدِ الوارث.
نُصَيْر. هو أبو المنذرِ نصيرُ بنُ يوسفَ النحويُّ. روى عنه الحسينُ بنُ شُعَيْب. روى أبو الحسن الرازيُّ عن ابنِ شُعَيْب، عن نصير. ومحمدُ بنُ عيسى، وأبو جعفرٍ محمدُ بنُ إدريسَ الدَّنْدانيُّ، وابنُ أبي نَصْر.أبو الحارث. هو أبو الحارث اللَّيْثُ بنُ خالد. أُخِذَتْ روايتُه عن محمدِ بنِ يحيى الكسائيّ. ثم عنه طُرُقٌ؛ فروى عنه عبدُ الوهابِ بنُ عيسى
البَزَّازُ، يُعْرَفُ بابنِ شَفَق. وأبو العبّاس أحمدُ بنُ زكريّا الخَفّافُ. ومحمدُ بنُ سعيدِ الحَمّالُ. كلُّهم أخذوا عن محمدِ بنِ يحيى، عن أبي الحارث، عن الكسائي.
قُتَيْبَة. هو أبو عبدِ الرحمنِ قتيبةُ بنُ مِهْران. روى عنه أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَوْثَرَةَ الأَصَمُّ. وأبو الفضلِ العبّاسُ بنُ الوليدِ بنِ مِرْداس.
أبو حَمْدون عن الكسائي. روى عنه أبو العبّاس محمدُ بنُ يعقوبَ ابن أخي العرق.
النَّهْشَلِيُّ عن الكسائيّ. هو أبو محمد الطَّيِّبُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي التُّراب الذُّهْلِيُّ القَصَّاصُ الزاهدُ. روى عنه القاسمُ بنُ أحمدَ الصائغُ.
وتُوُفِّيَ الكسائيُّ سنةَ تسعٍ وثمانينَ ومئةٍ بأَرَنْبُويَهْ، قرية من قرى الرَّيّ. رحمه الله.
***
يعقوبُ. هو أبو محمدٍ يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ زيدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي إسحاقَ. قرأ على سَلاّم بنِ المنْذر، على أبي عمرٍو وعاصم. قال يعقوبُ: قرأتُ على سَلاّم في سنةٍ ونصفٍ، وعلى شِهَاب بنِ شَرْنَفَةَ في خمسة أيام، وعلى مَسْلَمَةَ بنِ مُحارِبٍ في تسعة أيام.
قال ابنُ المنادي: قرأ يعقوبُ على أبي عمرو نفسِه. وقرأ شهابٌ على هارونَ بنِ موسى، على ابن أبي إسحاق.
وقيل: قرأ على يونُسَ بنِ عُبَيْد، على الحَسَن البَصْرِي، على حِطَّانَ بنِ عبدِ الله، على أبي موسى الأَشْعَريّ، على النبي صلَّى الله عليه.
وأخذ يعقوبُ أيضاً عن مَهْدِيِّ بنِ مَيْمون، عن شُعَيْب، عن أبي العالية، عن زيدِ بنِ ثابت، وأُبَيّ بنِ كعب، وابنِ عبّاس. قال أبو العالية: وقرأتُ على عُمَرَ أربعَ مرّات. وأكلتُ معه اللحمَ.
وتُوُفِّي يعقوبُ في ذي الحِجَّة سنةَ خمسٍ ومئتينِ. رحمه الله.
رُواتُه: رُوَيْسٌ ورَوْحٌ. وهما المعروفانِ.
رويس هو أبو عبدِ الله محمدُ بنُ المتوكِّلِ اللُّؤْلُئِيُّ المعروفُ برُوَيْس. روى عنه محمدُ بنُ هارونَ التَّمّارُ. وروى عن التَّمار ابنُ حُبْشان وابنُ النَّحَّاس.
رَوْح هو أبو الحسنِ رَوْحُ بنُ عبدِ المؤمنِ. روى عنه المُعَدَّلُ أبو العبَّاسِ محمدُ بنُ يعقوبَ بنِ الحَجَّاجِ بنِ مُعاويةَ التَّيْمِيُّ المُعَدَّلُ.
وقد ذكرتُ في الحروف ما حَفِظْتُه من رواية الوليدِ بنِ حَسَّان وزيدٍ عن يعقوبَ. وبالله التوفيقُ.
فصل
قلتُ: وهذه القراءاتُ التي ذكرتُها ووجوهَها قرأتُها على جماعة مختلفين. فمنهم من قرأتُ عليه القراءةَ والقراءتينِ. ومنهم من ختمتُ عليه القراءةَ الواحدةَ خَتْمةً أو ختمتينِ. ومنهم من عَرَضْتُ عليه بعضَ العَرْضة. وهو أبو عبدِ الله اللاَّلَكائيُّ، إمامُ جامع البصرة، ومُقْرئُ أهلها. رحمه الله.
قرأتُ عليه سنةَ اثنتينِ وتسعينَ وثلاث مئةٍ بحرف أبي عمرو، ولم أخْتِمْ عليه. قرأ على أبي بكرِ الشَّذَائيِّ، عن ابنِ مُجاهد، عن ابن عَبْدوسٍ، عن الدُّوريِّ، عن اليزيديّ، عن أبي عمرو، عن مُجاهد، عن ابن عباس، عن أُبَيّ، عن النبي صلَّى الله عليه. وعرضتُ هذه القراءةَ بعينها مَرَّاتٍ كثيرةً على أبي الحسن ابنِ بَنْدُويَهْ. قرأ على ابن الإمام، على أبي بكرٍ أحمدَ بنِ موسى بنِ مُجاهدٍ بالإسناد الذي ذكرتُ.
ثم لم أَزَلْ أقرأ على الشيوخ، حتى دخلتُ الأَهْوَازَ. فظَفِرْتُ بأبي الحسن محمدِ بنِ محمدِ الكُرَيْزِيِّ البَصْرِيِّ، رحمه الله. فعَلَّقْتُ عنه هذه القراءاتِ بوجوهها ورواياتها وطُرُقِها، في ثلاثِ مئةٍ وخمسينَ ورقةً، في مُدَّة سنتينِ.
فلما وقع الفراغُ من التعليق وتصحيحه، وقراءته عليه، قلتُ له: أتأذنُ لي أنْ أرويَ عنك هذه كلَّها؟ فقال لي: نعم. فلم أقنعْ باستئذانه دَفْعةً واحدةً، حتى عاوَدْتُه مِراراً كثيرة، في مجالسَ عِدَّة. كلَّ دَفْعَةٍ أقول له: أتأذنُ لي أنْ أرويَ عنك هذه، وأُقْرِئَ بها مَنْ شئتُ؟ فيقول لي: نعم.
ثم مكثتُ دهراً بعد التعليق أَعْرِضُ عليه القرآنَ تِلاوةً، قراءةً بعد قراءةٍ، وروايةً بعد أخرى.
ثم قلتُ له: أفلا تُعَرِّفُني شيوخَك الذين أخذتَها عنهم؟
فدفع إلينا صحيفةً شَحَنَها أسماءَ أُسْتاذِيه وشيوخِه. وهم جِلَّةُ أصحابِ أبي بكرِ ابنِ مُجاهد، والنَّقَّاش، والفضلِ بنِ شاذان الرازيّ، والمعَدَّل، وهو الذي يباهي به البصريونَ ويعظِّمونَه. فَذَكَرَ في الصحيفة الأسانيدَ بطولها، مرفوعةً إلى رسول الله صلَّى الله عليه.
فلما عُدْتُ إلى مُسْتَقَرّي بِعُمَان، ثم عزمتُ على الحركة ثانياً، سنةَ أربعٍ وأربعِ مئةٍ، أشفقتُ على تلك الصحيفةِ والتعليق. فخَلَّفْتُهما هناك إِشفاقاً عليهما، وطمَعاً في العَوْد إلى الوطن. فلم يَتَسَهَّلْ إلى هذه السنةِ. وهي سنةُ ثلاثَ عَشْرَةَ وأربعِ مِئةٍ. فسُئِلْتُ فيها إملاءَ هذا الكتابِ.
فأمْلَيْتُه مُسْتَعيناً بالله تعالى، راجياً توفيقَه.
***
فما كان من قراءة ابنِ كثيرٍ فإني أخذتُها عن الكُرَيْزي، عن أبي بكرٍ أحمدَ بنِ نصرِ الشَّذَائيِّ، عن الزَّيْنَبيّ، عن قُنْبُل، عن القَوّاس، عن وَهْبٍ، عن القسْط، عن شِبْل ومعروف، عن ابن كثيرٍ، عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، عن أُبَيّ، عن رسول الله صلَّى الله عليه. وكان الشَّذَائيُّ أخذ أيضاً عن ابن مُجاهد، عن قُنْبُل، عن القوّاس بالإسناد.
وعن الكُرَيْزيّ، عن الشَّذَائيّ، عن الزَّيْنَبِيّ، عن أبي ربيعةَ، عن البَزِّيّ، عن عِكْرِمَةَ، عن شِبْل وإسماعيلَ، عن ابن كثير. وعن الشَّذَائي، عن الزَّينبي، عن الخُزاعي، عن ابن فُلَيْح.
***
فأمَّا قراءةُ نافع فلقد أكثرتُ التلاوةَ بها عليه[78] بوجوه من الروايات، حتى ظَنَّ أني لا أقرأ لغيره.
وابتدأتُ برواية إسماعيلَ، وضَمِّ الميماتِ كابن كثير، عن أبي الحسن المعدَّل، عن ابن مجاهد، عن ابن عَبْدوس، عن الدُّوريّ، عن إسماعيلَ، عن نافع.
وعنه عن المعدَّل، عن ابن مجاهد، عن محمد بن الفرج، عن محمدِ بنِ إسحاقَ المُسَيَّبِيّ، عن أبيه، عن نافع.
وعنه عن المعدَّل، عن ابن مجاهد، عن إسماعيلَ القاضي، عن قالون، عن نافع.
وعنه عن عبد العزيز بن الفَرَج المِصْريّ، عن أبي بكرٍ محمدِ بنِ سيفِ المُقْرئِ، عن أبي يعقوبَ الأزرقِ، عن وَرْش، عن نافع.
***
وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فإني أخذتُها[79] عنه تلاوةً وإمْلاءً. وكان يَرْويها عن جماعة شيوخ الشَّذائي وابنِ حَبَشٍ وغيرِهما، عن ابن مجاهد، عن أبي الزَّعْراء، عن الدُّوري، عن اليزيدي،
عن أبي عمرو.
***
وأمّا قراءةُ ابنِ عامرٍ فإني أخذتُها عنه. وكان يُعْجَبُ بها، ويقول: أخذتُها من وجوه صحيحة. وأكثرُ ما كان يعتمدُ في هذه القراءةَ على الآدَمِيّ. وكان يذكره كثيراً ويمدحُه، ويقول: ما رأيتُ أحفظَ منه. وذكر لي اسْمَه وكُنْيَتَه. غيرَ أني شككتُ بعد ذلك، لِتَعَذُّر نسختي عليَّ، وبُعْدِها عني. ولا يخرجُ عن أبي عبدِ الله - هو أبو عبدِ الله محمدُ بنُ الحسنِ بنِ عِمْرانَ الآدميُّ - أو أبي بكرِ الآدَميّ. وعن النَّقّاش، عن الأخفش، عن ابن ذَكْوَانَ وهشام، وقد تقدَّم إسنادُهما[80]، عن ابن عامر [عن الرجل][81] المشكوك في اسْمِه.
***
وأمّا قراءةُ عاصم فإنه أخبرني[82] أنه ظَفِرَ بشيخ من بني هاشم بالبصرة قرأ على الأُشْناني. قال: فقصده الحَرْتكيُّ وقرأ عليه. فلما علمتُ بذلك قصدتُه أنا أيضاً، وقرأتُ عليه. قال: فأستاذي وأستاذُ الحرتكيّ في هذا سواءٌ.
فهذه القراءةُ أخذتُها عن الكُرَيْزيّ، عن أبي الحسنِ عليِّ بنِ محمدِ بنِ صالحِ الهاشميِّ، عن أبي العباس أحمدَ بنِ سهلِ الأُشْناني، عن عُبَيْدِ بنِ الصَّبّاح، عن حفص، عن عاصم، عن السُّلَمِيّ، عن عليّ، عن رسول الله صلَّى الله عليه.
وعنه، عن أبي الحسن المعدَّل، عن محمدِ بنِ أحمدَ البغداديّ، عن ابنِ شَنَّبوذ والنَّقّاش جميعاً، عن الخياط، عن الشموني، عن الأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم.
وعنه، عن أبي الحسن المعدَّل، عن ابن مجاهد، عن عبد الله بن محمد بن شاكر، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم.
***
قراءةُ حمزةَ أخذتُها عنه[83]، عن أبي الحسن المعدَّل، عن ابن مجاهد، عن محمد بن الجَهْم، عن خَلَف، عن سليم، عن حمزةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس، عن أُبَيّ بنِ كعب، عن النبي صلَّى الله عليه.
وعنه، عن محمدِ بنِ يوسفَ، عن أبي الحسن ابنِ حَيَّانَ، عن إدريسَ، عن خلف، عن سليم، عن حمزةَ.
***
قراءةُ الكسائيّ أخذتُها عنه، عن المعدَّل، عن ابن مجاهد، عن أبي الزَّعْراء، عن الدّوري، عن الكسائي.
وعنه، عن أحمدَ بنِ نصرِ البغداديّ، عن عبدِ الله بنِ أحمدَ البَلْخِيّ، عن محمدِ بنِ عيسى الإصْفهانيّ، عن نُصَيْر، عن الكسائيّ.
فأمّا رواية قتيبةَ فإنّ أبا الحسنِ الكريزيَّ، رحمه الله، قال لي وقت قراءتي عليه: قرأتُ على أبي عليٍّ إسماعيلَ بنِ شُعَيْبٍ، على أحمدَ بنِ محمدِ بنِ سَلْمويه، على محمدِ بنِ الحسنِ بنِ زيادٍ، على محمدِ بنِ إسماعيلَ الخَفّاف، على أحمدَ بنِ محمدِ بنِ حَوْثَرَةَ الأصَمِّ، على قُتَيْبَةَ، على الكسائيّ.
قراءةُ يعقوبَ. وعنه، عن أبي الحسن عليِّ بنِ خُشْنام المالكيّ، عن أبي العباس المعدَّل، عن ابن وَهْبِ الثَّقفيّ، عن رَوْح، عن يعقوبَ.
***
وعنه، عن عليّ بنِ محمدِ الدَّلاَّلِ، عن عليّ بنِ جعفرِ المقرئِ، عن عليِّ بنِ عثمانَ الجوهريِّ، عن محمدِ بنِ نافعِ التَّمّارِ، عن رُوَيْسٍ، عن يعقوبَ.
***
وقد أضربتُ عن التطويل في ذكر الأسانيد، واسْتَقْصَيْتُ في الأصول التي لا تكادُ تجدُها مجموعةً في كتب القراءات. والمشاهدةُ تأتي على صحّة ما ذكرتُه. وبالله التوفيقُ.