eKtab
EN ع
الكتاب الجزء الثالث
اقرأ عينة مجانية

الكتاب الجزء الثالث

بقلم سيبويه

صفحة 1
بسم الله الرّحمن الرّحيم
 
باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء
 
اعلم أنّ هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء كما أنّ حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال وهي‏:‏ أن وذلك قولك‏:‏ أريد أن تفعل‏.‏
 
وكي وذلك جئتك لكي تفعل ولن‏.‏
 
فأمّا الخليل فزعم أنّها لا أن ولكنّهم حذفوا لكثرته في كلامهم كما قالوا‏:‏ ويلمّه يريدون وى لأمّه وكما قالوا يومئذ وجعلت بمنزلة حرف واحد كما جعلوا هلاّ بمنزلة حرف واحد فإنّما هي هل ولا‏.‏
 
وأمّا غيره فزعم أنّه ليس في لن زيادة وليست من كلمتين ولكنّها بمنزلة شئ على حرفين ليست فيه زيادة وأنّها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم في أنه ليس واحد من الحرفين زائداً‏.‏
 
ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت‏:‏ أمّا زيداً فلن أضرب لأنّ هذا اسم والفعل صلة باب الحروف التي تضمر فيها أن
 
وذلك اللام التي في قولك‏:‏ جئتك لتفعل‏.‏
 
وحتّى وذلك قولك‏:‏ حتى تفعل ذاك فإنما انتصب هذا بأن وأن ههنا مضمرة ولو لم تضمرها لكان الكلام محالاً لأنّ اللام وحتّى إنّما يعملان في الأسماء فيجرّان وليستا من الحروف التي تضاف إلى الأفعال‏.‏
 
فإذا أضمرت أن حسن الكلام لأنّ أن وتفعل بمنزلة اسم واحد كما أن الّذي وصلته بمنزلة اسم واحد فإذا قلت‏:‏ هو الذي فعل فكأنك قلت‏:‏ هو الفاعل وإذا قلت‏:‏ أخشى أن تفعل فكأنك قلت‏:‏ أخشى فعلك‏.‏
 
أفلا ترى أنّ أن تفعل بمنزلة الفعل فلّما أضمرت أن كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما لأنهما لا يعملان إّلا في الأسماء ولا يضافان إّلا إليهما وأن وتفعل بمنزلة الفعل‏.‏
صفحة 2
وبعض العرب يجعل كي بمنزلة حتّى وذلك أنّهم يقولون‏:‏ كيمه في الاستفهام فيعملونها في الأسماء كما قالوا حتى مه‏.‏
 
وحتّى متى ولمه‏.‏
 
فمن قال كيمه فإنّه يضمر أن بعدها وأمّا من أدخل عليها اللام ولم يكن من كلامه كيمه فإنّها عنده بمنزلة أن وتدخل عليها اللام كما تدخل على أن‏.‏
 
ومن قال كيمه جعلها بمنزلة اللام‏.‏
 
واعلم أنّ لا تظهر بعد حتّى وكي كما لا يظهر بعد أمّا الفعل في قولك‏:‏ أمّا أنت منطلقاً انطلقت وقد ذكر حالها فيما مضى‏.‏
 
واكتفوا عن إظهار أن بعدهما بعلم المخاطب أنّ هذين الحرفين لا يضافان إلى فعل وأنّهما ليسا مما يعمل في الفعل وأنّ الفعل لا يحسن بعدهما إلاّ أن يحمل على أن فأن ههنا بمنزلة الفعل في أمّا وما كان بمنزلة أمّا مما لا يظهر بعده الفعل فصار عندهم بدلاً من اللفظ بأن‏.‏
 
وأمّا اللام في قولك‏:‏ جئتك لتفعل فبمنزلة إن في قولك‏:‏ إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ إن شئت أظهرت الفعل ههنا وإن شئت خزلته وأضمرته‏.‏
 
وكذلك أن بعد اللام إن شئت أظهرته وإن شئت أضمرته‏.‏
 
واعلم أنّ اللام قد تجئ في موضع لا يجوز فيه الإظهار وذلك‏:‏ ما كان ليفعل فصارت أن ههنا بمنزلة الفعل في قولك‏:‏ إيّاك وزيداً وكأنك إذا مثّلت قلت‏:‏ ما كان زيد لأن يفعل أي ما كان زيد لهذا الفعل‏.‏
 
فهذا بمنزلته ودخل فيه معنى نفى كان سيفعل‏.‏
 
فإذا قلت هذا قلت‏:‏ ما كان ليفعل كما كان لن يفعل نفياً لسيفعل‏.‏
 
وصارت بدلاً من اللفظ بأن كما كانت ألف الاستفهام بدلاً من واو القسم في قولك‏:‏ آلله لتفعلنّ‏.‏
 
فلم تذكر إّلا أحد الحرفين إذ كان نفياً لما معه حرف لم يعمل فيه شئ ليضارعه فكأنّه قد ذكر أن‏.‏
 
كما أنّه إذا قال‏:‏ سقياً له فكأنه قال‏:‏ سقاه الله‏.‏
صفحة 3
باب ما يعمل في الأفعال فيجزمها
 
وذلك‏:‏ لم ولمّا واللام التي في الأمر وذلك قولك‏:‏ ليفعل ولا في النهي وذلك قولك لا تفعل فإنّما هما بمنزلة لم‏.‏
 
واعلم أنّ هذه اللام ولا في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي وذلك قولك‏:‏ لا يقطع الله يمنيك وليجزك الله خيراً‏.‏
 
واعلم أنّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة كأنهم شبّهوها بأن إذا أعملوها مضمرة‏.‏
 
وقال الشاعر‏:‏
 
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ** إذا ما خفت من شئ تبالا
 
وإنّما أراد‏:‏ لتفد‏.‏
 
وقال متمّم بن نويرة‏:‏ على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى أراد‏:‏ ليبك‏.‏
 
وقال أحيحة بن الجلاح‏:‏ فمن نال الغنى فليصطنعه صنيعته ويجهد كلّ جهد واعلم أنّ حروف الجزم لا تجزم إّلا الأفعال ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة والجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء فليس للاسم في الجزم نصيب وليس للفعل في الجرّ نصيب فمن ثمّ لم يضمروا الجازم كما لم يضمروا الجارّ‏.‏
 
وقد أضمره الشاعر شبهّه بإضمارهم ربّ وواو القسم في كلام بعضهم‏.‏
 
باب وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
 
اعلم أنّها إذا كانت في موضع اسم مبتدإ أو موضع اسم بني على مبتدإ أو في موضع اسم مرفوع غير مبتدإ ولا مبنيّ على مبتدإ أو في موضع اسم مجرور أو منصوب فإنّها مرتفعة وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع وهي سبب دخول الرفع فيها‏.‏
 
وعلّته‏:‏ أنّ ما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء كما أنّ ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمها لا يعمل في الأسماء‏.‏
 
وكينونتها في موضع الأسماء ترفعها كما يرفع الاسم كينونته مبتدأ‏.‏
صفحة 4
فأمّا ما كان في موضع المبتدإ فقولك‏:‏ يقول زيد ذاك‏.‏
 
وأمّا ما كان في موضع المبنيّ على المبتدإ فقولك‏:‏ زيد يقول ذاك‏.‏
 
وأمّا ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبنيّ عليه فقولك‏:‏ مررت برجل يقول ذاك وهذا يوم آتيك وهذا زيد يقول ذاك وهذا رجل يقول ذاك وحسبته ينطلق‏.‏
 
فهكذا هذا وما أشبهه‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً‏:‏ هلاّ يقول زيد ذاك فيقول في موضع ابتداء وهلاّ لا تعمل في اسم ولا فعل فكأنّك قلت‏:‏ يقول زيد ذاك‏.‏
 
إلاّ أنّ من الحروف ما لا يدخل إلاّ على الأفعال التي في موضع الأسماء المبتدأة وتكون الأفعال أولى من الأسماء حتّى لا يكون بعدها مذكور يليها إلاّ الأفعال‏.‏
 
وسنبّين ذلك إن شاء الله وقد بيّن فيما مضى‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً ائتني بعد ما تفرغ فما وتفرغ بمنزلة الفراغ وتفرغ صلة وهي مبتدأة وهي بمنزلتها في الذي إذا قلت بعد الذي تفرغ فتفرغ في موضع مبتدإ لأنّ الذي لا يعمل في شئ والأسماء بعده مبتدأة‏.‏
 
ومن زعم أنّ الأفعال ترتفع بالابتداء فإنه ينبغي له أن ينصبها إذا كانت في موضع ينتصب فيه الاسم ويجرّها إذا كانت في موضع ينجرّ فيه الاسم ولكنّها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً‏:‏ كدت أفعل ذاك وكدت تفرغ فكدت فعلت وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها وأفعل ههنا بمنزلة في كنت إلاّ أنّ الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها‏.‏
 
ومثل ذلك‏:‏ عسى يفعل ذاك فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم كأنّك قلت‏:‏ كدت فاعلاً ثم وضعت أفعل في موضع فاعل‏.‏
 
ونظير هذا في العربيّة كثير وستراه إن شاء الله تعالى‏.‏
 
ألا ترى أنّك تقول‏:‏ بلغني أنّ زيداً جاء فأنّ زيداً جاء كلّه اسم‏.‏
 
وتقول‏:‏ لو أنّ زيداً جاء لكان كذا وكذا فمعناه‏:‏ لو مجيء زيد ولا يقال لو مجيء زيد‏.‏
 
وتقول في التعجّب‏:‏ ما أحسن زيداً ولا يكون الاسم في موضع فتقول‏:‏ ما محسن زيداً‏.‏
صفحة 5
ومنه‏:‏ قد جعل يقول ذاك كأنّك قلت‏:‏ صار يقول ذاك فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء‏.‏
 
وكأنّهم إنّما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء أنّ معناها ومعنى غيرها معنى ما تدخله أن نحو قولهم‏:‏ خليق أن يقول ذاك وقارب أن لا يفعل‏.‏
 
ألا ترى أنّهم يقولون‏:‏ عسى أن يفعل‏.‏
 
ويضطر الشاعر فيقول‏:‏ كدت أن فلّما كان المعنى فيهنّ ذلك تركوا الأسماء لئلاّ يكون ما هذا معناه كغيره وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت لأنّه فعل مثله‏.‏
 
وكدت أن أفعل لا يجوز إلاّ في شعر لأنّه مثل كان في قولك‏:‏ كان فاعلاً ويكون فاعلاً‏.‏
 
وكأنّ معنى جعل يقول وأخذ يقول قد آثر أن يقول ونحوه‏.‏
 
ثمن ثمّ منع الأسماء لأنّ معناها معنى ما يستعمل بأن فتركوا الفعل حين خزلوا أن ولم يستعملوا الاسم لئلاّ ينقضوا هذا المعنى‏.‏
 
هذا باب إذن
 
اعلم أنّ إذن إذا كانت جواباً وكانت مبتدأة عملت في الفعل عمل رأى في الاسم إذا كانت مبتدأة‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ إذن أجيئك و إذن آتيك‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً قولك‏:‏ إذن والله أجيئك‏.‏
 
والقسم ههنا بمنزلته في أرى إذا قلت‏:‏ أرى والله زيداً فاعلاً‏.‏
 
ولا تفصل بين شئ مما ينصب الفعل وبين الفعل سوى إذن لأنّ إذن أشبهت أرى فهي في الأفعال بمنزلة أرى في الأسماء وهي تلغى وتقدّم وتؤخّر فلمّا تصرّفت هذا التصرّف اجتروا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين‏.‏
 
ولم يفصلوا بين أن وأخواتها وبين الفعل كراهية أن يشبّهوها بما يعمل في الأسماء نحو ضربت وقتلت لأنّها لا تصرّف تصرّف الأفعال نحو ضربت وقتلت ولا تكون إلاّ في أوّل الكلام لاؤمة لموضعها لا تفارقه فكرهوا الفصل لذلك لأنّه حرف جامد‏.‏
 
واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل فإنّك فيها بالخيار‏:‏ إن شئت أعملتها كإعمالك أرى وحسبت إذا كانت واحدة منهما بين اسمين وذلك قولك‏:‏ زيداً حسبت أخاك وإن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت زيد حسبت أخوك‏.‏
 
فأما الاستعمال فقولك‏:‏ فإذن آتيك وإذن أكرمك‏.‏
صفحة 6
وبلغنا أنّ هذا الحرف في بعض المصاحف‏:‏ ‏"‏ وإذن لا يلبثوا خلفك إلاّ قليلاً ‏"‏‏.‏
 
وسمعنا بعض العرب قرأها فقال‏:‏ ‏"‏ وإذن لا يلبثوا ‏"‏‏.‏
 
وأمّا الإلغاء فقولك‏:‏ فإذن لا أجيئك‏.‏
 
وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فإذن لا يؤتون الناس نقيراً ‏"‏‏.‏
 
واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفعل وبين شئ الفعل معتمد عليه فإنّها ملغاة لا تنصب البّتة كما لا تنصب أرى إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك‏:‏ كان أرى زيد ذاهباً وكما لا تعمل في قولك‏:‏ إنّي أرى ذاهب‏.‏
 
فإذن لا تصل في ذا الموضع إلى أن تنصب كما لا تصل أرى هنا إلى أن تنصب‏.‏
 
فهذا تفسير الخليل‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ أنا إذن آتيك فهي ههنا بمنزلة أرى حيت لا تكون إلاّ ملغاة‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً قولك‏:‏ إن تأتني إذن آتك لأنّ الفعل ههنا معتمد على ما قبل إذن‏.‏
 
وليس هذا كقول ابن عنمة الضّبّيّ‏:‏ اردد حمارك لا تنزع سويّته إذن يردّ وقيد العير مكروب من قبل أنّ هذا منقطع من الكلام الأوّل وليس معتمداً على ما قبله لأنّ ما قبله مستغن‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً‏:‏ والله إذن لا أفعل من قبل أنّ أفعل معتمد على اليمين وإذن لغو‏.‏
 
وليس الكلام ههنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوّله لأنّ اليمين ههنا الغالبة‏.‏
 
ألا ترى أنّك تقول إذا ولو قلت‏:‏ والله إذن أفعل تريد أن تخبر أنّك فاعل لم يجز كما لم يجز والله أذهب إذن إذا أخبرت أنك فاعل‏.‏
 
فقبح هذا يدلّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين‏.‏
 
وقال كثيّرة عزّة‏:‏ لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلها وتقول‏:‏ إن تأتني آتك وإذن أكرمك إذا جعلت الكلام على أوّله ولم تقطعه وعطفته على الأوّل‏.‏
 
وإن جعلته مستقبلاً نصبت وإن شئت رفعته على قول من ألغى‏.‏
صفحة 7
وهذا قول يونس وهو حسن لأنّك إذا قطعته من الأوّل فهو بمنزلة قولك‏:‏ فإذن أفعل إذا كنت مجيباً رجلاً‏.‏
 
وتقول‏:‏ إذن عبد الله يقول ذاك لا يكون إلاّ هذا من قبل أنّ إذن الآن بمنزلة إنّما وهل كأنك قلت‏:‏ إنّما عبد الله يقول ذاك‏.‏
 
ولو جعلت إذن ههنا بمنزلة كي وأن لم يحسن من قبل أنّه لا يجوز لك أن تقول‏:‏ كي زيد يقول ذاك ولا أن زيد يقول ذاك‏.‏
 
فلمّا قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنّما وأشباههما‏.‏
 
وزعم عيسى بن عمر أنّ ناساً من العرب يقولون‏:‏ إذن أفعل ذاك في الجواب‏.‏
 
فأخبرت يونس بذلك فقال‏:‏ لا تبعدنّ ذا‏.‏
 
ولم يكن ليروي إلاّ ما سمع جعلوها بمنزلة هل وبل‏.‏
 
وتقول إذا حدّثت بالحديث‏:‏ إذن أظنّه فاعلاً وإذن إخالك كاذباً وذلك لأنك تخبر أنّك تلك الساعة في حال ظنّ وخيلة فخرجت من باب أن وكي لأنّ الفعل بعدهما غير واقع وليس في ولو قلت‏:‏ إذن أظنّك تريد أن تخبره أنّ ظنّك سيقع لنصبت وكذلك إذن يضربك إذا أخبرت أنّه في حال ضرب لم ينقطع‏.‏
 
وقد ذكر لي بعضهم أنّ الخليل قال‏:‏ أن مضمرة بعد إذن‏.‏
 
ولو كانت مما يضمر بعده أن فكانت بمنزلة اللام وحتّى لأضمرتها إذا قلت عبد الله إذن يأتيك فكان ينبغي أن تنصب إذن يأتيك لأن المعنى واحد ولم يغيّر فيه المعنى الذي كان في قوله‏:‏ إذن يأتيك عبد الله كما يتغيّر المعنى في حتّى في الرفع والنصب‏.‏
 
فهذا مارووا‏.‏
 
وأمّا ما سمعت منه فالأوّل‏.‏
صفحة 8
هذا باب حتّى
 
اعلم أنّ تنصب على وجهين‏:‏ فأحدهما‏:‏ أن تجعل الدخول غاية لمسيرك وذلك قولك‏:‏ سرت حتّى أدخلها كأنك قلت‏:‏ سرت إلى أن أدخلها فالناصب للفعل ههنا هو الجارّ للاسم إذا كان غاية‏.‏
 
فالفعل إذا كان غاية نصب والاسم إذا كان غاية جرّ‏.‏
 
وهذا قول الخليل‏.‏
 
وأمّا الوجه الآخر فأن يكون السّير قد كان والدخول لم يكن وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها وذلك قولك‏:‏ كلّمته حتّى يأمر لي بشيء‏.‏
 
تقول‏:‏ سرت حتّى أدخلها تعني أنّه كان دخول متّصل بالسير كاتّصاله به بالفاء إذا قلت‏:‏ سرت فأدخلها فأدخلها ههنا على قولك‏:‏ هو يدخل وهو يضرب إذا كنت تخبر أنّه في عمله وأنّ عمله لم ينقطع‏.‏
 
فإذا قال حتّى أدخلها فكأنه يقول‏:‏ سرت فإذا أنا في حال دخول فالدخول متّصل بالسير كاتّصاله بالفاء‏.‏
 
فحتّى صارت ههنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الإبتداء لأنّها لم تجئ على معنى إلى أن ولا معنى كي فخرجت من حروف النّصب كما خرجت إذن منها في قولك‏:‏ إذن أظنّك‏.‏
 
وأمّا الوجه الآخر‏:‏ فإنه يكون السّير قد كان وما أشبهه ويكون الدخول وما أشبهه الآن فمن ذلك‏:‏ لقد سرت حتّى أدخلها ما أمنع أي حتّى أنّي الآن أدخلها كيفما شئت‏.‏
 
ومثل ذلك قول الرجل‏:‏ لقد رأى منّي عاماً أوّل شيئاً حتّى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء ولقد مرض حتّى لا يرجونه‏.‏
 
والرفع ههنا في الوجهين جميعاً كالرفع في الاسم‏.‏
 
قال الفرزدق‏:‏ فيا عجباً حتّى كليب تسبّني كأنّ أباها نهشل أو مجاشع فحتّى ههنا بمنزلة إذا وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء‏.‏
 
ومثل ذلك‏:‏ شربت حتى يجئ البعير يجرّ بطنه أي حتّى إنّ البعير ليجئ يجرّ بطنه‏.‏
صفحة 9
ويدلّك على حتّى أنها حرف من حروف الابتداء أنّك تقول‏:‏ حتّى إنّه ليفعل ذاك كما تقول‏:‏ فإذا يغشون حتّى لا تهرّ كلابهم لا يسألون عن السّواد المقبل ومثل ذلك‏:‏ مرض حتّى يمرّ به الطائر فيرحمه وسرت حتّى يعلم الله أنّي كالّ‏.‏
 
والفعل ههنا منقطع من الأوّل وهو في الوجه الأوّل الذي ارتفع فيه متّصل كاتّصاله به بالفاء كأنه قال سير فدخول كما قال علقمة ابن عبدة‏:‏ ترادي على دمن الحياض فإن تعف فإنّ المندّى رحلة فركوب لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضى ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضى ولكنّ الآخر متّصل بالأوّل ولم يقع واحد دون الآخر‏.‏
 
وإذا قلت‏:‏ لقد ضرب أمس حتّى لا يستطيع أن يتحرّك اليوم فليس كقولك‏:‏ سرت فأدخلها إذا لم ترد أن تجعل الدخول الساعة لأنّ السير والدخول جميعاً وقعاً فيما مضى‏.‏
 
وكذلك مرض حتّى لا يرجونه أي حتّى إنّه الآن لا يرجونه فهذا ليس متّصلاً بالأوّل واقعاً معه فيما مضى‏.‏
 
وليس قولنا كاتّصال الفاء يعني أنّ معناه معنى الفاء ولكنك أردت أن تخبر أنه متّصل بالأوّل وأنهما وقعا فيما مضى‏.‏
 
وليس بين حتّى في الاتّصال وبينه في الانفصال فرق في أنه بمنزلة حرف الابتداء وأنّ المعنى واحد إلاّ أنّ أحد الموضعين الدخول فيه متّصل بالسّير وقد مضى السير والدخول والآخر منفصل وهو الآن في حال الدخول وإنّما اتّصاله في أنّه كان فيما مضى وإلاّ فإنه ليس بفارق موضعه الآخر في شئ إذا رفعت‏.‏
 
باب الرفع فيما اتّصل بالأوّل كاتّصاله بالفاء
 
وما انتصب لأنّه غاية تقول‏:‏ سرت حتّى أدخلها وقد سرت حتّى أدخلها سواء وكذلك إنّي سرت حتّى أدخلها فيما زعم الخليل‏.‏
 
فإن جعلت الدخول في كلّ ذا غاية نصبت وتقول‏:‏ رأيت عبد الله سار حتّى يدخلها وأرى زيداً سار حتى يدخلها ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن المتكلم غير متيقن فإنه يدخل عليه سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري ويدخل عليه عبد الله سار حتّى يدخلها أرى‏.‏
صفحة 10
فإن قال‏:‏ فإني لم أعمل أرى فهو يزعم أنه ينصب بأرى الفعل‏.‏
 
وإن جعلت الدخول غاية نصبت في ذا كلّه‏.‏
 
وتقول‏:‏ كنت سرت حتّى أدخلها إذا لم تجعل الدخول غاية‏.‏
 
وليس بين كنت سرت وبين سرت مرّة في الزمان الأوّل حتّى أدخلها شئ وإنّما ذا قول كان النحويّون يقولونه ويأخذونه بوجه ضعيف‏.‏
 
يقولون‏:‏ إذا لم يجز القلب نصبنا فيدخل عليهم قد سرت حتى أدخلها أن ينصبوا وليس في الدنيا عربيّ يرفع سرت حتّى أدخلها إلاّ وهو يرفع إذا قال‏:‏ قد سرت‏.‏
 
وتقول‏:‏ إنّما سرت حتّى أدخلها وحتّى أدخلها إن جعلت الدخول غاية‏.‏
 
وكذلك ما سرت إلاّ قليلاً حتّى أدخلها إن شئت رفعت وإن شئت نصبت لأنّ معنى هذا معنى سرت قليلاً حتّى أدخلها فإن جعلت الدخول غاية نصبت‏.‏
 
ومما يكون فيه الرفع شئ ينصبه بعض الناس لقبح القلب وذلك‏:‏ ربّما سرت حتّى أدخلها وطالما سرت حتّى أدخلها وكثر ما سرت حتّى أدخلها ونحو هذا‏.‏
 
فإن احتجّوا بأنه غير سير واحد فكيف يقولون إذا قلت‏:‏ سرت غير مرّة حتّى أدخلها‏.‏
 
وسألنا من يرفع في قوله‏:‏ سرت حتّى أدخلها فرفع في ربّما ولكنّهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في قد‏.‏
 
وتقول‏:‏ ما أحسن ما سرت حتّى أدخلها وقلّما سرت حتّى أدخلها إذا أردت أن تخبر أنّك سرت قليلاً وعنيت سيراً واحداً وإن شئت نصبت على الغاية‏.‏
 
وتقول‏:‏ قلّما سرت حتّى أدخلها إذا عنيت سيراً واحداً أو عنيت غير سير لأنّك قد تنفي الكثير من السير الواحد كما تنفيه من غير سير‏.‏
 
وتقول‏:‏ قلّما سرت حتّى أدخلها إذا عنيت غير سير وكذلك أقلّ ما سرت حتّى أدخلها من قبل أنّ قلّما نفي لقوله كثر ما كما أنّ ما سرت نفي لقوله سرت‏.‏
 
ألا ترى أنّه قبيح أن تقول‏:‏ قلّما سرت فأدخلها كما يقبح في ما سرت إذا أردت معنى فإذا أنا أدخل‏.‏