eKtab
EN ع
الكتاب الجزء الثاني
اقرأ عينة مجانية

الكتاب الجزء الثاني

بقلم سيبويه

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
هذا باب مجرى نعت المعرفة عليها
 
فالمعرفةُ خمسة أشياء‏:‏ الأسماء التي هي أعلامٌ خاصةً والمضاف الى المعرفة إذا لم ترد معنى التنوين والألف واللامُ والأسماء المبهمة والإضمارُ‏.‏
 
فأما العلامة المختصة فنحو زَيدٍ وعَمرٍو وعبدِ الله وما أشبه ذلك‏.‏
 
وإنما صار معرفةً لأنه اسمٌ وقع عليه يُعرف به بعينه دون سائر أمته‏.‏
 
وأما المضاف الى معرفة فنحو قولك‏:‏ هذا أخوك ومررتُ بأبيك وما أشبه ذلك‏.‏
 
وإنما صار معرفةً بالكاف التي أضيف إليها لأن الكاف يراد بها الشيء بعينه دون سائر أمّته‏.‏
 
وأما الألف واللام فنحو الرجل والفرس والبعير وما أشبه ذلك‏.‏
 
وإنما صار معرفة لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته لأنك قلت‏:‏ مررتُ برجلٍ فإنك إنما زعمت أنك إنما مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسمُ لا تريد رجلاً بعينه يعرفه المخاطَب‏.‏
 
وإذا أدخلتَ الألف واللام فإنما تُذكّره رجلاً قد عرَفه فتقول‏:‏ الرجل الذي من أمره كذا وكذا ليتوهّم الذي كان عهدَه ما تذكّر من أمره‏.‏
 
وأما الأسماء المبهمة فنحو هذا وهذه وهذان وهاتان وهؤلاء وذلك وتلك وذانك وتانك وأولئك وما أشبه ذلك‏.‏
 
وإنما صارت معرفةً لأنها صارت أسماء إشارة الى الشيء دون سائر أمّته‏.‏
 
وأما الإضمار فنحو‏:‏ هو وإياه وأنتَ وأنا ونحن وأنتم وأنتنّ وهنّ وهم وهي والتاء التي في فعَلتُ وفعلَتْ وفعلْتِ وما زِيدَ على التاء نحو قولك‏:‏ فعلتما وفعلتم وفعلتنّ والواو التي في فعلُوا والنون والألف اللتان في فعلْنا في الاثنين والجميع والنون في فعلْنَ والإضمار الذي ليست له علامة ظاهرة نحو‏:‏ قد فعل ذلك والألف التي في فعَلا والكاف والهاء في رأيتُكَ ورأيته وما زيدَ عليهما نحو‏:‏ رأيتكما ورأيتكم ورأيتهما ورأيتهم ورأيتكنّ ورأيتهنّ والياء في رأيتُني والألف والنون اللتان في رأيتَنا وغُلامُنا والكاف والهاء اللتان في بكَ وبه وبها وما زيد عليهنّ نحو قولك‏:‏ بكما وبكم وبكنّ وبهما وبهم وبهنّ والياء في غلامي وبي‏.‏
صفحة 2
وإنما صار الإضمار معرفة لأنك إنما تضمِر اسماً بعد ما تعلم أن مَنْ يحدَّث قد عرف مَن تعني وما تعني وأنك تريد شيئاً يعلمه‏.‏
 
واعلم أن العَلَم الخاص من الأسماء يوصَف بثلاثة أشياء‏:‏ بالمضاف الى مثله وبالألف واللام وبالأسماء المبهمة‏.‏
 
فأما المضاف فنحو‏:‏ مررتُ بزيدٍ أخيك‏.‏
 
والألف واللام نحو قولك‏:‏ مررت بزيد الطويل وما أشبه هذا من الإضافة والألف واللام‏.‏
 
وأما المبهمة فنحو‏:‏ مررتُ بزيد هذا وبعمرو ذاك‏.‏
 
والمضاف الى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء‏:‏ بما أضيف كإضافته وبالألف واللام والأسماء المبهمة وذلك‏:‏ مررتُ بصاحبك أخي زيد ومررتُ بصاحبك الطويل ومررت بصاحبك هذا‏.‏
 
فأما الألف واللام فتوصف بالألف واللام وبما أضيف الى الألف واللام لأن ما أضيف الى الألف واللام بمنزلة الألف واللام فصار نعتاً كما صار المضاف الى غير الألف واللام صفةً لما ليس فيه الألف واللام نحو مررتُ بزيد أخيك وذلك قولك‏:‏ مررتُ بالجميل النبيل ومررتُ بالرجل ذي المال‏.‏
 
وإنما منع أخاك أن يكون صفةً للطويل أن الأخ إذا أضيف كان أخصَّ لأنه مضاف الى الخاص والى إضماره فإنما ينبغي لك أن تبدأ به وإن لم تكتفِ بذلك زدتَ من المعرفة ما تزداد به معرفة‏.‏
 
وإنما منع هذا أن يكون صفةً للطويل والرجل أن المخبِر أراد أن يقرّب به شيئاً ويشير إليه لتعرفه بقلبك وبعينك دون سائر الأشياء‏.‏
 
وإذا قال الطويل فإنما يريد أن يعرّفك شيئاً بقلبك ولا يريد أن يعرّفكه بعينك فلذلك صار هذا يُنعت بالطويل ولا يُنعت الطويل بهذا لأنه صار أخصَّ من الطويل حين أراد أن يعرّفه شيئاً بمعرفة العين ومعرفة القلب‏.‏
 
وإذا قال الطويل فإنما عرّفه شيئاً بقلبه دون عينه فصار ما اجتمع فيه شيئان أخصّ‏.‏
 
واعلم أن المبهمة توصَف بالأسماء التي فيها الألف واللام والصفات التي فيها الألف واللام جميعاً‏.‏
صفحة 3
وإنما وُصفتْ بالأسماء التي فيها الألف واللام لأنها والمبهمة كشيء واحد والصفات التي فيها الألف واللام هي في هذا الموضع بمنزلة الأسماء وليست بمنزلة الصفات في زيد وعمرو إذا قلتَ مررتُ بزيد الطويل لأني لا أريد أن أجعل هذا اسماً خاصاً ولا صفةً له يُعرف بها وكأنك أردت أن تقول مررت بالرجل ولكنك إنما ذكرت هذا لتقرّب به الشيء وتشير إليه‏.‏
 
ويدلّك على ذلك أنك لا تقول‏:‏ مررتُ بهذين الطويل والقصير وأنت تريد أن تجعله من الاسم الأول بمنزلة هذا الرجل ولا تقول‏:‏ مررتُ بهذا ذي المال كما قلت‏:‏ مررتُ بزيد ذي المال‏.‏
 
واعلم أن صفات المعرفة تجري من المعرفة مجرى صفات النكرة من النكرة وذلك قولك‏:‏ مررتُ بأخوَيْك الطويلَيْن فليس في هذا إلا الجرّ كما ليس في قولك‏:‏ مررت برجل طويل إلا الجرّ‏.‏
 
وتقول‏:‏ مررت بأخوَيْك الطويل والقصير ومررتُ بأخوَيك الراكع والساجد ففي هذا البدل وفي هذا الصفة وفيه الابتداء كما كان ذلك في مررت برجلين صالح وطالح‏.‏
 
وإذا قلت‏:‏ مررت بزيد الراكع ثم الساجد أو الراكع فالساجد أو الراكع لا الساجد أو الراكع أو الساجد أو إما الراكع وإما الساجد وما أشبه هذا لم يكن وجه كلامه إلا الجرّ كما كان ذلك في النكرة‏.‏
 
فإن أدخلتَ بل ولكنْ جاز فيهما ما جاز في النكرة‏.‏
 
فعلى هذا فقِس المعرفة‏.‏
 
وقد مضى الكلام في النكرة فأغنى عن إعادته في المعرفة لأن الحكم واحد‏.‏
 
واعلم أن كل شيء كان للنكرة صفةً فهو للمعرفة خبر وذلك قولك‏:‏ مررت بأخويك قائمَيْن فالقائمان هنا نصب على حدّ الصفة في النكرة‏.‏
 
وتقول‏:‏ مررت بأخويك مسلماً وكافراً هذا على مَن جرّ وجعلهما صفةً للنكرة ومن جعلهما بدلاً من النكرة جعلهما بدلاً من المعرفة كما قال الله عز وجل‏:‏ ‏"‏ لَنَسْفَعاً بالناصيةِ‏.‏
 
ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئة ‏"‏‏.‏
 
وأنشدنا لبعض العرب الموثوق بهم‏:‏
صفحة 4
فإلى ابنِ أمّ أناسٍ ارحلُ ناقتي ** عمرٍو فتُبلغُ حاجتي أو تُزحِفُ
 
ملِكٍ إذا نزل الوفودُ ببابه ** عرَفوا مواردَ مُزبِدٍ لا يُنزَفُ
 
ومَن رفع في النكرة رفع في المعرفة‏.‏
 
قال الفرزدق‏:‏
 
فأصبح في حيثُ التقينا شريدُهمْ ** طليقٌ ومكتوفُ اليدينِ ومُزعِفُ
 
فلا تجعلي ضيفَيّ ضيفٌ مُقرَّبٌ ** وآخرُ معزولٌ عن البيت جانبُ
 
والنصب جيّد كما قال النابغة الجعدي‏:‏
 
وكانت قُشَيرٌ شامتاً بصديقها وآخرَ مَرزيّا وآخرَ رازِيا وقال الآخر وهو ذو الرمّة‏:‏
 
تَرى خلقَها نِصفٌ قناة قويمة ** ونصفٌ نقاً يرتجّ أو يتمرْمرُ
 
وبعضهم ينصب على البدل‏.‏
 
وإن شئت كان بمنزلة رأيتُه قائماً كأنه صار خبراً على حدّ من جعله صفة للنكرة على الأوجه الثلاثة‏.‏
 
واعلم أن المضمر لا يكون موصوفاً من قِبل أنك إنما تضمِر حين ترى أن المحدَّث قد عرف مَن تعني ولكن لها أسماء تُعطَف عليها تعمّ وتؤكد وليست صفةً لأن الصفة تحلية نحو الطويل أو قرابة نحو أخيك وصاحبك وما أشبه ذلك أو نحو الأسماء المبهمة ولكنها معطوفة على الاسم تجري مجراه فلذلك قال النحويون صفة‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ مررت بهم كلهم أي لم أدعْ منهم أحداً ويجيء توكيداً كقولك‏:‏ لم يبق منهم مُخبّر وقال بقي منهم‏.‏
 
ومثله أيضاً‏:‏ مررتُ بهم أجمعين أكتعين ومررتُ بهم جُمَعَ كُتَع ومررتُ بهم أجمعَ أكتعَ ومررتُ بهم جميعهم‏.‏
 
فهكذا هذا وما أشبه‏.‏
 
ومنه مررتُ به نفسِه ومعناه مررتُ به بعينه‏.‏
 
واعلم أن الخاص من الأسماء لا يكون صفةً لأنه ليس بحليةٍ ولا قرابة ولا مبهم ولكنه يكون معطوفاً على الاسم كعطف أجمعين‏.‏
صفحة 5
وهذا قول الخليل رحمه الله وزعم أنه من أجل ذلك قال‏:‏ يا أيها الرجل زيدٌ أقبلْ‏.‏
 
قال‏:‏ لو لم يكن على الرجل كان غيرَ منوَّن‏.‏
 
وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف لأن المبهم تقرِّب به شيئاً أو تُباعده وتُشير إليه‏.‏
 
ومن الصفة‏:‏ أنت الرجل كلُّ الرجل ومررت بالرجل كلِّ الرجل‏.‏
 
فإن قلت‏:‏ هذا عبد الله كلُّ الرجل أو هذا أخوك كلُّ الرجل فليس في الحُسن كالألف واللام لأنك إنما أردت بهذا الكلام هذا الرجل المبالغ في الكمال ولم ترد أن تجعل كل الرجل شيئاً تعرّف به ما قبله وتبيّنه للمخاطب كقولك‏:‏ هذا زيد‏.‏
 
فإذا خفت أن يكون لم يُعرَف قلت‏:‏ الطويل ولكنك بنيت هذا الكلام على شيء قد أثبتّ معرفته ثم أخبرت أنه مستكمِلٌ للخِصال‏.‏
 
ومثل ذلك قولك‏:‏ هذا العالِم حقُّ العالِم وهذا العالم كلُّ العالم إنما أراد أنه مستحقٌ للمبالغة في العلم‏.‏
 
فإذا قال هذا العالم جِدُّ العالم فإنما يريد معنى هذا عالِم جداً أي هذا قد بلغ الغاية في العلم‏.‏
 
فجرى هذا الباب في الألف واللام مجراه في النكرة إذا قلت‏:‏ هذا رجلٌ كلُّ رجل وهذا عالمٌ حقُّ عالم وهذا عالمٌ جدُّ عالم‏.‏
 
ويدلّك على أنه لا يريد أن يثبّت بقوله كلُّ الرجل الأول أنه لو قال‏:‏ هذا كلُّ الرجل كان مستغنياً به ولكنه ذكر الرجل توكيداً كقولك‏:‏ هذا رجلٌ صالحٌ ولم يرد أن يبيّن بقوله كلُّ الرجل ما قبله كما يبين زيداً إذا خاف أن يلتبس فلم يرد ذلك بالألف واللام وإنما هذا ثناء يحضُرك عند ذكرك إياه‏.‏
 
ومن الصفة قولك‏:‏ ما يَحسن بالرجل مثلِك أن يفعل ذاك وما يحسن بالرجل خيرٍ منك أن يفعل ذاك‏.‏
 
وزعم الخليل رحمه الله أنه إنما جرّ هذا على نية الألف واللام ولكنه موضعٌ لا تدخله الألف واللام كما كان الجَمّاء الغفيرَ منصوباً على نيّة إلقاء الألف واللام نحو طُرّاً وقاطبةً والمصادر التي تشبهها‏.‏
 
وزعم رحمه الله أنه لا يجوز في‏:‏ ما يحسن بالرجل شبيهٍ بك الجرّ لأنك تقدّر فيه على الألف واللام‏.‏
 
وقال‏:‏ وأما قولهم‏:‏ مررتُ بغيرك مثلك وبغيرك خيرٍ منك فهو بمنزلة مررتُ برجل غيرك خيرٍ منك لأن غيرك ومثلك وأخواتها يكنّ نكرة ومَن جعلها معرفة قال‏:‏ مررتُ بمثلك خيراً منك وإن شاء خيرٍ منك على البدل‏.‏
 
وهذا قول يونس والخليل رحمهما الله‏.‏
 
واعلم أنه لا يَحسن ما يحسن بعبد الله مثلِك على هذا الحد‏.‏
 
ألا ترى أنه لا يجوز‏:‏ ما يَحسن بزيد خيرٍ منك لأنه بمنزلة كل الرجل في هذا‏.‏
 
فإن قلت‏:‏ مثلِك وأنت تريد أن تجعله المعروف بشبهه جاز وصار بمنزلة أخيك‏.‏
 
ولا يجوز في خيرٍ منك لأنه نكرة فلا تُثبِت به المعرفة‏.‏
 
ولم يُرد في قوله‏:‏ ما يحسن بالرجل خيرٍ منك أن يُثبِت له شيئاً بعينه ثم يعرّفه به إذا خاف التباساً‏.‏
 
واعلم أن المنصوب والمرفوع يجري معرفتُهما ونكرتُهما في جميع الأشياء كالمجرور‏.‏
صفحة 6
باب بدل المعرفة من النكرة والمعرفة من المعرفة وقطع المعرفة من المعرفة
 
مبتدأة أما بدل المعرفة من النكرة فقولك‏:‏ مررتُ برجلٍ عبدِ الله‏.‏
 
كأنه قيل له‏:‏ بمَن مررت أو ظنّ أنه يقال له ذاك فأبدل مكانه ما هو أعرفُ منه‏.‏
 
ومثل ذلك قوله عزّ وجل ذكره‏:‏ ‏"‏ وإنك لَتَهدي الى صِراطٍ مستقيمٍ صِراطِ الله ‏"‏‏.‏
 
وإن شئت قلت‏:‏ مررتُ برجلٍ عبدُ الله كأنه قيل لك‏:‏ مَن هو أو ظننت ذلك‏.‏
 
ومن البدل أيضاً‏:‏ مررتُ بقوم عبدِ الله وزيد وخالد والرفعُ جيد‏.‏
 
وقال الشاعر وهو بعض الهُذليين وهو مالك بن خُويلد الخُناعي‏:‏ يا مَيّ إن تَفقِدي قوماً وَلدتِهمِ أو تُخلَسيهم فإن الدهر خلاسُ والرفع جائز قوي لأنه لم ينقض معنىً كما فعل ذلك في النكرة‏.‏
 
وأما المعرفة التي تكون بدلاً من المعرفة فهو كقولك‏:‏ مررتُ بعبد الله زيد إما غلطتَ فتداركتَ وإما بدا لك أن تُضرِب عن مرورك بالأول وتجعله للآخر‏.‏
 
وأما الذي يجيء مبتدأ فقول الشاعر وهو مُهلهلٌ‏:‏ ولقد خبَطنَ بيوتَ يَشكُرَ خَبطةً أخوالُنا وهُمُ بنو الأعمامِ كأنه حين قال‏:‏ خبطنَ بيوت يشكرَ قيل له‏:‏ وما هم فقال‏:‏ أخوالُنا وهم بنو الأعمام‏.‏
 
وقد يكون مررتُ بعبد الله أخوك كأنه قيل له‏:‏ مَن هو أو مَن عبدُ الله فقال‏:‏ أخوك‏.‏
 
وقال الفرزدق‏:‏ ورثتُ أبي أخلاقَه عاجِلَ القِرى وعَبطَ المَهاري كُومُها وشَبوبُها كأنه قيل له‏:‏ أيُّ المهاري فقال‏:‏ كومُها وشَبوبُها‏.‏
 
وتقول‏:‏ مررتُ برجلٍ الأسدِ شدةً كأنك قلت‏:‏ مررتُ برجلٍ كامل لأنك أردت أن ترفع شأنَه‏.‏
 
وإن شئت استأنفتَ كأنه قيل له‏:‏ ما هو‏.‏
 
ولا يكون صفةً كقولك‏:‏ مررتُ برجلٍ أسدٍ شدةً لأن المعرفة لا توصَف بها النكرة ولا يجوز أن توصَف بنكرة أيضاً لما ذكرتُ لك‏.‏
صفحة 7
والابتداء في التبعيض أقوى‏.‏
 
وهذا عربي جيد‏:‏ قوله وساقيَيْن مثلِ زيدٍ وجُعَل سَقْيانٍ مَمشوقان مَكنوزاً العَضَلْ باب ما يجري عليه صفةُ ما كان من سببه وصفتُ ما التبس به أو بشيء من سببه كمجرى صفته التي خَلصتْ له هذا ما كان من ذلك عملاً‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ مررتُ برجلٍ ضاربٍ أبوه رجلاً ومررتُ برجلٍ ملازمٍ أبوه رجلاً‏.‏
 
ومن ذلك أيضاً‏:‏ مررت برجل ملازم أباه رجلٌ ومررت برجل مخالط أبه داءٌ‏.‏
 
فالمعنى فيه على وجهين‏:‏ إن شئت جعلته يلازمه ويخالطه فيما يُستقبل وإن شئت جعلته عملاً كائناً في حال مرورك‏.‏
 
وإن ألقيتَ التنوينَ وأنت تريد معناه جرى مثله إذا كان منوّناً‏.‏
 
ويدلّك على ذلك أنك تقول‏:‏ مررتُ برجلٍ ملازمك‏.‏
 
فيَحسُن ويكون صفة للنكرة بمنزلته إذا كان منوّناً‏.‏
 
وحين قلت‏:‏ مررتُ برجل ملازم أباه رجلٌ وحين قلت‏:‏ مررتُ برجل ملازم أبيه رجلٌ فكأنك قلت في جميع هذا‏:‏ مررتُ برجل ملازم أباه ومررتُ برجلٍ ملازم أبيه لأن هذا يجري مجرى الصفة التي تكون خالصةً للأول‏.‏
 
وتقول‏:‏ مررتُ برجلٍ مخالِطِ بَدنه أو جسدِه داءٌ فإن ألقيتَ التنوينَ جرى مجرى الأول إذا فإن قلت‏:‏ مررتُ برجلٍ مخالطِه داء وأردتَ معنى التنوين جرى على الأول كأنك قلت‏:‏ مررتُ برجل مخالطٍ إياه داء‏.‏
 
فهذا تمثيل وإن كان يقبحُ في الكلام‏.‏
 
فإذا كان يجري عليه إذا التبس بغيره فهو إذا التبس به أحرى أن يجري عليه‏.‏
 
وإن زعم زاعمٌ أنه يقول مررتُ برجل مخالطِ بدنه داء ففرق بينه وبين المنوَّن‏.‏
 
قيل له‏:‏ ألستَ تعلم أن الصفة إذا كانت للأول فالتنوين وغير التنوين سواء إذا أردت بإسقاط التنوين معنى التنوين نحو قولك‏:‏ مررتُ برجل ملازمٍ أباك ومررت برجلٍ ملازمِ أبيك أو ملازمِك فإنه لا يجد بُدّاً من أن يقول نعم وإلا خالف جميعَ العرب والنحويين‏.‏
 
فإذا قال ذلك قلتَ‏:‏ أفلستَ تجعل هذا العمل إذا كان منوّناً وكان لشيء من سبب الأول أو التبس به بمنزلته إذا كان للأول فإنه قائل‏:‏ نعم وكأنك قلت مررتُ برجل ملازم‏.‏
 
فإذا قال ذلك قلتَ له‏:‏ ما بالُ التنوين وغير التنوين استويا حيث كانا للأول واختلفا حيث كانا للآخِر وقد زعمتَ أنه يجري عليه إذا كان للآخِر كمجراه إذا كان للأول‏.‏
 
ولو كان كما يزعمون لقلتَ‏:‏ مررتُ بعبد الله الملازمِه أبوه لأن الصفة المعرفة تجري على المعرفة كمجرى الصفة النكرة على النكرة‏.‏
صفحة 8
ولو أن هذا القياس لم تكن العرب الموثوق بعربيتها تقوله لم يُلتفت إليه ولكنّا سمعناها تنشد هذا البيت جرّا وهو قول ابن ميّادة المُرّيّ من غَطَفان‏:‏ ونظرْنَ من خَلَل الخدور بأعيُنٍ مَرضى مُخالطها السّقامُ صِحاحِ وسمعنا من العرب من يرويه ويروي القصيدة التي فيها هذا البيت لم يلقّنه أحدٌ هكذا‏.‏
 
وأنشد غيره من العرب بيتاً آخر فأجروه هذا المجرى وهو قوله‏:‏
 
حَمينَ العَراقيبَ العصا وتركنَه ** به نَفَسٌ عالٍ مُخالطُه بُهْرُ
 
فالعمل الذي لم يقع والعمل الواقع الثابت في هذا الباب سواء وهو القياس وقولُ العرب‏.‏
 
فإن زعموا أن ناساً من العرب ينصبون هذا فهم ينصبون‏:‏ به داء مخالطَه وهو صفة للأول‏.‏
 
وتقول‏:‏ هذا غلامٌ لك ذاهباً‏.‏
 
ولو قال‏:‏ مررتُ برجل قائماً جاز فالنصب على هذا‏.‏
 
وإنما ذكرنا هذا لأن ناساً من النحويين يفرقون بين التنوين وغير التنوين ويفرقون إذا لم ينوّنوا بين العمل الثابت الذي ليس فيه علاجٌ يرونه نحو الآخذ واللازم والمخالط وما أشبهه وبين ما كان علاجاً يرونه نحو الضارب والكاسر فيجعلون هذا رفعاً على كل حال ويجعلون اللازم وما أشبهه نصباً إذا كان واقعاً ويُجرونه على الأقل إذا كان غير واقع‏.‏
 
وبعضهم يجعله نصباً إذا كان واقعاً ويجعله على كل حال رفعاً إذا كان غير واقع‏.‏
 
وهذا قول يونس والأول قول عيسى‏.‏
 
فإذا جعله اسماً لم يكن فيه إلا الرّفعُ على كل حال‏.‏
 
تقول‏:‏ مررتُ برجلٍ ملازمُه رجل أي مررت برجلٍ صاحبُ ملازَمتِه رجلٌ فصار هذا كقولك‏:‏ مررتُ برجل أخوه رجل‏.‏
 
وتقول على هذا الحد‏:‏ مررت برجلٍ ملازمُوه بنو فلان‏.‏
 
فقولك ملازموه يدلّك على أنه اسم ولو كان عملاً لقلت‏:‏ مررت برجلٍ ملازمه قومُه كأنك قلت‏:‏ مررتُ برجلٍ ملازمٍ إياه قومُه أي قد لزم إياه قومُه‏.‏
صفحة 9
هذا باب ما جرى من الصفات غير العمل على الاسم الأول إذا كان لشيء من سببه
 
وذلك قولك‏:‏ مررت برجلٍ حسَنٍ أبوه ومررتُ برجلٍ كريمٍ أخوه وما أشبه هذا نحو المسلم والصالح والشيخ والشاب‏.‏
 
وإنما أُجريت هذه الصفات على الأول حتى صارت كأنها له لأنك قد تضعها في موضع اسمِه فيكون منصوباً ومجروراً ومرفوعاً والنعتُ لغيره‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ مررت بالكريم أبوه ولقيتُ موسَّعاً عليه الدنيا وأتاني الحسنةُ أخلاقُه فالذي أتاك والذي أتيتَ غيرُ صاحب الصفة وقد وقع موقعَ اسمه وعمل فيه ما كان عاملاً فيه وكأنك قلت‏:‏ مررتُ بالكريم ولقيتُ موسَّعاً عليه وأتاني الحسنُ فكما جرى مجرى اسمه كذلك جرى مجرى صفته‏.‏
 
وهو قول العامة وذلك قولك‏:‏ مررتُ بسرجٍ خَزٌّ صُفَّتُه ومررت بصحيفةٍ طينٌ خاتَمُها ومررت برجلٍ فضّةٌ حِليةٌ سيفه‏.‏
 
وإنما كان الرفع في هذا أحسن من قبل أنه ليس بصفة‏.‏
 
لو قلت‏:‏ له خاتمٌ حديدٌ أو هذا خاتمٌ طينٌ كان قبيحاً إنما الكلام أن تقول‏:‏ هذا خاتم حديد وصُفّةُ خزّ وخاتمٌ من حديد وصفةٌ من خزّ‏.‏
 
فكذلك هذا وما أشبهه‏.‏
 
ويدلّك أيضاً على أنه ليس بمنزلة حسنٍ وكريمٍ أنك تقول‏:‏ مررت بحسَنٍ أبوه وقد مررت بالحسن أبوه فصار هذا بمنزلة اسمٍ واحد كأنك قلت‏:‏ مررتُ بحسَنٍ إذا جعلتَ الحسن للمرور به‏.‏
 
فمن ثمّ أيضاً قالوا‏:‏ مررتُ برجل حسنٍ أبوه ومررتُ برجل ملازمِه أبوه كأنهم قالوا‏:‏ مررت برجل حسنٍ وبرجل ملازمٍ‏.‏
 
ولا تقول‏:‏ مررت بخزّ صُفَّتُه ولا بطينٍ خاتَمُه لأن هذا اسم‏.‏
 
وقد يكون في الشعر‏:‏ هذا خاتَم طينٌ وصُفَّةٌ خَزٌّ مستكرَهاً‏.‏
 
فالجرّ يكون في‏:‏ مررت بصحيفة طينٍ خاتمُها على هذا الوجه‏.‏
 
ومن العرب من يقول‏:‏ مررت بقاعٍ عرفَجٍ كلُه يجعلونه كأنه وصفٌ‏.‏
صفحة 10
مجرى الأسماء التي لا تكون صفة وذلك أفعلُ منه ومثلُك وأخواتُهما وحسبُك من رجلٍ وسواءٌ عليه الخيرُ والشرّ وأيُّما رجلٍ وأبو عَشَرةٍ وأبٌ لك وأخٌ لك وصاحبٌ لك وكلُ رجل وأفعلُ شيء نحو خيرُ شيء وأفضلُ شيء وأفعلُ ما يكون وأفعلُ منك‏.‏
 
وإنما صار هذا بمنزلة الأسماء التي لا تكون صفةً من قبَل أنها ليست بفاعلة وأنها ليست كالصفات غير الفاعلة نحو حَسَنٍ وطويل وكريم من قبل أن هذه تُفرَد وتؤنّث بالهاء كما يُؤنّث فاعلٌ ويدخلها الألف واللام وتضاف الى ما فيه الألف واللام وتكون نكرةً بمنزلة الاسم الذي يكون فاعلاً حين تقول هذا رجلٌ ملازمُ الرجل‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ هذا حسنُ الوجه‏.‏
 
ومع ذلك أنك تدخِل على حسَن الوجه الألف واللام فتقول‏:‏ الحسنُ الوجه كما تقول الملازم الرجل‏.‏
 
فحسنٌ وما أشبهه يتصرّف هذا التصرّف‏.‏
 
ولا تستطيع أن تُفرد شيئاً من هذه الأسماء الأُخَر لو قلت‏:‏ هذا رجلٌ خيرٌ وهذا رجلٌ أفضلُ وهذا رجلٌ أبٌ لم يستقم ولم يكن حسناً‏.‏
 
وكذلك أيٌّ‏.‏
 
لا تقول‏:‏ هذا رجلٌ أيٌّ‏.‏
 
فلما أضفتَهنّ وأوصلتَ إليهنّ شيئاً حَسُنّ وتممنَ به فصارت الإضافة وهذه اللواحقُ تحسّنه‏.‏
 
ولا تستطيع أن تدخِل الألف واللام على شيء منها كما أدخلتَ ذلك على الحسن الوجه ولا تنوّن ما تنوّن منه على حد تنوين الفاعل فتكون بالخيار في حذفه وتركه ولا تؤنّث كما تؤنّث الفاعل فلم يَقوَ قوّة الحَسَن إذا لم يُفرد إفرادَه‏.‏
 
فلما جاءت مضارعةً للاسم الذي لا يكون صفة البتّة إلا مستكرَهاً كان الوجهُ عندهم فيه الرفعَ إذا كان النعتُ للآخِر وذلك قولك‏:‏ مررتُ برجلٍ حسنٌ أبوه‏.‏
 
ومع ذلك أيضاً أن الابتداء يحسُن فيهنّ تقول‏:‏ خيرٌ منك زيدٌ وأبو عشرةٍ زيدٍ وسواءٌ عليه الخيرُ والشرّ‏.‏
 
ولا يحسن الابتداء في قولك‏:‏ حسنٌ زيد‏.‏
 
فلما جاءت مضارعةً للأسماء التي لا تكون صفةً وقَويت في الابتداء كان الوجه فيها عندهم الرفعَ إذا كان النعت للآخِر‏.‏
 
وذلك قولك‏:‏ مررت برجلٍ خيرٌ منه أبوه ومررتُ برجل سواءٌ عليه الخيرُ والشرّ ومررت برجل أبٌ لك صاحبُه ومررت برجل حَسبُك من رجلٍ هو ومررتُ برجل أيُّما رجل هو‏.‏