صفحة 1
(1)
- أنا خليل النعيمي، من البوادي والسراح· في الثامنة (1) والخمسين، وسنوات أُخَر، أخرج· أخرج من البلاد والعباد· أخرج إلى العباد والبلاد· أخرج من الغار والمسار· أتذوق الليل· أتمتع بالنهار· أتناول الكون من أوله· أتملَّى بامتعاض قاس سكونَ العالم الجاثم حولي، بلا قرار·
سكون؟! توتر وانتظار·
صمت·
صوت·
حسّ ضَجّ غامض·
دبيب هائل· عديد· متواتر· وعنيد·
دبيب القدم القادمة من بعيد؟؟ على التو أَلْزَقُ الحائط: الحائط الصدىء المُعمَّر من حجر الجِثّان· ألزق، وأنا أحث البصر على اللمح، والبصيرة على المسح· آه! النوء يتغير فجأة· والرغبة كذلك· وكذلك الرهبة والانكسار· في الأفق الساقط بعيداً، يتراءى لي الزول· والزول يتقدم باستمرار· وهولاً، هولاً، تغدو العتمة زولاً: آه، يا هلا يا عباس! وأمام ناظريَّ المكبوبَينْ يتنحنح الزول· ومن جديد، أتهلّلُ قولاً بعد قول: يا هلا يا عباس! العباس يتسلل خلسة من الفضاء إلى المضاء· ينفذ ويروح كما الروح· ولا يبقى من الفَوْت سوى الصوت: آه! على كأس شاي ساخن أزُيِّتُ به حلقي، آه!
كأس شاي!؟ كأس شاي!؟ أردد بحرقة واكتئاب· العالم يغدو هباباً· أحسه يتطاير، أمامي، كذرات التراب المسفوحة في الريح: لا هيئة ولا توضيح· غمام فوق غمام·
العيون تظلم أم الليل!؟ هذا الليل الآتي من بعيد، حاملاً أَكْوام البشر والعجاج، نافخاً في الجو سماده ورماده· خلاء وظلام· وفي أعمق أفواهي يتدفق الكلام: الكهرباء بعيدة· والليل يظلم أكثر فأكثر، وباستمرار· والحسكة تسْتدْبِرُ غويران· تمسك به من الذيل· تدفعه بعيداً عنها· لا تعطيه ضوءها ولا رؤاها· له البر والقتام·
صفحة 2
آوى والحُصَيْنيّات وآل -العجيب مأوى العمال والدلالين والمتواطئين والمتوترين وبعض البدو والحشرات وبنات "غويران" (2) وآلات الحرث المزتوتة وأكوام الزبل المرمية وحُفَر الماء والأحجار والأشجار المنخورة والحشيش· به، تتجاور مقالع الجِثّان التي انبنت منها الحسكة، بيتاً بعد بيت· وعلى وجهه المحفور، تتراصف محارق الجِصّ والسماد· وتنتشر في أنحائه مساطب البُرْغل والعتاد· وهنا وهناك، تتكدس فيه القمامة· قمامة المدينة المضيئة، لصقه، في الشمال: الحسكة الغبراء، ذات المدى الشاسع والنهرين، آه! يا ليل يا عين: من هنا الجَغْجَغْ ومن هنا آلخابور! ومن لا يصدق يثور
بلى؟ الحُفُر والقمامه واللمامة والماء، تلك هي مكوناته، وعوامل جذبه للنسوة العابرات· نسوة الاقتراب والانتصاب· حَمَّالات الحطب· مَصَّاصات القصب· أَوّاهات البَطْحة· الممددات ظهراً وبطناً وعلى الأجناب· والحنطة تعلو فوقهن: حنطة صفراء ذهبية تميل مع النعماء حيث تميل· حنطة ابن جليوى حنطة ابن الكلب: الحنطة العتيدة التي يخترقها الدرب الضيق، والذي يضيق عاماً بعد عام· تغزوه سنابلها المتوحشة المجنونة· تلك السنابل الطويلة الميَّالة التي تغشي الأبصار، وتخفي الكون عن الأنظار· الكون اللَّبِق والشبِق، الذي نمر فيه جسداً فوق جسد، والذي، في فضائه الممتد حتى النهر تتمدد السمراء· تتمدد هَوىً وخجلاً ولهفة واضطراباً· تتمدد وفي عينيها اللامعتين تنعكس سماء الجزيرة الزرقاء· الزرقاء حتى الموت· تنعكس فيهما، أيضاً، حركات زنديها الطويلين وهما يَشْهَلان الثوب· يُشَمِّران عن الجسد الأزرق المشدود· يكشفان وركيها الفَحْلين المنقذقين كالرماح· يعريان الفخدين والعانة والرمانة والجفر·
تكشف ولا تنكشف! تسترها الحنطة الحانية· الحنطة الملعونة التي تعلو القاع والرقاع، والتي يسقط الشهيق فيها على الشهيق· ولا أعود أفيق· وَتْحمَرُّ الحنطة· وَتْصفَرُّ· واللهاث اللحوح، منها، يتلو الهاث: لا تُفوِّتْهُ بي دخيلك، لا تُفوِّتْهُ· وأُفوِّته· ويُحول الحَوْل على الحنطة· وتغدو السنابل، منها، هشيماً: بعد اخضرارها الداكن يملأ اصفرارها الباهت الفضاء· يملؤه، ويغريه· يُميته ويُحْييه· ومن جديد، يتَسَلْحَبُ الخابور ماسحاً رأس العين نابعاً منها· فائضاً عنها· ومن جديد أيضاً، أمسك العود المنتج· أفركه بقوة على المبيت· ولا أعود أسمع إلا النهيت: فَوِّتْهُ بي، دخيلك، فَوِّتْهُ· فَوِّتْهُ· وأفوته· وتتلامس السنابل الحُمْر الصُفْر المشحونة· تتلامس عميقاً· وتُلامس أهدابها الشفراوية ظهري العاري· تحكني في البشرة حَكّاً· حَكّا! ورهبة، أنقُزُ· أمسّ العالم دفعة وبلا اطمئنان· عضلات صلبي تتقلص مثل أفخاذ الفئران النازية تواً· والسؤال يتلو السؤال: الحنطة حنطتكم؟ لا· أحنا حواصيدها·· حواصيدها؟! وتقفز كالظبي الذي رأى الصياد· تقفز وهي تدفعني بعيداً عنها·
صفحة 3
تدفعني يداً، وقدماً، وبالأنحاء جميعاً، وبلا استثناء· وأسقط على الحصى والتراب· الخوف يملؤني والخراب· صوتها الذي كان يفيض بالغبطة والانتشاء، صار علامة الحَبْطَة والخواء: يومي دنا يا خليل· الرجل شافنا· يا ترا عافنا؟ ومثل الغيمة المفجوجة التي تُفْرِغ، دفعة، حملها الساخط بالماء، صارت تذوب وهي لم تبرح المكان· اللعنة! هي الأخرى، قبل الأوان تموت؟! كدتُ أكسر جذعها المتهالك· أزتّهُا، كلها، في الماء· كنتُ أريد أن أبلع الحقل كله· أن أشْلَعَ الحنطة وألقي بها، مع العالم، في الريح· وأن أهيل، بعد ذلك، التراب· أخلط القد بالمد· بهذا السماد المتراكم أمامي، وهذا الحجر والشيح، بمن أصيح الآن· بمن أصيح؟! الخوف الراعش، الذي حل في الربع، خرب الشهوة والاحتقان، وكالمعتوهة الحمقاء انتشلتني، مرة أخرى، من الغيم: سمعت حس التنك، الوَرّادات وصلن· واهتز كالبركان الذي قارب الانطفاء: الواردات؟! ورادات ابن جليوي· ورادات ابن الكلب· منيوكات الحنطة والشعير· الرافعات ذيولهن باستمرار· الكاشفات للريح أعضاءهن· عليها، تقع الشمس عمودية· عمودية· وبلا قرار· شمس الجزيرة الحارقة، التي تُكَبِّل الأنظار، وتملأ الانحاء شهوة وانتشاراً· وكأنني لم أفهم الحال حالاً، أعود، قبل أن أتدبر الأمر، أنَطُّ· أنط وأحُطُّ· أنط كالمسعور وبلا اتفاق· وتقع العين على العين· والحلمة على الحلمة· والسرة على السرة· والطرف على الطرف· ويظل الرأس قاسياً ومرفوعاً· والكيان يهتزُّ ويلتزُّ· وَطيِّ رأسك، الورادات وصلن· الورادات اللواتي سرعان ما يَرِدْنَ النهر· يَخُضْنَ مياهه الموحلة الصماء· تشق المويجات الصغيرة سيقانهن شقّاً· شقّاً· هن الأخريات، يبحثن عن الاحتماء والارتماء! خوضي يا وَلّي· خوضي· الجزيرة ساكنة وأمينة· والحر يقتل الخنزير· وأكاد أرى الانطواء والانضواء: الواحدة تَلْحق الأخرى· الواحدة تَلْعق الأخرى! ويروح رأسي يغوص· يغوص في المفْرق اللَّحيم عميقاً· ولا أعود أسمع إلا النقيق: نقيق الضفادع الخاتلة، مثلنا، في الأخماج، وصرير الأحياء الأخرى التي ترد الماء حَرّى، وعنه، تصدر وهي مثل ذلك! وأصير أضرب الضوء والفضاء· أحمي جذعي العاري من البَقّ· البَقّ اللعين الذي لا يكف ولا يعف· بق ابن جليوي· بق ابن الكلب· وفجأة، كالمسحور، يهجر البق فضاءنا وحِمانا، يهجرنا ليلحق السابحة في البعيد؟ وفي لهب الرطوبة والنار، يصير غماماً، يحيط بها، وهي تطير، مثل أنثى الجاموس: شَمْراً، شَمْراً، والماء يدفع بجسدها المكتز في الماء· الماء يضم الساق، يحف الوركين· يلامس العانة، يصل الباب· وبالباب ينذهل الماء: يتأخر· يتقدم· يتراجع· يتضاجع· ومن ثم يلثم الباب قبل أن يلجه من جديد·
صفحة 4
وتَتَكَرْكَرُ الجاموسة· تَتَكَرْكَرُ، والماء يدخلها، وهي تدخل الماء: أوفْ المية زينة· حارة· وَحْلها كثير· وعودانها تلزق بالجسد والروح· وتومىء من بين الماء، على الورادات: المية هينْ عجيبة· فيها شيء يدغدغ· وفيها شيء يعض· وفيها ذيول مثل ذيول الخيل· وشَغْلات مثل شَغْلات الزِلْم· والماشافَتْ تجي تَشوفْ· ويملأ تنفسها الفضاء· وأحس أشفارها العميقة تتحرك مثل ألسنة الحشرات الملتهمة وهي تداعب الفريسة والقرار· ويظل الماء يرتفع· يرتفع، حتى يغرق الماء في الماء· ولا يبقى منها إلا الكتفان النافرتان، تسلقهما الشمس المجنونة سَلْقاً: شمس الجزيرة العاتية المتسلطة· وخلسة بعد خلسة، أَشْهَلُ رأسي هائباً ومريراً· ألاحق اللعبة والمسار· أتابع الجسد المهيب المستلقي على الماء· ومن خلل الأشجار الخاضعة ببلادة لسلطة الحر والهجير، أتملَّى الجُثوم والحُسوم، أتَسَقَّطُ ارتسامات الحائط الأبيض المُعَمّرِ من حجر الجِثّان(3)· الحائط المهدد، منذ الأزل، بالسقوط، والذي يبقى، مع ذلك، واقفاً باتزان! وكالرُّغاء المسحور أسمع، في العمق، بعض لَهيجي: جوعان، يُمّا جوعان· وسريعاً، يضيع ذلك الغثيان الرتيب في الضجيج الأصم: ضجيج أحياء الجزيرة المسعورة· الأحياء التي لا تكف عن التكاثر والالتهام· أحياء الشجر الذي يتشاجر· آكل الجزيرة والريح· الشجر الحارس· نهاره عابس· وليله دامس· هو الآخر، صار يصيح· يدل على العابر والسائر· شجر نَمّام! شجر الجزيرة اللعينة· جزيرة ابن جليوي· جزيرة ابن الكلب· العالم كله لابن جليوي، يا خلق! يا ناس؟! له الخابور· وله الشواطىء والأرياف· له الغَرَب والحور، ومساكب البصل والفجل والرشاد· له، أيضاً، حقول الحنطة والشعير ومَطَشّات العدس والأقحوان· له النوء والضوء والماء والرواء· وفجأة ينبثق الدوار: الخوض يتلاحق والسطح يتساحق· وفي الفجوة يتراءى لي الجلد· وللجلد مرأى آخر! الشجر أخضر· البقُّ أبيض· الخنافس سود· الأسماك حمر· العشب أبلق· الماء لُحْميّة· لكن الجلد الطالع والمسحوب له الألوان كلها·
وله الأشكال كلها· ومنه تفوح جميع الروائح والأحماض· الجلد الملعون· جلد الجاموسة الراكبة الماء ركبا· وكالقنفذ العَسَّاس أحمي الرأس بالغصن الظليل· وأدع العينين تتسلقان حِبال الشمس حتى الغياب، وأنا أتختل بين الشجر الكظيظ: شجر الجزيرة المحمية من هنا ومن هنا بالماء· جزيرة البَقّ اللحَّوح والضفادع النَقّاقة وحَيَايا الماء المسعورة والأسماك النهمة وأحياء الكون الأخرى والزنابير المتوحشة المجنونة· زنابير ابن جليوي· زنابير ابن الكلب· الواحد منها يأخذ الآخر حتى الموت· يركبه· يَعَضّه· يَفُضُّه· ويرخ الثغْر ويضرْخ واهاً! واهاً! وهو يرى إلى العينين تمتلكانه امتلاكاً لا حدود له، ولا قيود·
صفحة 5
وكالهالك، يردُّ الجسد نفسه إلى الماء· وأحس تَكَسُّرات أطرافه المذعورة تدفع الموج، دفعاً، تنأى· تنأى سراباً بعد سراب· وعلى القاع المنكرة اليابسة يسقط الرأس مني صريعاً· وسريعاً، يملأ غبار الوهن جذعي حتى الموت· ويصير الخابور شريطاً فضياً غائماً، لا ماهية له ولا إسناد· الخابور الجائف· خابور ابن جليوي، خابور ابن الكلب·
ابن جليوي(4) يروي زرعه من الخابور· من الخابور يسقي طَرْشَه وحَلاله وحَرامه· للناس يبيع ماء الخابور بيعاً· وهو، أيضاً، يُحوِّلُ ماء الخابور إلى أشياء! يحوِّلها إلى ألوان· إلى أصباغ· إلى ثلج· إلى بوظة· إلى كازوز· إلى سبيرتو· إلى كحول· إلى حنطة· إلى شعير· إلى مَغَر· إلى دُهون· إلى فجل· إلى شوفان· إلى عدس· إلى شوربا· إلى مَرَق· آه! إلى مَرَق المرق· المرق الدهين الفضّي اللمّاع المفَلْفَل المُبَهَّر المُبَخَّر باستمرار· مَرَق روح الدجاج والبصل والقراص· ذلك كله: الماء! الماء المنشور، أو الماء المنثور، الماء المَعبّأ أو الماء المخبّأ· الـماء في قدور· في أحواض· في زجاجات· زجاجات طويلة· مربعة· مستديرة· مضلعة· ذات حنايا أو زوايا· أو بلا أركان· زجاجات قعورها نازلة، أو مرفوعة· قواعدها بارزة أو خفية· عنقها طويل أو قصير أو لا عنق لها على الإطلاق· لكل كائن مشروبه· لكل مشروب وعاؤه· لكل وعاء شكله· والكل ماء! ماء يحوي ماء، يحوي ماء· ومَنْ يملكُ شيئاً يشتري به الماء؟ ماء الخابور الداشر في الفضاء·
آه! عباس لا زال يَثْوي في الزاوية· يثوي، بانتظار كأس الشاي الساخن الذي لن يراه· حلقه ناشف من الهرب والاغتراب· وكما كل ليل، دَلَف الليلة، منتظراً ذلك السائل الأصفر الحار، المخلوط بالقرفة والبهار، المحلى بمصل السكر والزبيب: السائل المريب! الذي يتجرَّعُه جرعة جرعة وهو يدندن أغنياته العذبة المجروحة· أغنيات الوجع والحب والعتاب· وكما كل ليل، تنحنح الليلة، أيضاً، مذكراً رَبْعَهُ بوجوده الملتَمّ، والطلب يلحق الطلب: ما تغني يا عباس؟!
وفعلاً، يصير يدمدم· والدمدمة تغدو همهمة· وشيئاً فشيئاً يرتقي الكلام· ينطلق الحس· يُدوَيّ الرواق· ويجتمع العشاق، مثل السكارى، مع العشاق· ويظل، من حين إلى آخر، يهتف، عباس: آه على كأس شاي ساخن أُزَيّتُ به حلقي، آه! والشاي لا يجيء· هذا المساء لا يجيء الشاي· ومع ذلك، يظل الكلام ينبثق مثل طلق الرشاريش: كلام يشق الحلق· يباغت الرأس· يخرج من جوف عابس ملتاع· ومثل الشرر الذي يُنبيء بالحريق، ينبىء الكلام باللوَّعْ والاحتراق· يملأ الليل اضطراباً· الليل القديم الجديد: ليل الحَسَكَة المستمر· وبهدوء، يتناوش عباس القمر الأبيض الصافي الذي يرى ساكناً في أعالي الهضاب·
صفحة 6
يتناوشه، وهو يهدهد الكلام بالكلام· فلا يتحرك الليل· ولا يتحرك القمر· ولا يخلص الكلام· وتظل الأفرشة، كما كانت دائماً، يخالط بعضها بعضاً: فراشاً لصق فراش! في كل فراش كائنان· لكل كائن جسدان· في كل جسد أربعة أعضاء· أعضاء تتشابك وتتلابك· ويظل هو وحده يعاني الليل، وحيداً· وفجأة يتململ· يقفز· يطير· وتخلو الزاوية من كل شيء: منه، من الصوت الغريب· من الأشجار· والأحجار· والشاي الساخن لم يكن قد أتى بعد· شاي آخر الليل: شاي قبل أن يختفي عباس· وأرى، من قريب ومن بعيد، لمع قدميه يلوّن البر الكالح· يلونه بدوائر حُمْر نارية مثل لهب التنور: دوائر مخروطية عاجلة· تتباعد وتبتعد معاً، وهي تذوب بقسوة في الليل· وفي الليل أخرج ملوماً محسوراً، وأنا أنده: عباس! وَيْنَكْ يا عباس؟ ولا ألقى إلا تكسرات أغنياته المتلاحقة تأتيني هذباً هذبا·
وَهذْباً يختفي عباس· عباس يبحث عن عمل· عن معاش! الحال واقف وماء الخابور ماشٍ· ماء الخابور الذي يجري وحيداً· لا مالك له إلا اللّه وابن جليوي· وبقسوة أصرخ من جديد: عباس! وينك يا عباس!؟ ولا أرى إلا صَفْق أجنحة الطير· طير الليل الخائف الوجعان· أصرخ والبلل يأتيني من الجوف· من الحلق· من العين· عباس لا يزال يبتعد· يبحث عن حياة جديدة· عن عِشْرة جديدة· عن أصحاب جدد· عن أحباب جدد· عن أغنيات جديدة· عباس· عباس! وأحسني، بهدوء كامل، ألتَمُّ بين ذراعين أليفتين: عباس ما هو من رَبْعك· عباس عامل وأنت بالمدرسة· وكالجرذ المذعور انفلت· ألحق عباس المبتعد مع الليل· أحاذي أخاديد الدور الطينية الحائلة: دور غويران العبيط· غويران الذي خَلّه عباس· آه، العالم كله نائم! السكون يملأ القلب ولا أسمع إلا الركض: ركض تنفسي المنهك وأنا أركض باستمرار· أركض مرتجفاً كالمطلوب دماً، وأنا أتلَمَّسُ الحيطان: عباس! وينك يا عباس!؟ عباس لا ينام· عباس لا ينتظر· لا يقعد· ولا يقوم! ومثله أروح وأجيء· ومعي، يروح القمر ويجيء· وكما غاب عباس فجأة وذاب، يذوب القمر، فجأة، ويغيب· يغيب، ويدعني مع الظلام وحيداً وحيداً· وبغيابه تستحيل الحيطان ظلالا سوداً يابسة هابطة من السماء· تغيب الانعكاسات الباهتة التي كانت تنتشر في الفضاء، أيضاً· ومن عمق الليل إلى عمقه، لا يبقى حولي إلا الكلام: جيت؟! ما قلت لك عباس راح· عباس عامل يُدوِّر على عيشه، وأنت بالمدرسة· آني بالمدرسة؟ مدرسة ابن جليوي· مدرسة ابن الكلب· مدرسة الماء الموحل والظمآن· ماء الخابور القاحل· خابور الورادات اللواتي لا هَمَّ لهن إلا حَكّ أطيازهن على التراب، وربط بطونهن بالأحزمة الملونة المجدولة· واللواتي على أكتافهن ترتكز بعناية، قواديس الريّ الفضية، ذات الحواف المدورة، المحشوة دائماً بالماء· الورادات الشبقات الأمارات النفس بالسوء· المالئات الفضاء بسيلاناتهن الزنخة، المكروفة من بعيد - سيلانات العرق اللاذع والحماض - وبلزوجات إفرازاتهن الغامضة، المنبثقة من أسفل والسالكة الفخذين حتى الرغام· تلك اللزوجات التي كنتُ أتمنى لحسها لحساً· لحساً·
صفحة 7
ولم يكن ذلك بالمستطاع! من أمتى ما أغتسلت يا خوخة؟ نسيت، ما عدت أدري - وأنت يا هبرية؟ آني أغتسل من الحيض للحيض· من الحيض للحيض!؟ والخابور يجري عويلاً· عويلاً· مياهه بنية وَحْلاء· يغيض صيفاً· يفيض شتاء· وهو كله متروك لابن جليوي· متروك لابن الكلب· للتربة التي لا ترتوي· للجيلان· لسواقي القطن الطويلة الممدودة حتى السراب: سواقي عباس التي حفرها بزنديه وبَثَّ فيها الزرع· والتي، منذ أن بزغ القطن منها وصار جروساً، كل شيء تغير فيها: تغيرت القاع· تغير الهواء· الآخرون تغيروا، كذلك· تغير النهر أيضاً: مهدت الورادات لهن، حوله، مطارح جديدة للغرام، وغدت الواحدة، منهن، تَنْبطِحُ، وهي تقطف أزهار القطن البارعة، معطية كيانها الخلفي، للريح! خلفها، يَنْسَدِل الغول· ينوشها· يحوشها· وشيئاً فشيئاً يدخلها حتى السواء· وماء الخابور ينقص عاماً بعد عام· يذهب به ابن جليوي بعيداً· بعيداً، حتى الهضاب· يمرره على السهول، أولاً· ومنها، يرفعه عالياً حتى السماء· يرسله عبر اسطواناته المعدنية الهائلة أين يشاء· وعاماً بعد عام، حلت الأشياء محل الكائنات: لم يعد ابن جليوي بحاجة إلى عمال· لم يعد بحاجة إلى حفارين· ولا بحاجة إلى سقائين، صار كالمرار يكفي نفسه بنفسه! وعباس سرى يبحث عن شغل· عن معاش· والشرح يتلو الشرح: العيشة صعبة وأنت بالمدرسة· والمعلم يطلب عليك ليرة: ليرة للورق· ليرة للغرق· ليرة للقرار· ليرة للفرار· ابن جليوي لم يعد بحاجة إلى أحد· الناس سَوَّتْ له كل شيء· العرب تحوم حوله مثل البَرْغش· تأكل الأخضر واليابس· تلقف ما يزتّه لها من نفايات وأزيال· حتى بَقِيّ حطب القطن اليابس أخذوه! حطب الأغصان الرمادية التي حِشْناها غصناً، غصناً· ونَتَفْنا ريشها الأبيض الناعم ريشة· ريشة· الريش الذي وقفنا محسورين ونحن نراه يُحْمَلُ حِمْلاً بعد حِمْل· يُحْمَلُ، بعيداً عنا، إلى المدن النائية التي لم نرها قط: حلب والشام وحمص وحماة· بلى! المعلم يا وليدي بدّه ليرة· والليرة بدها شغل· والشغل عند ابن جليوي· وابن جليوي ما يريد· وعباس سرى من أول الليل· سرى يدوّر على شغل· ابن جليوي كفاه الخابور· خابور ابن الكلب· حتى المَيةّ صارت علينا! وأؤكد باكتئاب: سرى من أول الليل! وفي كياني الخفيّ تتفاعل طُعوم اغنياته· أغنيات منتصف الليل· تتفاعل وهي تتلاشى، مثل عرق العمال المستريحين مساء: رويداً رويداً وبانتظام· تتلاشى، وهو يقودني من اليد إلى اليد: تودّيني وينْ يا عباس؟ تعال· تعال أسولف لك· وسريعاً نختفي وراء الدور·
على كتف العَلْوة نقف جنباً إلى جنب· ويتطلع عباس إلى الغروب: الشمس تقع في الوجه·
صفحة 8
الفيء يمشي وراء· والسكون شديد الوطأ وقاتل· وأحسُّ كوعه يلامس زندي: ضربته بالكاروك على رأسه وانهزمت· وأجْفُلُ جفلاً· جفلاً: ليش يا عباس؟! ليش؟! ويحسني عباس من المفصل إلى المفصل، وعيناه تقعان في قارة الضوء الآخذ بالذوَبان: مَرَّت الزينة وآني اسقي القاع· ورفعت ظهري أدحق بيها· وانكسرت الساقية· وسالت المية على القواطيع وهجمت على المية مثل السبع أردها عن البر· وصمت عباس· صمت المحيط كله· كانت الشمس لا تزال تولي الأدبار· وتنفس عباس عميقاً· وهزَّني· هزني بعنف· كاد يقطع وصلاً من أوصالي: وامتلأت البرية ضحكاً وصخباً· الزينة تدحق عليَّ، وأنا أدير المي· وسمعتها تقول: شوفي، يا وَلّي، شوفي حَنْيَة ظهره مثل كتف الشعيب· وسكت عباس· كان الدمع يتجمع في المقل السود المسمومة· مُقَل عباس الحمر اللاهبة· وبَعْدينْ، يا عباس؟ وبعدين؟ وما أدري، ألا والكلب ابن الكلب يَتْفل على وجهي، ويقول: اللي يسقي أراضي الناس ما لازم يدحق على اطياز النسوان· وأحسست بالجنون يركب رأسي، مثل العجاج· يدوخني، والنار تأكلني أكلا، آه! بَسْ لو ما تَفَل على وجهي، آه! وما أدري إلا والكاروك تشق رأسه· والدم منه يسيل ويسيل· ومع الريح اختفيت· اختفيت، وتركته، مثل كوم الحطب، مطروحاً على القاع· وانحنى على النهر عباس· انحنى يتملى النهر الأحمر الموحل وهو يضيع في بطن الوادي· يتسرب تحت الشجيرات الفضيّة، البائسة، المحملة بالثمر الرديء· وفجأة غدا واقفاً مثل عمود التيل، وتنهداته المستمرة تختلط بالحرارة الراكدة، المقيتة: كلما القى شغلاً انطرد منه! اشتغل بدراهم يطردوني· اشتغل بلاش يطردوني· ما اشتغل يطردوني· وأصل المشاكل كلها الطيز· وأتنفس أنا الصعداء: الطيز!؟ طيز كَهْلة، المنتفخ مثل لغديها، واثداؤها البارزة كالبطيخ، ورائحة نزير إبطها ومغبنيها، وزنخ الجسد الذي لا يعرف الغسل إلا من الحيض للحيض· ويبدأ عباس يدمدم، من جديد، اغنياته القديمة: غنّ يا عباس· دخيلك غنّ· أنت كمان تحب الغنا يا عَجي!؟ المدرسة ما علمتك شيء؟ مدرسة ابن جليوي، مدرسة ابن الكلب· المدرسة اللعينة اللاصقة بالخابور، المحاطة بفضاءات القطن اليابسة المنهوبة، وبالمساحات المزروعة حنطة وشعيراً· والتي في هوائها القاحل لا تتردد إلا عبارات القرف والتوبيخ: أنت ما عندك مقعَد!؟ أقعد على الأرض، أستاذ· ويستدير رأس الأستاذ الأصلع الصغير، وهو يسد منخريه الحصانيين بأصابعه المعدنية: أقعُدْ وينْ ما بدك، بَسْ ابعد عني هذه الرائحة· ابعد زنخك عني· ومن الفوهة السمراء الراجفة، تظل الكلمات تتلاحق في نسيم العصر· وأحس بجلدي يكشُّ· ويقشعر بدني مثل بدن العصفور المجروح· عباس ينظر في الغروب: اليوم كمان أسرى· أدور على شغل· ويغدو لساني ثقيلاً مثل الصوف المبلول: أريد أن أقول له شيئاً، ولا أقول!
صفحة 9
وأعطي وجهي كله للتراب· ويتنحنح عباس من جديد:
آه على كاس شاي ساخن أُزيْتُ به حلقي، آه! ويروح الصوت بعيداً· ويجيء الصوت· وتكبر الدنيا· وتصغر· ويتجمع الكون كله، ويتلاشى· ويغدو الخابور خيطاً من الوَبَرِ· متيناً ليّناً· ولا يكفُّ عن السيلان· وتستقبلني القاع بصمت· دون احتجاج أو لجاجة· واستدير فوقها· وتستدير· وانظرها بعينين متوحشتين، ولا أرى إلا الضياء الباهر، والفعل العنيف· وشيئاً فشيئاً افتح فمي كفم الزقزوق، ليسقط فيه، دون اهتمام، طرف الثدي الدهين· ثدي كَهْلة اللين والعرقان، ذو الجلد الأملس الثخين· وأذوق الحلمة: مالحة، حامضة، ومريرة· تملأ اللسان لزجاً ومخاطاً· وأحس رأسي مَدْكوكاً· يجثم الشيء الهائل فوقه، باستمرار: شيء معتم· فاغر فاه· وبلا قرار! واجدني اختنق· لا يفيدني التململ والحوصان شيئاً: الشيء الغريب يحيط بي إحاطة السوار بالمعصم· ومن هنا وهناك، يجللني العرق والنز· عرق العصر الشديد، وهو يسقي ثنايا الأرض ثنية ثنية: دير المي هين· ودي المية هناك· سد الجال· اقطع المية· اقطعها: الأرض ارتوَتْ· الأرض إلتوَتْ·
إلتوت!؟ وأفزُّ·· أفز: عيونك حُمْر مثل الدم! فِراشُ عباس خالٍ· الأفرشة الأخرى يدفئها الفساء والضراط: فساء الفجل الحار، وضراط العدس الثخين· ومثل الديك الصغير أنطُّ تاركاً كل المكان· وعلى صخرة الجِثّان البيضاء البعيدة أقف· أمد عنقي إلى الأفق· أرى في العرش ضباب الشمس التي ستطلع بعد قليل: أبيض، نحاسياً، بطيء اللمعان· وأرسل بدني كله إليها· استقبل طلائعها النفاذة· أتَنَشَّقُ، عميقاً، هبوب الفجر النقي· ودفعة واحدة، استدير: آه! غوبران كله يجثم، تحت الفجر، في الوادي المليء خراء وأحجاراً ونفايات· تَلُفُّه غَفْوة عميقة، طويلة، وبائسة· أحصنة السقائين لا زالت تهمهم في مرابطها· ودواب هميدي، لا زالت مربوطة إلى معالفها· وبناته العديدات لم يبدأن، بعد، حركاتهن العصابية الفاجرة، التي لا تنم إلا عن عدم الاكتفاء· والحسكة، البلهاء، كلها، مزتوتة على شاطىء الخابور، مثل السمكة المقتولة: لا حس ولا حركة ولا حياة· بها، يحيط قطن ابن جليوي، قطن ابن الكلب: أخضر· نقياً· شديد الرواء· أغصانه المزهرة تتلاصق بإخاء: بين الغصن والغصن غصن آخر!/ عباس· وعباس سرى يدور على شغل يأكل منه· منه يتجوز· يبني بيته منه· ومنه يربي أولاده وأهله والدواب· بس الشغل وين؟! القاع كلها مزروعة، ومحددة·
والعسكر تحمي الحدود / عباس·
صفحة 10
عيونك حمر مثل الدم· مثل الدم الأحمر الأسود الأصفر· دم الدجاجات البُرْش التي انذبحت، واحدة، إثر أخرى، في قلب الليل· الدم الذي اِنْدَمَّ تحت الأرض·
قف! قف للتفتيش!
ويرفع عباس يديه، عالياً، حتى السماء: ما عندي شيء·
ما عندك شيء؟! أوصافك تدل عليك: أسمر· مخطط· طويل· رفيع·
وجهك يُخّوف· فَكّك يرتجف مثل فَكّ البعير الهائج· علامتك الفارقة: الحقد· عيونك حُمْر مثل الدم· مكتوب على جبينك القتل·
قف! قف للتفتيش!
ويقف عباس في الأرض خالياً، وغريباً· ويرفع، يديه عالياً حتى السماء:
ما عندي شيء· ما عندك شيء؟! أنت الذي قتلت الكلب، كلب صاحب الأرض، وهربت·
وأنت الذي كسرت رأسه، رأس صاحب الأرض، وهربت·
تحقد علي الدنيا وأهلها· أوصافك تدل عليك: عيونك حمر مثل الدم· وأقفز، صائحاً بهياج: عباس· عباس·
وتتملاَّني الوجوه الواجمة، المحبوسة، المحبطة: اِشْ كال العَجي(5)!؟ أِشْ كال؟!
العجي يقرأ قصاىد· ما ينام الليل·
ويقترب مني حتى اللماس: القصايد ما تفكك· تَعَلَّم الكون(6): حط لهذا عرقولاً، وأضرب الآخر على رأسه، وأطلب البر·
العسكر، مثل أهل القاع، مالهم لا أمان· ولا مذهب· ولا دين·
***