eKtab
EN ع
ألقيت السلاح
اقرأ عينة مجانية

ألقيت السلاح

بقلم ريجينا صنيفر

صفحة 1
مقدِّمة الطبعة العربية

بقلم الدكتور جورج قرم

إنَّ اللبنانيين محرومون من أية مراجعة نقدية، إنسانية وأخلاقية وجدية، بشأن ارتكاب الجرائم الجماعية المتواصلة في وطنهم في فترة ما بين 1975-1990. هناك أدب وفير ونظري حول ضرورة الوصول إلى السلم الأهلي الدائم عبر التربية على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوار المنظَّم و...و...و... وكل ذلك كلام في الهواء، له فقط أثر مخدِّر لسببيْن رئيسييْن. إنَّه يعطي الإنطباع بأنَّ التكفير عن الذنوب والجرائم الفظيعة المرتكَبة في لبنان يمكن اختصاره في تسويق الأفكار المجرَّدة عن السلم الأهلي وضرورة تخطي الوضع الطائفي وحماية المجتمع المدني من الانزلاق مجدداً في التقاتل الشرس بين أهل البلد الواحد من جهة، وهو يعفي ضمنياً الذين ارتكبوا كل هذه الجرائم البشعة بحق شعبهم من أية مسؤولية أخلاقية، معنوية، جزائية، لما أصاب المواطنين والوطن من جرَّاء جرائمهم المتواصلة على مدى خمسة عشر سنة، من جهة أخرى.

أما وصف حالات الهستيريا الإجرامية التي أدَّت إلى هذا التقاتل الوحشي الذي نشب بين تنظيمات مسلَّحة اختطفت الطوائف وسجنتها في أحياء المدن وزواريبها، وفي البلدات الريفية، فقلَّما تمَّ التطرُّق إليه وبشكل هامشي في المؤلَّفات حول الحرب، مع العلم أنَّه شرط مسبَق لإرساء دعائم الحالة التي تمنع تكرار هذه المآسي الإنسانية وحالات انهيار الأخلاق الخاصة والعامة. وهذا السكوت ظاهرة ملفتة للنظر، خاصةً وأنَّ تاريخ لبنان المعاصر منذ بدايات القرن التاسع عشر يتميَّز سلباً عن غيره من المجتمعات بموجات من مثل هذا العنف الجماعي، تتكرَّر بعد فترات قصيرة أو طويلة من الاستقرار والوئام. فلْنذكر الفتن الكبرى التي تتالت في تاريخنا: 1840، 1860، 1958، 1975، 1990.

مؤخراً صدر للصديق الكاتب والشاعر ذي الأحاسيس المرهفة صرخة مدوِّية تحت عنوان "القاتل إن حكى" (1). وهذا كتاب يجب أن يُقْرأ داخل كل عائلة وأن يُناقش من قِبَل الآباء وأبنائهم لأنَّ هذه المحاولة الأولى الجدية النابعة من عمق ضمير المؤلِّف لسبر غور ما حصل من جرائم فظيعة، خاصةً بحق الأبرياء المسالمين الذين لم يحملوا السلاح والذين أصبحوا عرضةً لكل أنواع التنكيل والتعذيب والقتل وتشويه الجثث والخطف دون رجعة إلى المنزل والموت بفعل قذيفة مجنونة اخترقت جدران البيت الآمن؛ وكلُّها أعمال لا يمكن أن يقبلها أي ضمير حتى في مستوياته الدنيا. ومع ذلك لم يعتذر أحد من الذين أطلقوا نمط العنف هذا وأعطوه شرعيته وجعلوه مشهداً يومياً اعتيادياً، وهذا ما يجعل نصري الصايغ يصوِّب أكثر صرخته ضد هؤلاء لأنَّهم هم المجرمون الفعليون. ويذكر نصري الصايغ في كتابه بشيء من التفصيل اعترافات والتوبة الصريحة والجريئة المكتوبة من قِبَل اثنيْن كانوا قد انخرطوا في ميليشيا القوات اللبنانية هما أسعد شفتري، وكان قائداً عسكرياً حمل السلاح، وصاحبة هذا الكتاب وهي كانت تعمل في الجهاز الإعلامي للقوات. بادر الأول إلى كتابة مقالٍ يطلب فيه الغفران من اللبنانيين لما فعله. أما مؤلِّفة هذا الكتاب القيِّم فهي قامت بوضعه باللغة الفرنسية منذ سنتيْن ويطيب لي أن أقدِّمه في طبعته العربية لما يحتويه من سيرة ذاتية صريحة، مروية بشكل معمَّق وذي دلالة للقارئ الذي لم ينخرط لا من قريب ولا من بعيد في صفوف الميليشيات المسلَّحة، سواءً كمحارب أو كعنصر مدني مساعد. وليس هذا أوَّل كتاب لريجينا صنيْفر، إذْ أقدمت عام 1994 على وضع مؤلَّف باللغة الفرنسية أيضاً حول "الحروب المارونية" صدر في باريس (2) وتشرح فيه ما حصل من اقتتال مدمِّر داخل الطائفة المارونية التي تنتمي إليها، ذلك أنَّ هذا الإقتتال ونتائجه كان الصدمة التي هزَّت ريجينا صنيْفر والشرارة التي جعلتها بالتدريج تعيد بشكل نقدي صارم تجربة انخراطها في التنظيم المسلَّح نفسه.

أمّا ميزة هذا المؤلَّف لريجينا صنيْفر الذي يحمل عنواناً معبِّراً للغاية، فهو مستواه الفكري والوجداني في آنٍ معاً والذي يشير بما لا لبس فيه إلى أنَّ المؤلِّفة قد بلغت مستوى من الصفاء الكبير الناتج عن استيعابها للتجربة المُرة التي مرَّت بها، ممّا سمح لها بالخروج من التعقيدات والآلام النفسية التي سبَّبها انتماؤها لهذا التنظيم. صحيح أنَّ ريجينا صنيْفر لم تحمل السلاح ولم تتسبب مباشرة بإيذاء الناس بالسلاح، إنَّما لا تتهرَّب من المسؤولية المعنوية الكبيرة كونها تبنَّت مبادئ ودوافع وأهداف التنظيم المسلَّح التي انتمت إليه. وقد أدَّت هذه العقيدة والممارسات الميدانية المبنية على العنف إلى خراب الطائفة والوطن وليس إلى الدفاع عنهما كما كانت تتصوَّر أنَّها تفعل عندما رمت نفسها في أحضان التنظيم المسلَّح معتقدةً أنَّها تخدم الوطن والطائفة التي تنتمي إليها. ومن هذا المنظور أهمية هذا المؤلَّف.

صحيح أنني أتذكَّر مؤلَّفيْن قد صدرا منذ سنين باللغة الفرنسية من صحفيين فرنسيين أجروا مقابلات مع مقاتلين ومحاربين تلطخت أيديهم بالدماء ـ وهذا طبعاً ليس وضع ريجينا صنيْفر التي لم تكن مقاتلة ـ غير أنَّ الكتابيْن اللذيْن قرأتُهما لم يكن لهما أي محتوى أو عمق فكري وتحليلي. فالأوَّل كان يحتوي على اعترافات أحد أبطال السبت الأسود عام 1975 الذي كان قد أصيب بفاجعة قتل اثنيْن من أبنائه عمداً على أساس الهوية الطائفية خلال مدة قصيرة، فانفجر هذا الأب المفجوع غضباً طائفياً بشعاً ومجنوناً أودى بحياة العديد من المواطنين في هذااليوم المشؤوم (3)؛ أما الثاني فقد حمل عنواناً براقاً Même les tueurs ont une mère بما يعني أنَّ حتى القاتلين لهم أمهات حيث يروي أحد الصحفيين الفرنسيين الجرائم المتتالية التي ارتكبها أحد المسلَّحين في إحدى الميليشيات وينقل إلى القارئ مشاعر هذا المسلَّح الشرس.
صفحة 2
وطالما أذكر المؤلفات التي صدرت باللغة الفرنسية أساساً، لا بدَّ من الإشارة إلى كتاب الدكتور عدنان حب الله وهو طبيب نفساني مشهور في فرنسا ولبنان، له كتابات قيِّمة وراقية، وكان هذا الكتاب بعنوان "جرثومة العنف" (4) حيث يستخلص هذا الإختصاصي في الطب النفسي عبرَ ما أفاده المرضى اللاجئين إليه خلال الحرب والذين أصيبوا بأمراض نفسية مختلفة سواءً بسبب ما قاموا به من أعمال قتل أو لما عانوه من فقدان أحد أقربائهم من خلال أعمال العنف.

أما مؤلَّف ريجينا صنيْفر، فهو رواية متكاملة متماسكة للأسباب التي قذفتها في حضن إحدى الميليشيات وما شهدَتْه من سجن وأسر وتعذيب بعض رفاقها على يد الميليشيا نفسها إثر الإختلاف بالرأي والرؤيا بين قيادات التنظيم المسلَّح بعد اغتيال مؤسس التنظيم بشير الجميِّل الذي كان قد وصل إلى رئاسة الجمهورية في الظروف المخزية للإجتياح الإسرائيلي عام 1982. إنَّ الصدمة التي تلقَّتها عندما رأت زملاءها وأصدقاءها من المنضمين إلى التنظيم وراء قضبان سجن مظلم ومعاملتهم القاسية اللاأخلاقية قد أثارت ضميرها، فبدأت تدخل في مرحلة الإنعتاق الفكري والثقافي والسياسي من هيمنة أفكار التنظيم المسَلَّح عليها وعلى عواطفها وتصرُّفاتها.

وإذْ تنهار بالتدريج الغشاوة الثقيلة التي كانت تحجب عنها الرؤية السليمة وتستعيد تمسكها بمبادئ الأخلاق المسيحية التي تلقتها منذ طفولتها وكذلك مبادئ الإنسانوية، أصبحت تنظر إلى الجرائم المرتكَبة ضد الأطراف الأخرى في النزاع وضد المدنيين الأسرى لدى التنظيمات في الغيتويات التي خلقتها نظرة اشمئزاز وعطف وحزن على الضحايا شملت ليس فقط اللبنانيين من الهويات الأخرى، إنَّما أيضاً الفلسطينيين الذين كانوا قد تعرضوا لنفس الجرائم الجماعية التي تعرَّض لها اللبنانيون. ومِن هنا أهمية الكتاب والرواية التي تسرد استعادة إنسان لإنسانيته الكاملة بعد أن أفقده إياها الشحن الإعلامي الذي عبَّد الطريق إلى الحرب. وتصف المؤلفة في بداية الكتاب كيف انجرَّت إلى هذا التنظيم المسلَّح من وراء تحرك عواطف وتخيلات وضغوطات إعلامية وإشاعات كانت أقنعتها خطأً بأنَّ المسيحيين في لبنان، جميع المسيحيين ولكونهم مسيحيين، قد أصبحوا في حالة الخطر الداهم وأنَّ العدو الرئيسي الذي يهدد ليس فقط طائفتها إنَّما أيضاً الكيان اللبناني هو الفلسطيني وكل من تعاطف معه أو سانده أو تحالف معه من اللبنانيين.

لقد كنْتُ قد سمعتُ أنا شخصياً خلال الخلوات بيني وبين بعض طلابي في فترة ما بين 1975-1981، وهم كانوا قد انخرطوا في نوع من أنواع الوظائف والأعمال لدى التنظيمات المسلَّحة المدَّعية حماية المسيحيين في لبنان روايات تشبه رواية الدوافع التي جعلت ريجينا صنيْفر تنخرط في التنظيم المسلَّح؛ إلا أنَّ لا أحد من هؤلاء أتى ليقول لي أو للملأ أنَّه أخطأ وأساء للإنسان في وطنه فالشكر لريجينا صنيْفر التي دوَّنت هذه المسيرة في مرحلة الذهاب إلى جهنَّم دون وعي والعودة منه بوعي ثاقب حول آلية الإنجرار إلى قبول العنف وجعله مشروعاً لا يخالف قواعد الأخلاق والإنسانوية، وحول آلية الخروج من حالة قبول العنف. فها هي تخاطب جميع اللبنانيين وضميرهم لتقول لهم "لا تسلكوا هذا الطريق في المستقبل لكيْ لا تروا ما رأيته في هذه الرحلة ذهاباً وإياباً إلى جهنَّم". ومن هذا المنطلق فإنَّ لشهادتها قيمة كبيرة يجب أن يتعظ بها كل من يسوِّل نفسه اليوم مهمة نشر أجواء من الكراهية والبغض بين اللبنانيين مماثلة لتلك التي استحوذت على عقول اللبنانيين في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

فلو نجح الساعون مثل صديقنا نصري الصايغ أو مثل لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين في لبنان التي تترأسها السيدة وداد مراد حلواني وآخرون في الحصول على اعتراف واعتذار مِمَّن حرَّض ومن قام بأعمال القتل طوال 15 سنة على غرار ما حصل في جنوب إفريقيا حيث اجتمعت كل القوى التي مارست العنف الأعمى ضد المدنيين وتصارحت واعترفت وقدَّمت الإعتذار، فإنَّ لا شك عندي أنَّ كتاب ريجينا صنيْفر سيكوِّن شهادة هامة وذات مصداقية في أعمال "مجمع الغفران" الذي نحتاج إليه في لبنان لنؤسس لسلمٍ أهليٍّ دائمٍ يحترم فيه كل لبناني اللبناني الآخر ويزيل الخوف من نفسه، فيقضي على كل أنواع العنصريات الطائفية التي تفتح الباب للفتن وتسهِّل عملية قتل الآخرين دون الشعور بالذنب. وفي نهاية المطاف لا يُقْتَل إنسان في فتنة أهلية في بلده بالرصاص أو بالقذيفة إلا بعد أن يكون قد قُتِلَت إنسانيته عبر الكلمات الفتاكة والتراشق الإعلامي الرخيص في جو انحطاط أخلاقي وفكري عام، وهذا ما سعيْتُ إلى تبيانه في مؤلَّف حول لبنان صدر عام 1986 وتم بعد ذلك تطويره وتعريبه عام 2004 (5).

وبما أنَّ الفتن الطائفية والمذهبية تتعدد وتتكرر في عالمنا العربي، وبما أنَّ لبنان جزء لا يتجزأ من هذا العالم، فإنَّ إعادته إلى الطليعة الفكرية والثقافية والسياسية في العالم العربي تتطلَّب كشرط مسبَق إقامة "مجمع الغفران" والبناء المستقبلي الذي سيدفن نهائياً كل بذور الإجرام الجماعي. إنَّ كتاب ريجينا صنيْفر في هذا الإطار وثيقة ثمينة نرجو أن يقرأها العدد الأكبر من العاملين في الحقل السياسي والإعلامي حيث تنطلق الأجواء المسمومة التي تنشر الكراهية العنصرية الطابع. كما أعتقد أن على المثقفين المنضوين في أحد المعسكريْن المتخاصميْن حالياً في لبنان والمنطقة العربية أن يقرأوا أيضاً هذا المؤلَّف على أمل أن يكفوا عن إعطاء العنصرية قالباً أكاديمياً، مستغلين ألقابهم الجامعية البرَّاقة، وهذا لا يقل خطورة عن كلام بعض السياسيين والإعلاميين.
صفحة 3
مقدمة

بقلم جوزيف مايلا (*)

إن للحرب ذكرى إسْتِحْواذِيَّة صَلْبة. فهي تَتَشَبَّث بوجدان الذين واللواتي حملوا السلاح أو شاركوا في التأهيل السياسي النضالي أو في التدريب العسكري الميليشي، بعِناد يزداد حِدَّة كلما اسْتَشْرى العنف في لبنان واستمر، معيثاً فيه التدمير والفساد. فبالنسبة لللاتي وللذين كانوا، في وقت من الأوقات، وبشكل من الأشكال، وعلى مستويات مختلفة من المسؤولية، عاملين فاعلين ومؤثّرين في الأحداث العنيفة التي طبعت التاريخ الحديث لهذه البلاد، فإن هذه الذكرى تُشكل الصَّدى الذي يُعيده الألم. ذلك أن خِلْفَة الحرب هنا، أو بُقْياها هي في إصرار ومثابرة الماضي الذي حَلَّتْ فيه بكل نوابتها، على العودة إلى الحاضر، فيَسْتَوْطِنه ليتَّحِد فيه بألم، لا يجد الشِفاء اليه سبيلا. «النسيان صعب»؛ هذا ما تُقِرّ به ريجينا صنيفر كتابةً في مُؤَلَّفِها هذا، بوحْي مما خَبِرت وعانت مع النسيان، وذلك قبل أن تَعْقِدَ العزمَ لأجلها، ولأجل أبناء مِلَّتِها، ولأجل جيل برمَّته، على سَرد ما كانت عليه الحرب التي عاشَتْها. فالألم العُضال هو اُبن الشَّقَاء الذي تُعانيه الذاكرة، ولا سبيل إلى التّغلب على هذا الألم والعمل على طرده، إلّا بالانكباب على إِنتاج عمل يكون وَليد الذاكرة التي يَسْتَنْطِقُها، ويَسْتَوْحِيها، والتي تجد فيه بدورها حَيّزاً تقول فيه نفسها. فتبدو ريجينا صنيفر والحالة هذه، وكأنَّها ارْتَضَت مواجهة الألم، الذي أرَّقَها لسنواتٍ طِوال، للمرة الأخيرة، لتَسْبِر أَغْوار نفسها، وتقع فيها على ما يَنْخُرُها، ولا يَنْفَكُّ يَعْكِس هذا الإنزعاج الذي يُصيب الذات منها، فتتخلص وتَبْرأ مما يُثابر على دوام العودة إلى حاضرها، فيُمْعِن في تعذيبها.

وإذ وقَفَتْ على مسافة من حقبة باتت اليوم منصرِمة، حيث كانت القناعات النضالية تكفي لاسْتِثَارة المعارك العادلة، وحيث لم يكن العنف إلا امتداداً للإيمان، تعود ريجينا صنيفر إلى ما كانت عليه سنواتها كامرأة حملت السلاح، كمقاتلة بين المقاتلين على الجبهات. إنّ مسارها هذا ليس إلّا مسار جيل بكامله، اكتشف في يوم من الأيام أنّ لبنان طفولته، لبنان أهله، لبنان المثال في نظره، أصبح حِصناً محاصراً. فمعها لا يفيض الكلام على لبنان وهو في طور الانزلاق إلى الهاوية المدلَهِمَّة، كما كانت عليه الحال مع أبناء الجيل الذي سبق جيلها، وإنما هو يدور على لبنان الذي أنْجَزَ انزِلاقه، واستَقَرَّ في القَعْر، وبات على فَاقِدِيه ومُفْتَقِديه، أن يدافعوا عنه أرضاً، وفكرة، وكياناً وصيرورة. فريجينا صنيفر مسيحية، والمسيحيةُ فيها ترى في الإعصار الذي حلَّ في لبنانها المثالي، كما في الجنون الفَتّاك الذي تَتَّصِف به الأهواء المتنافرة لتَنَاقُضها، كل الشكوك التي تُثْقِل صَيْرُورة الأقلّيات في الشرق الأدنى. فإذا بالأحزاب السياسية وميليشياتها تحتَشِد جنوداً وعَتَاداً، فيما ينال الإهتياج من ترويجها الإعلامي الذي لا يتوانى في النيل من الدولة، فيَغُور في الفَغْر الذي فَتَحَه في كيانها كلٌ من تردُّدِها واهتزازِها، بفعل إِمعان طبقة سياسية، اتُّصِفَت بمثابرتها في تقويض دعائم الدولة، ونَخْر وإضعاف بناءاتها المؤسَّسَاتِية، عبر تلاعبها بالسلطة وتناسِيها المصلحَة العامة. وكان من شأن هذا الترويج أن أسْرفَ في الحَثّ على المقاومة، وأفرَطَ في الدعوة إلى التعاون؛ ولكنه لم يكن ليعني تعاون المواطنين المتَّحِدين في مواجهة الخطر المحْدِقِ بكيان دولتهم والمترّبِص ببلادهم، وإنما التعاون الذي بات من الضروري على المتّحدات، كل منها على حِدَة، أن تُقْبِلَ عليه. إذ أصبح كل مُتَّحد يحلم بِنَسْج الروابط في داخله لِيَسْتَعِيض بها عن تلك التي فشِل في إقامتها والابقاء عليها مع غيره من المتَّحدات. فالحياة مع أبناء المِلَّة الواحدة أفضل وأسْلَم، طالما أنّ الحياة مع أبناء المِلَل الأخرى محكومة بالاستحالة. تلك كانت الغاية الخَفِيّة والكلمة الفاصلة للفلسفة الميليشاوية. فهي تَنْهَل من اليأس والتعظيم، وتُلَخِّص التصدُّع، لا بل القطيعة التي ضَرَبت الميثاق المجتمعي، والتَّخلّي عن التعايش بين الطوائف الدينية التي تشكله في الأساس. أما في ما يتعلق بالتعظيم والتمجيد، فهما ينبعان من الشَّغف بهُوِيّة الجماعة الطائفية التي، وفي ظل تماهي وذوبان الهُويات الفردية فيها، ازدادت لُحمةً في خِضَم الإرادة الضَّارية بالاتحاد بالأرض، المشتَرَكة أساساً مع الطوائف الأخرى، والاستيلاء عليها لنفسها فقط. فالحقبة كانت حقبة الراديكالية، حيث أَنصاف الأوزان لم تكن وسائل ناجِعة تُعْتَمَد عندما تَتَّسِع رُقْعة المغالاة لتصل حدّ التطَرّف، عندما يتحول الخوف ـ وقد قيل إنه غُلِبَ فأُخْضِع ـ إلى عنف وقطيعة، وعندما يصبح الدفاع عن النفس ذريعة لإقصاء الآخر، هذا الذي كان فيما مضى، شريكاً في المواطنية. وفي هذه الحال، يقترن التاريخ الشخصي لكل فرد مع المصير الجماعي الذي ينصهر فيه بسهولة، وذلك داخل كل من المتّحدات التي تجد نفسها في المواجهة، وقد دُفِعَ بِواحدها ضِدَّ الآخر، بفعل ما يُمليه عليها الشك والارتياب من عدائية. ولقد كان من شأن هذا التلاقي والإنصهار للمسارات الفردية في المسار الجماعي، أن انتهى بجيل من الشباب المتجّذِر في تربَة ودَمال طائفته، والمؤمن إيماناً كاملاً بقناعاتها، إلى سلوك مسار يتحكَّم فيه كل من القلق والاضطراب الثوري. وكان لكل من إفلاس النُّخب السياسية في إيجاد حلول ملائمة تنهض بالبلاد، والإخفاق الفلسطيني في لبنان، إذ أخضع في سبيل نُصْرَة قضيته البلد الوحيد حيث كان بإمكان الفلسطينيين الإفادة من حيّز يتيح لهم حرية التعبير والحركة، والتَّأسُّلِيّة أو الردَّة الوراثية في الدفاع عن النفس، وهي ثمرة ثقافة القلق التاريخي الذي عملت أجيال من المسيحيين على إذكائه، أن شكَّلوا عوامل قادرة على شرح ردّات فعل هؤلاء الآلاف من الشبان الذين، وفي مستهل حياتهم الراشدة، أَغْوَتهم ميولُهُم الإنعزالية فَشرعوا في التخطيط لقيام وطن على قياس مخاوفهم وأوهامهم. مَن ذا الذي سَيَرْميهم بحجر وهم الذين أُوُرِثوا تُرَاثاً مفتناً؟ إن الحكم الإستعادي على التزامهم خلال حرب لبنان، لا يَسَعُه أن يَقْتَبِس مقاييسه التقويمية من خطاب الضَّلال العقائدي، والتعصّب الديني والتلاعب بالحقائق والمصائِر فقط. لأنه لو فعل لكان تقويمه سهلاً للغاية، وظالماً للغاية؛ فاعتماد هذا النهج يَنْزَع إلى إِغفال حقيقة بشرية ثابتة، ألا وهي أنّ ما مِن أحد يختار البؤس بملء إرادته. فمواكب الحِداد التي تخطُّ في كتاب ريجينا صنيفر أثلاماً، فيها من الفصاحة والبلاغة ما يكفي للتعبير عن العجب أمام الموت المتَعَمَّد، أمام الإنتحار، والألم الناتج عنه لدى مَنْ يُقْدِم عليه.
صفحة 4
إن خاصيّة المسارات التاريخية تكمن فيما تتوسَّلُه الرهانات من بديهية عنيفة تفرض بها نفسها، وفي إِلحاحية الخِيارات. فبالنسبة لأولئك الذين بلغوا الثامنة عشرة من العمر في خِضَمّ سنوات الحرب، استطاع اللجوء إلى السلاح أن يبدوَ لهم كخِيار لا مَفَر منه. فتفكّك الجيش اللبناني، وزوال الدولة، واسْتِشْراء نفوذ القِوى الخارجية، من إقليمية ودولية، وتدخلها السَّافر في الشؤون الداخلية، شكَّلَت كلها عوامل مؤثرة على نحو جعلت من الحياة المدنية مستحيلة، ومن السلطة أمراً بعيد الإحتمال والمنال. فإذا بالمتّحد الطائفي يصبح امتداداً مَدَنِيّاً للكنيسة أو للمسجد، واذا بكل من هذين الإثنين يتوصل إلى الحلول مَحَلّ الدولة المخْفِقَة والغائبة في آن. وبهذا كان للولاء للطائفة أن اُنْتَصَرَ على الرابط المدني الذي، ومع مرور الزمن وتكاثر نوائب الحرب والخيبات، أخذ بدوره في التلاشي. ولا بد من القول هنا، إنّ هذا المسار من انحطاط السياسة هو الميزة الرئيسة للصراعات التي عُرِفت باسم «صراعات الهُوِيَّات»، وهي نقائض بغيضة وهمجية للبناءات السياسية، التي أَدَّت إليها الحروب التي نشبت بعد الحرب الباردة، فأبرزتها بكل فظاعتها من البوسنة وحتى رُوَندا. ولكن للحالة اللبنانية خصوصية مُلفِتة، تكمن في أنّ الشعور بالانتماء الوطني لا يزول كلياً، وإنما يصبح بُعْداً لا تتوانى كل طائفة في استثماره لصالحها، عندما تنبري مُدَّعِيَة أنها هي التي تَخْتَزِنه، وأنها الوحيدة المؤتَمَنَة عليه. ولكنها في الحقيقة تَرْمِي إلى إبراز نفسها كأفضل تمثيل للوطنية، بانتظار أن تتمكن من فَرْض نُصْرَة مفهومها للبنان، بنهاية الصراع. إنها ولا شك مهمة مُبْهَمة، غير واضحة المعالم، لأنها تقضي على إمكانية إقامة الفرق بين ما هو مُتَّحَدي ـ طائفي وما هو في صُلْب الانتماء الوطني؛ بل تفعل أكثر من ذلك عندما تقيم اللقاء والاتّساق بين الولاء للمتَّحد والانتماء لوطن تقلَّصت حدوده لِتَتَطابق وحدود المتّحد ـ الطائفة

إن الدينامية المعقدة لتفتت لبنان وشرذَمَته قد وضعت الشبان أمام خِيارات قاسية للغاية. فمن بين الهجرة، واللامبالاة أو الإلتزام، برزت أمامهم أجوبة كثيرة. ولكن إلزامية الدفاع عن أهلهم وأبناء مِلَّتِهم ما لبث أن أتاهم بجواب آخر. ولن يصعب على القارىء أن يحِسَّ أو يدرك بشكل خفي، هذا النضوج البطيء للقرار، وتلك الحركة الداخلية الوئيدة، اللذين قادا ريجينا صنيفر، في يوم من الأيام، إلى اجتياز عتبة بيت حزب الكتائب، لتَلْتَحِق به فتصبح ميليشية. على القارىء أن يتوقف عند تلك الصحائف حيث الإشارة بوضوح إلى التحوّل التدريجي الذي مرَّت به ريجينا صنيفر من الموالية المؤيدة إلى المقاتلة، وهي كينونة جديدة، لا يلبث فيها اللجوء إلى العنف أن يفرِض نفسه فيها كالسبيل الوحيد والأخير. غير أنه لا يُنْظَر حتى الآن إلى فقدان رفاق السلاح في ساحات الوغى، على أنه قِسْمة ونتيجة العنف الحربي. وإنما الموت منذ البداية، أمر مرفوض مَدْحُوض وإن كان بديهياً. فهو ليس إلا خطراً ملازماً لأي نشاط قتالي، وهو لا يطال إلّا العدو. ثم، تحل المواجهة التي تُحَوّل الحرب من تصور أَمْثَلِي إلى صدمة مع الواقع المعيوش بكل كثافته واسوداده الحالك.

إن أكثر الصحائف إثارة للمشاعر من بين تلك التي تكرّسها ريجينا صنيفر لمسارها العسكري، ليست تلك المتعلقة بتجنيدها وبنمط حياتها القتالية، حتى ولو بدا فيها التَّشْديد على تلك الرحلة إلى الجحيم حيث يصبح كل تساؤل أو مساءلة أمراً عبثياً، لا فائدة مُرتَجى منه. فجاذبية القادة، والقناعة الراسخة لديها بأنها إنما تخدم قضية عادلة لها الحق بالدفاع عنها بواسطة القتال، تملأن لوقت طويل أصغر الفَجَوات في الوجدان والضمير. لا، فالصحائف الأكثر إثارة للمشاعر هي تلك التي تصف فيها خروجها من ذاتِها الميليشية، وفي مرور هذه الأخيرة من النضال العسكري العقائدي إلى الندامة والتوبة. هذا هو التحوّل الذي ينبغي علينا أن نَتَنبَّه له. ففي صلب الإلتزام الحِزبي، يبدأ الشك بالبروز. فالصراع المسْتَمِيت ضد الآخر، أكان هذا الآخر الشريك المسلم في المواطنية أم الغريب الفلسطيني، لا يلبث أن يخضع أمام التساؤلات حول انعدام الجدوى من صراع لا نهاية له، التي تجد رويداً رويداً طريقها إلى النور. ولا يطول الأمر بالحقد، الذي لا يُغْتَفَر، حتى يبرز بين قائِدَيّ الميليشيا عينها، ليأخذ في طريقه آخر قناعات الميليشية ريجينا، التي كانت بدأت منذ بعض الوقت تتعرض للتآكل معنوياً وأخلاقياً. وكان من شأن هذا الصراع التدميري الذي يَشُنُّه الأخوان العدوان على بعضهما البعض، داخل المسيحية السياسية النضالية الواحدة، والذي يبشر بصراعات أخرى من النوع عينه بين كل من القوات اللبنانية والجنرال ميشال عون، أن طرح السؤال الأخير: أي معنى لهذه المقاومة الملتزمة التي استُهِلَّت ضد العدو الغريب، والتي ما لبثت أن اُنقلبت على المقاومين أنفسهم؟ أضف إلى ذلك أن الصراعات بين الطوائف راحت هي الأخرى تَضْعُف أمام تصفية الحسابات والتَّصْفيات الجسدية التي يرتضيها قادة الميليشيات المسيحية ويقبلون عليها بشراسة ودون هوادة. فأين، والحالة هذه، المعنى من القتال؟ وبماذا يمكن تبرير مثل هذه المذابح؟ تلك تساؤلات، إن دَلّت على شيء، إنما دلّت على عمق الأزمة السياسية، وعلى عمق أزمة الضمير التي تعانيها ريجينا صنيفر، وهما أزمتان ستؤديان بمناضلة شغوفة بقضيتها، توَّاقة إلى إحلال نُصْرَتِها، إلى خيبة أمل مدوِّية. ولكن هذه التساؤلات لا تكفي لتشرح تمردها الأخلاقي، لأنّ هذا التمرد أعمق بكثير مما يدور على الساحة، إذ هو ينبعث من الاتصال والتواصل مع الآخر، الذي لطالما كان عُرْضة للذم والقدح والتشويه. فلقاؤها مع ذلك الفلسطيني الأسير، في رواق السجن، وشَكاته التي راح يشدو بها مناجياً أمه، فيكشف عن رغبته في رؤيتها كأي سجين يتوق لرؤية أمه، يحملها على التأمل في خِياراتها وقناعاتها. ولا بد من التوقف عند التأمل القَلِق الذي تساءلت به ريجينا عن معنى الالتزام المسيحي، وعن ماهية تلك الصوفية الغامضة التي تنبعث من الصليب ومن سِرِّه، وهما اللذان انحدرا إلى درك الرموز والحيثيات اللذين يَسْتَقْوي بهما قتال المقاومة المسيحية، التي لا تمت إلى التعاليم المسيحية بصلة، إذ «أصبح الصليب سيفاً»، وشُوِه الجوهر، وحُرِّفَ المعنى.

إنّ هذا الوعي بالتصور الباطِل والفاسد للقداسة، يَسْتَهِل بالنسبة إلى المناضِلة المسيحية، زمن العودة إلى الرحمة وإلى الذات.

إنّ هذا التأمل الجميل الذي انصرفت إليه ريجينا صنيفر، سيكون له تأثير عميق في كل اللواتي، وكل الذين دفعتهم قناعاتهم إلى مقارعة الآخر في خضم الأهوال المأساوية للحرب، ولكنهم ما لبثوا أن أدركوا أنهم باتوا ضحايا الوسائل والأساليب التي كانوا يستخدمونها. فيتضح لهم أن العنف هو أسوأ حيثية يمكن للحقيقة أن ترتكز إليها. فالعنف يشوّه الحقيقة، ويفسدها، ويعود بمن يَرْتَضيه ويمارسه إلى ذلك التراكم البدائي، شِبه الغرائزي، الذي يُملي عليه إثبات الذات، على حساب السماح بالآخر، وتوسُّل التعصّب للرأي والعقيدة والقضية الذين يحلِّلُون له التَّخلص منه. وهكذا يكون العنف قد أفسد في المرء الذي يقدم عليه، كل ما كان يريد أن يرى فيه جوهراً وقيمة. فالحقيقة التي تفرض نفسها على الآخر متوسلة العنف والترهيب، إنما تدخل إلى عالم لا وجود للآخر فيه. إنّ الأمثولة المروِّعَة التي تزخر بها الصحائف التي نحن على وشك الانكباب على قراءتها، تُظهر أنّ العنف هو السلاح الوحيد الذي يرتَدّ على مَنْ يستعمله، وينتهي إلى تدمير أولئك الذين أمكن لهم يوماً الاعتقاد أنه أُحادي التأثير، لا يفيد إلّا في القضاء على الآخر. تود ريجينا صنيفر أن تنقل هذه الأمثولة التي استمدّتها من أعماق ذاكرة قلقة، إلى ابنها كما إلى الآخرين. فليطمئن فادي، فهو ليس فقط إبناً لأم مُحِبّة، وإنما هو أيضاً الإبن الذي لا ينفصل عن ذاكرتها، ذاكرة عَرَفَت، في ختام زمن التجارب، أن تجد لها امتداداً في الرجاء.
صفحة 5
توطئة

اليوم استطيع أن أتكلم. آن لي أن أفعل وقد طال صمتي عشرين عاماً. الآن استطيع أن أَفيض بما كَتَمْتُه طِوال عقدَيْن من الزمان. ما عُدْت أخشى نظراتها المُلْتَاعة، ولا عويل انتحابها لقد رحلت. ساعدتها.. المنيّة، فأراحتها من مرض عُضال نَخَر جسمها فأضناه. سبعة عشر عاماً من الانتظار. فمع ما تبقى لها من قوة، كانت تنتظر عودته: عند كل شَرْقَة شمس؛ مع كل ارتشافة من قهوتها الصباحية المرّة؛ في كل مرة جلست فيها تَنْخُب حبّات العَدَس، فتفصل عنها ما علق بها من زُؤَان؛ وفي كل مساء، أثناء تلاوتها ورديتها (6)، كانت تنتظره. سبعة عشر عاماً أمضتها في انتظار عودته، تئن بصمت، مبتلعة غصَّاتها، خِشية أن تجْلُبَ دموعها النَّحْس، فَتَحُلُّ بالغائِب النوائِب. أيام، وشهور، وسنون مَرَّت عليها، فلم تَقْوَ على أن تنتزع منها الأمل في رؤية ولدها من جديد. ولدها لُبنان. كانت تحافظ على ثيابه نظيفة، مَطْوية بعناية، جاهزة للارتداء، وتحرص على بقاء سريره مرتباً، وفرشاة أسنانه في مكانها. كانت قد أخرجت صورة مناولته الأولى من علبتها المعدنية لتعلقها على حائط الدار، كما لو أنها بذلك تُثبت وجوده. أَلَمْ يكن في ارتِضائها غَيْبَتَه وامتناعها عن انتظاره، قَتلاً له؟ ما دامت لم تَر جثته، فإنها تأمل، من دون وهنٍ تأمل. كانت الحرب قد انتهت، فوضع رفاقه السلاح جانباً، وخلعوا عنهم لِباس الميدان. أما هو، فلم يكن قد عاد بعد. كم مرة قالت له «تُقْبرني»، كالأمهات اللبنانيات اللواتي، ولفرط حنانِهِن، يعبِّرن لأولادهن عن أمنِيَتِهن بملاقاة الأجَلِ قبلهم، فلا يُكابدن مرارة فراق فَلَذَات الأكباد. ولكن انتظارها طال حتى خرج بها من دائرة الزمن، لترحل عن الحياة لشدة ما أضناها الأمل. وأنا طوال هذه الأعوام السبعة عشر، لزمت الصمت، فلم أقل لها شيئاً. لم أجرؤ.

كيف أقول لأم أن تكفّ عن انتظار ولدها؟ كيف أقول لأم أن تتخلّى حتى عن الأمل بمواراته في الثرى والبكاء على قبره.

كانت تسكن على بعد خطوتَيْن من منزلي، لكن هاجس نظراتها عليّ ضاعف من اتّساع المسافات بيننا. نظراتها تلك كانت تُحْيي فيَّ ذكرى أم ثكلى أخرى، أم إيلي، أمام جسد ولدها الممزق بالرصاص.

لا زلت أراها. لا زلت أسمعها. فهي تُوَلْوِل دون أن يُسْمَع لها صوت. وهي ترقص، دون أن يُسْمَع لها صوت، وقد اجتذب ذراعاها المرفوعان إلى السماء جسَدَها في تمايل نَطَقَ بما فاضت به جوارحُها من وجع حمل لشدَّته الجفاف إلى مَدْمَعِها، والخَرَس إلى شَفَتَيْها، فأضاعت الكلمات السبيل إليهما. وما حاجتها إلى الكلمات وقد ضَجَّ جسدها كله صراخاً وعويلاً، فراحت تضرب الأرض بقدميها على وَقْع ألمها، وهي تدور على نفسها، وسط نسوة اتَّشَحْن بسواد الحِداد، كما الشَّامان (7)، وقد أَخذته غَشْيَة في حمَّى احتفال جنائزي. وهكذا كانت انتفاضات أم إيلي في رقصها تفعل فعل الصراخ في إنشاد الشَّامان. رقصها الخِرس المصِمُّ المدَوّخ في آن.

ففي ذلك اليوم من شهر حزيران/يونيو 1982، التففنا كلنا، رفاقاً وجيراناً، حول إيلي، نستعد لمواكبته حتى مثواه الأخير، فنرش على جثمانه الأرز، وننثر فوقه الزهور كما يُحْتَفَل بزفاف عروس في مقتبل العمر. وفي الموكب، تتصاعد الأصوات مخنوقة، وقد امتزجت بقرع الكنيسة، قائلة: «أجراس ـ ليرحمك الله، يا إيلي». «سنشتاق إليك». إنها لحظة رهيبة تلك التي تستعِيد فيها الأرض ما هو ملك لها، فتنتزعه من عالم البشر، مُلْزِمة الإنسان بفعل ما درج عليه منذ القدم: يحفر حفرة يضع فيها موتاه، ويدثِّرهم بالتراب، فيعيد للأرض ما للأرض، بكرامة.

أما أن لا يتمكن المرء من دفن موتاه، فذلك ما هو أكثر فظاعة. لم أستطع أبداً مواجـهة ألم أم لبنان، التي عندما وُلِدَ لها صَبِيُّها ذاك، أسْمَتْه باسم أرضه، لُبنان. أحب لبنان هذه الأرض لدرجة خال معها أنه يستطيع أن يدافع عنها، ويفتديها بروحه، فيموت لأجلها. كان على تلك الأرض أن تستعيد ما هو لها، ولكنهم انتزعوا منه هذا الحق، فسلبوه بذلك كرامته.

لأجلك يا لبنان، ولأجل كل الرفاق، الذين جُرِّدوا من كل شيء، فَسُرِق منهم حتى حق مواراة الثرى، أتكلم اليوم. آن ليَ أن أفعل، وقد طال صمتي عشرين عاماً. لقد حملتكم معي طويلاً، طويلاً، فَمزقني ثقلكم، ودفنتكم في نفسي خشية أن أدعكم تَضْرِبون وحدكم في غياهب التاريخ، في الماء الذي يُتْلِف ذاكرتكم وذِكراكم، فيغرقكم دون أن يترك لكم أثراً. ومنذ ذلك اليوم، وأنا تائهة هائمة على وجهي، أجرُّ ذكرياتي في إثري، أجرُّ ذلك الماضي الذي لطالما صعب عليّ قوله، وشَقَّت عليّ كتابته، فكان كل سطر يُلزمني بمواجهة ضيقي وقلقي، فأسارع إلى خنق خِزْيي وعاري وإلى حَجْب شعوري بالإثم. آنذاك، كنت أقاوم اعتقادي بأنّ تجربتي تافهة، لا معنى لها مقارنة بآلام الآخرين. آنذاك كنت أخشى أن تؤثر ذكرياتي في الأشخاص المحيطين بي، فتحمل إشراقتهم على الاضمحلال، وترمي بوشاح من الأسى والحزن على أفراحهم اليومية. آنذاك، كنت أخشى أن تدمر الكلمات ما أنا أحاول اليوم كتابته. ولكن كان علي أن أستمر في العيش بمعيتكم، وبمعية تلك الحروب وتلك الجراح. أما اليوم، فأنا أعيدكم إلى التاريخ، لأشهد ضد قساوَة وخُيَلاء وتفاهة الإنسان الذي، وهو يسعى لامتلاك عالم ليس له، يُوجِد الآلام من حوله. لقد عشت جنون الحرب عن قُرب، غير أنني أدرك اليوم أنّ الحرب لا تحمل الحلول لأية من المعضلات ولا لأيّ من النزاعات، وإنما هي فقط تجتاح كل ما تجده في طريقها.

ولأجلك أيضاً يا بني، أكتب. إنني لا أقصّ عليك الحرب، وإنما أروي لك قصتي في الحرب. وأنا لا أحاول تبرير ما فعلت، ولا التشكّي مما أصابني منها، وإنما أحكي قصتي لتقوم مقام الشهادة، فأنا قدِمت من بلاد حولتها الحرب إلى مقبرة لأحلام ولأشخاص، بترت حياتهم. واليوم، أنا أرفض العنف الذي قبلت به في يوم من الأيام؛ بل قل أسوأ من ذلك، إذ كان هذا العنف في عمق ذاتي. وإذ كان لا بد لي أن أفهم ذاك الماضي، فأتحرر من قبضته، قررت اليوم أن أتكلم؛ وها أنا أكتب لك ولأجلك؛ فأنا أؤمن بقوة الكلمات وقدرتها على استخراج بعضٍ من الحقيقة من تلك التجارب المريرة؛ أنا أكتب علَّني بالكتابة أَتصدّى لمشاعر الخوف والكراهية التي هي منابع للعنف، ومنابع للحروب.

أكتب، علّني أطرد ظلال وظلمات جراح جديدة. لا أكتب سعياً مني لاستثارة الضغائن، وإنما سعياً مني لكسر سلسلة العنف التي عمل كل من الخوف والجهل على بنائها. أكتب علَّني أُجنِّبُ الآخرين الانجراف من جديد في متاهات الأوهام التي تؤدي إلى الحرب. سأحاول، بكل ما أوتيت من قوة وعزم، سأحاول.
صفحة 6
قبل الحرب

عندما أفتح عينيّ على الدنيا لأول مرة في مستشفى القديس شارل، أجدني أبكي ـ أمي كذلك. لقد أَبلغوها للتَّو خبر سوء: «إنها بنت». خاب سَعْيُها للمرة الثالثة. تسعة أشهر من الانتظار، تسعة أشهر من الأمل، والنتيجة؟ لا شيء! فيوم ذاك، لم تصبح إي؟لين (velyne) أم ريجينا (Régina) ، أو والدة ريجينا. ينبغي عليها إذن أن تعيد الكرّةَ من جديد، لا لشيء إلّا لتثبت لحماتها أنها تستطيع أن تُنْجِب الصبْية. وها هي تعيد الكرة. وللمرة الرابعة على التوالي، تلد بنتاً. فكيف لها والحالة هذه، أن لا ترى في الأمر شؤماً أصابَتْها به عين شريرة تتسلّط عليها؟ وكيف لها أن لا تبكي وهي التي لم تنجح في مسعاها كما كان يُؤْمل؟ لدى عودتها إلى المنزل، وفدت العائلة وتقاطر الجيران يقدمون لها المؤاساة، قائلين لها إنه ينبغي عليها أن تعتبر نفسها محظوظة لأن بناتها الأربع يتمتعن بصحة جيدة، وهن طبيعيات البنية، وإن الفتاة نعمة تدخرها لآخرتها. ولكنها أجابت بمرارة من لا تجد عزاءً في المؤاساة: «تبقى الفتاة تعيسة طِوال حياتها. فهي يوم تولد، تولد همومها معها».

وُلدتُ في العام 1962، في أحد أيام شهر نيسان/ ابريل، تسعة عشر عاماً بعد الاستقلال، وثلاثة عشر عاماً قبل بَدء الحرب، أي في منتصف الطريق بين السلم والحرب. عُنِي جدي باختيار اسم لي، إذ لم تكن والدتي في حالة نفسية تسمح لها بالتفكّر في الأمر. ريجينا هو اسم أول امرأة في عائلة صنَيْفِر، وهو كذلك إسم عمتي، راهبة تخَلَّت طواعية عن اسمها هذا لدى انضمامها إلى أَخَوِية راهبات المحبة.

«وُلِدَت ثالثة بناتنا، ريجينا، في الحادي عشر من نيسان/أبريل من العام 1962، في تمام الساعة السادسة والربع مساء». تلك كانت الجملة التي كتبها والدي على ظهر باب خزانة غرفة النوم، وهو الذي كان يقوم مقام سجلنا العائلي؛ لعله كان، لدِقته، حرِيّاً بالثقة أكثر من السجل المدني. غالباً ما كنت أُسْأَلُ في صغري: «أي رقم أنت؟» فأجيب: «أنا البنت رقم ثلاثة». كانت المرتبة الثالثة لا تزال أمراً محتملاً. أما أختي، فلم تكن بِوَفْرَة حظي، فهي احتلت المرتبة الرابعة، ومَنْ بلغ مثل هذا المستوى في التراتبية، لم يعد يُحْسَب له الحساب في عائلتنا.

وُلدتُ يوم أربعاء، وهو ما كانت أمي تردده دوماً، لأنها احتفظت من الحدث بذكرى أليمة للغاية. فلو سلَّمنا بما كان يفيد به سجلنا العائلي، فإن إي؟لين قد أنجبت بناتها الأربع، ريتا (Rita) ، راشيل (Rachel) ، أنا وداليدا (Dalida) ، في يوم أربعاء، وهو ما لم يكن يسعها تقبُّلَه. ولمحاولتها الخامسة، بدأت تشعر بالانقباضات الأولى، يوم أربعاء. فراحت تجهد وتقاوم، عَلَّها تنجح في تجاوز ذلك الأربعاء اللعين، ولكن دون جدوى. على كل حال، لم يَدُم الترقّب المصحوب بالتوتر طويلاً، إذ عندما حضرت الممرضة تَزُّف لأبي بُشْرى ولادة صبي له، ردَّ عليها بما اعتاد عليه من حِس الدعابة الساخرة: «إنك ولا شك تخطئين يا سيدتي، فأنا لا أُنجب إلّا البنات».

وهكذا نجا الشرف، واستُعِيد الفخر، إذ أصبحت إي؟لين أم يوسف، في ذلك الثامن عشر المشهود من شهر نيسان/ إبريل من العام 1968. فبعد أن أنجبت أربع بنات، نجحت والدتي أخيراً في إنجاب الصبي، وهو، والحق يقال، ما لم يكن بالأمر السهل، لأنها ولكي تقوى عليه، وَجَب عليها استِحْلاف كل القديسين لسنوات أمضتها في رجائهم، والإفراط في الصلاة، ورش المنزل بالماء المقدس، وتقديم الهدايا والقرابين لسيدة الحدث، مريم العذراء عليها السلام، وإحراق البخور عَلَّها تطرد بأنفاسه عين الشؤم التي تصيب بالشر. أخيراً، وُلِدَ لعائلة صنيفر أول صبي من الجيل الجديد. أَسْموه يوسف، وهو إسم جده، ووزعوا الحلوى على أبناء الحي. كان الجيران، والأصدقاء والفضوليون يتوافدون إلى المنزل، لتأمل هذا الإنجاز بإعجاب وافتتان من لا يصدق التغير في مسار الأقدار. وكانت توقعات ما سيكون عليه طفل اليوم في الغد، تتضاعف مُتَّسِقَة مع ما تُؤْثِرهُ كل عائلة: «مَن سيشبه يا تُرى؟»؛ لعل في أنفه دِقَّة أنوف آل صنيفر، ولكن جبينه الضيق الصغير هو سليل آل القارِح. إبهاما قدميه يشبهان تماماً إبهامَيْ خاله فؤاد؟ أيكون صنيفراً حقيقياً؟ أم سيشبه عائلة أمه؟» وكان أبي، الذي لم يصدق بعد ما جرى، يجيب: «لم ننظر إلى وجهه بعد».

كان كل شيء يفرّق عائِلَتَيْ والديّ: التراتبية الاجتماعية كما أنماط العيش. كان والدي يحلم أن يصبح محامياً، فهو كان بِكر عائلة وُلِدَ لها خمسة أولاد. ولكنه اضطر إلى وضع حد لتحصيله العلمي لينصرف إلى العمل مع والده في النِجارة، فيساعده في صناعة النعوش. غير أنه كان يتمتع بشغف عيش طبيعي جعله يُقْبِل على الحياة بفرح، ومواجهة الأمور أياً كانت بتفاؤل من لا يَهوى التعقيد. ألم يكن يصنع من الأكاليل التي كانت عائلات الموتى تُغدِقُها على النعوش، باقات وافرة الأزهار، بوفرة أحزانهم، يهديها لمعشوقته في كل مرة يلتقيان فيها، فيضمن بذلك افتتانها به لِرِقَّة حاشيته وظُرْف غَزَله.

كان منزل العائلة يقع في الحدث، في الضاحية الجنوبية لبيروت، في منتصف الطريق بين الكنيسة والمقبرة. كل المواكب الجنائزية تَمرُّ من هنا. ومع الكنيسة، كانت عائلة صنيفر تقيم علاقات جِوار طيبة، إذ كانت جدتي تُلَمِّع وتُشَمِّع المكان المقدس، وتحضِّر خبز القُربان، وتنظِّف ملابس الخوري، أملاً منها في أن يقوم الرب برعاية منزلها وعائلتها. وكانت تقضي في الكنيسة وقتاً أطول مما كانت تقضيه في البيت، مما كان يثير سُخط جدي واغتياظه. وفي يوم أحد، وإذ طال انتظاره لحلول موعد الغداء، قام فَحَضَّر الطعام بنفسه، وقصد الكنيسة، ففرشه أمام بابها، كما لو كان يتحضر لتناول وجبته خلال نزهة في الهواء الطَّلق. وبقيت النادِرة مشهورة في بلدتنا، تُمَلَّح بها الأحاديث والسهرات، لوقت طويل.

كان لهذا الجوار تأثيره الواضح على والدي، الذي انضم إلى حركة الكشَّاف، وقد تولّى خوري القرية إدارتها. كُثُر هم الذين كانوا يدعونه «الرِّيس عبدو» حتى آخر أيامه.

كان والدي مؤمناً بالله، ولكنه لم يكن يهوى ممارسة الشعائر الدينية بانتظام، فهو لم يكن يرتاد الكنيسة إلّا في مناسبة عقد قِران، أو معمودية، أو دفن. وخلال القدّاس، كان يولي اهتمامه للثرثرات فيصغي لها، أكثر مما يوليه للكلام المقدس. أما بالنسبة إلى والدتي، فهي كانت على عكسه تماماً، إذ لم يكن يجوز أبداً المُزاح مع الله. فكانت تحضر القدّاس كل صباح قبل أن تفتح أبواب متجر العائلة. فكل يوم، وبعد أن تقرأ في ثَفَل فنجان قهوتها ما تخبئه لها الأقدار، كانت تزور الكنيسة لتَسْتَوْثِقَ السيدة العذراء همومها وقلقها، قبل أن تخرجَ منها دامعة العينين في أغلب الأحيان، كما لو أنها تحدثت للتّو مع صديقة ودودة، بل قل مع طبيبة نفسانية، مع فارق وحيد، وهو أنّ الجلسة في رحاب الله كانت مجانية.
صفحة 7
وبالنظر إلى تحدّرها من عائلة ميسورة الحال نوعاً ما، كانت والدتي تتكلم لغات ثلاث: العربية، الفرنسية والانجليزية. وكان لا بد لها أن تتزوج من ابن عمّ غني، عرض عليها مواكبته في هجرته إلى الولايات المتحدة الأميركية. ولكن والدي ما لبث أن تقدم طالباً يدها، ففتنها بسحره، إذ كان يجيد الكلام، فينطق بالمعسول منه، وكان دائم الأناقة فنجح، بالرغم من أصوله المتواضعة وتحفظات جدي، أن يخترق حصن العائلة التقليدية المنيع؛ فدخلها، وتمكن حتى من استجلاب تعاطف هذا الأخير الذي اشتهر بقسوته. وبمساعدة مالية من جدي، استطاع والدي شراء متجر كبير، تولّت والدتي إدارته على نحو عكس رباطة جأشها وصرامتها. فهي كانت تتقدم على نساء جيلها بما امتازت به من مهارة تامة في الإدارة المالية، التي لم تكن لتتوانى في تطبيقها حتى على عائلتها الخاصة؛ إذ كانت تنتظر دائماً نهاية التنزيلات لتبتاع لنا ما نحتاجه من الفساتين والأحذية والألعاب، التي لم تجد من يشتريها لما كان يشوبها من عيب أو نقص. ثم إنها كانت تتعامل مع المصرفيين، والمورّدين والممولين، وهم كانوا غالباً من الرجال، وتقوم بجولات على بائعي الجملة، وتتولى الإمساك بالصندوق. وبفضل هذه الادارة الحازمة، نشطت تجارتنا، وازدهرت شيئاً فشيئاً، إلى أن أصبحت محالنا، وخلال سنوات قِلال، أكبر وأشهر محالّ المنطقة، وهو ما لم يكن ممكناً لولا اندفاع واجتهاد والدتي. وفي المنزل، كما في الأعمال، كنا جميعنا، حتى والدي وأخي، ننصاع لقواعدها الصارمة.

أما والدي، فلقد كان يفضل العناية بالمبيع عِوضاً عن الإهتمام بالأعمال الإدارية. ولكن حتى في هذا المجال، لم تكن والدتي لتثق به. فاحتساب مال الصندوق في آخر النهار، كان يشكل بالنسبة إليه عذاباً مريراً. فلا مالها ولا مسلكها، الذي كانت تَتَّبِعُه من كانت مثلها امرأة تنتمي إلى عائلة راقية، نجحا في حمل والدي على التعديل في عاداته ونمط عيشه المتواضع، صحيح، ولكن أيضاً الميّال إلى البذخ والاحتفال. لذا كان يكفي لأحدى الزبائن أن تقوم بسرد حياتها ومشاكلها المالية عليه، حتى يبادر إلى إهدائها تنزيلات ملفتة في أسعار السِّلع. ولم يكن غريباً عليه أن يقدِّم الهِبات، وهو ما كانت والدتي تقابله بردات فعل عنيفة، قائلة له: «أُذكِّرك يا عبدو، أننا لسنا جمعية خيرية؛ إنها تجارة».

وكلما اضطردت التجارة، كلما قلَّصت والدتي من الوقت الذي كانت تخصصه لنا، مما حملنا، أنا وشقيقاتي الثلاث ـ ريتا وراشيل وداليدا ـ إضافة إلى شقيقنا الأصغر، يوسف، إلى التعلُّم كيفية تدبُّر أمورنا بأنفسنا، معتمدين واحدنا على الآخر، مما أَوْثَق عُرى التَّعاضد بين بعضنا البعض، فغَدَوْنا لا نفترق، كأصابع اليد الواحدة.

كنت وشقيقاتي نرتاد مدرسة راهبات القلب الأقدس للبنات، حيث الصفوف سيئة الإضاءة، باردة الأجواء، رمادية اللون. على كل حال، نادراً ما كان للّون من وجود في تلك المدرسة، حيث الملابس الملونة، كانت تثير الريبة في نفوس مَن تراها من الراهبات اللواتي كن يَفْرِضن علينا ارتداء التنانير المغَضَّنَة الكحلية اللون مع القمصان البيضاء. وفي تلك البيئة الثقيلة الوطأة، القابضة للصدر، اقتصرت الألوان كلُّها على الغَفَّارة الأرجوانية اللون التي كان يَجْتَبُّ بها كل من البطريرك الماروني والحَبْر الأعظم في الصور المعلقة على الجدران الرمادية المزدانة بصلبانٍ كبيرة الحجم.

مدرسة راهبات القلب الأقدس للبنات، بناء مُسَوَّر بجدران عالية، كما لو أنّ الغرض من تشييدها كمن في الحؤول دون شرود العيون الحالمة إلى الخارج. ومع ذلك، نجح بعض الصِبية في إيجاد فرجة في واحدٍ من الأسوار، فراحوا يمررون من خلالها رسائل يضربون فيها المواعيد للفتيات التَّواقات إلى الحرية وشيء من الخِفة والرعونة.

وطوال تلك السنوات الدراسية العديدة، كان علينا أن نَتَقَبَّل كل شيء بطاعة. لم نصدق ما يُقال لنا دون تساؤل أو نقاش، ونسارع إلى العمل بما يُطْلب منا، ونخضع للنظام فنطبقه بحذافيره، ونَلْزَم الصمت فلا نأتي باعتراض أو شكوى، ولا حتى من الألم. لم أشتكِ يوماً من تلك المَدرّسة السورية الجنسية التي دأبت على استعمال كنزة واحدة منا لتجلس عليه، فتحمي بذلك جواربها من كرسي القشّ، والتي كانت تضربنا بمسطرتها الخشبية على رؤوس أصابعنا عندما كانت الذاكرة تخوننا. ولم أعترض طوال تلك السنوات المدرسية، على صعود الدرج المؤدي إلى المدرسة، وقد حملت على ظهري مِحْفظة كتبي. تلك كانت جُلْجُلَتي اليومية، التي اعتدت خلالها احتساب الأدراج الإثنتين والأربعين، علَّني أصرف به خاطري عن التفكير بالجهد الذي كنت أتكبده؛ ولكن دون جدوى، فدرب الصليب تلك كانت تبدو لي دوماً لامتناهية.

لم أكن كذلك لأَنْفُر من القداس، وطوال الصلوات، ووفرة الأدعية التي كانت الراهبات تحملنا كل يوم على تلاوتها، ولكن الضيق كان يقبض على صدري كلما حَلَّ فعل الإعتراف. ففي كل أسبوع، وخلال امتحان الوجدان والضمير الذي كان يسبق ذلك الفعل، كنت أجهد لأجد ما أُقرّ به وأتَنَدَّم عليه من خطايا. وكل الصعوبة كانت تكمن في تأليف ما يمكن له أن يقومَ مقام الخطيئة البسيطة، لكي لا أُلْزَمَ بالإكثار من تلاوة الصلاة المستهلة بـ «السلام عليك يا مريم...»، وإنما فقط بما يكفي لكي يكتسي فعل ندامتي بما يلزم من مصداقية، فيسهل تقبُّلُه.

لو طُلِب مني اليوم أن أُلخِص بعبارة مقتضبة سنوات دراستي تلك، لما وجدت في خاطري أبلغ من عبارة «سنوات الأنا المخنوقة»: ففي المنزل، نَهَجَت والدتي في تربيتنا على المبدأ القائل إنه ليس للفتيات حساب، في وقت كانت فيه نساء أخريات في المدرسة تعمدن إلى تعليمنا، يوماً بعد يوم، أنّ الأنا بغيضة مَقيتة، وأنّ الفضيلة الكبرى تكمن في التضحية وإنكار الذات.
صفحة 8
كنا في المدرسة نعيش في عالم مقفل، لا نخالط فيه غير المسيحيين. نادرات كن المسلمات بين التلميذات. كانت سوسن، زميلتي على مقعد الدراسة، المسلمة الوحيدة في الصف، وكانت سنّية الانتماء. لم تكن الراهبات لتوفر عليها مشقَّة حضور القداس. وإن كانت تنجو من التجربة الصعبة التي كان يشكلها كل من فِعْلَي الاعتراف والمُنَاولة، إلّا أنها كانت معرضة لسماع عظة الكاهن التي لم يكن بالإمكان تفاديها. وفي يوم من الأيام، وبينما كانت سوسن تسجد كالأخريات مصغية للكلام المقدس، انهارت فاقدة الوعي أمام المذبح. فظَنَّت بعض الفتيات أنها لم تستطع تحمل رائحة البخور، في وقت راحت فيه أخريات تعلل غيبوبتها بشروحات صوفية: بما أنّ سوسن لم تُحَصَّن بفعل المعمودية في صغرها، فهي لم تَقْوَ على احتمال وجود الروح القدس...

أمضيت برفقة سوسن سنة دراسية كاملة، دون أن أعلم أي شيء عن دينها. وبالرغم من دُنُوّها اليومي، إلا أنها لم تحدثني يوماً عن الإسلام، ولا عن أسسه ومبادئه. وأنا، لم أطرح عليها يوماً أي سؤال. وعلى أية حال، لم تكن الراهبات ولا المدرسات تساعِدْنَنا على فهم هذه الديانة التي كنت أجهلها. مما لا شك فيه أننا كنا نَتَلَقَّى المعارف العديدة والمتينة، ولكن تلك المدرسات نسَيْنَ تعليمنا التعايش والتحاور مع من اختلفوا عنا، أي الطوائف السبع عشرة التي كانت تتشارك الأراضي اللبنانية. ألم يكون وجود هذه المجموعات الطائفية ليبرر وَفْرَة المعلومات التي كان يمكن لعدة كتب في التاريخ اللبناني أن تَزْخَر بها. فمنذ العام 1920، وكل طائفة تأتي بتراثها، وأنماط عيشها، وتحالفاتها، وفي بعض الأحيان، ولاءاتها حتى. ولكن في مدرستي، كما في غيرها من المدارس، كانت كل هذه الأمور تمر بصمت، صمت يُغرِق الذاكرة الجماعية التعددية في غياهب الجهل والخوف من الآخر.

قد لا أعلم أبداً الأسباب التي كانت تحمل تلك المدْرَسة على استثارة الغثيان في نفسي. أذكر الآن أنني لم أكن أقبل بشهية على الطعام الذي كانت تحضِّره أمي على عجـل كل صباح. غالباً ما كنت أُبقي على طعامِي هذا حبيس المِقْرَأ في الصف، إذ كان في رمي الغذاء إهانة للفقراء الذين لا يجدون ما يقتاتون به. وهكذا، كنت أتفادى صناديق القمامة في الملعب، خِشية أن يُفتضح أمري، فأنال العلامة السيئة التي كانت إحدى التلميذات المولجات بمراقبتنا أثناء الفُرَص، تسارع إلى إعطائنا إياها. وبهذا، كان ينتهي الأمر برائحة العفونة تفوح من المِقْرَأ، مما كان يزيد من شعوري بالقرف.

لم تكن وجوه الراهبات الباردة الحزينة لتتوجه إلينا إلّا لكي تذكرنا بوجوب احترام القواعد وتفادي المحاذير. ولم أدرك، إلّا بعد مرور زمن طويل، أنهن كُن، هُنَّ أيضاً، في معاناة مع الملل، مثلنا تماماً. لعلهن كن يفتقرن للحب والرعاية، فلقد كُنَّ عاجزات عن الإتيان بأية كلمة أو إشارة تُفْصِح عن محبتهن لنا، أو عن اهتمامهن الحنون الخالص بنا، حتى خلال ساعات التعليم المسيحي.

إنّ أكثر أوقات طفولتي حباً إلى قلبي كانت تلك الاجتماعات العائلية حول مائدة الطعام. فكل مساء، ولا سيما يوم الأحد، كانت العائلة تجتمع بكامل عديدها، ونادراً من دون ضيف. كان والدي يتصدَّر المائدة، فيجلس في مكانه المعتاد، كما لو أنه يتصدر مجلساً للشورى. كان كريم النفس وكثير الكلام، فلم يكن ليبخل علينا، نحن المتحلقين حول الطاولة، بتأدية عرض فني منفرد، فنقوم مقام الجمهور المعجب بمواهبه في السَّرد والإنشاد. شكلت تلك الاجتماعات حول مائدة الطعام مكوناً أساسياً في تربيتي، اذ كان لوالدي دوماً قصة قديمة يسردها أو حكاية يرويها على مسامعنا، قبل أن يتوّج العرضَ بالغناء، فيستهله بدندنة بعض النغمات الموسيقية، فنردّ عليه مجتمعين كما الخَوْرس. ما من توتر ولا من غضب كان ليقوى على الصمود أمام ذلك الصوت، ولا حتى غضب والدتي. فهو كان يعشق الغناء، فيغني، أينما كان وفي أي وقت، بأغانٍ حزينة، وبأخرى تنشد الحب، وبأخرى تستحضر ماضي الموارنة. فإن ثارت أعصابه، غَنّى؛ وإن فَرِحَ، غَنّى. وكان لصوته سحر الصمت، يحملنا بعيداً إلى واحات تزخر بالمشاعر والانفعالات. وهكذا، غدت أغاني وديع الصافي، وفيروز وأم كلثوم، أغاني والدي. أدرك اليوم أفضل من السابق شغفه بالعصافير، فهو لم يكن ليرتشف قهوته الصباحية إلّا على الشرفة بصحبة عنتر، الحسون الذي يزقزق ما إن يراه يُطِل؛ وهو يُصرّ على أن يكون عنتر أفضل العصافير شَدْواً. فلأجله، كان يشتري الأشرطة التسجيلية، ليغذي مسمع عصفوره ذاك بزقزقة أبناء فصيلته، عَلَّه يتعلم منها، فيزداد براعة. لم يكن من السهل عليه أن يجد تلك الأشرطة، ولكن الأمر كان يستحق العناء. وفي يوم من الأيام، ولكي تستمع إلى بعض من أغاني كلود فرانسوا (Claude François) أو فريق البيتلز (Beatles) ، أقسمت أختي راشيل لأبي أنها، ولكثرة ما استمعت إلى هذه الأشرطة، باتت هي الآن أيضاً تزقزق...
صفحة 9
غزْوَة السلاح

حتى سن الثالثة عشرة، عشت في المدرسة مللاً مطواعاً شَلَّ تفكيري. ولكن حدثاً غير متوقع قلبَ كل شيء رأساً على عَقِب. لا أستطيع أن أنسى يوم الأحد ذاك، الذي وافق فيه الثالث عشر من شهر نيسان/ أبريل من العام 1975.

ففي ذلك اليوم، عقدت العزم على الالتحاق بالكشَّاف، ورحت أتخيل نفسي أقضي ليلة في كَنَفِ خيمةٍ، نُصِبَت في الطبيعة، بعيداً عن عائلتي. يا للمغامرة الكبرى! زرت بصحبة أهلي مارغو (Margo) رئيسة الكشّاف، وقد كانت صديقة لوالدي، آملة منها أن تقوم بتسجيلي، فأغدو واحدة من أعضاء فريقها. كانت الطبيعة في ذلك اليوم الربيعي الهانئ والمشمس، تتفجَّر حياة وضياءً، إذ فاحت أشجار اللّوز، والليمون، والبساتين المكسوة بالخضرة الطرية النديّة، بعطرٍ يحمل إلى النفس السلام والسكينة. ولكن انضمامي إلى الكشاف لم يشكل في ذلك اليوم محور الحديث الذي، عوض ذلك، دار حول رجال حملوا السلاح، وباص كان ينقل فلسطينيين، وكتائبيين، وقتلى وقعوا أمام الكنيسة. كان والدي يسرد تلك الأحداث بصوت مختلف عن ذلك الذي عهدته لديه، إذ كان يرشح قلقاً وثورة. وفي الأيام التالية، ضجَّت ضواحي بيروت بمواجهات مسلحة، ما لبثت أن امتدت إلى مناطق أخرى من الشمال إلى الجنوب.

التحقت بفتيات الكشَّاف في الأيام الأولى من فصل الربيع. وبالكاد سُنِحَت ليَ الفرصة لتعلم بعض الأغاني والاطلاع على تاريخ بادن باول (Baden Powel) ، حتى سقط حلمي بالتخييم كلياً، في شهر حزيران/يونيو من تلك السنة، في ظل جولات العنف ومحطات وقف إطلاق النار التي كانت تنذر بالمنحى الخطر الذي بدت «الحوادث» وكأنها تتخذه.

لم نكن لنصدق بعد أنّ الحرب قد اندلعت، إذ كانت كلمة «حرب»، غير معقولة في بلاد لا يتكبد فيها المواطنون عناء إقفال أبوابهم بإحكام، في بلاد درج الناس على نعتها بسويسرا الشرق، لجبالها المُلْتَحِفَة بالثلوج. فلبنان ـ كما كنا نقرأ في كتاب الجغرافيا ـ وطن يحمل رسالة التعايش، بلد يشكل مفترق طرق بين الشرق والغرب؛ فمن أقام في بلد كَلُبنان يطيب العيش فيه، لا يؤمن بالحرب. ومع ذلك، فإنّ العنف في تزايد، وتقدم واضطراد كل يوم. كل يوم تتكاثر الحواجز المسلحة، والطرقات المقطوعة. كل يوم، تُسمع الطلقات النارية، ويُحكى عن الرصاصات الطائشة والقتلى.

يقع منزل العائلة في الحدث، وهي بلدة يقطنها المسيحيون الموارنة بشكل خاص. فمهدي هو المسلم الوحيد في الحي، وهو عامل شيعي، يعيش مع عائلته وأولاده السبعة في غرفة واحدة. تفصلنا عن مخيم الفلسطينيين، القائم في برج البراجنة، ثلاثة أو أربعة كيلومترات فقط. أذكر أننا درجنا على ارتياد المطعم لتناول الغداء العائلي، على شاطىء البحر. كانت سيارتنا تمر بمحاذاة المخيّم، حيث شعارات المنظمات الفلسطينية تجتاح الأحياء. كنت أرقب وراء تلال الرمل والأسلاك الحديدية، وبين الأكواخ الوضيعة الفقيرة، المبنية من أحجار الباطون وألواح الصفيح، وتعالت فوق سطوحها هوائيات أجهزة التلفزيون، وجود رجال يعتمرون الكُوفية: إنهم الفدائيون. كانوا يثيرون هلعي وذعري بوجوههم المقنعة. كنا نلتقي بهم وأسلحتهم المرفوعة في طريقنا، وقد تكَدَّسوا في الشاحنات، مشهرين بنادقهم. ننظر برعب إلى مواكبهم العسكرية وهي تخترق طرقات بيروت، حيث يتبخترون فيها كالمنتصرين الغالبين. إنّ فقر مخيمهم لا يؤثر فِيَّ. فبحسب الشائعات، فهو يعج ويزخر بالثروات، والفلسطينيون أَبْقَوا أنفسهم في حالة من عدم الاستقرار الطوعي، لكي يستمروا باستجلاب المساعدات وتحصيل الأموال. يُحكى كذلك أنّ مخيماتهم المُنْشَأة حول كل من بيروت، ومدينَتَيْ صيدا وصور الجنوبيتين تأوي أربعمائة ألف فلسطيني، في بلد بالكاد يعدّ ثلاثة ملايين لبناني.

نشأت مع الاعتقاد الراسخ بأنّ المنظمات الفلسطينية، ولا سيما منها منظمة التحرير، تمثل تهديداً حقيقياً للبنان. كان والدي يلوم الفلسطينيين لأنهم لم يعرفوا كيفية الدفاع عن أرضهم، ولأنهم كانوا مُجْحِدين بحق لبنان، الذي استضافهم على الرحب والسعَة، عندما طُرِدوا من أرضهم عامَ 1948، ثم من الأردُنّ عامَ 1970، إثر أحداث ما اصطلح على تسميته بأيلول/سبتمبر الأسود (8): «الفلسطينيون، قال يوماً والدي، يستغلون ضيافتنا عندما يدَّعون البطولة التي يَفْخَرون بها، فيطلقون العمليات الفدائية الهجومية ضد اسرائيل، بينما يدفع اللبنانيون غالياً ثمن ردات فعلها الثأرية واجراءاتها الانتقامية التي تطالهم في الصميم». كان والدي يعيد السبب في مأساة لبنان إلى اتفاقية القاهرة التي تم عقدها سنة 1969، والتي أعطت المقاومة الفلسطينية الحق بالتسلح والتصدّي لإسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. فكان من شأن هذا الوجود المسلح أن تسبب بزرع بذور الشّقاق والارتياب بين اللبنانيين الذين انقسموا إلى معسكرين إثنين: المعسكر الموالي، وقد ضم المسلمين خصوصاً، والمعسكر المعارض ذات الغالبية المسيحية. وسرت شائعات تنبئ باستعداد الفلسطينيين لإخراج المسيحيين من لبنان بغرض الحلول محلهم، وذلك بمساعدة كل من الأميركيين، والدول العربية، والأحزاب اليسارية والمسلمين اللبنانيين. فخاف المسيحيون من أن يُلقى بهم في البحر. مما كان يثير قلقي، إذ لم أكن لأجيد السباحة.

بحلول الصيف، قرّر والديّ كعادتهما في كل عام الهروب بنا من عبء حرارة بيروت المضنية. وفي وقت كان فيه العنف ينتشر شيئاً فشيئاً، أمضينا ذلك الفصل في الشبانِيَّة، وهي قرية تقع في منطقة جبل لبنان، حيث كان يطيب للبيارتة الاصطياف، فجعلوا منها مَقْصداً، شأنهم في ذلك شأن أمراء الخليج العربي التّواقين إلى الحرية والهواء المنعش العليل والملذّات. كان منزلنا يقع في أعالي الشبانية، فيتوسط كروم العنب، ويتفيأ في ظلال شجرة تين ضخمة. صحيح أنّ والدتي لم تكن لتطمئن لتسلقي هذه الشجرة الملعونة، التي شنق يهوذا الإِسْخَريوطي نفسه يأساً على واحدة من أغصانها. غير أنني، وبالرغم من تحذيراتها المِلحاحة، فإنني غالباً ما كنت أجد لنفسي، على غصن منها، مجلساً متّسعاً بما يكفي ليضمن لي ملجأً مريحاً، أنصرف فيه إلى تذوق التين الأسود الناضج النديّ، وإلى مراقبة مَلْقى شقيقاتي بالعشاق، وهو ما كنت أجد لي فيه لذة ماكرة، واستراق النظر إلى جيراننا من الدروز، إذ لم أكن أريد أن أفوّت على نفسي فرصة مؤاتية كهذه أرى فيها عن قرب ما يمكن أن تكون عليه عائلة «مُتَقَمِصّة».
صفحة 10
يُحكى في ذلك الجبل أن كل درزي يموت، لا يلبث أن يتجسَّد في مولود درزي جديد، يذكر ما عاشه في السالف من «الأجيال». كان من شأن هذا الأمر أن شغل بالي وأثار حيرتي وفضولي في تلك الأيام، لا سيما أنني ما كنت لأجد من يشرحه لي. فطِوال ذلك الصيف، لم تلتق عائلتي بجيرانها الدروز إلَّا عَرضياً. ومع أنّ المسيحيين والدروز كانوا يتساكنون في هذه المنطقة، إلّا أنهم كانوا يحرصون على اجتناب الاختلاط ببعضهم البعض. فأنا، من الدروز، لم أعرف إلّا صاحب دكان البقالة في الحي، حيث كنت أشتري السكاكر والمرطبات، والذي كان يثير الرعب في نفسي، بِقَلَنْسُوَته البيضاء، وسرواله الأسود الفضفاض، وشاربيْه الكثَّين المرفوعَيْن إلى أعلى. وغالباً ما كنت أتساءل عندما أراه، ما إذا كنت في حضرة الأمير الدرزي فخر الدين الذي حكم جبل لبنان في القرن السادس عشر، والذي سبق لي أن رأيت صورته في كتاب التاريخ. ولعل طائفة الموحدين الدروز هي الأكثر سرية من بين كل المجموعات الطائفية في لبنان، حيث تبقى خَفِيَّة على العديد من اللبنانيين.

في ذلك الصيف، وفي تلك القرية، عرفت أول حب لي. كان اسمه نبيل. أذكر أننا يوم كنا نتنزه بين الكروم قطعنا على نَفْسَيْنا عهداً بالزواج وبإنجاب العديد من الأطفال.

وفي يوم من أيام شهر آب/أغسطس، إضطررنا إلى الرحيل نهائياً عن الشبانية، مع أنّ الجبل بدا لي آنذاك هادئاً آمناً، لا يعكر صفوه شيء، فالناس تتحضر لموسم قِطاف العنب والتفاح. كنت أخشى العودة إلى بيروت وإلى المدرسة حيث سيبدأ العام الدراسي، كان والديّ غائبين في معظم الأوقات، يقصدان المدينة كل يوم للعمل في المتجر. وفي احدى الامسيات، وبينما كنا ـ أنا وشقيقاتي وشقيقي ـ ننتظر في المنزل عودتهما، أقبل علينا الجيران مسرعين، لعلمهم باكتشاف جثة درزي قتيل في بلدتنا الحدث؛ فقررت الميليشيا الدرزية الانتقام لمقتله، ونصبت الحواجز بغرض اختطاف المسيحيين في هذا القطاع من الجبل. رأى أحد المارة رجالاً مقنّعين يوقفون كلاً من والدي ووالدتي، ويحملانهما على الترجُّل من السيارة. لم يُعرف ما حصل لهما بعد ذلك، ولم أجرؤ على طرح السؤال، في وقت شُغِل فيه الجيران بإقفال الأبواب والنوافذ بإحكام، قبل أن يجتمعوا في الدار. أخذت ريتا، أختي الكبرى، يوسف، الذي لم يكن له من العمر إلا سبع سنوات، في حضنها، تُطَمْئِنُه؛ حبسنا أنفاسنا، ننتظر خبراً. أصبح الهواء في المنزل خانقاً. جلست على الأرض، مسندة ظهري إلى الحائط، محدقة بشعاع النور المنبثق من تحت الباب، أترقّب خيالاً، آملة أن يكون خيال والديّ. ورحت أتساءل في نفسي: هل لا يزالان على قيد الحياة؟ هل سأتمكن من رؤيتهما مجدداً؟ لقد اعتقدا أنهما يعملان على حمايتنا يوم جاءا بنا إلى هذا الجبل، بعيداً عن خطوط التماس والقصف المدفعي. ولكن الحرب اسْتَشْرت وامتدت حتى بلغت هذه الأعالي. بدا لي الإنتظار طويلاً، لا نهاية له. أريد أن أجدهما؛ أريد رؤيتهما؛ إنني أخشى الأسوأ، فالخوف يتدفق من أعماقي كحمم بركان، وقد كان حتى ذلك الوقت، يُعَشِش في قعر ذاتي، قبل أن يطفو فيها جاذباً معه كل ما كَبَتُّه من مخاوف.

وأخيراً توقفت سيارة والديّ أمام الباب، وأبصرت، بارتياح كبير للغاية، أبي المكفهر الوجه، وأمي المرتجفة. إنهما على قيد الحياة، سالمين، ولكنهما كانا على قاب قوسين أو أدنى من الموت إعداماً. لقد تعرَّف عليهما أحد الرجال المقنّعين، فأطلق سراحهما، وهما يدينان له بحياتهما. لم يتعرف والدايّ على هويته، ولكنَّ عينيه الخضراوين خلف القناع كانتا مألوفَتَيْن لديه. وفي صباح اليوم التالي، غادرنا نهائياً مَصْيفنا في الشبانية. لم أرَ مجدداً تلك القرية. لم أر نبيل ولم أستطع أبداً أن أبوح له بالحزن الذي اعتصر قلبي لابتعادي عنه.

وبعد بضعة أشهر، قُتِل كمال الحاج، فيلسوف الأمة اللبنانية، بضربة فأس هشَّمت رأسه، في الشبانيّة. في تلك الحقبة، كان يراودني حلم باستمرار، فيقلق راحتي، إذ كنت أرى فيه نفسي وأنا أجهد في البحث عن أبي لأجده جثة هامدة مقطوعة الرأس على سطح منزلنا. واستمر هذا الحلم يراودني لفترة طويلة؛ ولدى أول شعور بالخوف، كانت ذكراه تعاودني فترمي بي فريسة للاضطراب والقلق.