صفحة 1
اللــعنــــة
شعرت بنموٍ سريع في جسدي، فأربكني هذا النمو، أحسست بأني لم أعد متناسقاً، وكأني ألبس جسماً مستعاراً فضفاضاً، إنتابني القلق لأني لم أعرف إن كنت قد أصبحت كبيراً أم مازلت صغيراً!!
أصبت بذعر شديد لطول قامتي، وأحسست بثورة حقيقية داخل أعماقي، شعرت بنوع من الإنطواء على ذاتي مصاحباً لداء المسؤولية، تركت ألعاب الطفولة وفكرت أن أعمل مبكراً كي أكسب المال لتغطية نفقات أسرتي بكل متطلباتها الكبيرة.
قررت ترك المدرسة عندما كنت في نهاية المرحلة الإعدادية، فأنا لم أحب الدراسة أبداً، حيث كان المعلم يضربني، بينما كنت متمرداً على أوامر المعلمين، وكلاهما كان سبباً كافياً لتركها، أما السبب الأساسي والموضوعي فهو عائلتي.. فأنا أصغر إخوتي الخمس وأخواتي الأربعة، كنت في العاشرة من عمري عندما توفي والدي قبل خمس سنوات، ولم أرث بعد وفاته السعادة بل الشقاء والفقر وعائلة لا يعلم بها الا الله.
الذكور فيها يضم شقيقي الأكبر " أسعد" الثاني تسلسلياً، متزوج من إمرأة تكبره بسنتين، مطلقة ولها ابنتان من زوجها الأول، يدعي أنه يحبها، يعمل أعمالاً حرة، لا يتحمل أي نوع من المسؤولية تجاه العائلة.. شقيقي الثاني "وليد" الثالث تسلسلياً، يقضي منذ مايزيد على عام أيامه ولياليه في السجن، بعد أن اختلف مع أحدهم بسبب فتاة، إدعى كلاهما حبها.. وهو عدواني بطبيعته فقتله وحكم عليه بالسجن المؤبد في زنزانة تقتل الأزمنة.
أما شقيقي الثالث "لطيف" الخامس تسلسلياً فهو يدرس إدارة الأعمال في السنة الثانية في إحدى مدن تركيا بعد حصوله على منحة دراسية لتفوقه في الثانوية، على إتصال مع والدتي بمعدل مرة كل عام، وهو " كافي شره" لا يأخذ أو يعطي مالاً.
يليهم شقيقي الرابع " أحمد " السادس تسلسلياً، يعيش في أمريكا منذ عام، بعد أن ذهب إلى هناك. لا أدري كيف ذهب؟ ولا أحد يعلم عنه شيئاً!
هذا إرثي على صعيد الذكور الذين يعتمد عليهم في مجتمعنا الشرقي فهم المعين واليد الثانية للأسرة، عقول يخفيها التصنع، وأجساد تحمل الأنانية. أما على صعيد الإناث فورثت "باسمة" أكبر أخواتي والأولـى في الترتيب التسلسلي، تعاني من تخلف عقلي، حبيسة في البيت. أما "نوال" الثانية بين الإناث والرابعة تسلسلياً فهي متزوجة من نجار، تعيش معه في الخليج حيث يعمل، تزورنا مرة كل سنتين.
"أنوار" هي الشقيقة الثالثة بين الإناث والسابعة تسلسلياً.. فتاه متحررة.. تكتب شعراً وخواطر أدبية، مرهفة الإحساس.. تختزن العذوبة، قليلة الأكل، كثيرة القراءة، تدرس في نهاية المرحلة الثانوية. وأخيراً "تغريد" أصغر الإناث.. أكبر مني بعام واحد، مازالت في المدرسة.. متفوقة.. هادئة.. تساعد والدتي في أعمال البيت، محافظة، تملك روح المسؤولية، تقليدية كمن يعيش عصوراً ساحقة في القدم.
نسكن في بيت واحد في أحد الأحياء الشعبية، مكون من ثلاث غرف، بأجر زهيد، نقطنه منذ تزوج به والدي ولا نعرف غيره. لم يكن لي أصدقاء كثر، كنت أحب أن أكون صورة عن نفسي، لا عن الآخرين، فلم يكن هناك أحد أتشبه به أو أعتبره مثلي الأعلى، فقد هوى المثال وتصدع، وفرغ المكان بعد أن هجرته الطيور فأصبح غامضاً.
تلك هي شجرة العائلة ورابطة الدم، وذلك هو السبب الموضوعي والرئيسي لترك المدرسة، إعالة هذه الأفواه التي تركها المرحوم بدون تأمين.. حتى أنه عندما توفي كان مديوناً. وأخواني الذكور رجالاً بالإسم فقط. فلا أحد منهم يحمي الأسرة أو يوفر الأمن المادي لها، لذلك قررت أن أعمل مبكراً وقبل الأوان، شعور شفاف بجرح يشتعل، لا يعرفه إلاّ من قاسى الجراح.
رسمت في ذهني خريطة لكافة الأعمال في البلاد، صنفت تلك الأعمال إلى مجموعات بطريقتي الخاصة، المجموعة الأولى هي مهن صعبة المنال، مثل الحاكم، الرئيس، الوزير، المدير، ورئيس مجلس ادارة... المجموعة الثانية هي مهن الشهادات، مثل الطبيب، المهندس، المحاسب، والمعلم، المجموعة الثالثة هي مهن رأس المال، مثل صاحب الدكان، اللحام، المقاول، والحلاق وغيره من المهن التي تحتاج النقود، أما المجموعة الرابعة فهي مهن الأشغال الشاقة، وتبدأ من بائع الجرائد على الطرقات بقائمة طويلة لا تنتهي بعامل النظافة.
إخترت في ظل أمواج الرغبة، من تلك التصنيفات إجبارياً المجموعة الأخيرة.. لأسباب ثلاثة، أولها ، سهولة الإنتقال من مهنة لأخرى ، ثانيها أن أصحاب المجموعات الثلاث الأولى من المهن، يحتاجون الى من يعمل في مهن المجموعة الرابعة، أي مطلوبة.. أما السبب الثالث وهو الأهم أني لا أملك مؤهلات أصحاب المهن في المجموعات الثلاث الأولى .
إتكلت على المجموعة الرابعة التي اعتلاها الصدأ بعد الإتكال على الله.. قررت مع غروب ذلك اليوم أن أجرب كل المهن في تلك القائمة، وبعدها أقرر أين أستقر.
صفحة 2
سألني خالي بعد أن تركت المدرسة وحضر لزيارتنا قائلاً:
- شو بدك تعمل يا داوود؟
فقلت له مازحاً:
- إما بفتح عيادة أو ببيع ترمس لكن على الأغلب ترمس.
ضحك بإستهزاء ثم قال:
- شو رأيك تشتغل ميكانيكي؟
إخترت في ذروة المدّ والجزر، البدء فيما اقترحه علي خالي عبدالله الذي كان يعتبر نفسه الذكر المسؤول عن العائلة بعد وفاة والدي، وغياب أشقائي البالغين، فقد اقترح أن يرسلني للعمل في ورشة ميكانيك لإصلاح السيارات عند شخص يعرفه.
كان خالي يهزأ من طموحاتي ومشاريعي المستقبلية، ورغبتي في جمع المال، كنت فاشلاً في نظره، ولم يدرك سحر غموضي الكامن خلف سذاجة الرغبة في تحقيق الذات.
إتفق مع صاحب الورشة بعد موافقتي وموافقة والدتي، حددنا يوم البدء بالعمل مع بداية الأسبوع.. خصصت والدتي القديم من ملابسي وشارف على الإهتراء، لتكون ملابس العمل. كانت الأجرة متواضعة جداً، خمسة عشر ديناراً أسبوعياً وفترة الدوام تمتد من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً ويوم الجمعة يوم عطلة أسبوعية.
كنت أتوقع أن يقوم "صاحب الورشة" بتدريبي، أو تعريفي بأصول المهنة، وأدواتها، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حيث وقفت إلى جانبه حائراً ماذا أفعل في اليوم الأول لعملي؟! فجأة قال لي بصوت جهوري مرتفع:
- فك العجل الأمامي اليمين يا داوود..
ذهبت باتجاه الإطار الأمامي من الجهة اليمنى للسيارة الواقفة أمام المرآب، ثم وقفت جاهلاً بما أود القيام به، فقد كنت أرى كيف يفكون ذلك الإطار؟! لكني لم أحاول أن أفعل ذلك من قبل، لأن لا أحد من عائلتي يملك سيارة حتى الآن.
لاحظ أبو سميح صاحب الورشة أني مرتبك عندما كنت أحاول فك تلك البراغي.. فقال بغضب:
- رخي البراغي بمفتاح الجنط، وإرفع السيارة يا تيس.
ثم نهض من مكانه وأخذ يجر الرافعة، كنت أراقب مايفعله، رفع السيارة.. فك الإطار، فكان هذا ما عرفته في اليوم الأول..
كان يطلب مني أن أناوله بعض الأدوات التي عرفت أسماء بعضها، تعلمت البعض الآخر، وأخطأت في معظمها.. كان أبو سميح ضخماً، يأكل كثيراً ولا يشبع، يضربني أحياناً ويشتمني أحياناً اخرى، كان يرتدي قناعاً جميلاً يخفي خلفه قبحه وقذارته.
لم أكن مرتاحاً في هذه المهنة.. الطلبات كثيرة، الأعمال قاسية.. الجروح في اليدين متعددة، الأوساخ مزعجة ومنوعة من شحم وزيت تلطخ اليدين والملابس، كما أن هذه المهنة تتطلب حماماً يومياً، ومواداً عديدة للتنظيف مثل الصابون والشامبو والكاز، فلم أصمد في تلك المهنة سوى أربعة أشهر.
توقفت أمام نفسي لأختار طريقاً مهنياً آخر، غير هذه المهنة التي تتطلب تعليماً وتدريباً، كنت منـزعجاً كيف يستغلون أناساً مثلي للعمل في هذا المجال بدون خبرة أو دراية أو تعليم؟!
اعتقدت أني أخطأت في التصنيف وأن على أصحاب الشأن أياً كانوا أن يضموا هذه المهنة لمجموعة مهن الشهادات، وأن يمنعوا أطفالاً مثلي من العمل بها، فلولا الحاجة وتدخل خالي لما عملت بها.
صفحة 3
بيع الصحف على إشارات المرور هي المحطة الثانية.. تطلب هذا العمل مني النهوض باكراً لاستلام الصحف من مبنى إدارة الصحيفة والتوجه لإشارات المرور، ثم التنقل بين السيارات لبيعها.. في هذه المهنة يحتكر بعضهم أماكن الإشارت الرئيسية، يمنعك من مشاركتهم رزقهم، فكنت مضطراً لاختيار مواقع أقل أهمية يكون البيع فيها متواضعاً، بالتالي نسبة الأرباح محدودة، حتى أن أحدهم قال لي في أول أيام عملي حين ذهبت إلى تقاطع يعتقد بأنه يملكه ومسجل في الدوائر الرسمية باسمه، كان صوته لا يخلو من التهديد الذي تمارسه أحد أصناف الكلاب في بلادي:
- ليش إنت هون؟
فأجبته بكل هدوء وبساطة:
- بدنا نسترزق.
جحظ عينيه وقال بصوت غاضب مرتفع تشتم منه رائحة العداء:
- روح دوّر على محل غيره... وإلا بلطشك موس.
بانت أنياب الوحش، واعتقلت الكلمات، ذهبت فوراً الى مكان آخر خوفاً من المضاعفات، وتجنباً للمشاكل، واختصاراً للشر، بحثت عن إشارة مرورية أخرى وما أكثرها في بلادنا!!
لا أحد يشتري الجريدة بعد العاشرة صباحاً، فأتحول عندها إلى بيع ما تيسر من البالونات، اللبان، وحتى الفقوس والبامية. كانت مخاطر هذه المهنة عالية بسبب التنقل والقفز بين السيارات، قررت تركها بعد أسبوعين من الفشل والربح المتدني.. ناهيك عن أنك تتعامل مع أمزجة بشرية مختلفة.
عملت بعدها في وكالة لبيع اسطوانات الغاز.. ليس مديراً أو سائقاً بل حاملاً لتلك الاسطوانات، متنقلاً بين الأدراج والطوابق المرتفعة، صاعداً السلالم حاملاً الاسطوانات المليئة، نازلاً منها حاملاً الاسطوانات الفارغة مقابل مائة دينار شهرياً.
لو أني اخترت طريقاً أفضل من مجموعة أخرى من المهن لكان ذلك أفضل لي!! فما المانع أن أكون وزيراً؟!.. الوزراء يُلقنون ويوقعون.. "وفك الخط" يكفي، لكنها مهنة صعبة المنال من المجموعة الأولى، من هم مثلي يجب أن يلتزموا بالمجموعة الرابعة.
كنت أحب أمي وأشفق على حالها، فمن حنانها استلهمت طموحي، ومن معاناتها شحذت همتي، فأصبحت معينا بعطفها ومن قلبها تجرعت الكفاح، أنا كالبشر عندما لا نجد قلبـاً نأوي اليه نتمنى الرحيل إلى اللامكان.. فما ذنبها أن ترث ديوناً، وتسعة أطفال كل واحد منهم في حال، تعيش على المساعدة والصدقة، كان هذا هو إحساسي بأنهم أطفال ولا يوجد بينهم فرق إلا بالعمر، أغصان تيبست وأنا البرعم النامي في أجواء عاصفة.
كنت الرجل الوحيد بينهم، على الأقل كنت أعطي أمي بعض الدنانير أسبوعياً. وهي الوحيدة التي كانت تقدرني وتشعرني بالرضا عن تصرفاتي، تعاملني دائماً برفق وعطف... تفهمني وتشجعني.
كانت أمي تصنع لي حلوى "المهلبية" مساء كل يوم خميس، تضعها على طبق كبير، ليس لأكلها بل لأبيعها يوم الجمعة عند مدخل الحديقة العامة، أذهب إلى هناك ومعي دلو ماء وبضعة صحون وملاعق صغيرة... بعد بيعها أعود للبيت ومعي سبعة أو ثمانية دنانير كل أسبوع.
لم أكن أعرف الكلفة الحقيقية لتقدير الربح الفعلي فهو يحتوي على سكر وماء وحليب ومستكة وماء زهر وجوز هند وقرفة، وأهم من ذلك المجهود.
كان يتجمع عند باب الحديقة العامة باعة من كل الأعمار، أغلبهم أطفال وشيوخ .. كل واحد منهم متخصص في بيع شيء ما، أنا في المهلبية، أبو صلاح في الترمس، وعبده في "كرابيج حلب"، البعض يبيع اللبان، وآخرون يتسولون من زوار تلك الحديقة.
المشكلة أن هذا العمل لا يصلح إلا يوم الجمعة فقط. وكان طموحي عالي جداً لدرجة أني قلت لأمي ذات يوم بأن تعمل لي يوم الجمعة كل شئ.. فأنا قادر على بيع "المهلبية" و"الترمس" و"الكرابيج" وأيضاً "التسالي" من كل الأنواع بمفردي في نفس اليوم، لكنها كانت ترفض وتقول:
- " ركز على شغلة وحدة يا داوود ".
صفحة 4
كنت أبدو أكبر من عمري.. فجسمي مليء وأنا طويل بعض الشيء.. كل من كانوا في صفي سابقاً يلعبون في الحارة يدرسون في المدرسة، بينما أنا أعمل، أكد، وأتعب، بل أشقى، أنهض صباحاً مع صياح الديك وأعود مع غروب الشمس.. كل بضعة أشهر في مهنة... لقد تدنست طفولتي بغثيان وحش مارد.
ذات يوم شاهدتني أمي حائراً فقالت لي:
- شو مالك يا داوود؟
- بفكر .
- شو بتفكر؟
- الشغل بيتعب.
- الحياة هيك يا داوود.
كل واحد في هذه الدنيا يقول " الحياة هيك "، أما أنا مازلت أبحث عن تفسير مقنع لمعنى الحياة، دون أن أكون مطوقاً بالحياد، نظرت إليها وأكملت:
- والله الواحد يشحد أحسن له.
- لا يا داوود .. أوعى تعملها.
خطرت على بالي فكرة التسول عندما رأيت أحد المتسولين في عمري يتسول في مجمع الحافلات، اعتقدت أن هذا العمل قد يكون ذات جدوى.. كانت تلك الجملة التي قلتها لجس نبض والدتي التي رفضت المهنة من المبدأ، فعدلت عن التفكير بها مع رغبتي بتجربتها رغم أني لم أصنفها من أي من المجموعات المهنية.
قررت في تلك اللحظة أن أقوم بذلك ولو لمرة واحدة في عمري، لم أحسن التفكير كما ينبغي، كنت عائماً فوق المال، تعطل بصري عن رؤية الحقيقة رغم أن الكل يرفض هذه المهنة فقلت عندئذٍ لوالدتي:
- لا تعملي مهلبية يوم الجمعة.
- ليش يا داوود؟
- بدي أطلع مع أصحابي رحلة.
- روح انبسط، الله يعطيك العافية.
قررت القيام بتجربة التسول مهما تكون هذه التجربة قاسية، رغم أن عروقي مليئة بنبض النقاء الدافق، اخترت باب المسجد بعد صلاة الجمعة باعتباره المكان المناسب.. ولكن أي مسجد أختار؟! أنا أعرف أن المساجد كثيرة.. لكن أريد مسجداً "عليه طلب".. أي مزدحم بزواره، عدد المصلين فيه كبير، ودسّم .
قررت الذهاب إلى أحد المساجد في إحدى المناطق الراقية حيث أن جميع من يصلون به من أصحاب السيارات الفخمة.. أحضرت معي ماتيسر من مستلزمات العمل.. عدة كاملة من أدوات المكياج "زيت وشحمة وفحم" وملابس ممزقة.. قررت البدء بالمغامرة .
كنت خائفاً ذلك اليوم.. لا من التجربة، فأنا مغامر، لا يهمني شيء في هذه الدنيا، سوى أمي التي كنت خائفاً أن تراني، رغم أني أعرف أنها ستذهب مع أختي " أنوار" في هذا اليوم لزيارة أخي " وليد " في السجن.. فهي تحبه رغم كل ما أقدم عليه، لو عرفت أمي بذلك سوف " تزعل " وأنا لا أحب " زعلها " فهي الوحيدة التي أحب في هذه الدنيا " الزفت ".
صفحة 5
لم أعرف نفسي عندما شاهدت صورتي بالمرآة الجانبية لإحدى السيارات المتوقفة في الشارع.. فقد وضعت تراب، شحمة، زيوت، ألوان، وروائح غريبة على جسمي ووجهي لأبدو متسولاً، من أجل الخروج بأفضل النتائج... لم أعرف بأن عدداً كبيراً يمارس هذه المهنة يوم الجمعة الذي كنت أقضيه عادةً في النوم حتى ما بعد الظهر، لأن سهرة تلك الليلة تنتظرني في بيع المهلبية، والسهرة طويلة.. وصلاة الجمعة لا أصليها، فكيف لي أن أعرف ما شاهدت؟!
في أقل من عشرة دقائق.. إنهالت النقود على جميع من تسوّل، كان عددهم حوالي العشرين متسولاً، بين ذكرٍ وأنثى، أطفال وبالغين، ثم اختفى كل شيء.. فالمصلون يوزعون المال بعد الصلاة لا قبلها ولا خلالها، والمتسولون يتجمعون أثناءها، يعملون تلك المدة القليلة ثم يغادرون.
المنقبات الملوثـــات والحاملات بين أيديهن أطفالاً، ويكثرن من البــكاء و"النباح " والأنين هن الأكثر حظاً... أما الباقي فيصيد من هنا وهناك ما تيسر له.
بينما كنت أتسول، كنت أراقب أحد المتسولين، كانت له طريقة طريفة، فهو يختار الهدف، يركض وراءه، يكثر من الدعاء المستمر له ولعائلته.. شريطة أن يبدأ الدعاء له بالله.. "الله يوفقك".. "الله يحفظك".. "الله يخلي لك أولادك".. "الله يرزقك باللي في بالك" الله... حتى تخرج النقود من كرشه المليء بالمال والتقوى والخالي من بقايا الطعام، لا يهم المبلغ بل ما تيسر فيأخذه منه ثم يذهب لفريسة أخرى ليصطادها بنفس الطريقة.. ويتوجب عليه خلال الدقائق القليلة التي يخرج المصلين بها من المسجد، اصطياد أكبر عدد ممكن .
طريقتي كانت منوعة فأنا لست "إبن كار" ولم أرتب لطريقة معينة.. كنت أفعل ما يفعله الآخرون.. أمد يدي.. أتوجه بالدعاء له.. أشده من ثيابه.. أغير تقاسيم وجهي لتبدو بائسة وحزينة حتى أنال ما أريد. فهم أثرياء ولا يهمهم الدينار أو نصفه.
في ذلك اليوم، كرهت هذه المهنة لأنها تشعرك بالذل.. إنفجرت الروح وتناثرت منها الكراهية، حين تصبح عبداً تنتهي الحرية، كنت أتحدى المدرس عندما كان يحاول أن يضربني في المدرسة، تركتها بسبب الإذلال الذي كنت أعاني منه هناك. رغم أني جمعت في تجربتي هذه ثمانية عشر ديناراً، وهذا ليس سهلاً أن تجمعه في عشر دقائق.
قررت عدم الخوض في هذه التجربة المذلة مرة أخرى.. غروب ذلك اليوم كان أبدياً... لن يتكرر مع أني طموح، أبحث عن عمل جيد ذا دخل عالٍ، وهذه الطريقة تؤمن مالاً كافياً. بصراحة أكثر كرهت أولئك المصلين.. الذين يتصدقون بأموالهم بطريقة غير صحيحة، فهناك الفقراء والأيتام الذين هم بحاجة ماسة للعون ولا أحد يصل إليهم، أما من يمدون أيديهم ويعزفون ألحانهم إليهم فهم ليسوا بحاجة لأنهم يمتهنون التسول عملاً... اللعنة... على المتسولين.
مرت السنة الأولى بعد خروجي من المدرسة التي أحن إليها، ليس لأني أحب الدراسة أو المدرسين، بل لأني أحن إلى طفولتي التي قُتلت مبكراً.. فالأطفال في مثل عمري يلعبون، يشاهدون برامج الأطفال، يحلمون.. ويتلقون الرعاية.. وأنا ما زلت أفك، أركب، وأحمل اسطوانات الغاز حتى بدأت أشكو من ألم في ظهري إزداد حتى وصل إلى ساقي.. عندها أخذتني أمي إلى الطبيب، وبعد أن تمت معاينتي من قبله قال لها:
- " ليش بتسمحي له يشتغل هيك شغلة؟! ".
قالها الدكتور بنبرة عالية لوالدتي التي أجابت:
- والله يا دكتور مش أنا... هو اختارها.
هل تعلم أمي أني لم أختر هذه المهنة؟ بل الظروف، أو الصدفة، أو القدر هو من اختارها.. واختارني لأن أكون المصطفى من بين إخوتي وأخواتي لأعمل في المهن الشاقة.