eKtab
EN ع
اللغة العربية دراسات في علوم اللغة
اقرأ عينة مجانية

اللغة العربية دراسات في علوم اللغة

بقلم د. كمال جبري عبهري

صفحة 1

تعريف اللغة:

يعرف أصحاب الاختصاص اللغة بأنها:

أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم([1])، جمع لغات، ولغون. ولغا لغواً: تكلم وخاب. ولغا في قوله: كسعى لغاً ولاغية، وملغاة: أخطأ، وكلمة لاغية أي فاحشة([2]).

والعربية هي إحدى اللغات السامية الأولى كالاكارية، والكنعانية والفينيقية والعبرية والسامية الجنوبية.

والعرب: هم جيل من الناس تدلت عليه الشمس منذ القدم في هذه الجزيرة التي كأنها قطعة انخزلت من السماء مع الإنسان الأول فلا يزال أهلها أبعد الناس منزعاً في الحرية الطبيعية وأشدهم منافسة في مغالبة الهمم.

سكان الفيافي وتربية العراء ينبسطون مع الشمس ويفيئون مع الظل ويطيرون في مهب الريح . . ما شئت من أنوف حمية وقلوب أبية وطباع سيالة ([3]).

والعربية لغة قديمة تضرب جذورها في عمق التاريخ حتى دلت المكتشفات الأثرية على لغتهم قبل الإسلام لقرون عديدة. بل قبل الميلاد.

بلاد العرب:

العربية شبه جزيرة موقعها إلى طرف الجنوب الغربي من قارة آسيا ويحدها من الشمال سورية ومن الشرق الفرات حتى مصبه في خليج العجم وجهة من بحر الهند.

ومن الجنوب بحر الهند أيضاً ومن الغرب البحر الأحمر، وكانوا يحدونها قديماً بأنها من بحر القلزم " الأحمر". إلى بحر البصرة، ومن أقصى الحجر باليمن إلى أوائل الشام بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ولا تدخل فيها الشام.

وكان يفصل بين نجد وتهامة ما سموه بالحجاز لأنه يحجز بينهما ([4]).

صفحة 2

الأصل العربي:

هم أحد الشعوب السامية نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام، وهي الأمم التي ذكرت التوراة أنها من نسله وتسمى لغاتها باللغات السامية أيضاً كالعبرية والعربية والسريانية والحبشية والآرامية وغيرها.

ويلحظ من بعض الكشوف الأثرية أن أسبق الأمم إلى وضع الشرائع هم العرب حيث بلغوا طبقة عالية من الحضارة حفظت دونها الشعوب القديمة. فتقول الاكتشافات التاريخية سنة 1901م في بلاد السويس من آثار دولة حمورابي المسلة التي دونت عليها الشريعة البابلية في 282 نصاً وهي تبدأ سنة ( 2460 ق. م ) ويرى بعض الباحثين أنهم من أصل عربي.

ويقسم المؤرخون العرب إلى قسمين: بائدة وباقية ويسمون البائدة بالعرب العاربة، والباقية إلى قسمين: المستعربة لأنهم ليسوا بصرحاء في العروبة ولا خلصاً بل هم استعربوا بانتقال الصفات العربية إليهم من قبلهم، وهم من بني حمير بن سبأ. والقسم الثاني العرب التابعة للعرب وهم من قضاعة وقحطان وعدنان وشعبيهما العظيمين ربيعة ومُضر.

وقد يقسمونها إلى ثلاث طبقات: بائدة وعاربة ومستعربة، فالبائدة الهالكة، مثل عاد وثمود وطسم وجديس والعاربة عرب اليمن من ولد قحطان. والمستعربة أولاد إسماعيل عليه السلام لأنه كان عبرانياً فاستعرب بعد أن اتصل بجرهم الثانية من ولد قحطان وأصهر إليهم([5]).

ويبدأ تاريخ العرب من إسماعيل وأبنائه وأشهرهم عدنان التي تفيد التوراة أنه تزوج أي إسماعيل من إحدى بنات ملوك جرهم وهي برعلة بنت مضاض. وهي القبيلة التي ذكر جدها في التوراة باسم (الموداد).

ويذكر النساب أبناء العرب فيصلون بنسب صحيح إلى عدنان ثم بعد ذلك لا يجاوزونه في عمود النسب النبوي الشريف. وتشير كتب التاريخ إلى أن عدنان كان في القرن السادس قبل الميلاد.

صفحة 3

اللغة إصطلاحية أم توقيفية:

بما أن اللغة من الظواهر الاجتماعية ولا يتصور مجتمع إنساني بدون لغة تكون رموزاً للتخاطب والتفاهم بين الناس فإن نشأة اللغة أحدثت إشكالاً بين علماء اللغة من جهة وعلماء العقائد من جهة أخرى.

فهل اللغة اصطلاحية أم توقيفية:

يرى بعض علماء العقائد أن اللغة توقيفية من الله بدليل قوله تعالى : (( وعلم آدم الأسماء كلها .. )). ويمثل هذا الاتجاه أبوالحسن الأشعري وابن فورك وغيرهم.

بينما يرى علماء الاعتزال أن اللغة اصطلاحية تواضع الناس عليها لتسيير أمور حياتهم اليومية ومخاطباتهم الحياتية([6]).

وإذا أمكن الجمع بين الاتجاهين بأن اللغة اصطلاحية توقيفية فذلك حسن يختصر الطريق إذ أن الأسماء هي التي علمت لآدم عليه السلام كما في الآية. فالأسماء تدل على مسميات معينة ثم ترك الأمر بعد ذلك لتواضع الناس عليها من اشتقاق الأفعال والمصادر والصيغ وغيرها من فنون القول.

ولقد أشار العالم الاسفراييني إلى أن الله علم آدم بعض الألفاظ ثم ترك للناس

مشابهتها ومحاكاتها والاشتقاق على منوالها حسب ما تقتضيه الضرورة الحياتية والمعيشية([7]).

وينقض هذا الرأي قوله تعالى: (( الأسماء كلها )) وليس بعض الأسماء. فإن الأسماء هي أمهات الأشياء هي أمهات الأشياء ومن الأسماء تشتق الأفعال والصيغ الأخرى فلربما تركت لتواضع الناس عليها.

يقول الرفعي:

وإذا تدبرت ما تقدم رأيت القول بأن اللغة وحي وتوقيف إنما هو من باب التقوى التاريخية لا أكثر. لأن الإناسن خلق مستعداً منفرداً ليصير بعد ذلك عالماً مجتمعاً ويجري في كماله المقسوم له على سنة الله التي لم تتبدل ولن تجد لها تبديلاً([8]).

إلا أن التوقيف والاصطلاح مسألة ترجع إلى نظر العلماء والأصح أن يكون منها ما هو توقيفي ومنها ما هو اصطلاحي.

كما نلحظ من اشتقاق أصحاب المهن والصناعات مسميات ومصطلحات تخص أدواتهم ومهنهم. وكما يلحظ كذلك في استخدام الأطفال لبعض الألفاظ من محاكات الطبيعة في أصواتها. وهكذا يرى علماء الآثار واللغويون أن الإنسان طفل تاريخي بدأ بمحاكات أصوات الطبيعة أولاً من هزيم الرعد ودوي الريح وأصوات بعض الحيوانات.

صفحة 4

العربية والأصل السامي:

وهي المنسوبة إلى سام بن نوح عليه السلام، وعلماء اللغات يردون اللغات السامية كلها إلى أصول ثلاث هي : الآرامية والعبرانية والعربية، ويعنينا أن نكشف عن أصل العربية لذلك رجح علماء الآثار أن الأصل السامي الذي اشتقت منه اللغات القديمة إنما

هو اللسان البابلي القديم الذي عثروا على بقيته من آثار دولة حمورابي كما مر بك سابقاً في أصل العربية لأنهم رأوا مشابهة قريبة بين هذا اللسان وبين العربية من عدة وجوه، بل رأوا كلمات في العربية كأنما نقلت عن البابلية نقلاً صريحاً مع أنها في العبرانية والسريانية قد دخلها التحريف لوجود العربية في البادية التي قلما يدخلها التحريف لبعد العمران والمدينة التي تتنازعها التبعية عادة.

فمن المشابهة بين العربية والبابلية حركات الإعراب وهي في اللغتين واحدة ولا وجود لها في سائر اللغات السامية. والتنوين في العربية والبابلية فهو في العربية نون وفي البابلية ميم. وعلامة الجمع فهو الواو والنون في العربية والبابلية.

ولما لم يبق من أمهات السامية إلا اللغات الثلاث وهي العربية والعبرية والسريانية فناك مجانسة بين العربية وأخواتها مبينة في الجدول التالي([9]):

عربية

عبرية

سريانية

أنا

أنتَ

أنتِ

هو

هي

نحن

أنتم

هم

هنَّ

أنى

إِنه

ات

هوا

هيا

انحنو

إِنتم

هِم

هن

أنا

آنت

أنتي

هو

هي

حنين

انتون

هنون

هنين

فالمقابلة بين هذه الضمائر كافية في الدلالة على أن العربية مجانسة لأختيها بل إنها أعذب منهما وأخف والسبب في ذلك أنها صرفت على وجوه كثيرة. وسلمت من مجاولة الأعاجم في شمال الجزيرة وبلاد الشام فبقيت اللغة الجنوبية أسلس وأنقى وأعذب منطقاً.

صفحة 5

أول من تكلم بالعربية الفصيحة:

علماء العرب يجمعون على أن إسماعيل عليه السلام أصل العربية المضرية كما قال صاحب المخصص: " وإنما صارت لغتهم الأصل لأن العربية أصلها إسماعيل وكان مسكنه مكة فهي الأصل في جميع لهجات العرب".

وقد انفتق بها لسان نبي الله إسماعيل عليه السلام، قالوا وعلى هذا يكون توقيف إسماعيل على العربية المحضة أمرين إما أن يكون اصطلاحاً بينه وبين جرهم المنازلين عليه بمكة ومصاهرته لهم كما سبق. وإما أن يكون توقيفاً من الله تعالى وهو الصواب.

والذي عندنا أن المراد بانطلاق لسان إسماعيل عليه السلام بالعربية وضع أصلها لما أضاف من لغة جرهم غلى لغة قومه. وما انتقى من ألفاظ أعذب نطقاً وأجمل أداءً.

وبذلك انطلق لسانه من الكلام في مذهب أوسع منحنى وأوضح دلالة وهذا معنى ما ورد في الحديث " من أنه أول من فتق لسانه بالعربية المبينة ".

لذلك يصح أن نقول إن أول تهذيب حقيقي في العربية يرجع إلى عهد إسماعيل عليه السلام أما تنقيح اللغة قبل ذلك فإنما هو درجات من النشوء الزمني والتطور الطبيعي من التقاء القبائل عند مكة في الحج.

وعلى الرغم مما تقدم فإنه لم ينقل لنا التاريخ نصوصاً عربية قديمة في عهد إسماعيل أو بعده بعدة قرون، ولم تعثر الكشوفات الأثرية على أي من النصوص في تلك الحقبة الزمنية نظراً لبعدهم عن الممالك والدول التي تهتم بالكتابة والتدوين من أمور الدولة والسياسة.

والذي يبدو على وجه الحقيقة هو أن أقدم نص عربي مكتوب بالنبطية القديمة هو النص الذي عُثر عليه على قبر امرئ القيس في ضواحي بصرى الشام في سنة ( 328م)، وهي لغة عربية تشوبها صبغة الآرامية، لأن العرب لم تكون وضعت رموز الحروف لديهم وقتئذ، فكانت الكتابة بالحروف الآرامية أو النبطية وهو ما أدخل على اللغة بعض الشوائب في ألفاظها.

صفحة 6

ونصه هو:

تي نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب كله، ذو أسر التاج، وملك الأسدين ونزور وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وجاء. يزجو في حبج نجران مدينة شمر وملك معدو ونزل بنيه. الشعوب ووكله لفرس ولروم فلم يبلغ ملك مبلغه. عكدى هلك سنة 223م يوم 7 بسكول بلسعد ذو ولده.

وترجمته في العربية هي: هذا قبر امرئ القيس ملك العرب كلهم الذي تقلد التاج وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وهزم مذحج إلى اليوم وقاد الظفر إلى أسوار نجران مدينة شمر، وأخضع معداً، واستعمل بنيه على القبائل أو أنابهم عنه لدى الفرس والروم فلم يبلغ ملك مبلغه إلى اليوم. هلك سنة 223م في اليوم السابع من أيلول وفِّق بنوه للسعادة([10]).

وبذلك يظهر أن أقدم النصوص المنقولة كتابة هي ما قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بقرنين من الزمان على الأكثر. ويلحظ أن هذا النص يجمع ما بين العربية والآرامية ولعله أقدم نص يمكن أن يسمى من العربية الشمالية. أما الجنوبية الضاربة في الصحراء فإنها كانت أخلص وأعذب منطقاً وقرباً من لغة الجاهلية. ونلحظ بذلك أن العربية كلغة إنما هي جنوبية وشمالية. فالجنوبية هي ما كانت في لغة نجد واليمامة والحجاز أما الشمالية فهي المتاخمة لحدود الدولتين الفارسية والرومانية. وعلى الرغم من نقاء الجنوبية أكثر بدرجات من الشمالية إلا أنه جرى عليها تهذيب وتنقيح كما كان شائعاً من أسواق الأدبية مثل عكاظ، وذي المجاز، ومِجنّة. وموسم الحج والتقاء العرب وأصحاب اللسان ومجاذبتهم للألفاظ والمعاني واطراح الوحشى منها. لذلك يلحظ أن لغة قريش أعذب اللغات لما كانت تستقبل من مختلف القبائل وتوازن بين ألفاظها وألفاظ من يأتيها فتنتقي الأجمل الأعذب وبها نزل القرآن.

وكانت الأسواق والحج قد ساعدت على سيادة لغة عامة بين القبائل وبقيت اللهجات الأخرى مقتصرة على القبيلة أو القوم أنفسهم. على الرغم من أنها لغة عربية صحيحة.

مهمة اللغة:

لا يكاد يشك أحد من الناس أن اللغة وظيفتها الأساسية الأولى هي نقل الأفكار والتواصل ما بين فردين أو مجموعتين أو مخاطب ومتكلم. فهي طريقة للتواصل والتفاهم لا يكاد يستغنى عنها كائن بشري.

فعلى الرغم من قيام دراسات لغوية إنسانية فلسفية، نفسية واجتماعية وتعدد فروعها إلا أنها في نهاية الأمر متفقة على أنها وسيلة للتواصل بين مجموعات البشر بشكل عام وبين الأفراد على وجه الخصوص.

وذهب بعض المحدثين إلى التفريق بين اللغة والكلام فيرى أن اللغة مجموعة من القواعد الثابتة القارة في نفس وعقل وفكر الجماعة.

والكلام هو ما يتلفظ به المتكلم أي لغة الشارع والبيت والمدرسة. فالناس يلفظون بكلام لا لغة فلا أحد يتكلم لغة بل يتكلم كلاماً، وكان صاحب هذا الرأي العالم السويسري: "دي سوسير " ولعل ذلك ما أشار إليه السابقون حين فرقوا بين اللفظ والمعنى وفي تعريفهم للكلام والقول وحد كلٍ منهما وذكر الجاحظ أصناف دلالات المعاني وعددها خمسة وهي اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال وتسمى النصبة وهي التي تقوم مقام تلك الأصناف وتوسع في الشرح عليها والتدليل لما يقول([11]).

وإذا كنا مع هذا الرأي أو ضده فإن مهمة اللغة والكلام واحدة لا تتغير هي التواصل في الأفكار والتواصل فيما بين شخصين أو أكثر.

إذن فمهمة اللغة الأولى نقل الفكر وإيصال الانفعالات والأحاسيس والاصطلاحات إلى الآخرين بأي لسان كانت وبأي طريقة من طريق اللغة محكية أو مكتوبة أو مصورة أو إشارية.

إلا أنّ أهم وظيفة للغة هي نقل الأفكار على اختلافها فاللغة وعاء يسع كل شيء.

صفحة 7

النظام اللغوي العربي:

اللغة العربية تتكون من حروف ذات أصوات هي " تسعة وعشرين حرفاً" وثلاث حركات: الكسرة والضمة والفتحة.

فتبنى الكلمة العربية من الحروف من جذر ثلاثي غالباً أو رباعي ويندر الخماسي. وتختلف مستويات الكلمة ومعانيها وأوزانها باختلاف حركاتها وصيغها الصرفية.

أما الجملة العربية فتبنى في العربية من عدة كلمات تستوي فيما بينها، وتترتب من خلال نظام خاص بها وهو ما يعرف بالقواعد النحوية وهي ما جرت عليه ألسنة العرب السابقين الأقحاح.

واللفظة في العربية تدل على معنى من المعاني تفيد السامع من خلال صوتها الجرسي ومعناها الدلالي. وتختلف الدلالة المفردة عن الدلالة المركبة فدلالة اللفظة المفردة تفيد شيئاً ما، أما المركبة داخل الجملة بنظام النحوي الصرفي فإن إفادتها تكون مختلفة عن أفرادها ولذلك وضع العلماء لدراستها ما يسمى بعلم الدلالة.

وإذا كانت دلالة الألفاظ على المعاني دلالة تختلف مستوياتها حسب موقعها وصيغتها فإن لذلك دراسة خاصة تسمى بعلم المعاني أو البلاغة والبيان.

واللغة العربية: ملفوظة ومكتوبة، فالمحكية الملفوظة هي التي تكون في المخاطبات الرسمية والخطب والإعلام ولغة الدرس والتعليم. أما المكتوبة فهي لغة التأليف والرسائل والإعلام الصحفي والمجلات.

وللكتابة قواعد وأسس لا بد من الأخذ وتعلمها من قواعد الخط والإملاء والترقيم وغيرها.

وكل ما سبق يؤدي وظيفة مهمة في نتاج اللغة وجمالها وتطور أساليبها، فالحرف لا يؤدي غرضه إلا بعد أن يتخذ موقعه في اللفظة أو الكلمة، والكلمة لا تجمل وتؤدي غرضها إلا في جملة والجملة في الفقرة. وكذلك دلالة اللفظ ومعنى الجملة لا بد أن يأخذ دوره في أداء الغرض المطلوب.

فاللغة العربية إذن تبدأ علاقاتها من الحرف إلى الكلمة إلى الجملة إلى روابط الجملة النحوية إلى الدلالة المعنوية واللفظية على المعنى. فهي علاقات متسلسلة مترابطة متوالية تبدأ من النبرة الصوتية للحرف وتنتهي ببناء الجملة ومعناها اللغوي والدلالي.

ويلحظ بذلك تفوق العربية على غيرها في موازنتها بين اللفظ والمعنى وتصوير اللفظ على صورة المعنى لذلك يقول ابن جني: " ألا تراهم قالوا قضم في اليابس وخضم في الرطب وذلك لقوة القاف وضعف الخاء فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف.

وكذلك قالوا: " صرّ الجندب فكرروا، الراء لما هناك من استطالة صوته. وقالوا: صرصر البازى فقطعوه لما هناك من تقطيع صوته. وسمّوا الغراب غاقٍ حكاية لصوته والبط بطًّا حكاية لأصواتها وقالوا قط الشيء إذا قطعه عرضاً وقدّه إذا قطعه طولاً وذلك لأن مقطع الطاء أقصر مُدّة من مقطع الدال([12]).

ولحظ سيبويه كذلك في بعض المصادر التي جاءت على فَعَلان بثلاث حركات أنها تأتي للاضطراب والحركة نحو الغليان فقابلوا توالي الحركات بتوالي حركات الفعل. ونحوها القلقلة والصلصلة والزلزلة.

صفحة 8

الحروف والأصوات:

العربية تسعة وعشرون حرفاً هي: { أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ و ي ا }.

هذه الحروف المكتوبة المقروءة التي لها صورة في الرسم. ويوجد في العربية حروفٌ ليست مرسومة ولكنها منطوقة، وهي كثيرة عدها بعضهم إلى نحو من أربعين حرفاً. ومنها: " التسهيل وهو ما بين الهمز والألف، والصاد المشمة صوت الزاي التي يشبه صوتها صوت أهل التمدن عند نطقهم صوت الظاء في العامية، والإمالة، والتقليل، والجيم التي تشبه حرف G في الإنجليزية، والجيم المشمه صوت الشين، وإشمام الكسرة حركة الضمة" والغنة واللام المغلطة([13]).

وعدوا لهذه الحروف مخارج بينوها بياناً واضحاً، فعدوا سبعة عشر مخرجاً وبينوا أعضاء المخارج.

فقالوا أعضاء المخارج خمسة :"الجوف وهو المكان الخالي في الحلق والفم، والحلق، واللسان، والشفتان،والخيشوف وهو أنف الداخل الرتق الموجود في سقف الفم". ورتبوا أحرف العلة. وللحلق ستة { ء هـ، ع ح، غ خ }.

واللسان فيه خمسة مخارج هي: أقصى اللسان، ووسطه، وحافتاه، وطرفه ورأسه. فأقصى اللسان [ ق ، ك ] ووسطه [ ج ، ش ، ي ] وحافتاه [ ل ، ض ] وطرفه الأيمن والأيسر [ ن ، ر ] وطرف رأسه [ د ت ط ، ذ ظ ث ] ورأسه [ س ، ص ، ز ].

وللشفتان أربعة أحرف هي: [ ب ، م ] بالانطباق، والواو بالانفراج والفاء من أطراف الأسنان العليا الأمامية مع بطن الشفه السفلى. وللخيشوم الغنة وهي التي تتبع الميم والنون وعلاقاتها بالحروف.

ومما ينبغي التنبه إليه أن علماء العربية واللغويون منهم على الأخص عندما عدوا المخارج وبينوا الحروف المترتبة على كل مخرج جعلوا لكل حرف صفات خاصة به قد يشاركه فيها غيره وقد يختص حرف من الحروف بصفة ظاهرة عليه مميزة له عن ما سواه. وكان عدد الصفات التي تحدثوا عنها سبعة عشر صفة. وقسموها إلى صفات ضعيفة وقوية ومتوسطة وإلى لازمة وغير لازمة. فاللازمة عشر صفات لا بد لكل حرف من أن يجمع خمساً منها فهي ذوات أضداد فالصفة وضدها فالحرف إما أن يكون له صفة منها أو في ضدها فالصفات العشرة ذوات الأضداد هي: ( الجهر ويقابله الهمس والشدة ويقابلها الرخاوة والاستعلاء ويقابلها الاستفال والصمت ويقابلها المذلق ومنفتح ويقابلها مطبق ).

وغير ذوات الأضداد سبع صفات قد تكون في بعض الحروف وقد لا تكون. وهي الصفير والقلقلة والانحراف واللين والتكرير والتفشي والاستطالة([14]). الصفير وحروفه هي [ ص ، ز ، س ]، القلقلة وحروفها هي [ قطب جد ]، الانحراف وحروفه هي [ ل ، ر ] التكرير وحروفه هي [ ر ]، التفشي وحروفه هي [ ش ]، الاستطالة وحروفه هي [ ض ].

وجعلوا من بيان الحرف ووضوحه إعطاؤه حقه من الصفة والمخرج فإذا أخذ الحرف مخرجه بدقة وأعطي صفته ظهر جمال الحرف ودلالته الجرسية.

ويظهر مما سبق اهتمام علماء العربية بالحروف وهي التي تشكل الجزئية الأولى من اللغة وهو ما أطلق عليه العلماء المحدثون " الفونيم " وهو أصغر وحدة صوتية.

ويبدو لكل ذي لب وعقل أن اهتمام العلماء بالحرف والمخرج والصفة وعنايتهم به عناية خاصة لما في العربية خاصة من جمال في الالقاء والكلام وما للفظ عند العرب من قوة في الدلالة والمعنى المترتب عليه. لذلك تكمن أهمية معرفة الصفات والمخرج للتفريق بين صوت حرف وحرف مثل ( ض ، ظ )، ( ذ ، ث ) ، ( د ، ت ) وكذلك الحروف المتحدة في المخرج مثل ( ظ ، ذ ) ( ت ، ظ ) ( ق ، ك ) وتظهر أهمية صفة الحرف في بعض الكلمات نحو : ( عصى ، عسى )، ( محظوراً ، محذوراً ) ( ضلّ ، ظلّ ). إذ لولا تفريق الصفة من استعلاء وإطباق وغيرها، لأشكل المعنى على السامع وتغيرت الدلالة.

وقد أشار اللغوي الشهير ابن جني إلى بعض هذه الأمثلة والألفاظ والتي يصور صوتها مسماها وبين وقعه على الأذن ودلالته في نفس المتلقي بما في ذلك قوة اللفظ وضعفه وفيما وضع له.

ونظر كذلك هو وغيره من اللغويين إلى مقاربة اللفظ للفظ والحرف للحرف وعلاقته بمجاوره من صفات ومخرج وما يسهل على اللفظ ويصعب وما يستحسن في النطق وما يستقبح وكذلك ما يروق للسمع وما لا يروق([15]).

ويلحظ أن علماء اللغة كذلك قسموا اللفظ إلى درجات من النبر قوي ومتوسط وضعيف، فالكلمة مكونة من أصوات متتابعة مترابطة يقود أحدها الآخر فهي تتفاوت فيما بينها في القوة والضعف في النطق بحسب الموقع الذي تقع فيه، فالصوت أو المقطع الذي ينطق بصورة أقوى مما يجاوره يسمى صوتاً أو مقطعاً منبوراً فالنبر إذن هو وضوح نسبي لصوت أو مقطع إذا قورن بغيره من الأصوات أو المقاطع المجاوره. ومعنى هذا أن المقاطع تتفاوت فيما بينها في النطق قوة وضعفاً فالصوت أو المقطع المنبور

ينطق ببذل طاقة أكثر نسبياً ويتطلب من أعضاء النطق مجهوداً أشد، لاحظ مثلاً الفرق في قوة النطق وضعفه بين المقطع الأول في ضرب وبين المقطعين الآخرين ( ض / ر / ب ) نجد [ض] ينطق بارتكاز أكبر من زميليه في الكلمة نفسها

وهذا الشيء نفسه يلاحظ في المقطع [ كا ] من كاتب وكذلك المقطع [ رو ] من مضروب .... إلخ([16]).

أما أمثلة النبر الوسيط فيظهر في المقطع [ مس ] من مستحيل أما النبر القوي فهو على المقطع [ حي ] ومثال الوسط أيضاً الذي يقع على المقطع [ قا ] من قاتلوهم أما القوي فهو على المقطع [ لو ] . . . إلخ .

وللنبر علامات في الكتابة الصوتية فالقوي يرمز إليه بالرمز [ ا ] ويوضع قبل المقطع المنبور مباشرة أما الوسيط فعلامة [ ا ] أما المقطع المنبور نبراً ضعيفاً فيترك عادة بلا علامة أو رمز. والنبر حين يوجد في الكلمة المفردة يسمى نبر الكلمة ولكن هذا النبر قد يتعدل من حيث المكان ومن حيث القوة والضعف في الجمل والعبارات وهذا التعديل يعتمد في الغالب على أهمية الكلمات كما يعتمد على التنغيم.

وللنبر وظائف لغوية مهمة صرفية ودلالية فقد يستغل النبر أحياناً للتفريق بين الأسماء والأفعال وكذلك لتوضيح الموقف والسياق. فنبر التهنئة يختلف عن نبر التعزية، ونبر الفرح يختلف عن نبر الحزن، ونبر السرور يختلف عن نبر الغضب ونبر الاستفهام يختلف عن نبر الإخبار.

صفحة 9

الحركات العربية:

للعربية ثلاث حركات أساسية هي [ الفتحة والضمة والكسرة ] وقد قسمها ابن جني إلى حركات قصيرة وطويلة، فالقصيرة هي السابقة، أما الطويلة فهو ما سماه بحروف المد واللين.

وهي ( الألف، الواو، الياء ) وهي حروف المد أما اللين فهي ( الواو ، والياء الساكنة المفتوح ما قبلها ) فقال: " الحركات أبعاض حروف المد " ([17]).

وتعنى العربية بالحركات عناية خاصة، لما لها من أثر في اختلاف بنية الكلمة الصرفية والأحوال التي تطرأ على الكلمة نحوياً وإعرابياً، ومن أمثلة ذلك كلمة: [ قَتَلَ ] ، [ قُتِلَ ]، فالأول فعل مبني للمعلوم، والثانية مبنية للمجهول وهذه شائعة في الأفعال. أما أواخر الكلمات فإنها لا تبين إلا بالحركات من حيث الرفع والخفض والفتح. وربما دل السياق على حركة آخر، لكن الحركة هي التي تثبت وتبين واقع الكلمة الإعرابي، لذلك ينوب عن الحركات الحروف أحياناً فنجد ان الفتحة تنوب عن الألف والضمة عن الواو والكسرة عن الياء في بعض الجموع والتثنية والأفعال والأفعال الخمسة والأسماء الخمسة لكن أصل الإعراب هو الحركات.

صفحة 10

القضايا الصرفية:

الصرف هو العلم الذي تعرف به أبنية الكلمة المفردة وهو الذي يعنى بتقسيم الكلام إلى ( اسم وفعل وحرف ) وتذكير وتأنيث ومفرد وجمع ويعنى بالأوزان والاشتقاق والإعلال والإبدال والإدغام والقلب([18]).

فكلمة شاع مثلاً أصلها: ( شوع ) ونام أصلها ( نوم ) وتعد هذه الأحوال المعرفية للكلمة خدمة وبياناً للنحو العربي ولإفادة الدارس ووقوفه على اساس الكلمة الثلاثي أو الرباعي، والمجرد والمزيد، معتل أو غير معتل.

ولهذا العلم فائدة خاصة في توسيع مفردات اللغة وبناء أوزانها واشتقاقها للصيغ من كل كلمة عربية. وتعرف به أصل الكلمة عربية أو معربة نحو (( عسجد )) وهو نوع من الذهب فليس بعربي إنما هو معرب.

كلمة خلت من هذه الحروف فهي ليست عربية إنما هي معربة.

وللصرف ميزة كبيرة في توسيع اللغة ونموها نمواً متجدداً فمن خلال الأوزان والأبنية استطاع علماء الصرف إيجاد صيغ كثيرة استعملتها العرب وتوسعت في استخدامها، ويبنى الصرف على الاشتقاق فيأخذون من الجذر أو المصدر أوزاناً وصيغاً كثيرة تبلغ العشرة وهي: " الماضي، المضارع، الأمر، اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، اسم التفضيل، أسماء الزمان والمكان، اسم الآلة". ويلحق بها المنسوب والمصغر.

ونظر اللغويون إلى اصل الاشتقاق والتصريف أيكون من المصدر أم من الفعل الثلاثي على رأي الصريين والكوفيين. فالبصريون يرون أن أصل الاشتقاق والتصريف من المصدر حيث أنه يدل على حدث وليس فيه زمن، أما الكوفيون فيرون أن أصل الاشتقاق هو الفعل الثلاثي المجرد.

وينظر اللغويون إلى اللفظة من خلال التصريف هل هي مشتقة فتصرفه إلى وجوه كثيرة أم جامدة لا تتغير نحو صيغة ( ليس ) التي لا تصريف فيها ولا اشتقاق.

وبذلك يلحظ أهمية علم الصرف وفائدته ودوره في اللغة وسوف نبسط الحديث في بعض المباحث الصرفية في الباب الثالث من هذا الكتاب.