صفحة 1
السياق منشأ السؤال - وقائع الذاكرة
وقد نشأ هذا السؤال لديّ، بإلحاح، وأنا أتابع على مدى شهرين كاملين من صيف 6 7 9 1 حلقة الدراسات اللغوية التي عقدتها الجمعية اللغوية لأمريكا في جامعة نيويورك (فرع أوسويجو)، وهي حلقة لغوية (Linguistic Institute) تعقد في صيف كل عام في إحدى الجامعات الأمريكية، وتَتَّخذ لها موضوعا محوريا في العادة، ثم تتّسع لِتُقَدِّم موضوعات لسانية شتى تُمَثِّل مشهدا جامعا دالاّ على أبرز ما يتداول اللسانيون في ذلك العام·
صفحة 2
البحث عن إيلاف الموجود بالمنشود
وكنت أحمل في خاطري مطلبين، يتعلّق أَوَّلهما بالعربية وموقفي منها، وهو موقف يتخذه كثير من أبناء العربية والمشتغلين بها· ويتمثّل في احتفائهم بالعربية في خصائصها الذاتية، وتجربتها المشهودة في التاريخ، ومزاياها المتعددة من جهةِ أنها لسان النصّ المقدس، والعروة الوثقى، ورمز الهوية، ولسان التواصل في الفضاء العربي، ومفتاح كتاب التراث الممتد في الزمان العربي الإسلامي ستة عشر قرنا مع تفرّدها في أنها أطول اللغة الحية عمرا
كما يتمثل فيما كنّا نقف عليه من امتياز علماء العربية وإنجازاتهم المشهودة في وضع العربية، وتدوينها، وتأليف معجماتها، وتطوير علومها، وكان يزدهينا ما كان من عقل الخليل الرياضيّ في ضبط معجم العربية في (العين)، واستخراجه نظام العروض معيارا لموسيقى الشعر· وما كان من سِجال أهل المَصْرَيْن البصرة والكوفة في تأسيس نظرية النحو، ومنهاجِهم في الاستقراء الميداني وتأسيس الثقافة العربية حفظا للذاكرة، وعكوفِهم على خدمة الذكر الحكيم والأثر الشريف بضروب من النظر في المجاز، والغريب، والأعاريب، والأساليب، وما نجم في سياق تلك الصيرورة من نجوم أعلام كابن جنّي وفِطَنِه في الخصائص، وعبد القاهر وكشفه عن سرّ النظم في إعجاز القرآن··· إلخ·
أما المطلب الثاني الذي كان يرنو إليه الخاطر فيتعلق باللسانيات الحديثة، وبريقها الأخّاذ، وما أسهمت به من أنظار متعاقبة في وصف الظاهرة اللغوية والألسنة البشرية وتفسيرها على أنحاء شتّى· وكان هذا المطلب المنهجي - فيما أرى - أداة لازمة لكلّ مشتغل بالعربيّة ؛ إذا أصبحت اللسانيات علما متواتر الفعالية في أنظاره وتقنياته، يُرينا من أمر اللغة ما لم نكن نرى، وَيَعِدُنا ببصائر مضيئة لنظامها الذاتي وسائر الأبعاد النفسية والإدراكية والاجتماعية والثقافية التي ترتبط بها·
وكانت اللسانيات الأمريكية بإيقاعها المتسارع تستأثر بالبريق والجاذبية وتتجاوز ما رَجَعَ به الوصفيون العرب من إنجلترا أو أتباع المنهجين التاريخي والمقارن من ألمانيا، وتمنح اللسانيات مِثْلَ منزلة الفلسفة حتى لَتُنَازِعُها تلك المنزلة، وخاصة لدى المدرسة التوليدية التحويلية التي شرعها تشومسكي في مطالع النصف الثاني من القرن العشرين فملأت الدنيا وشغلت الناس·
وكان المطلب الأول حافزا وكان المطلب الثاني وعدا مأمولا
صفحة 3
عَوْدٌ على بَدْء
كان محور تلك الحلقة اللغوية التي قدّمت ذكرها وبَعَثَتْ سؤال هذا الكتاب في خاطري، هو (الكونيات اللغوية وتصنيف اللغات)· ولكن أعمال الحلقة وفعالياتها وبرنامجها انتظمت إلى جنب المحور الرئيس -كالمعتاد - موضوعات لسانية شتى· وكنت أتابع جُلَّ ما يُلْقى في تلك الحلقة من وجوه البحث اللساني· وقد أَنِست لمحاورة تشارلز فرجسون، ووقفني على مقالتيه (Arabic Koine) (وضع العربية) و(Myths about Arabic) (أساطير أو أوهام حول العربية)· وهما مقالتان تنتسبان إلى جهده الاستشراقي ؛ فَهُما بمعزل عن أَلَق ذلك العلم اللساني الذي كان يَمور بالفعالية في تلك الحلقة الجامعة· على أنه ينبغي أن أذكر أنني صرحت له يومذاك بانطباعي عما كنت أشهده من مساجلات المحاضرين والمشاركين إذ قلت له يومذاك : إن أجواء السجال السائد في هذا المشهد وما يتبادله المشاركون فيه من الأنظار يشبه ما كان يتناوله ويتداوله نحاة العربية في البصرة والكوفة·
وأحتفـي أيضا بأنني التقيت، فيمن التقيت، في ذلك المشهد، سوزوموكونو أستاذ اللسانيات في هارفارد· وكان موضوع محاضراته في اللسانيات الوظيفية، وكان مدارها على نقد النظرية التوليدية في اقتصارها على البنية العقلية للغة دون احتفالٍ يُذْكَر بما يكتنف اللغة في مواقف التواصل وشروط التخاطب وأطراف الخطاب·
على أن ما يعنيني هنا أنني أوردت عليه ذِكْرَ علماء العربية وتراثهم الممتد في دَرْسها فكـان أبرز ما علق به يومذاك أنه يعلم أن لعلماء العربية بصائر - insights في هذا الشأن، وحسب·
وألقى (ت·ف· ميتشل) محاضرة خاصة في سياق ذلك المؤتمر تناول فيها مشروعه حول الدعوة إلى لغة المتعلمين المحكية أو العربية الوسطى، ولكني دافعت تلك الدعوة بحماسة أَوَّلَها تأويلا قوميّا عربيّا (Nationalist)؛ ذلك أنني وجدتها دعوة غير متقبّلة وأنّ نموذجها - وإن كان سائدا - ليس بصالح لأن يكون بديلا للفصحى : لسانِ المقدّس، وحاملةِ التراث، ووسيطِ التواصل الجامع للفضاء العربيّ والنموذجِ المكتوب·
وإنما أتوقف إلى مشروع (ميتشل) في الدعوة إلى عربية ثالثة لأنه يجيء في سياق مؤتمر لسانيٍّ محورُه الرئيس الكونيات اللغوية، ويجري الحديث فيه عن مشروع كانت تتولاه جامعة ستانفورد، وكانت استكملت فيه حتى ذلك الحين وَصْفَ مئتي لغة في سياق البحث عن المشترك بين اللغات الإنسانيّة أو عن لغة كونية واحدة·
وأَسْتَحْضِر إلى هذا ما كنت أتلقّاه من بعض اللسانيين المشاركين في تلك الحلقة : بأي لغة عربية نتكلم؟ إذ ينظرون إلى تنوعات العربية في لهجاتها على أنها لغات شتّى·
ووجـه المفارقة فاقع ؛ وكأنما ينظر القوم إلى لغات العالم بعدسة محدّبة وينظرون إلى العربية بعدسة مقعرة، وكأن العالم أمة والعرب أمم كما كتبتُ يومذاك· ولهجاتُ العربية على تباينها وتعدّدها - في حقيقة الأمر وفيما يتعارفه المشتغلون بها والناطقون بها من أبنائها - تشفّ عن غالب مشترك فيما بينها، وتمثّل الفصحى مفتاحا مباشرا لتأويل ما يبدو في ظاهر الأداء من تباينات، وهو حديث معاد مكرور وإنما أُقْحِمُه هنا بفيض الخاطر على وجه التذكرة·
ويكفي أن أتوقف هنا إلى ملحوظة جديرة بالاحتفاء· كان إدوارد كينان يلقي محاضراته في (المنطق والنحو الكوني)، فَأَوْرَدْتُ عليه في سياق بعض محاوراتنا أمر المناظـرة الشهيرة بين أبي سعيد السيرافي ومتّى بن يونس حول النحو العربي ومنطق أرسطو، وأُعجب بما أوردته من محاجة السيرافي أن منطق أرسطو أقيم على مثال اللغة اليونانية وهي لغة جملة اسمية (svo) بخلاف العربية التي هي في منتهى التحليل لغة جملة فعلية (VOS)· وقد كان ذلك الموقف مؤنسا بانفتاح القوم الفعلي وإقبالهم على كُلّ ما يرفد أنظارهم ويعزّزها·
ثم شهدت في العام التالي 7 7 9 1 حلقة الدراسات اللغوية التي عقدت في جامعة هاواي وكان محورها الرئيس اللسانيات التطبيقية والتخطيط اللغوي· وأستحضر، من ذِكْر وقائعها مما يتصل بأصل القصد من هذه المقالة، موقفين ؛ موقفا مع تشارلز فلمور وكان يحاضر في (الحقول الدلالية)، وموقفا مع لاديسلاف زغوستا صاحب (فنّ صناعة المعاجم)·
وإنما أستدعي هذين الموقفين لأن الرجلين قد دَهِشا أن يكون للعرب مِثْلُ ذلك الإنجاز المعجمي من معجم العين للخليل المبني على نظام صوتي رياضيّ، إلى المخصّص لابن سيده المبّوب على وفق الحقول الموضوعية··· إلخ·
صفحة 4
العربية بمرآة الآخر
وقد أَعْقَبَتْ هذه التجربة لديّ مَطْمحا وسؤالا ؛ أما المطمح فهو أن أنقب في أعمال نحاة العربية خاصّة، وأعارض ما ورد في أنظارهم بما يتداوله اللسانيون هناك من أنظار· وقد أنشأت في ذلك كتابي نظـرية النحو العربيّ في ضوء مناهج النظر اللغـوي الحديث، كما استأنست بالتراتيب والتدابير والشروط المستفادة بعلم التخطيط اللغوي في إنجاز مشروعٍ لِجَعْل الفصحى لُغةَ محادثة في كتابي : قضية التحوّل إلى الفصـحى في العالم العربي الحديث·
أما السؤال فبقي معلقا، وذلك أنني، لم أجد للعربية حضورا يليق بما لها عندنا من المنزلة وما أنجزه علماؤها من الأعمال الجليلة·
ثم انغمست فيما انغمس فيه معظم الدارسين العرب الذين أيقنوا بجدوى الأنظار اللسانية في مقاربة إضافية للظاهرة اللغوية العربية، وكان لنظرية تشومسكي التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، أسطع بريق يخطف أنظار الدارسين العرب، وأصبح البحث اللساني العربي السائد يقوم على المزاوجة بين العربية موضوعا وإحدى النظريات اللسانية منهجا· وما يزال هذا شأن جُلّ الدراسات اللغوية في العربية·
وليس استطرادا محمودا أن أستقصي القول في أعمال أنجزتها في هذه السبيل، وليس استقصاء محدودا أن أستقري ما أنجزه اللسانيّون العرب في هذا المنحى· أما فيض الرسائل الجامعية التي تجري في هذا الاتجاه فمحتاج إلى بحث مفرد مستقلّ· وكأنما أصبح عنوان الدرس اللغوي العربي السائد هو : اللسانيات في خدمة اللغة العربية، أو التطبيقات اللسانية على اللغة العربية· بل أصبح عَلَم المؤتمرات والملتقيات اللسانية التي تعقد في الوطن العربي وفي أوساط المشتغلين بالعربية في أمريكا·
وإذا كان هذا شأن الدراسات الجارية هذه الأيام، فإن شأنها منذ أربعينيات القرن الماضي إلى ظهور المدرسة التوليدية التحويلية لم يكن مختلفا· ذلك أنّ الدراسات العربية، من قبل، قد نَحَتْ هذا المنحى الاتّباعي فأُنْجزت في سياقها دراسات تاريخية ومقارنة، ولكنّ المنهج الوصفي وخاصة في المدرسة الإنجليزية قد غلب على المشهد اللغوي العربي، وروّج تلاميذه لمنهجه ترويجا ذائعا متعارفا· ولكنّ حقّا أن نذكر لأتباع هذا المنهج أنهم قدموا نموذجا لدرس اللغة درسا علميا، وهو نموذج ما يزال دليلا هاديا لكلّ من يتصدّى لدرس مَظْهَرٍ لغـوي أو ظاهرة لغوية، إذ أصبح النظر إلى اللغة على أنهـا نظام كلّي ينتظم مستويات معلومة ؛ مستوى صوتيا، ومستوى فونولوجيا، ومستوى صرفيا، ومستوى دلاليا، ومستوى أسلوبيا···· أصبح هذا النظر مرجعا جامعا مشتركا لدى المشتغلين بالعربية درسا وتدريسا·
ولكن ممّا يحتمله المقام هنا أن هذه الحقبة قد شهدت، على فوائدها الجمّة وما تنطوي عليه من أدلّة كلية وبصائر منهجية، قد شهدت مِثْلَ الحال السائدة هذه الأيام، بل بالغ بعض الذين درسوا العربية في تلك الحقبة حتى لقد جعل بعضهم المنهج الوصفي أحسن المناهـج في تناول اللغة· (كما في بواكير أعمال إبراهيم السامرائي)، واتخذ بعضهم منهج التحليل الشكلي حَكَما على أعمال النحاة العرب كما في كتاب عبد الرحمن أيوب (دراسات نقدية في النحو العربي)·
وقد جدّد امتدادُ هذا المنحى في الدرس اللغوي السؤالَ من أوّل· وحقا أن سجّل الدراسات اللغوية الحديثة من الجانب العربي وتأريخها تأريخا مفصّلا جدير ببحوث مفردة، ولكنيّ أختزله لغايات هذه المقالة تحت عنوان وجيز واحد هو : العربية بمرآة الآخر· وأستعمل (الباء) هنا للاستعانة ولا أتوسّع توسّعَ مَنْ يقيمها مقام (في) ؛ لأن ذلك يُعْقِب لَبْسا أحرص على تجنّبه أشدّ الحرص ؛ لأن السؤال النهائي لهذا الكتاب يقوم على تلمّس صورة العربية لدى الآخر كما يراها هو في مرآته·
صفحة 5
جدل الموضوع والمنهج
وحسبي أن أتوقّف هنا إلى مَلْحَظ واحد يتعلّق بموضوع هذا الكتاب· وهو ملحظ يتمثل في جدل الموضوع والمنهج وجدل المنهج والنظرية· ولكنه محتاج إلى فضل بيان·
تكلم العرب، بلغتهم، كما تكلّم غيرهم قبل أن يضع نحاة العربية قواعدها، وقد وضع نحاة العربية قواعدها قبل أن يستخرج أهلُ النظرِ الأصولَ التي اتبعها نحاة العربية في وضع القواعد· فما هي العلاقة بين أداءِ اللغة ووصفِها؟ وما هي العلاقة بين وصفِ اللغة ونظريةِ وصفها؟ كيف ينبثق الوصف من الأداء؟ وكيف تُسْتَخْرَج النظرية من الوصف؟
هل كان پانيني - وهو يضع نَحْوَ السنسكريتية - يَعي أن عَمَلَه يُمَثّل قطعة من النحو التحويلي كما يرى تشومسكي؟ وهل كان الكوفيون في اشتغالهم بوضع النحو يعلمون أنهم يتخذون منهجا وصفيا أو قريبا من ذلك كما يرى مهدي المخزومي؟
إن الناطق باللغة سليقةً ويَصْدُر عن برنامجها المتشكل بالفطرة المركّبة في العقل الإنساني - في رأي التحويليين - لا يستطيع ولا نستطيع أن نعوّل على وعيه فيما يصدر عنه (بلا وعيه)· بل إن عَمَلَنا الآن، في ضوء المناهج المتعارفة لوصف اللغة وتفسيرها، ما يزال بعيدا عن استشفاف ذلك الوعي أو مُماهاتِه· ولعلّه لهذا السبب، بين أسباب أخرى، نجد انفصاما يعقب (نفورا) لدى المتعلمين مِنْ تدخّل أهل القواعد في تعليمهم إياها بمصطلحاتهم التي يَصِفونها بها ؛ حتى غدا النحو العلمي والنحو التعليمي قسيمين متفارقين·
ونقدّر، من وجه آخر، أن الظاهرة الإنسانية كاللغة تُنْبِئ بتشكيلها الذاتي من جهة وبما يعتريه في صيرورة التغيّر أو أحوال الاختلاف (كما في نشوء ظاهرة اللحن في العربية)، تنبئ عن بعض نواميسها (وبضدها تتمايز الأشياء)، ويصبح الخروج عن النمط المعتاد حافزا للبحث عن حقيقة النمط الذي كان يجري على الألسنة عادةً يغطّي عليها الإلْف، ومُعْطىً اجتماعيا مسلّما يتخذ مسالكه على ألسنة الناس عفوا وتلقائيا· وإذن لعلّ ذلك التغيّر أو اللحن أو الاختلاف كان مفتاحَ الكشف الأول الذي أمكن الواضِعَ الأول لقواعد اللغة وَصِفَتِها أَنْ يُحَوِّل الأداء إلى الوصف
ولعله يستقيم لنا أن نتجاوز هذا السؤال المعرفيّ ما دام تاريخ الدرس اللغوي قد شهد نماذج شتىّ للغاتٍ مدونة وُصِفَتْ على أنحاء منهجية نسبية معينة تمثل أصولا نظرية أو أصولَ نظريةٍ·
ونتوقف إلى ما جددته اللسانيات الحديثة من مناهج في وصف اللغة الإنسانية وتفسيرها· وقد أصبحت هذه المناهج أدلة جاهزة هادية إلى مقاربة اللغة (إذا أُرِيدَ وَصْفُ لغةٍ لم توضع لها قواعد ولم تُجَرَّدْ لها صفة من قبل)، بل أصبحت هذه المناهج أدلة صالحة لتفسير إضافي أو لإعادة وصف لغاتٍ وُصِفَتْ قَبْلاً بوسائل وأصول مختلفة·
ولعل عنوانا مثل : إعادة وصف اللغة العربية لسانيا أن يكون مثالا كافيا دالا على مقالنا في هذا المقام·
وقد احتذى الجانب العربي النماذج اللسانية التي طورها الآخر فأعاد قراءة كثير من وجوه الظاهرة اللغوية العربية في ضوئها، بل أَنْبَهَ على أصول وَجَـد نحاةَ العربية يجسّدونها في أعمالهم وإن لم يصرحوا بها· ولا بأس أن نستبق، في هذا المقام، ملاحظة لافتة تدل علـى مشترك في النظر اللساني على هذا الصعيد، من وجهين متقابلين : عربيّ وغير عربيّ· تَزَوَّدَ العربي بِعُدّة منهجية (واعية)، فأعاد قراءة الظاهرة اللغوية العربية، وأَنْبَهَ على أصول في أعمال علمائها كانت مندغمة في تلك الأعمال باطراد دون أن يعبأوا بتجريدها، وطوّرت اللسانيات الحديثة مناهجها باطراد فهيأ لها ذلك وعيا جعلها قادرة على أن تقرأ أعمال النحاة العرب وتنتصف لها وترى فيها أصولا لم تكن لتراها قبل أن يتهيأ لها ذلك الوعي، كما يقرر جوناثان أوينز·
وهكذا تكون العلاقة بين الموضوع وهو اللغة والمنهج وهو الرؤية النظرية لتقعيدِها أو وَصْفِها وتفسيرِها علاقة متبادلة· وهي علاقة تتخذ على مستوى أعلى من التجريد مسارين متلاقيين في منتهى التحليل· يرى أندريه مارتينيه الوظيفي الفرنسي، مثلا، أن يبدأ الدرس اللساني بدرس اللغات الإنسانية في ذواتها من جهة ما هي مَعْنِيّة بالاتصال، ويكون تجريد الكليات اللسانية المعرفية - وهي مطلب إنساني منشود بإلحاح - في المقام الثاني، من بعد·
ونرى لسانيين مرموقين في أمريكا يُنْسَبون إلى نظريات لسانية أو يتخصصون في أحد وجوه النظرية اللسانية، ثم تكون لغات مخصوصة محورا مركزيا لدراساتهم التطبيقية مثل دوايت بولنجر من علماء الدلالة (Dwight Bolinger 1 9 0 7-1 9 6 2)، إذ تتخذ الإسبانية موقعا محوريا في أعماله· وموريس هاله خِدن تشومسكي في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا (MIT) الشهير وعملهما المشترك (نمط الصوت في الإنجليزية) وتلميذ رومان ياكبسون، إذ إنه يُعَدّ أبا النظرية الصوتية والفونولوجية ولكن جُلّ دراساته في هذا الحقل تتناول اللغات الهندية الأوروبية أو الإنجليزية أو الروسية·
صفحة 6
نحو الإجابة - دراسة مناظِرة
ثمّ عاودني سؤال هذا الكتاب، على فترة من الزمن، فاتّخذ منحى محدّدا خاصّا ؛ فقد تراخى على نجوم ذلك السؤال عندي قريب من ثلاثين عاما، وانفتح مشهد التواصل بين دارسي العربية من المبعوثين واللسانيين وبين المشتغلين باللسانيات في الغرب، وأعقب ذلك - لا ريب - وجوها إضافيّة من تعرُّف العربيّة والاطّلاع على منجزات علمائها·
ثم وقفت على مقالة حمزة المزيني في كتابه (التحيّز اللغويّ وقضايا أخرى) وعنوانها : مكانة اللغة العربية في الدراسات اللسانية المعاصرة، فوجدتها للخاطر الأول تجيب عن بعض سؤالي؛ إذْ تُبِين عن تنامي الاهتمام بدرس اللغة العربية، وتلتقي بعضَ ما ذهبت إليه وما أَخَذْت به وما أَخَذ به غيري من جدوى دراسة العربية في ضوء علم اللسان الحديث، بل تمضي إلى مطالب أُخَر تتجاوز ما أقصد إليه في هذا الكتاب على التعيين· وبيان ذلك آت، ولكنّ مقتضى الإنصاف أن أقرّر أن مقالة المزيني الضافية تنبئ عن استطلاع مستفيض، وتتميز بنفس سجاليّ محفّز ؛ إذ تستقري وجوه الاهتمام بدرس العربية من وجوه شتّى قديما وحديثا، وجوه تتناول الظاهرة اللغوية، وأخرى تتناول الأنظار اللغوية والنحوية لعلمائها الأوائل· وهي تنبئ حقّا عن حضور العربية في مشهد البحث اللساني الغربي على نحو مناظر لحضورها في مشهد البحث اللساني العربي المعاصر ؛ فقد أصبح التيار السائد في الدرس اللغوي العربي و (الغربي) قائما على قراءة إضافية للظاهرة اللغوية في العربية وأنظار علمائها في ضوء اللسانيات الحديثة·
ولكنّ دراسة المزيني - على غناها بالمعطيات والنماذج والبصائر - تنتظم الدراسات الأوروبية والدراسات الأمريكية، كما تنتظم ما أنجزه الدارسون من العرب والأجانب جميعا هناك·
وحقا أنه أَنْبَه على بعض ما تناوله لسانيون من العربية كرومان ياكبسون وزليج هاريس، وأَنْبَه على أنحاء من التوجيه المنهجي في هذه العلاقة العربية اللسانيّة·
وتصلح دراسة المزيني مدخلا لمراجعة مستأنيّة ترصد ما ورد فيها، وتصنّفه على أساس موضوعيّ من جهة، وأساس زمنيّ من جهة أخرى، وأساس نظريّ من جهة ثالثة ؛ ليكون ذلك دليلا للباحث اللساني العربي الذي ينشد استجلاء صورة العربية لدى الآخر، ونموذج نظريتها في مرآة الآخر و موقع إسهامها في النظرية اللسانية التي يطوّرها الآخر في جدل متعاقب في سياقه الخاص
صفحة 7
العربية في مرآة الآخر
ولكن جانبا من الإجابة، على التعيين، ما يزال متاحا، وإن اتخذ السؤال منحى مختلفا وافترق وجها الإجابة· ويتمثّل هذا الجانب في تتبّع موارد العربية لدى رموز اللسانيات الأمريكية خاصّة كبلومفيلد وسابير وهياكاوا وزليج هاريس، وفي بعض الكتب اللسانية الأصول الأمهات لديهم، وفي المدارس اللسانية المتعاقبة ؛ لعلنا نتبيّن صورة العربية وطبيعة مواردها في السياق اللساني الخالص لديهم ابتداء·
صفحة 8
لماذا اللسانيات الأمريكية ؟
وإنما أقتصر على اللسانيات الأمريكية في هذا الكتاب، انسجاما مع دواعي نشأة السؤال لديّ، وضبطاً لحدود البحث وهو ضبط تقريبي على كلّ حال، ثم إن اللسانيات الأمريكية هي التي أخذت بزمام الدرس اللساني على نحو متواتر الفعالية· وعلى الرغم من إسهام دي سوسير المشهود في تأسيس البنيوية التزامنية، وعلى الرغم من نفاذ اللسانيات الأمريكية بتناميها المطرد في بعض الأنظار اللسانية الأوروبية، وعلى الرغم من التراسل بين الفريقين وتواردهما على مناهج متقاربة في الوصفية، والوظيفية، وتحليل الخطاب إلا أنهما يظلان متمايزين ؛ إذ بقيت اللسانيات الأوربية بموروثها التاريخي والمقارن أقرب إلى المحافظة، بل يتخذ الحوار بينهما شكلا أقرب إلى السجال وإن كان المنهج مشتركا كالذي نجده لدى مارتينيه الوظيفي الفرنسي من نقد النزوع إلى الكليات قبل الشروع في مقاربة اللغـات الإنسانية الخاصة في أبعادها التواصليـة، يعني بذلك على وجه الخصوص النظريةَ المعرفية العقلية في اللسانيات الأمريكية· وحين يتناول لساني (اسكوتلندي) مُنْصِف هو مايكل كارتر منهج التحليل النحوي عند سيبويه يترجّح في تقويمه، ويرى أن لو عاش سيبويه في هذا العصر لاحتل منزلة وسطا بين دي سوسير وبلو مفيلد·
إن هذا التواشج والتجاذب بين الفريقين جدير بمعالجة مستقلة ولعل التمييز بينهما أدنى إلى طلب الانسجام والاتساق والتحديد المنهجي فلكلّ منهما مساره الخاص، وإن تقاطع المساران بالضرورة·
صفحة 9
احتراس : التقريب في النسبة
وحقّـا أنّ الفصل الحاسم بين اللسانيين على أساس جغرافيّ ليس ممكنا على نَحْو حاسم· وتُواجِهُ نسبةُ أحد اللسانيين إلى بلد بعينه ما تواجهه نسبةُ أَحدِ العلماء في تاريـخ الإسلام إلى بلد بعينه؛ إذ ربما ولد في بلد، وتلقى علمه في بلد آخر، وأنجز أعماله بعضها أو جلها في بلد ثالث· بل إن الرحلة في هذه الأيام قد غدت ظاهرة أوسع انتشارا وأيسر منالا على أنحاء شتّى·
وحقّا أن هناك لوائـح بأسماء اللسانيين تصنّفهم وفقا لبلدانهم ؛ ولكن ذلك يظل تقريبا على كل حال، فموريس هاله مثلا يُصَنّف على أنه أمريكي أما رومان ياكبسون فيصنّف على أنه روسيّ(1)·
ويزداد المشهد تشابكا فيما تمثله أعمال لسانية مشتركة في الموسوعات ومنشورات الجمعيات اللسانية والمؤتمرات·
ويظل أمر التصنيف أو الوصف (الأمريكي) هنا تقريبيا؛ بَيْدَ أن اللسانيات (وهو المصطلح العربي الغالب في مقابل Linguistics) قد أصبحت في نماذجها الحديثة المتعاقبة عَلَما على عِلْم يشبه أن يكون أمريكيا!
وليس من قصد هذا الكتاب كذلك أن يَعْرِض لبرامج تعليم العربية في الجامعات الأمريكية، كما أنّه ليس من قصده أن يَعْرِض لموارد العربية في المقالات التعريفية على شبكة الإنترنت ووسائلها؛ إذ إن صورة العربية أو بعض ملامحها تمثّل عروضا تعليمية تقليدية أو نتفا تعريفيّة عامّة(2)، ذلك أن السياق الذي تعرض فيه العربية، ثَمَّةَ، ليس سياقا لسانيا على النحو الذي نرسمه لهذا الكتاب·
صفحة 10
بل إن مقابل اللساني في الإنجليزية وهو Linguist قد يستعمل بكثير من الاتساع في أوساط البحث اللغوي الأمريكي، ويستطيع كل مشتغل باللغة أو بوجه من وجوهها أن يقدم نفسه على أنه لساني أو Linguist وهذا مما يضيف إلى مشهد اللسانيات الأمريكي فيضا تتعذر الإحاطة به· ويصبح الانتقاء على أساس من التميّز بالإنجاز اللساني الإضافيّ هو أمثل السبل وإن بقي تقريبيا، أيضا·