eKtab
EN ع
اللغة والفكر - دراسات نقدية
اقرأ عينة مجانية

اللغة والفكر - دراسات نقدية

بقلم د. حسن مسكين

صفحة 1
مـقـدمة
 
لقد شكلت قضايا ومفاهيم خاصة، مثل: التقليد / الحداثة، العلم / الجهل، السلم / الحرب، الحرية/ العبودية، الديمقراطية/ الاستبداد، الشرق/الغرب، التسامح / التعصب، النهضة / الانحطاط، الدين / العلمانية، التنمية / التخلف، وغير ذلك من الثنائيات المستمدة من عمق المجتمعات العربية والإسلامية، والمعبرة عن رؤية نخبها المثقفة، وتصور علمائها، عبر تاريخ الفكر السياسي والعلمي والفقهي والاجتماعي لهذه الأمة محور المشاريع التي استند إليها أبرز المفكرين الذين شغلوا بهموم الفكر والثقافة العربية الإسلامية في علاقتها من جهة بإشكالية التخلف والتنمية ومن جهة أخرى بعلاقة العرب والمسلمين بالغرب إنساناً وفكراً وحضارة.
 
وإذا كان هؤلاء المفكرون والعلماء على اختلاف توجهاتهم، وتخصصهم قد أجابوا عن الأسئلة الشائكة الثاوية خلف هذه الثنائيات، وحللوا وقاربوا ما رأوه أساسياً وضرورياً وحاسماً في تحقيق التطور، وتجاوز أسباب التخلف والجهل وما ينتج عنهما؛ فإن القضايا ذاتها والأسئلة الشائكة نفسها، وإن اتخذت لها أحياناً مسميات أخرى، أو مصطلحات بديلة، مازالت تشكل هاجساً يؤرق مجموعة من المفكرين والمثقفين والعلماء. فمن جهة لقد بقي واقع الأمة العربية الإسلامية على تخلفه، واستبداده، ومن جهة أخرى لأن تلك التصورات والإجابات التي قدمها المفكرون السابقون عجزت عن تقديم حلول دقيقة، وعميقة، إما لسوء منطلقاتها، أو فساد منهجها، أو لانحرافها عن هدفها الحقيقي في تحقيق التطور المنشود والنماء المطلوب.
 
وإذا كان من غير الطبيعي ولا المنهجي أن ننكر تلك الجهود السابقة، المتمثلة في إنجازات فكرية وعلمية وفقهية ونقدية جادة لثلة من المصلحين والمجددين والمجتهدين، والتي ما يزال تاريخ الأمة شاهداً عليها.
 
إلا أنها لم تكن قادرة على تشكيل نظريات فكرية، أو مشاريع متكاملة قادرة على حل تلك الإشكالات والإجابة عن قضاياها ومفاهيمها التي لازالت حتى الآن قائمة وبشكلٍ أكثر حدة.
 
ويكفي هنا أن نذكر بتلك المشاريع التي قدمها كل من الإصلاحيين أمثال: محمد عبده الذي كان من أول وأبرز رواد الإصلاح من خلال مشروعه المتحرر من العوائق والقيود والجمود الفكري والعقلي الذي هيمن في مجالات عديدة ترسخت بفعل وجود فقهاء وعلماء ودعاة ومفكرين أساؤوا إلى الأمة والدين ومن خلال تفسيرات وتأويلات متحجرة بعيدة عن الاجتهاد الذي هو من صلب الدين، وتحرير العقل من القيود كي يواجه الاستبداد والجهل والتخلف ويسمو بالأمة نحو العلم والتقدم.
صفحة 2
أما جمال الدين الأفغاني فأقام مشروعه على مبادئ مناهضة الظلم والاستبداد، لإقامة مؤسسات تحمي حقوق الناس وتصون كرامتهم وتهيئ مناخاً سياسياً حراً، يمكن من إفراز نخبة فكرية وعلمية، قادرة على الإنتاج وقيادة الأمة في مختلف المجالات.
 
والأمر ذاته، نلمسه في مشروع علي عبد الرزاق الذي انتقد فيه طريقة الحكم في المجتمعات الإسلامية، مؤكداً أن تقدم الأمة رهين بإقامة نظام سياسي عادل، لا يوظف الدين لخدمة الفئة الحاكمة، لأن ذلك سيفسد الدين والمجتمع على حدٍ سواء.
 
أما علال الفاسي فقد انطلق من فهم الواقع، وما يجري فيه من أحداث، ويمسه من تحولات فهما صحيحا، بهدف تجاوز سلبياته، وتثبيت وتنمية إيجابياته، وبالموازاة مع ذلك يجب فهم الإسلام بناء على مقاصده، التي لابد أن تنزل على واقع المسلمين حتى يتم التغيير.
 
في حين ذهب مالك بن نبي إلى أن التطور مشروط بإعادة قراءة وفهم واستيعاب الثقافة الغربية، بكل أبعادها وخلفياتها، ومناهجها وأساليب تفكيرها، بما يفيد في إعادة قراءة الثقافة والفكر العربي والإسلامي لتأسيس مشروعٍ نهضويٍ متكامل بروحٍ نقدية لا تكرر ما أنتجه الغرب، ولا تعيد ما قدمه السلف، وإنما باجتراح أدوات ومفاهيم ومناهج تلائم مقتضيات العصر وخصائص الأمة، وحاجاتها الملحة والهامة. وصولاً إلى مشاريع معاصرة، أنجزها مفكرون ومثقفون محدثون ومعاصرون في مقدمتهم:
 
- د. محمد عابد الجابري الذي أكد أن طريق التقدم يمر عبر إعادة قراءة التراث لتصفيته، وتحليله بعين فاحصة دقيقة، عميقة ونقدية، لاستخراج ما فيه من عناصر ومقومات يمكن أن تستثمر، وإبعاد ما فيه من عوائق وسلبيات، كي يتحرر العقل العربي والإسلامي ليصبح منتجاً وفاعلاً في التاريخ، محققاً الدولة العصرية بكافة مقوماتها ومؤسساتها ونخبها الحرة والمؤثرة.
 
- ود. عبد الله العروي في مشروعه القائم على الفهم العقلاني للتاريخ كحركة مستمرة ودائمة التحول والذي يستوجب عقلاً حراً، منتجاً ومتحرراً من قيود الأيديولوجيات مهما تكن طبيعتها.
 
- أما د. حسن حنفي فتوجه نحو تحرير العقل العربي والإسلامي ليس من الأيديولوجيات، وإنما من الاغتراب بكافة أشكاله وأنواعه، سواء أكان اغتراباً تجاه التراث القديم أم باتجاه الغربي الحديث، أم اغتراباً باتجاه ما هو قائم في الواقع سياسة كان أم نتاجاً فكرياً أم سلوكاً إنسانياً.
 
وفي الاتجاه ذاته سار مشروع د. جورج طرابيشي القائم على نقد العقل العربي، من أجل تأسيس مشروع حداثي، علمي، انطلاقاً من تفنيد أطروحات النخب التقليدية، سواء من القدامى أم المعاصرين.
صفحة 3
والواضح من خلال هذه المشاريع أنها قاربت، وحللت ودرست القضايا والمفاهيم نفسها، لكن وفق منظور خاص لأصحابها، يعكس طبيعة مناهجهم، ومفاهيمهم، والخلفيات التي انطلقوا منها، والفلسفات التي استندوا إليها، والمرجعيات التي أقاموا عليها رؤيتهم لتلك القضايا والأسئلة المطروحة.
 
وإذا كانت هذه المشروعات الحديثة والمعاصرة التي مثلنا لها بهذه المشاريع، سواء منها التي اتخذت منحى إسلامياً أو ماركسياً أو ليبراليا، أو حتى التي سلكت لنفسها رؤية خاصة، محايدة، لا تسير على منوال سابق، أو تحتذي نظرية محددة سلفاً، وإنما تسير وفق تصور جديد، نابع من مستجدات أفرزها المجتمع، وتحولات كبرى تتطلب بدورها أدوات ورؤية تستجيب لها، وتساير نتائجها وتأثيرها على الإنسان الذي هو قطب الرحى في هذه العملية الفكرية والنقدية، متوسلة لبلوغ هذه الأهداف مناهج جديدة وأدوات حديثة، آمنت بجدواها وفاعليتها في إعادة قراءة ومقاربة وتحليل ودراسة تلك القضايا والمفاهيم على اعتبار أنها ما تزال حتى الآن هي مدار البحث، وأساس الدراسة، وبالتالي فإن تقديم أجوبة، نابعة من روح العصر ومستجدات المجتمع لغة ومنهجاً، وفكراً، ونقداً، وسياسة واقتصاداً وعلماً، من شأنه أن يفتح المجال واسعاً لخلق أفق، ومداخل لتأسيس مشاريع، وتقديم منجزات فكرية وثقافية وعلمية قادرة على تقديم الجيد والجاد والجديد، الذي لا يلغي بالضرورة تلك التصورات والاجتهادات السابقة، وإنما يضيف إليها ما يراه ملائماً ومفيداً ومنتجاً. ويتجاوز ما يعتقد أنه غير ذي جدوى، ويعدل ما يؤمن أنه يحتاج إلى تعديل أو تصحيح، سواء في منهجه أو أداته، أو هدفه.
 
في هذا السياق نفسه تأتي هذه المشاريع العلمية الأربعة التي شكلت موضوع هذا الكتاب، أعني مشروع د. أبو بكر العزاوي في تحليل اللغة والخطاب من منظور حجاجي. وأبعاد ذلك على التواصل والحوار الفكري والثقافي عربياً وإسلامياً. ومشروع د. ادريس نقوري في تحليل العلاقة بين اللغة والفكر من رؤية خاصة وجريئة، وإعادة قراءة التاريخ وفق تصور "أناسي" ثقافي، يساهم في صناعة التاريخ وتفسير أحداثه. إلى مشروع د. أحمد العمراني القائم على رصد واقع الأمة بين الأمس واليوم، انطلاقاً من رؤية الباحث الداعية الذي لا يكتفي برصد الوقائع، ودراستها، وإنما يقدم بدائل لها. وانتهاء بمشروع د. محسن بن زاكور في مقاربة قضايا ومفاهيم معاصرة، انطلاقاً من تتبع مواقع ومواقف أصحابها، ونقد أفكارهم، مع استشراف أفق فكر تصوري نابع من خصوصية ورؤية ثقافية دينية إسلامية وإن استلهمت بعض أدوات مناهج غربية، اجتماعية، ونفسية خاصة.
صفحة 4
وقد وقفت في دراستي لهذه المشاريع الأربعة على المنهج الذي استند إليه، والخلفيات التي انطلق منها كل مؤلف والأدوات التي استعملها في بلوغ هدفه، فاتضح لي أنها وإن كانت تتفاوت في مستوى التحليل بين الدقة والعمق حيناً والبساطة التي تصل إلى حد الانطباع والدعوة في بعض الحالات، إلى المزج بين الذاتي والموضوعي في أحيان أخرى؛ إلا أنها تشترك جميعاً في السعي الجاد لإعادة قراءة الواقع العربي الإسلامي قراءة (جديدة) وفق ما استجد من جهة من أحداث وتحولات كبرى، همت السياسة والاقتصاد والمجتمع واللغة ، ومن جهة أخرى إعادة تقييم ما سبق من مشاريع، وتصورات إصلاحية أو نهضوية أو تنموية، انطلاقاً من مناهج حديثة ومفاهيم معاصرة فرضت وجودها في سياق لغوي، نقدي، فكري ، حضاري ، عربي، إسلامي متصل بما هو عالمي، انعكست آثاره جلية في مستوى المواقع والمواقف التي حملتها النخب المثقفة والفئة العالمة، التي وجهت اهتمامها نحو إعادة النظر في الخلفيات والمرجعيات، والأدوات المنهجية والمفاهيم المعرفية التي كانت تستند إليها، وتبني عليها مواقفها، سواء تعلق الأمر باللغة وأبعادها، أو الأفكار ودلالاتها، أو الرؤى ومقاصدها، أو الفلسفات وخلفياتها وأهدافها.
 
غير أن وقوفنا على هذه الجوانب في شقها الاجتماعي والسياسي والفكري، لم يلغ الوقوف أيضاً على مستويات أخرى من النظر والتحليل، خاصة تلك التي اهتمت بالمستوى اللغوي، والنقدي، سواء من منطلقات وأدوات لسانية، حجاجية أم من منطلقات تأريخية (أناسية)، ثقافية، باعتبارها مستويات متكاملة، وإن بدت متنوعة في مظاهرها، أو في بنياتها السطحية، مادامت في عمقها تنحو باتجاه التعبير عن مواقف فكرية، وتصورات فلسفية لما يجري في الواقع من أحداث وتحولات، وسواء كانت تتدثر بمظهر (إسلامي) أم (حداثي) أم (ليبرالي) أم (اشتراكي) أم (وجودي) أم (تقليدي) أم (مادي)، وسواء انطلقت من نظريات تواصلية أم حوارية، إقناعية، حجاجية، أم من منطلقات تفسيرية، تأويلية، أم نقدية، وسواء استندت إلى تحليل بنيوي أم أيديولوجي، أخلاقي روحي أم علمي وعقلي، فإن اللغة بكل أبعادها تظل حاضرة، موجهة لمنطلقات وأدوات ومفاهيم هذه المشاريع العلمية، كما أن البعد النقدي بكل مصطلحاته وخلفياته سواء المتآلفة أم المختلفة، يظل قائماً، رغم تباين المناهج واختلاف الرؤى الحاملة لهذه المشاريع، التي اصطلح على بعضها بالمشاريع النهضوية أو الإصلاحية أو التنموية، مادامت كلها تبحث في أسباب تخلف الأمة ووسائل نهضتها وتنميتها والمعبرة عنها بالداء والدواء كما في مشروع د. أحمد العمراني، أو في التواصل الفعـال القائـم عـلى الحجاج والإقنـاع كما في مشروع د. أبو بكر القراوي، أو في إعادة صناعة التاريخ وفهم أبعاده لاستشراف بديل عنه كما في مشروع د. ادريس نقوري أو في التخلص من الهيمنة الغربية القائمة على القوة والسيطرة وتنمية التخلف في المجتمعات العربية والإسلامية في مجال السياسة والاقتصاد والفكر كما في مشروع د. محسن بن زاكور.
صفحة 5
وإذا كانت هذه الدراسات الأربعة قد التقت، في تحديد مكامن الخلل، القائمة في جزء منها في طبيعة الفكر العربي الإسلامي السائد خلال فترة طويلة من تاريخ هذه الأمة، كما أنها اشتركت في الاهتداء إلى مواضع الضعف والقصور في تصورات العديد من اللغويين والمفكرين والعلماء والفقهاء والدعاة والسياسيين العرب والمسلمين، فإنها تفاوتت في وسائل التحليل والنقد والتقويم وتقديم البديل. بحيث يلاحظ أنه كلما تعلق الأمر بالبحث في مجال اللغة والنقد إلا وحضر المنهج واتضحت المفاهيم والأدوات بشكل دقيق وعميق، في حين كلما تعلق الأمر بقضايا الفكر والسياسة إلا وخفت التحليل، وطغى التأويل الذي انتهى في مواضع عدة نحو المبالغة والذاتية، التي أنتجت بدورها استنتاجات غير دقيقة، سواء للكتابات والمنجزات السابقة، أم للوقائع والأحداث المعيشة، واتخذت بالتالي صبغة الإرشاد والنصح كما هو واضح في دراسة ذ. أحمد العمراني، حيث "المقاربة الإيمانية والروحية" لقضايا الأمة الإسلامية. إضافة إلى "المقاربة النقدية الممزوجة بالنصيحة والإرشاد" في دراسة د. محسن بن زاكور، خاصة في الفصل الثالث الذي ضم أهم المفاهيم الأساسية في هذه التجربة. الشيء الذي انعكس جلياً في تحويل مسار الدراستين معاً من تحليل ودراسة الأفكار والمواقع والمواقف كما هي ماثلة وقائمة في المجتمعات العربية والإسلامية، إلى عرض ما هو مثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية، أي تأكيد وتقرير لما هو مؤكد سلفاً. فأصبح الموضوع يشمل من جهة القرآن والحديث ومن جهة ثانية آمالا وأماني مستقبلية اجتهد المؤلفان معاً في تمريرها من خلال هذه المفاهيم المتداولة.
 
وإذا كانت هذه السمات قد تفاوتت مستوياتها من عنصر إلى آخر، ومن مبحث إلى مبحث، فإن ذلك لا يخفي الجهد الذي قدمه كل باحث في دراسة وتحليل موضوعات ومفاهيم شائكة، لم تستطع كتابات مفكرين سابقين، أو معاصرين تقديم إجابات حاسمة عنها، رغم أنها كانت مشاريع قيمة وإنجازات رائدة في زمانها وسياقها.
 
ولعل هذا يعد إحدى أهم الأسباب التي دعتني إلى دراسة هذه الأعمال المثبتة في هذا الكتاب والتي تعد رغم ما سجلته عليها من ملاحظات، إضافات قيمة إلى رصيد الأعمال اللغوية والفكرية والنقدية السابقة، والتي لا تكتفي بالوصف، وإنما تحاول أن تحلل وتدرس وتناقش وتقدم ما تراه بدائل ممكنة. إن في مستوى المنهج أم اللغة أم الفكر أم النقد، على اعتبار أن هذه المستويات هي المرآة التي تعكس من جهة صورة المجتمع، ومن جهة أخرى نتاج نخبه، وعطاء مفكريه ونقاده.
صفحة 6
الحجـاج في اللغة والخطاب*
 
تسعى هذه الدراسة لإبراز السمات النسقية التي تحكم مشروع الكاتب والمتمثلة في مقومات عامة وعناصر خاصة. أما العامة فمن أبرزها ذلك الترابط العلائقي بين مؤلفاته ودراساته في موضوع الحجاج المتسمة بالانسجام. وأما الخاصة فمن أهمها تحليل البنيات الحجاجية للغة والخطاب من خلال عناصر ومستويات عديدة: أقوالاً وجملاً ومعجماً وتركيباً ودلالةً ووظائف وصولاً إلى بعدها التداولي، باعتباره المستوى الأوسع والأعمق الذي تتحقق فيه روح الحجاج بكافة تجلياتها. فإذا كان هذا الأخير يعد عنصراً حاسماً في اللغة والخطاب، فإن مظاهره وصوره تتنوع وتتعدد لتشمل كل الخطابات مهما تكن طبيعتها ومرجعياتها ومقاصدها، سواء كانت أدبية أم علمية أم قانونية أم سياسية أم تاريخية أم إشهارية.
 
كثيرة هي الأعمال التي تناولت اللغة قديماً وحديثاً، وعديدة هي المؤلفات التي قامت بتشريح عميق ودقيق لمختلف جوانبها، ومستوياتها، حتى يكاد يخيل للباحث المتخصص أن الكلام فيها يكرر بعضه بعضاً وألا جديد في الأفق بشأن هذا الموضوع.
 
غير أن المشروع الجديد الذي أنجزه الدكتور أبو بكر العزاوي في اللغة والحجاج والخطاب والحجاج(1) يفند هذا التصور، ويضعنا أمام رؤية أصيلة وحديثة، تكشف جوانب دقيقة وعميقة في اللغة والخطاب عامة، واللغة العربية بخاصة، من خلال تحليل حجاجي مشبع بسند نظري خصب ومتنوع أفرز في النهاية مشروعاً علمياً متميزاً، أضاف لبنة جديدة، هامة إلى الإنجازات العلمية ذات المستوى الرفيع نظراً وإنجازاً في دراسة وتحليل اللغة من منظور حجاجي دقيق، وعميق، كانت اللغة العربية في حاجة ماسة إليه أملاً في كشف المزيد من أسرارها، وفهم العديد من إمكاناتها في شتى الإنجازات والأجناس الأدبية وغيرها من الخطابات الأخرى متنوعة المقاصد والأهداف.
 
وإذا نحن تأملنا جيداً جوهر القضايا التي أثبتها المؤلف، وحاول تقديم الحجج والدلائل النظرية والتطبيقية عليها من داخل التحليل نفسه، وبلغة واصفة دقيقة، وافية، نجدها تكمن في الاستنتاج العام الآتي: "لا تواصل من غير حجاج ولا حجاج من غير تواصل". بهذه المعادلة القيمة، واللافتة للتفكير والتأمل، والمغرية بالتوظيف في أكثر من مستوى، بنى المؤلف هذا النتاج العلمي، المغري بالقراءة والتأمل بفضل ما تضمنه من عناصر جديرة بالتقدير والمتابعة المتأنية، والتي لاشك أنها ستنير كثيراً من القضايا اللغوية والخطابية، من منظور لساني، حجاجي.
 
_______________________
 
* يعد مشروع د. أبو بكر العزاوي في تحليل اللغة والخطاب استناداً لمنظور حجاجي من الأعمال المؤسسة والمتميزة.
صفحة 7
1- الحجاج والنصوص الموازية
 
في النصوص الموازية التي غالباً ما يصدر بها المؤلف كتاباته، ويفتتح بها أعماله سمات لغوية مميزة، لا تخلو بدورها من روح الحجاج والإقناع الدال على نوع من التواصل المنتج والفعال بين الباحث وموضوع بحثه والأدوات التي تحكم هذه العلاقة في كافة تمفصلاتها لغوياً وخطابياً من خلال عبارات حجاجية ملئها (الصدق) وعمادها (السلمية) و(التدرج) الذي يجد سنده القوي في تضمينات مختارة لنماذج لغوية دقيقة وشواهد شعرية بليغة و آيات قرآنية مشبعة هي الأخرى بطابعها الحجاجي القوي والعميق (2).
 
هكذا يتابع الباحث نسج خيوط لغوية رفيعة يبني عبرها جسور التواصل الذي سيهيأ المتلقي منذ البداية لدخول عالم الإقناع والحجج وما يندرج تحتهما من أسرار وعناصر طبيعية قائمة في بنية اللغة موضوع الاشتغال، فكيف الحال إذا تعلق الأمر بخطاب قرآني كريم، يؤكد مآل ومنتهى هذه الذوات جميعاً إلى الباري تعالى، بعد أن يتوارى المال ومالكوه وما يندرج تحتهما، لتبقى الكلمة والقول شاهدين على هذا التميز، الذي منه ما هو قائم في هذا المشروع، وما هو ثاو خلف أسئلة كثيرة دقيقة وعميقة. تلك إذن كانت أولى مظاهر الحجاج، التي أبى المؤلف إلا أن تكون على هذا النحو مقدمة لتواصل أشمل وأعمق سواء عبر اللغة ذاتها أو عبر خطابات عديدة ومتنوعة تبرز بما لا يدع مجال للشك أن الحجاج حاضر في كل الخطابات بدءا من الخطاب الإلهي إلى غيره من الخطابات الإنسانية المتنوعة شخوصاً وأزمنة وأمكنة وأدوات.
 
غير أنه ينبغي التنبيه هنا إلى أن النصوص الموازية المتضمنة في هذا المشروع، تكشف أيضاً أن الحجاج الفعال والمنتج يستند إلى قوانين وضوابط وعناصر دقيقة، تحصن وتقوي أهدافه المتمثلة في تحقيق التواصل والتأثير والإقناع الفعال. وما الآيات المختارة سوى تأكيد صريح إلى نوع من الخلل الذي قد يصيب عملية التواصل إذا لم تقم على أسس وقوانين سليمة كتلك التي غابت من علاقة عمران وقومه الذين بنوا حوارهم معه على غير هدى ولا بصيرة، فلم يتمكنوا من إقناع أنفسهم أو إقناع عمران الذي أقام خطابه على حجج ودلائل صلبة تجاوز بها قومه فعجزوا عن إبطالها أو ردها.
صفحة 8
2- خلفيات المنهج ومقاصد النظرية
 
نجد في هذا التوجه توضيحاً دقيقاً للمنهج المتبع، والخلفيات النظرية والمقاصد المرجوة، حيث إنه رسم في مقدماته المركزة معالم العمل الكبرى، وخلفياته العميقة، وأهدافه العامة والخاصة، مبرزا أن مشروعه يهدف إلى دراسة العناصر الحجاجية في اللغة العربية وخطابات أخرى متنوعة.
 
ثم إن الباحث كشف أيضاً المنطلق الرئيس الذي اعتمده في هذا المنحى اللساني القائل بأننا من جهة نتكلم عامة قصد التأثير، ومن جهة أخرى- وهذا هو الأساسي والجديد الذي غيب في العديد من الدراسات اللسانية - هو أن وظيفة التأثير والإقناع قائمتان في اللغة ذاتها، وليس خارجها، إذ اللغة "تحمل بصفة ذاتية وجوهرية وظيفة حجاجية، أي أن هذه الوظيفية مؤشر لها في بنية الأقوال نفسها، وفي المعنى وكل الظواهر الصوتية والصرفية والمعجمية والتركيبية والدلالية. وتنتمي دراسة الحجاج إلى البحوث التي تسعى إلى اكتشاف منطق اللغة، أي القواعد الداخلية للخطاب، والمتحكمة في تسلسل الأقوال وتتابعها بشكلٍ متنام وتدريجي، وبعبارة أخرى فإن الحجاج يتمثل في إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب"(3).
 
وإذا كانت مقاصد المؤلف محددة في إبراز منطق اللغة، والبنيات التي تحكم الخطاب في العديد من الإنجازات، فإنها لم تخف أنها تود استثمار النتائج التي انتهى إليها العالم اللساني أزفالد ديكرو في العديد من أعماله المتميزة(4).
 
إن اختيار نظرية الحجاج إطاراً نظرياً، نابع لدى الباحث من أسباب علمية موضوعية وتراكم خبرات وقراءات صبورة ومتأنية لنتاجات علمية، لسانية ومنطقية أساساً، يمكن إجمالها في الآتي "أولاً: كون نظرية الحجاج نظرية دلالية حديثة، تقدم تصوراً حديثاً للمعنى، وتطرح تفسيرات جديدة وجريئة للعديد من الظواهر اللغوية.
 
ثانياً: نجاح النظرية الحجاجية في تجاوز العديد من العوائق المتصلة بتفسير المعنى، بخاصة النظريات الوصفية والمنطقية المرتبطة بمفهوم الصدق.
 
ثالثاً: كون النظرية الحجاجية تعود في منابعها إلى أصول لسانية حديثة، لا تعلي من شأن الوظيفة التواصلية- الإخبارية للغة، واعتبارها الوظيفة الأساسية والوحيدة، بل لأن لها وظائف تتجاوز التواصل والإخبار إلى التأثير والإقناع، الشيء الذي يجعل الوظيفة الإخبارية تتوارى قياساً للوظائف الأخرى التي أكدت عليها النظرية الحجاجية.
صفحة 9
ويبدو أن هذا التصور الجديد قد عدل العديد من الفرضيات، والمنطلقات التي أقامت عليها النظريات الأخرى إنجازاتها وتطبيقاتها سواء في مجال اللغة أم الخطاب، لدى العرب أو الغرب. هذا ما سنلمسه بوضوح في تلك التطبيقات التي خص بها ظواهر لغوية متنوعة، تهم اللغة العربية، من خلال مقارنتها بلغات أخرى كالفرنسية والإنجليزية وغيرهما وصولاً إلى اختبارها في خطابات أخرى متنوعة.
 
وهنا بالذات تكمن جدة وجدية هذا العمل، أي في كونه ينطلق مما هو عام، كامن في عمق النظريات التي تحكمه، وتؤطر توجهه العام، ليصل إلى ما هو خاص يجسده الاختبار الدقيق والعميق لهذه النظرية على اللغة العربية، خاصة في ظل غياب دراسات وأعمال(5) تطبيقية عربية مقارنة بما أنجزه الغرب، حيث شاعت هذه النظرية التي تتخذ من الحجاج واللغة والمنطق الطبيعي موضوعاً لها، راكمت فيه إنجازات هامة نظراً وتطبيقا(6).
 
كما لم يفت المؤلف، وفي إطار هذا الحرص الشديد على ضبط المنهج، والتأطير لخلفياته وفلسفته، أن يوضح خصائص عناوينه وأهداف مباحثه القائمة على أسس نظرية الحجاج في اللغة بمفاهيمها الخاصة مثل: الحجة – النتيجة – الروابط – العوامل الحجاجية – التوجيه – السلم الحجاجي وغيرها، مع التركيز على ما أسماه (الطبيعة الحجاجية للمعنى) والعلاقة القائمة بين المحتوى الإخباري للقول وقيمته الحجاجية.
 
كما أنجز الباحث تحليلاً دقيقاً لنماذج من الروابط الحجاجية في اللغة العربية، خاصة (بل – لكن – حتى) مبينا أن الهدف من هذا الاختيار هو إبراز بعض جوانب الاستعمال الحجاجي لهذه الروابط، لأنها أكثر استعمالاً وشيوعاً. وهو توضيح منهجي يبرر هذا الاختيار، ويدفع كل تأويل خاطئ أو تفسير غير دقيق.
 
في حين كانت الاستعارة الموضوع الذي بين فيه المؤلف أوجه الحجاج عبر مفاهيم محددة مثل (السلم الحجاجي) و (القوة الحجاجية) و (الإبطال).
 
وفد استعار المؤلف مصطلح القوة (La Force) ليوظفه في حقل اللغة، كما اجترح مصطلحات جديدة، مثل سلطة الكلام وسلطة الخطاب و قوة الكلمات، منتهيا من ذلك إلى استنتاجات خصبة، يمكن أن استثمارها لتكون مشاريع أعمال مستقبلية، تساهم في إبراز الجانب الحجاجي للغة و الخطاب العربيين، وكشف المنطق الذي يحكمهما.
صفحة 10
3 – الحجاج من التلقي إلى الإنجاز
 
إن حرص المؤلف على تتبع النظريات الحجاجية في منابعها، وفهم أبعادها، سمح له بتمثل أعمق لأسرارها، واستيعاب أدق لتفاصيلها وجزئياتها. يبدو ذلك جلياً أولاً في تحليله الدقيق للفروق القائمة بين العوامل الحجاجية والروابط الحجاجية وتمييزه بين الحجاج (Argumentation) والاستدلال (Démonstration)، بما يفيد إبعاد أي التباس في مجال التطبيق، ويثبت أيضاً الإضافات التي سيقدمها عند إنزال هذه المفاهيم على محك اللغة بشتى تلويناتها وتمظهراتها وحسب الأجناس الأدبية والفنية ووظائفها التأثيرية والإقناعية التي تؤديها. ذلك أن المؤلف لم يبق أسير التصورات المتداولة أو النمطية، بل اجتهد في الإفادة من أحدثها وأكثرها استجابة لخصوصية الظواهر اللغوية موضوع التحليل. ثم إنه بعد أن بين تلك الفوارق والمحددات المتعلقة بكل مصطلح، انتهى إلى استنتاجات هامة، تساعد المتلقي على المزيد من الفهم والرغبة في متابعة التحليل، كما هو الشأن مثلاً في هذا التحديد لنمط خاص من الروابط الحجاجية (حروف العطف، الظروف...) حيث يتم "الربط بين وحدتين دلالتين أو أكثر في إطار استراتيجية واحدة، وهذا في إطار الصيغة الجديدة للنظرية الحجاجية أما في التصور السابق، فقد كنا نقول إنه يربط بين قولين (أو أكثر)، وقد تم التخلي عن هذا التصور لأن ظاهرة الربط معقدة، ولأن الربط بين الأقوال ليس إلا حالة خاصة، فقد يربط الرابط بين قولين، وقد يربط بين عناصر غير متجانسة، كأن يربط مثلاً بين قول وقولية (uneénonciation) أو بين قول وسلوك غير كلامي، إلى غير ذلك من الحالات الممكنة"(7) .