eKtab
EN ع
اللغة والفكر وفلسفة الذهن
اقرأ عينة مجانية

اللغة والفكر وفلسفة الذهن

بقلم مصطفى الحداد

صفحة 1
مقدمة
 
تحيل الإشكالات التي يعالجها هذا الكتاب على المجالات التالية: علم النفس المعرفي (Cognitive psychology) واللسانيات والفلسفة. والنواة المركزية التي تحوم حولها هذه الإشكالات كلها يلخصها سؤال هام هو: ما طبيعة الفكر؟. وهذا السؤال كما يمكن أن يلاحظ القارئ سؤال تقليدي ضارب في القدم. لكن قدم الأسئلة كما هو معلوم، أياً كان نوعها، ليس مسوّغاً للإعراض عنها وتجنبها.
 
لن نتطرق إلى هذا السؤال من منظور ما قيل عنه في التراث. سنعالجه من منطلق يبحث عن الاختلاف الذي يقدمه الجواب المقترح اليوم عن الأجوبة التي اقترحت في الماضي. وإذا أردنا أن نعيد وضع السؤال في ضوء هذا التوضيح فإننا لن نعثر على صيغة أفضل من: ما طبيعة الفكر "اليوم"؟.
 
وتتطلب منا هذه الصيغة التاريخية في المساءلة أن نحدد الإطار المرجعي الذي نصدر عنه، لأن ما يقال اليوم عن الفكر كثير لا يستطيع أحد أن يحيط به. وفي هذا الصدد نقول: سنعالج سؤال الفكر والإشكالات المتصلة به من منظور ما أطلق عليه بوتنم (1881) لقب "النزعة الذهنية لمعهد المساشوسيتس (MIT)" المتصلة بأعمال كل من نعوم تشومسكي وجرّي فودور ومن سار على نهجهما.
 
تصدر هذه النزعة عن تصور عقلاني يقضي بأن الإنسان يولد مزوداً بجهاز فطري مخصص تخصيصاً عالياً يمكنــه من اكتساب المعارف. وترى أن المحيط لا يلعب إلا دوراً هامشياً في هذا المسلسل الاكتسابي. وتؤمن بإمكان تخصيص "محتويات" هذا الجهاز الفطري تخصيصاً علمياً على النحو اللذي تخصص به الفيزياء (بالمعنى العام) موضوعاتها.
 
إن هذه النزعة، باختصار، تمزج افتراضاً ميتافيزيقياً تبلور في سياق عقلاني بنزعة وضعية ترعررت في سياق تجريبي. لكنها تخرج من هذا المزج بنسق جديد لا يفصل بي الفكر والمادة، وهنا يختلف عن الطرح العقلاني الكلاسيكي والقديم، ولا يرتمي في أحضان النوعة الفيزيائية (Physicialism) كما هو الحال عند الوضعيين.
 
سنخصص الفصلين: الأول والثاني لمعالجة الإشكال الذي ينشأ عن هذا المزج. ويمكن وضع هذا الإشكال على النحو التالي: كيف يمكن إلغاء الخط الفاصل بين الفكر والمادة دون الانخراط في الدفاع عن النزعة الفيزيائية؟ أو بعبارة إبستملوجية حديثة: كيف يمكن محو الفارق القائم بين الحالات الذهنية والحالات الدماغية دون القبول باختزال علم النفس إلى الفيزياء؟.
صفحة 2
سنحدد في الفصل الأول موقف المعهد من النزعة الفيزيائية كما تبلورت في السياق التجريبي (فتجنشتاين في مرحلته الأولى، كارنب، أوبنهايم). وسندرس في الفصل الثاني بعض الحجج التي يقدمها المعهد، وخصوصاً الحجة الحاسوبية، على استقلال على النفس، دون الإذعان لفصل الفكر عن المادة.
 
أما الفصل الثالث فسنخصصه لدور الحجة الحاسوبية في دعم الموقف الفطري وانعكاسات هذا الموقف على مسألة التعليم بصفة عامة. وسنفرد حيزاً خاصاً لأطروحة "لغة الفكر" الفطرية التي دافع عنها فودور بوصفها لغة التمثيل الداخلي التي تـــُعرف ولا تـــُعلّم ولا تـــُتــَعلَّم.
 
أما الفصل الرابع فسنخصصه "لأعداء" التصور الذي يصدر عنه "المعهد":
 
العدو الأول بالطبع هو فتجنشتاين، في المرحلة الأخيرة من أعماله. والغريب في الأمر هو أن حجج فتجنشتاين صيغت قبل أن تبرز إلى الوجود الصيغة الذهنية التي نتحدث عنها. فانتقادات فتجنشتاين يجب أن تفهم من حيث إنها موجهة إلى كل نزعة ذهنية بما في ذلك نزعة "المعهد" الراهنة. وسنركز في مقام فتجنشتاين على حجتين يرى البعض أنهما تقوضان النزعة الذهنية التي نحن بصددها، هما: "حجة اتباع القاعدة" و"حجة اللغة الخصوصية".
 
العدو الثاني هو الفيلسوف ج. سورل (J.R.Searle). وسنبرز، في مقامه، فساد الطرح الذهني الذي يصدر عنه "المعهد" من منطلقين: المنطلق الأول يستدل فيه سورل على عدم كفاية المعالجة التي يقضي بها النموذج الحاسوبي. والمنطلق يبرز فيه سورل تهافت البدعة الأفلاطونية التي تحكم تصور "المعهد" والقائلة بوجود مستوى فطري (أو معرفي أو زظيفي أو حاسوبي) يتوسط الحالات الدماغية التي تفترضها علوم الأعصاب والحالات الذهنية التي يفترضها على النفس الساذج (نشير هنا إلى أن "الساذج" لا يعد وصفاً قدحياً).
 
أما العدو الثالث والأخير هو: هـ. بوتنم (H. Putnam) ويمكن القول عنه: إنه عدو نفسه أولاً قبل أن يكون عدواً للنزعة الذهنية موضوع حديثنا. لأنه لعد، لوقت طويل، دوراً أساسياً في صوغ مواقف هذه النزعة على الرغم من رفضه التام للافتراض الفطري الذي تصدر عنه. فالطرح الحاسوبي للذهن طرح بلوره بوتنم منذ بداية الستينات. وعليه اعتمد فوردور في صوغ تصوره (وهو بالمناسبة تلميذ قديم لبوتنم). لكن بوتنم رجع عن آرائه. فنقده إذن نقدان: نقد ذاتي موجّه إلى بوتنم نفسه في وقت من الأوقات ونقد موجّه إلى النزعة الذهنية للمعهد.
 
يمكننا الآن، بعد هذا التحديد العام لهيكل الكتاب، أن نلتفت إلى مناقشة بعض الإشكالات الميتافيزيقية المتصلة بالنزعة الذهنية للمعهد لنثير حولها جملة من الملاحظات تدخل في نطاق التأطير الفلسفي العام لتصور المعهد من جهة وللانتقادات المصوبة إليه من جهة أخرى.
صفحة 3
تندرج المعالجة التي يقترحها المعهد لسؤال الفكر في سياقٍ عام تتحكم فيه مقتضيات ما أصبح يعرف في تاريخ الفلسفة بالانعطاف اللغوي (Linguistic turn) أو ما يعبر عنه أحياناً بأنموذج اللغة (أنظر آبل (1977) وهابرماس (1988ب) (في شأن الفروق القائمة بين أنموذج الأنطلوجيا وأنموذج الشعود وأنموذج اللغة)، غير أن اندراج هذه المعالجة ضمن أنموذج اللغة لا يعني خلوها أو انفصالها التام عن دعاوى نظرية المعرفة المتصلة بفلسفة الذهن الديارتية أو ما يعرف عند آبل وهابرماس بأنموذج الشعور.
 
فعندما نتأمل أطروحات المعهد نجدها مشدودة إلى التسليم بوجود حيز فطري قائم في الذهن يلعب دوراً أساسياً في اكتساب المعارف؛ ونجدها تتحدث عن هذا الحيز بوصفه نسقاً من التمثيلات الداخلية؛ ونجدها، في نهاية المطاف في الاكتساب على عكس ما تفعل النزعات التجريبية كالسلوكية وغيرها.
 
وهذه المواقف هي عينها المواقف التي نلاقيها في فلسفة الذهن الديكارتيه القائمة وراء أنموذج الشعور. فديكارت انطلق من موقف فطري، وبنى نظرية تمثيلية للذهن، وخالف النزعات التجريبية مخالفة جذرية.
 
لا نريد أن نسلك مسلكاً قرائياً همه الوحيد البحث عن التشابه في تقاليد الفكر المختلفة، سعياً وراء اطمئنان كاذب أو دفاعاً عن ليس في الإمكان أبدع مما كان. سنحاول أن نبرز اختلافات لا تقبل المصالحة قائمة وراء هذا التشابه. وسنبين بعد ذلك الحد الذي، إذا انتــُهك، تتحول معه النزعة الذهنية للمعهد إلى صيغة من صيغ نظرية المعرفة المتصلة بأنموذج الشعور.
 
لقد انطلق ديكارت من تصور ثنوي يقضي بأن الذهن جوهر مخالف لجوهر الجسد. ودافع عن رأي مفاده أن الذهن هو الشيء الوحيد الذي تستطيع الذات العارفة (المفكرة) بلوغه بلوغاً إبستملوجياً حقيقياً. وقد عبّر عن هذا الرأي (وهو بالمناسبة الرأي الذي بنيت عليه نظرية المعرفة عنده) بوضوح تام حينما قال: ليس هناك شيء أسهل علي من معرفة ذهني (أنظر ديكارت "1979: 95"). ويرجع يُسر الوصول معرفياً إلى الذهن، في نظره، إلى تلكم العلاقة الخصوصية (الحميمية) التي تقيمها الذات المفكرة بنفسها. فبمقتضى هذه العلاقة (التي تعد استبطانية من الوجهة النفسية) تستطيع الذات المفكرة الوصول إلى حيِّز التمثيلات الداخلي على نحو جذري؛ لأن هذا الحيِّز بعد، من جهة، منتمياً انتماءً كلياً إلى الذات؛ ويعد، من جهة أخرى، سابقاً على عالم الموضوعات المتمثــّلة.
صفحة 4
إن المعهد عندما يتحدث عن الذهن وعن التمثيلات الداخلية فإنه لا يفعل ذلك من منطلق ثنوي كما فعل ديكارت؛ بل ينطلق من نزعة مادية أو فيزيائية صريحة لا تضع حداً فاصلاً بين الذهن والجسد. فالمعهد يعلن دون لف أو دوران أننا كائنات مادية أو فيزيائية في عالم فيزيائي. وقد سمى فودور (1975: 12) النزعة المعبّر عنها في هذا الإعلان بـ فيزيائية الحدث (Token Physicalism)، وأطلق عليها بوتنم (1980: 794) لقب الأطروحة الأولى للنزعة المادية. ويُعد هذا الإعلان كافياً لإخراج برنامج المعهد من دائرة الثنوية المحركة للبرنامج الديكارتي.
 
أما عندما يرفض المعهد ما يسميه فودور بـ فيزيائية النمط (Type Physicalism) أو ما يسميه بوتنم بـ الأطروحة الثانية للنزعة المادية القائلة: إن خصائصنا الذهنية خصائص فيزيائية؛ فإنه يرفضها لدرء صيغة اختزالية متطرفة وليس للإقرار بوجود جوهر، هو الذهن، مستقل عن الجسد. والحجة التي تدعم هذا الرفض حجة فيزيائية في كنهها، تبلورت في نطاق الإعلاميات النظرية وبرمجة الحواسيب، لا علاقة لها بالحجج الميتافيزيقية التي عرضها ديكارت ببلاغة أخــَّاذة في كتاب التأملات (أنظر على الخصوص "التأمل الثاني" ضمن ديكارت (1979: 77-95)).
 
إن ما يميز افتراضات المعهد حول الذهن عن افتراضات ديكارت قائم في كونها افتراضات آلية محضة لا تقول بإمكان بلوغ ما يجري في الذهن عن طريق الاستبطان (أنظر في هذا الشأن دينيت (281:1987)). وإذا جاز لنا أن نستفز ديكارت في هذا الخصوص فإننا نقول: ليس هناك شيء أصعب، بالنسبة إلى المعهد، من معرفة الذهن؛ لأن الأشياء، في اعتقاد أقطابه، لا تحصل البتة في مسرح الشعور، كما توهم ديكارت، بل تجري وتعتمل في كواليسه إذا حسُن التعبير. وتحديد جريان الأشياء واعتمالها في الكواليس يعد، في نظر المعهد، أمراً تجريبياً خالصاً.
 
لنقف قليلاً عند هذه النقطة حتى تبين. يكون الإنسان، حسب المعهد، إزاء موقف قضوي (أي يكون قاصداً شيئاً أو راغباً في / عن شيء... الخ) عندما يكون ذا علاقة بتمثيل داخلي محددة تحديداً حاسوبياً (Computationally determined). فالقصد والرغبة والاعتقاد وغيرها من الحالات الذهنية أو النفسية (أو ما يسميه راسل بالمواقف القضوية) تعد في نظر المعهد علاقات حاسوبية تربط بين الأجهزة العضوية والتمثيلات. وعندما يذهب المعهد هذا المذهب في تفسير الحالات الذهنية فإنه لا يطون بصدده تجديد مذهب ديكارت بشأن تخصيص الذهن والإجابة عن سؤال الفكر. فالحكم بذلك كان سيكون ممكناً لو أن المعهد أسند، فعلاً، إلى الذهن الأهمية الميتافيزيقية نفسها التي كان يسندها إليه ديكارت. لكن، بما أن هذا الأمر غير وارد، بمقتضى النزعة الفيزيائية للذهن ولحالاته _كالقصد والرغبة... الخ) يغدو أمراً تجريبياً خالصاً، أي عديم الفائدة من الوجهة الميتافيزيقية التي تصدر عنها نظرية المعرفة المتصلة بأنموذج الشعور. يقول فودور (47:1975): أُلحُّ على أن المسألة المتصلة بمعرفة ما إذا كانت العمليات النفسية عمليات حاسوبية أو لا، مسألة تجريبية. ويترتب على هذا أن الأمور المتصلة بالذهن لا تعد، في ملة المعهد، من قبيل المعطى بكيفية واضحة ومتمايزة كما ألَحَّ على ذلك ديكارت، بل من قبيل ما يتطلب رصْدُه بحثاً تجريبياً وشاقاً. وهذا مظهر أساسي من مظاهر اختلاف الطرح المعرفي (نسبة إلى علم النفس المعرفي) للذهن الذي تعرضه نظرية المعرفة المتصلة بأنموذج الشعور.
صفحة 5
حينما عرج رورتي (283:1979) على مناقشة بعض افتراضات علم النفس المعرفي لدى فودور وفندلر وغيرهما، ناظراً فيها، فاحصاً ما يميزها عن نظرية المعرفة لدى كلٍ من ديكارت وكانط، انتهى إلى أن تخصيص بنية الذهن ومحتوياته لا تعد، خصوصاً عند فودور، محصنة مما قد تثيره التجربة من شكوك؛ إذ يمكننا، في نطاق البرنامج الذي يقترحه فودور، إلاَّ نبْرَحَ الخطأ بخصوص قهمنا لبنية الذهن ومحتوياته. ويستنتج رورتي (286:1979) من هذا أن تصور المعرفيين يُمَكِّنــُنا، بابتعاده عن دعاوى نظرية المعرفة الكلاسيكية، من الإبقاء على الاختلاف قائماً بين الناس من حيث إنهم موضوعات للتفسير، والناس من حيث إنهم فاعلون أخلاقيون منشغلون بتسويغ اعتقاداتهم وأفعالهم. فهاتان الرؤيتان: التفسيرية (العلمية) والتسويغية (الأخلاقية) لا تستدعيان، في نطاق التصور المعرفي، أي تركيب (Synthèse)؛ لأن الذهن عند المعرفيين لم يعد يلعب دور مرآة طبيعية كما كان الحال عليه في نظرية المعرفة الكلاسيكية. بمعنى أن الذهن لم يعد يمثل الأساس الذي يسمح بالفرز بين الاعتقادات المسوغة وغير المسوغة (لقد كان كانط يعتقد أن معرفتنا بما يجري داخلنا هي التي تمكننا من إضفاء المشروعية على اليقينيات التي نؤمن بها أمام محكمة العقل الخالص )أنظر مقدمة الطبعة الأولى في كانط( (31:1976))؛ ولم تعد التمثيلات الذهنية أداة ذات امتياز ميتافيزيقي محفوظ للفصل بين الصدق والكذب؛ بل أصبح يُنظر إليهما (الذهن وتمثيلاته) بوصفهما موضوعاً للتفسير العلمي المستقل عن كل وثوقية ميتافيزيقية.
 
إن هذه الفروقات القائمة بين الطرح المعرفي للذهن ونظرية المعرفة تبقى واردة كلما تشبث المعرفيون بمقتضيات التفسير وقاوموا رغبة الإنسان وراء رهانات التسويغ. أما عندما ينساقون (وهذا ما يكشف عنه رورتي بعناية في نقده لبعض تصوراتهم، وخصوصاً تصور فندلر، (أنظر رورتي (282-283:1979))، فإنهم يقعون مباشرة في شرك دعاوى نظرية المعرفة. والمنفذ الرئيس الذي يقود المعرفيين إلى معانقة دعاوى نظرية المعرفة هو الافتراض الفطري. فهذا الافتراض السحري يغري بمجاورة نطاق التفسير ويُرغَّبُ في التسويغ. وعندما تحصل المجاوزة، يتحول العلماء المعرفيون إلى فلاسفة يبحثون، على نحو تجريبي، في عين ما كان يبحث فيه ديكارت وكانظ، وأفلاطون قبلهما، على نحو تأملي. ويغدو الطرح المعرفي فصلاً جديداً سطرته حساسية القرن العشرين التقنوقراطية ليأخذ بعناق الفصول السالفة المسطورة بحساسيات أخرى في كتاب الميتافيزيقا الكبير.
 
ويمكن في ضوء الملاحظات أعلاه، أن نؤول الانتقادات التي سنقف عندها في الفصل الأخير من هذا الكتاب بوصفها انتقادات مصوبة، في جزء كبير منها، إلى دعاوى نظرية المعرفة التي تتحرك، بوضوح أحياناً وخِلسة أحياناً أخرى، في ثنايا النزعة الذهنية لمعهد المساشوسيتش.
 
* * * * *
 
لا يمكنني، وقد أتيت على نهاية هذا التقديم، إلا أن أتوجه بالشكر الخالص إلى أساتذتي الأفاضل: أحمد العلوي، أحمد الإدريسي، عبد القادر الفاسي الفهري، أحمد المتوكل، إدريس السغروشني، سالم يفوت، فعلى يد هؤلاء عرفت القسم الأكبر مما أعرف، وفي مجالسهم بكلية الآداب بالرباط تشكلت الملامح الأولى لهذه المحاولة المتواضعة.
 
وأشكر أيضاً زملائي وأصدقائي الذين عدت إليهم في بعض قضايا هذا الكتاب. وأخص بالذكر منهم: الحسن السوعلي، أحمد محفوظ، أحمد إحدوثن، محمد الحيرش، عبد الواحد العسري، محمد خرشيش، محمد بويعلي، رشيد بلخياط، أحمد الطريبق، وأشكر محمد أسيداه ومحمد الشبابي على قراءتهما للمخطوط قبل أن ينشر. وأبرئ الكل من الأخطاء التي يمكن أن تلق هذا الكتاب.
 
وأخص إخواني في مكتب الجمعية بتحية خاصة على سهرهم على إخراج هذا الكتاب.
 
تطوان / يوليوز 1995.
صفحة 6
تقديم
 
من الصعب جداً على الفيلسوف الذي ألّف التفكير "الرصين" في إطار التقليد الفلسفي القارّي(1) أن يقبل وضع أسئلة مربكة مثل: "هل بإمكان نسق أو جهاز مادي محض، يخضع لقوانين الفيزياء وحدها، أن يفكر؟" أو "هل يمكننا أن ننسب إلى آلة تحكمها قوانين الفيزياء حالات ذهنية؟" أو "هل يمكن ردّ الأنشطة التي يقوم بها الذهن إلى الخصائص الفيزيائية للدماغ؟" ... الخ. فمثل هذه الأسئلة، وغيرها مما هو داخل في بابها، لن يكون في نظر هذا الفليلسوف "الرصين" سوى ضرب من الهرطقة والتخريف. وقد يحسن الفيلسوف النية ويبحث لها عن وجه من المشروعية يحملها عليه. لكنه في الغالب سينتهي إلى أن واضعها ينوي المهازلة والمزاح لا أقل من ذلك ولا أكثر.
 
سنحاول في هذا الفصل أن نسوّغ، من الناحية الإبستملوجية، وضع هذا الضرب من الأسئلة المربكة. وسنلجأ، في هذا الصدد، إلى مناقشة بعض الحجج التي تبلورت في التقليد الفلسفي الوضعي عند التجريبيين المناطقة لنبين أن وضع هذا النوع من الأسئلة، وخصوصاً السؤال الأخير، لا يستدعي البتة الصدور عن أي صيغة من الصيغ الاختزالية المتطرفة التي دعا إليها الوضعيون في إطار ما يعرف عندهم بالنزعة الفيزيائية (Physicialism). سنبين، من خلال العرض، بعض مزالق النزعة. وسنقف من خلال جرّي فودور (1975)، عند تصور يمكن من وضع الأسئلة أعلاه دون أن يعترضه النقد الذي يوجّه عادة إلى النزعة الفيزيائية.
صفحة 7
حس المشترك وأسئلة "العلم"
 
هناك أسباب شتى تحث الفيلسوف "الرصين" على رفض الأسئلة أعلاه. لكن أهم هذه الأسباب، أو على الأصح أوردها بالنسبة غلى موضوعنا، كامن في أنه يصدر في رفضه، ربما، عن موقف يقول بالتعدد الأنطلوجي، أي بوجود نوعين، على الأقل، من الجواهر أو الماهيات يخضعان لقوانين (سببية؟) مختلفة: ماهية الفكر وماهية المادة.
 
وقد يلتمس، لموقفه هذا، سنداً في تاريخ الفلسفة فيقول، مثلاً، لعى لسان ديكارت (60: 1966): عرفت [....] أنـــّي جوهر ماهيته وطبيعته التفكير وليس شيئاً آخر غيره، وهذا الجوهر لا يحتاج، لكي يوجد، إلى محل. ولا يتوقف على أي شيء مادي. فهذا الأنا، أي هذا الروح الذي يجعلني أكون ما أكون، يتميز كلياً عن الجسد.... وإذا حصل إن قبل الفيلسوف "الرصين" حدوس ديكارت وأذعن لها، سيزداد اقتناعه رسوخاً بعبثية الأسئلة الموضوعة أعلاه. ففي أي إطار، إذن، يمكن وضع هذا الضرب من الأسئلة دون الانزلاق إلى العبث أو إلى المهازلة والمزاح؟.
 
لا يمكن للأسئلة أعلاه أن تكون واردة إلا في إطار ينفي التعدد الأنطولوجي أو يقبل التشكيك فيه. أو بعبارة فلسفية أوضح، لا تكون الأسئلة أعلاه واردة إلا إذا رفضنا حدوس ديكارت الثنوية أو شككنا فيها. بالطبع، ليس هناك موقف واحد فقط يتعارض مع القول بالتعدد الأنطولوجي. بل ثمة موقفان إثنان: أولهما تجسده الأحدية المادية، وثانيهما تجسده الأحدية المثالية. فإذا أخذنا على سبيل المقال السؤال الأخير من سلسلة الأسئلة أعلاه وعرضناه على هذين الموقفين؛ فإن الأحديين الماديين سيجيبون عنه بالإيجاب. فهم، بحكم موقفهم المبدئي، سيقبلون:
 
1- النظر إلى الدماغ – أو الجهاز العصبي المركزي – بوصفه آلة أو نسقاً مادياً يخضع لقوانين الفيزياء (تتدخل الفيزياء هنا عن طريق علوم الأعصاب).
 
2- النظر إلى الدماغ من حيث إنه الحامل الذي يسند هنا عن طريق علوم الأعصاب).
 
على عكس خصومهم الأحديين المقاليين الذين لن يستطيعوا بحكم موقفهم أيضاً، أن يقبلوا التسليم بالمسلمتين (الفيلسوف الرافض للأسئلة أعلاه يكون صادراً إما عن التعدد الأنطولوجي وإما عن الأحدية المثالية).
 
إن القول بالمسلمتين يتعارض مطلقاً مع الصورة التي يزودنا بها الحس المشترك عن أنفسنا. فنحن، عندما نفكر، نكون فاعلين أحراراً شاعرين أذكياء عقلانيين. وبمقتضى هذه الخصائص نتميّز عن العالم الفيزيائي. فكيف يمكننا أن نرد هذه الخصائص التي تحكمها الدلالة والقصدية إلى خصائص العالم الفيزيائي الخرساء؟ إن هذه الصيغة في وضع السؤال تحمل في طياتها إيحاءات تبعث على التشكيك في صدق المسلمتين السالفتين، بل في مشروعيتهما كذلك. لكن الإيحاء بالتشكيك ليس تشكيكاً. إذ يكفي أن نلتفت إلى الحس المشترك ونسأله عن معنى الخصائص أو الدلالة أو القصدية أو العقلانية... إلخ؟ إن الحس المشترك، في مقام كهذا، يروي القصص ولا يقدم الأجوبة.
 
إذا جاوزنا ما يقضي به الحس المشترك، وألقينا نظرة على العلوم التي حققت نجاحاً مشهوداً في فهم الظواهر وتفسيرها، نجدها تصدر عن القبول الشمولي بوجود أنطولوجيا مادية، ونجد، أيضاً، أن هذا القبول مكنــّها من تشييد تصورات منسجمة إلى حد بعيد للعالِم الذي تدرسه، وسهل لها إمكان تحقيق قدرٍ عالٍ من التــّخاص في البحث، (هذا، دون الحديث عن النتائج التكنولوجية الهائلة التي أدت إليها هذه العلوم). بل إن التقدم النسبي الذي حققته بعض شعب العلوم الإنسانية والإجتماعية راجع في جزء كبير منه إلى التسليم بوجود أنطولوجيا مادية (أنظر المزيد من التفصيل سبربر (399-397:1992)). فالقول بصدق المسلمتين أعلاه، رهان داخل في هذا النطاق، أي رهان داخل في نطاق طرح الفكر، أو ما يسمى بالحالات الذهنية، طرحاً مادياً. والسؤال الذي يسوّغ هذا الرهان هو التالي: إذا كان التصور "العلمي" الشامل عن العالم الفيزيائي يقضي بأن هذا العالم خالٍ من الدلالة والشعور..إلخ ولا يحتوي إلا على الجزئيات الفيزيائية، فكيف حصل أن كان هذا العالم نفسه حاوياً أيضاً للدلالة والشعور...؟
 
إن هذا السؤال يختلف عن سؤال الحس المشترك التشكيكي السابق. وإذا جاز لنا أن نؤوله تأويلاً تشكيكياً على نحو ما فعلنا بسؤال الحس المشترك، فإننا سنقول هذه المرة: إن التشكيك ينصبّ على الخصائص الفضفاضة التي ينسبها الحس المشترك إلى الفكر وليس على إمكان رصد الفكر رصداً يعتمد الفيزياء. فالتكشكيك إذا شئتم، وارد في السؤالين؛ لكن حيّزيه مختلفان
صفحة 8
النزعة الفيزيائية ووحدة العلم
 
لقد ذهب فتجنشتاين في الرسالة (1921) إلى أن مهمة الفيلسوف، من حيث إنه ناقد للغة، تكمن في الاستدلال على أن الذي يصوغ جملة لا تنتمي إلى المنطق أو إلى العلوم الطبيعية يكون قد أتى بجملة تتضمن دلائل خالية من المعنى. (2) وعلى الرغم من أن فتجنشتاين لم ينتسب في يوم من الأيام غلى حلقة التجريبيين (أو الوضعيين) المناطقة المعروفة بحلقة فيينا(3)، فإننا نجد رواد هذه الحلقة يتلقفون هذا التصور ويدفعون به إلى نهاياته. فقد ذهب كارنب(4)، في سياق الدفاع عن أطروحة فتجنشتاين، إلى أننا إذا عدنا إلى بحث المشاكل التقليدية التي عالجتها الفلسفة نجدها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
 
1- مشاكل تتصل بموضوعات العلوم الخاصة.
 
2- مشاكل تتصل بموضوعات متخيّلة، لا تدّرس في أي علمٍ من العلوم الخاصة (مثل الشيء في ذاته (The thing-in-itself) والمطلق... إلخ).
 
3- مشاكل تتصل بالمنطق.
 
وعندما نشطب على القسم (2) لأنه وهمي؛ لا تبقة أمامنا إلا المشاكل المتصلة بالمنطق، وهذه الأخيرة هي المشاكل التي يتعين على الفلسفة أن تهتم بها.
 
وقد ارتبط بهذا الموقف الفلسفي العام الذي كان يرمي بالأساس إلى التحرر من الميتافيزيقا موقف آخر دافع عنه التجريبيون المناطقة خلال الثلاثينات من هذا القرن يقضي بـ "وحدة العلم". وكان هذا الموقف إدانة صريحة للفواصل الاعتباطية المصطنعة التي خلقها الاستعمال اللغوي وكرستها النــّظم الأكاديمية بين المباحث العلمية(5). وكان كذلك دعوة صريحة إلى اصطناع مقاربة تخاصية في البحث والدفع وبالفلسفة لكي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعلم.
 
تعني عبارة "وحدة العلم" حسب أوبنهايم وبوتنم (338:1958) معنيين: الأول هو الحالة المثالية للعلم، والثاني هو التيار الفكري الذي يدفع العلم بقوة نحو هذه الحالة المثالية. وإذا نحيّنا جانباً المعنى الأول، ووقفنا عند المعنى الثاني وجدنا الوضعيين أول من انخرط بثقة تكاد تكون مفرطة في الدفع بالعلم إلى هذه "الحالة المثالية".
 
وقد مرّ برنامجهم بمراحل مختلفة باءت كلها بالفشل. ففي المرحلة الأولى ذهب كارنب إلى أن وحدة العلم لا يمكن أن تــُبلَغَ إلا إذا شيدنا لغة تجريبية كلية. ولذلك اعتمد في تشييد هذه اللغة على اللغة التي اقترحها راسل في "المبادئ...". وقسم دلائل هذه اللغة إلى الأنماط عينها التي قال بها راسل. كما أن الجمل في لغة كارنب بنيت من الدلائل المحددة النمط (Type determined signs) تماماً كما هو الشأن عند راسل. غير أن كارنب ذهب إلى أن العناصر الأساسية التي تقع في أدنى سلّمية الأنماط مصدرها "التجارب الأولية" التي تــَعِنُّ للعّالِم، علىعكس راسل الذب افترض أن هذه العناصر، أو ما يسميه هو بمجال الأفراد (Domains of individuals)، غير محدود ولم يقترح له أي تخصيص(6).
صفحة 9
غير أن موقف كارنب القاضي بأن العناصر الأساسية مصدرها التجارب الأولية خلف ردود فعل كثيرة لما يتسم به من نزعة ذاتية عرفت بـ "الأنــَوِية المنهجية" (Methodological solipsism). وقد اعترض أ. نوراث على موقف كارنب هذا بأن الأقوال أو الجمل التي يمكن أن تبنى على التجارب الأولية لا يمكن التحقق منها بكيفية تذاوتية. واقترح، بدل تصور كارنب، تصوراً آخر يقضي بأن الجمل التي يمكن أن يتوافر فيها شرط التحقق التذاوتي (Intersubjective verifiability) هي الجمل المعبرة عن قضايا الفيزياء؛ لأنها تعرض ما يدل عليه من حالات زمكانية عرضاً كميّاً. ولهذا السبب فإنها تمكِّن كلّ الملاحظين من التحقق منها في وقت واحد.
 
وحينما تبين أن الموثق الذي عرضه أ. نوراث موقف "صائب"، دخل البرنامج الوضعي مرحلته الثانية في مسيرته نحو "وحدة العلم". واقترنت هذه المرحلة بالإسم الذي أطلقه نوراث على موقفه، وهو: النزعة الفيزيائية(7). أي النزعة التي تقضي بأن اللغة الفيزيائية لغة تذاوتية لا يمكن تلافيها في أي برنامج يروم تحقيق وحدة العلم المنشودة. وانقلب كارنب عن موقفه الأول واعتنق مذهب نوارث (أنظر النقد الذي صوبه بوبر (149-136:1964) إلى كارنب ونوارث في هذا الشأن).
 
عندما نقرن بين "وحدة العلم" و "النزعة الفيزيائية" نخلص إلى نتيجة تقضي بأن كل النظريات الصادقة في العلوم الخاصة ستغدو، في المدى البعيد قابلة للاختزال إلى النظريات الفيزيائية. وفي هذا المستوى تأخذ أطروحة وحدة العلم بعداً فيزيائياً، أي تصبح إقراراً صريحاً بعمومية الفيزياء وهيمنها على العلوم الخاصة. وعندما نسلم بعمومية الفيزياء، فإن وحدة العلم لا تغدو دالة على وحدة الموضوعات التي تدرسها العلوم ووحدة اللغة التي تصاغ فيها الأوصاف استجابة لشرط التحقق التذاوتي فقط، بل تصبح دالة على وحدة القوانين أيضاً. ويمكن أن نصوغ هذا التعميم على النحو التالي: إذا كانت كل الأحداث التي تنطبق عليها قوانين علم من العلوم أحداثاً فيزيائية في العمق، فإن هذا يلزم عنه انطباق قوانين الفيزياء على هذه الأحداث. (نتحدث هنا عن النزعة الاختزالية بوصفها نزعة أكثر قوة مما تظهر عليه صراحة في كتابات أغلب فلاسفة العالم. ونتبع في هذا الشأن فودور الذي يرى أن أغلب الناس الذين يتحدثون عن وحدة العلم يضمرون في أذهانهم تصوراً قوياً للاختزال أكثر مما يصرحون به. بل إن كثيراً من الصيغ الاخترالية المتحررة الجديدة تعاني في نظر فودور من المشاكل نفسها التي يعاني منها ما أطلق عليه فودور الصورة الكلاسيكية للمذهب. (أنظر في هذا الشأن الهامش 9 في فودور (10:1975)).
 
وهكذا يغدو برنامج "وحدة العلم" نرنامجاً حول موضوعات العلم وبرنامجاً حول لغة العلم ونرنامجاً حول قوانين العلم أيضاَ. وقد ميّز أوبنهايم وبوتنم (337-338: 1958) بين ثلاثة تصورات عامة لوحدة العلم: الأول ضعيف، والثاني قوي والثالث مفرط القوة:
 
‌أ. وحدة العلم بالمعنى الضعيف: وهي الوحدة التي يتم الوصول إليها عند اختزال كل حدود العلم (تجريبياً كان أم إنسانياً) إلى حدود علمٍ آخر (إلى الفيزياء مثلاً أو غلى علم النفس). ويتعلق الأمر هنا بوحدة اللغة. (ويمكن في هذا الصدد أن نشير إلى ما عرف عند الوضعيين بالسلوكية المنطقية (Logical behaviourism)، وهي أطروحة اقترنت اقتراناً وثيقاً بالنزعة الفيزيائية. وتقضي هذه الأطروحة بأن العبارات الدالةالتي تقال عن الحالات الذهنية لدى الإنسان (أو الحيون) ينبغي أن تقبل الترجمة إلى لغة الفيزياء أو بعبارة أوضح، يتعين علىالعبارات الدالة التي تقال عن الحالات الشعورية أن تقبل الترجمة إلى عبارات دالة على "سلوك" صاحب هذه الحالات(8)). ويختلف الباحثون في تصورهم لهذا النوع من الوحدة تبعاً للطريقة التي يخصصون بها استعمالهم لمفهوم "الاختزال".
صفحة 10
فبعضهم يرى أن الاختزال يعني تعريف حدود العلم بحدود المبحث الذي وقع عليه الاختيار ليقوم بدور العلم الأساس. وهذا ما يعرف بالاختزال عن طريق التشارطات (Bioconditionels) والبعض الأخر يشترط أن تكون التعاريف تحليلية أو صادقة بمقتضى دلالة الحدود المكونة لها. وهذا ما يعرف بالاختزال الإبستملوجي. وثمة رهط آخر من الباحثين لا يضع قيداً يذكر على التشارطات التي تنجز الاختزال.
 
‌ب. وحدة العلم بالمعنى القوي: وهي التي تقول بوحدة القوانين (وتستلزم هذه الوحدة اللغة السالفة في (أ)، بينما لا تستلزم هذه الأخيرة وحدة القوانين؛ لذلكم كانت هذه الأخيرة قوية وكانت الأولى ضعيفة). ولكي تتحقق هذه الوحدة يجب أن تختزل قوانين العلم إلى قوانين مبحث معيّن (كالفيزياء مثلاً)، وإذا تم لنا وشيدنا نسقاً تفسيرياً مثالياً أمكننا، آنذاك، أن نسميه بالعلم الموحد. وتتوقف اللالة التي تــُسند إلى "وحدة القوانين" على التصور الذي يستخدم فيه الباحث مفهوم "الاختزال"، تماماً كما هو الشأن في الوحدة (أ) السابقة.
 
‌ج. وحدة العلم بالمعنى المفرط: لا نصل إلى هذا المستوى عندما نختزل قوانين علم إلى قوانين مبحث آخر فقط، بل عندما تكون قوانين هذا المبحث، بمعنى من المعاني لا نعرفه إلا بكيفية حدسية، "موحدة" على نحو "متراص". وهذا مطمح بعيد المنال عصيٌ على الإنجاز. لا يلتفت إليه أوبنهايم وبوتنم.
 
إن إوبنهايم وبوتنم يعيان جيداً المخاطر أو المزالق التي تعترض برنامج وحدة العلم. ويمكن أن نستنتج هذا من كونهما إلحّا الإلحاح كله على أنه مجرد فرضية عمل فقط لا غير. قابلة للإبطال (أنظر في هذا الشأن ص 368 من مقالهما). لكنهما، مع ذلك، أقرا بأنه فرضية مشروعة تدعمها أسباب منهجية (القول بوحدة العلم، في نظرهما، افتراض أبسط من الافتراض المنافس القاضي بتشعيب (Bifurcation) النسق التصوري للعلم وأرجح منه) وتؤكدها معطيات مباشرة وغير مباشرة.
 
لا يهمنا هنا أن نعرف الأسباب التي دعت أوبنهايم وبوتنم إلى الاستمرار في الدفاع عن مشروع محفوف بالمخاطر. ما يهمنا بالأساس هو معرفة بعض الأجزاء من تصورهما ليتضح ما سنقوله بخصوص الإشكال التي انطلقنا منه في مطلع هذا الفصل. ومن بين هذه الأجزاء تصورهما لمستويات الاختزال.