eKtab
EN ع
اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي
اقرأ عينة مجانية

اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي

بقلم علي إسماعيل السامرائي

صفحة 1

إهداء

إلى العزيز

.. أبي

.. (طيّب الله ثراه)... إكراماً لذكراه، واستكمالاً لدربٍ سار عليه

...

إلى الغالية

.. أمّي

.. (أدامها الله)... ظلاً يَحتَضنُ من يلجأ إليه

...

تواضعاً وخفض جناح

...

إلى الأحبة

.. إخوتي وأخواتي

.. (حفظهم الله)...

عرفاناً بفضلٍ سابغ

...

إلى الوفية

.. زوجي

...

مودةً ورحمة

...

إلى ريحانتي

.. (ديمة)...

بُنَيّتي وحِبّة قلبي

...

علي إسماعيل

شكر وامتنان

صفحة 2

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، نبيّنا (محمدٍ) وعلى آله وصحبه أجمعين..

وبعد:

فقد شغل موضوع اللون مختلف الدراسات، العربية وغير العربية، العلمية والأدبية، على حدٍّ سواء، إذ وجد فيه الباحثون مجالاً رحباً يمكن أن يستثمروا من خلاله طاقات خلاقة، تُفسّر قيمة اللون في التعبير عن طبيعة العمل الإبداعي، وتُبرز خصوصيته وتفرّده، سواءٌ أكان ذلك الدراسات العلمية القائمة على أساس تحليل ماهية اللون، وكيفية الإحساس به وبنواحيه المختلفة، التي تأخذ الجانب الطبيعي والنفسي والكيميائي، أم في تلك الدراسات الإنسانية التي تستنطق قدرة اللون في التعبير عن إمكانيات فذة، وتصويرها بالاعتماد على الخصائص اللونية الفارقة بين عملٍ وآخر.

تتجلى فاعلية اللون في الشعر العربي على نحوٍ مميزٍ، ذلك لارتباطها بالعواطف والمشاعر الإنسانية، التي يعيها الشاعر، فيمنحها بُعداً يتجاوز به أفق الدلالة المعهودة.

إنّ إدراك الشعراء لمكانة اللون في نسيج النص الشعري، يستدعي الوقوف على إمكانياتهم في توظيف هذا العنصر المهم، بوصفه مرتكزاً رئيساً في المعجم الشعري الذي يتميّز به شاعر عن آخر، وهو طاقة فنية لا يمكن إغفالها، فلا يقتصر على الوظيفة الجمالية فحسب؛ بل إنّ حضوره يهدف إلى إثراء التجربة الشعرية بفيض الخيالات المشحونة، وبالرموز والدلالات العميقة التي تستتر تحت الألوان.

من بين البيئات العربية الزاخرة بالألوان (بلاد الأندلس)، إذ شهدت اتّساعاً ملحوظاً من الناحية الحضارية والعمرانية، وازدهار الحياة بشتى أصنافها، فضلاً عن طبيعتها الزاهرة بالألوان، فما كان من الشعراء إلاّ أن قيّدوا تلك المشاهدات بشعرٍ عبّر عمّا تمتّعوا به من خيال خصب، فحمل المعاني الرمزية التي تنهض بها الألوان.

من هذا المنطلق؛ كان اختيار موضوع البحث (اللون ودلالته الموضوعية والفنية في الشعر الأندلسي من عصر المرابطين حتى نهاية الحكم العربي)، إذ إنّ غنى الأندلس بمظاهر الطبيعة بشتى أصنافها، كان سبباً في تميّز الشعر الأندلسي بتوظيف اللون، يعزز ذلك استثمار الشعراء لأحاسيسهم ورؤاهم، فبرزت القيم الجمالية المقترنة بخصوصيتهم الإبداعية في التعامل مع اللون.

تعتمد الدراسة على عدة مرتكزات، أبرزها: الخصوصية الفردية للشاعر، وخصوصية الغرض الشعري، وخصوصية اللون.

فالشعراء يتفاوتون فيما بينهم من جهة إمكانياتهم وقدراتهم في التعبير عن المعاني التي ينشدونها، فبعضهم يبدع ويجيد، وآخرون دون ذلك، كذلك الأمر يسري على تعامل الشعراء مع الألوان في استنطاق الدلالات والرموز والمعاني المعبرة، فالاتّكاء على المفردات التي يتشكّل منها النصّ الشعريّ ـ ولاسيما المفردة اللونية ـ، تعكس مدى إجادة الشعراء في توظيف اللون بشكلٍ إيجابي أو سلبي.

ثم تأتي خصوصية الغرض الشعري، فلدينا موروث شعري ضخم، وما دام الأمر كذلك، فعلينا أن نكون على قدر معيّن من معرفة طبيعة هذا الغرض، والإحاطة بجوانبه العامة والخاصة، في سياق تاريخ الغرض الشعري وصولاً إلى المضمون المحدد للجانب الموضوعي لهذه الدراسة، وإنّ عدم معرفتنا بالموروث الشعري المتّصل بالغرض، لا يعفينا من ضرورة الاطّلاع عليه، واستجواب كلّ إمكانياته وطاقاته.

بعد ذلك تستجلي الدراسة خصوصية اللون، فبعد أن ذكرنا الخصوصية الفردية للشاعر، والغرض الشعري، لابدّ لنا أن نستكمل جوانب الدراسة فنتطرق إلى الخصوصية اللونية بالنسبة للشاعر، والخصوصية اللونية بالنسبة للغرض الشعري، إذ تمتزجان لتوفرا لنا خصيصة واحدة متعلقة بهما، ومستقلة عنهما.

تلك أهم الأسباب التي كانت وراء اختيار موضوع البحث. أمّا منهجية الدراسة فكانت على وفق ما يأتي:

بُني البحث على فصلين يسبقهما تمهيد ألمّ بصورة مختصرة بموضوع (اللون والأدب).

صفحة 3

أمّا الفصل الأول (اللون في البناء الفني)، فكان على ثلاثة مباحث، تناول الأول منها، البُنى الصوتية من ناحية أداء اللون في التأثير على الموسيقى الخارجية والداخلية للبيت الشعري، فهي تتكشف عن صورٍ إبداعية جميلة تُسهم في إحكام النسيج الشعري وتماسكه، سواء في ذلك ما اتّصل منها باللفظة اللونية وحروفها، أم ما ارتبط منها بالأداء البلاغي لألفاظ الألوان. وجاء المبحث الثاني ليقف على دور اللون في البناء التركيبي للنص الشعري، من ناحية هيمنة اللون على البيت الشعري المفرد أو المقطوعة، وصولاً إلى سلطته المطلقة على القصيدة بشكل عام. بعد ذلك يأتي المبحث الثالث الذي تستكمل فيه الصورة الشعرية أركان البناء الشعري بما تحمله من قدرة على استثارة المشاعر والخيال، فتشترك مع اللون في إرساء المستوى الشعري الذي تتشكل ملامحه الإبداعية على وفق رؤية المُبدع، وقدرته في التأثير على المتلقي، وهي ـ الصورة الشعرية ـ تستند في ذلك على العلاقات التي تخلقها الوسائل البيانية من تشبيه واستعارة وكناية، فتتمخض تلك الوسائل عن ارتباط عميق الصلة بين الحواس، وهو مجسّد في (تراسل الحواس)، إذ تتبادل الأدوار، فيصبح المسموع مشموماً، أو المرئي ملموساً، وغيرها من صفات تتداخل فيما بينها، ويبرز من تلك الحواس، حاسة البصر، لارتباطها الوثيق بالألوان، فمن خلالها يمكن التفريق بين لونٍ وآخر، وتفضيل بعضها على بعض، أو من خلالها يمكن الوصول إلى غايات النص ودلالاته البعيدة.

أمّا الفصل الثاني (اللون في البناء الموضوعي) فكان على ثلاثة مباحث، وقف الأول منها على طبيعة اللون في الأغراض الشعرية التقليدية، من مدح وغزل وحرب ورثاء، وفي كل ذلك يبرز اللون في تحديد مسار العمل الإبداعي في هذه الموضوعات، فأدخل دلالات تقوّي أثر المدح إن أحسن الشاعر توظيفه.

أمّا دوره في الغزل فقد وقف على إبراز مكامن جمال المرأة، ورصد السمات المحببة والأثيرة التي ركّز عليها الشعراء في تشبيهاتهم، واستمدّوا من اللون كلّ وصفٍ حسنٍ وجميل.

أمّا تأثير اللون على صورة الحرب، فكان يمنحها خصوصية متأتية من طبيعة هذا الغرض، إذ تتداخل فيه عدة أمور، أبرزها وقت المعركة (ليلاً أو نهاراً)، وآلات الحرب، (الزرق، البيض، السمر) وغيرها من صفات لونية ارتبطت بهذا الغرض.

أمّا غرض الرثاء، فيرسم اللون فيه صورة قاتمة تبيّن أثر الصدمة التي تحيل الألوان إلى العتمة والظلام، أو قد تعزي النفس بمآل المرثي إلى جنّات خضر، كانت خاتمة لحياة ملؤها العطاء، من أيادٍ بيضاء.

أمّا المبحث الثاني فاشتمل على أثر اللون في شعر الطبيعة التي تميّزت بها بلاد الأندلس عن سائر البلاد، فكان اللون سمةً غلبت على وصف الطبيعة التي كانت على قسمين: طبيعة صامتة، مجسدة بالرياض، والزهور، والثمار وما شاكلها، وطبيعة حية، مثلتها الحيوانات التي تلوّنت بمختلف الألوان، وكانت معيناً ثرّاً نهل منه الشعراء وصفاً جميلاً.

أمّا المبحث الثالث فكان يتتبع أثر اللون في موضوعات أخرى كالخمر ووصف الشيب، وشعر الشوق إلى الوطن.

ثم كانت بعد ذلك الخاتمة التي وقفت على أهم المعطيات التي خرجت بها الدراسة، من ناحية استعمال الشاعر الأندلسي للألفاظ اللونية، وتوظيفه للمفردات التي تحقق انسجاماً وتناسقاً في بنية النص الشعري بشكل عام.

أمّا الصعوبات التي اعترضت طريق البحث فتتمثل بالوضع العام لبلدنا الحبيب، الذي يشغل بال القاصي والداني، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على كل نتاج.

ثم كان تنوّع المصادر التي تناولت موضوع اللون، فمنها ما يدخل في موضوعات علمية بحتة، كالفيزياء، والكيمياء، ومنها ما يتّصل بالفنون والآداب الأخرى، كعلم النفس والرسم وغيرها.

لكنّها على الرغم من ذلك كانت معيناً ثرّاً، وميداناً فسيحاً فتح المجال للاطلاع على هذه الكتب، والإفادة منها، فهي فرصة متاحة لاقتناص المعلومة وتقييدها، ومن ثم تطويعها في المجال الأدبي المتخصص بالشعر العربي الأندلسي.

أمّا أبرز المصادر التي اعتمد عليها البحث فكانت الدواوين والمجموعات الشعرية المطبوعة التي امتدت ما بين عام (484هـ ـ 897هـ)، وبحوث وكتب أخرى في موضوعات متنوعة، قديمة وحديثة، ما بين التاريخ، والبلاغة، والأدب بمختلف عصوره، والمعاجم، وكتب النقد، والعروض، والكتب التي تطرقت إلى اللون ودلالته من ناحية أدبية أو علمية أو معجمية.

إنّ واجب الوفاء والإخلاص لأهل الفضل، يُلزمني أن أتقدّم بالشكر والامتنان إلى كلّ من مدّ يد العون والنصح والمساعدة في كتابة هذا البحث، وأخصّ منهم أستاذتي العزيزة، الدكتورة (أسماء صابر جاسم) التي كانت لها لمستها على العمل، وأسهمت في تقويمه، فكانت خير موجّهٍ لإتمامه على أفضل ما يكون، فجزاها الله عني خير الجزاء.

ولا يفوتني أن أسجل فضلاً مسترسلاً، ومودةً غير منقطعة، لأستاذي وأخي الكريم، الدكتور (محمد عويد الساير) الذي كان نعم المرشد الناصح، فأفادني بغزير علمه، وكبير اهتمامه، وأمدّني بجلّ موارد الدراسة، فلولاه لكان العمل شاقاً مضنياً، أسأل الله العظيم، أن يجعل ذلك في ميزان حسناته.

ويتجدد بي الثناء لأهله، فأقيّد نفسي بفضلٍ دائمٍ للأخ الحبيب السيد (يونس عبد الله سلمان)، الذي رعى البحث والباحث وتعهّدهما بصدرٍ رحبٍ، فكان ملاذاً لكلّ صغيرة وكبيرة، ولم يألُ جهداً في تسديد فكرة، أو تصويب زلّة، أسأل الله عزّ اسمه، أن يتولى عني مكافأته.

وأتوجّه بالشكر الجزيل إلى الأستاذ القدير، السيد (سمير قادر حبيب)، الذي كان وما زال معيناً ثراً ينهل منه طلاب العلم على اختلاف تخصصهم، فكانت له مشاركات ومداخلات، أغنت البحث بفيض أفكاره ورؤاه.

ولا أنسى جهد أساتذتي أهل العلم والأدب، في قسم اللغة العربية في كلية التربية ـ تكريت، وكلية التربية ـ سامراء، فلهم كلّ التقدير والاحترام.

كما أدين بالفضل والعرفان، إلى عمادة كلية التربية ـ تكريت، ممثلةً بموظفيها وإدارييها، وكادر مكتبة كلية التربية، والمكتبة المركزية في جامعة تكريت، لما يتحلّون به من سعة صدر، ومساعدة جمّة.

بعد ذلك فقد اجتهدت في إظهار البحث على أتمّ وجه، فإن أصبت فبتوفيق من الله تعالى وعظيم فضله، فهو نعم الناصر والمعين، وإن أخطأت فبتقصيرٍ مني، وحسبي ما بذلت من جهد، والله من وراء القصد، وله الكمال وحده، ولله الحمد والمنة أولاً وآخراً.

صفحة 4

اللون والأدب

تتداخل الفنون فيما بينها لِتُفصح عن علاقاتٍ أدبيةٍ واسعة، تُدركُ عن طريق البحث والاستقصاء والتتبع لمنحى الظاهرة، يلي ذلك الذوق الأدبي والحصيلة المعرفية والخبرات الجمالية في استنطاق المعاني الجميلة من خلال تلمّس الجدة، والطرافة، والوضوح، ومقارنتها بالمشاعر والأحاسيس والانفعالات التي تخدم النصّ الأدبي بصورةٍ إيجابية.

تستقرّ تلك المعاني في ذاكرة الشاعر فتنتج قيماً إبداعية راقية تدفعه إلى إقامة علاقات أدبية ترتبط بعضها مع بعض عن طريق التأثر والتأثير؛ لأنّها تستند في مجملها على تجارب إنسانية عامة، يبتغي المبدع من خلالها إثارة العواطف والنزعات الإنسانية الصادقة فيحرّكها للحصول على المتعة الجميلة للأشياء.

ولمّا كان (اللون) أحد أبرز العناصر الجمالية في الفنون، إذ يشكّل حضوراً واسعاً يمكن أن يغيّر مسار الشكل الإبداعي سلباً أو إيجاباً؛ فقد كان موضوعاً مهماً، له أولويته وسلطته على مختلف الفنون، ومن بينها الشعر، فهو يشكّل مادة ثرةً، ومعيناً زاخراً تَستمدّ منه الإيحاءات والرموز أبعادها الجمالية، فتصبح به كياناً إبداعياً له تأثيره الكبير والفاعل في رسم معالم النصّ وتوجيه خطابه بما يحمله من قدرة على تحقيق التناغم والانسجام في أيّ مادة يدخل في تكوينها، سواء أكانت فنّاً شعرياً أم غيره من الفنون الأخرى.

وتداخل الشعر مع الرسم يأتي من ناحية فنية جمالية، فكلاهما يؤسس إبداعاً فنياً، يلتقي بعضه ببعض في معظم الأحيان. فالشاعر يرسم المشهد بألفاظٍ لونية، فيما يسعى الرسام إلى تصويره رسماً بالألوان، لا الكلمات([1]).

غير أنّ موضوع الدراسة يقتضي الوقوف على إمكانيات اللون في الكشف عن الدلالات العميقة للنصوص الشعرية، فكانت الألوان إحدى وسائل الشاعر في التعبير عن أحاسيسه وما يعتريه من مشاعر تتفاوت حدّتها تبعاً لطبيعة الموقف الشعري والحالة التي تقتضي من الشاعر البحث في كيفية الإفصاح عن ذاته من خلال استعماله للألوان.

ولا شكّ في أنّ أداة الشاعر في هذا المضمار هي اللغة بكلّ مستوياتها، يدعمها الخيال المبدع الخلاّق بما يرفده من صورٍ حسية بارزة يكون اللون محورها وأساسها.

فللون إمكانية خلق التوافق والانسجام، أو التنافر في بعض الأحيان، إذ إنّه معيارٌ فنيٌّ يمكن أن يبعث في الصورة الحركة والحياة، أو أن يسلبها كلّ جمالياتها.

فإذا وفّق الشاعر في توظيف اللون توظيفاً صحيحاً، فقد أمسك بعنان الصورة يسيّرها أنى يشاء، وهو بذلك ينجح في الغوص على الدلالات العميقة للمعنى الشعري، أمّا التوظيف السيئ، فهو كفيل بسحب أحد العناصر الأساسية المهمة في رسم الصورة الشعرية، التي هي خلاصة العمل الإبداعي وغايته المثلى.

فضلاً عن ذلك فـ((إنّ توظيف اللون في الشعر يحتاج إلى وعيه وإدراك طبيعة تشكّله في الطبيعة أولاً، وفي فنّ الرسم بنماذجه وأشكاله وحدوده ثانياً، ليتمكّن الشاعر بعد ذلك من الإفادة من طاقاته هذه وتحويلها إلى حقل الشعر))([2]).

شكّل اللون لدى الشعراء ابتداءً من عصر ما قبل الإسلام وحتى وقتنا الحاضر، مصدراً ثرّاً ومادة قيّمة مكّنتهم من توسيع فضاءات الدلالة الشعرية؛ لكي تكون عاملاً إضافياً يوفّر المزيد من الإيحاءات الرمزية التي تعمل على تقوية بنية النص، فكانت الألوان وما زالت تؤثر في اختزال ((معاني رمزية بالغة الخطورة، باعتبارها منظورات فيزيائية تستجيب لتطلّعات الذات الراغبة في الكشف عن طبقات الأعماق...))([3]).

وظّف الشعراء اللون في أشعارهم، وأدركوا ما للّون من أهمية بالغة في رسم الصورة الشعرية، فأفادوا من الدلالات التعبيرية للألوان على اختلاف أصنافها، سواء أكانت تلك الدلالات مرتبطة بالموضوعات الشعرية، أم بالحالة النفسية، أم محاولة الشاعر في التعبير عن ذاته ودواخله، وإحساسه بالراحة حين يرى اللون خير أداة يجسّد من خلالها موقفه ورؤيته للأشياء.

تطرّقت الكثير من البحوث والدراسات إلى توظيف اللون في الشعر الجاهلي، وليس هذا مكان التعريف بها والوقوف عليها، إلاّ ما يقتضي الإشارة إلى أسمائها وأسماء أصحابها إجمالاً([4])، وهذا ما يدعو البحث إلى تتبع الدراسات التي تناولت اللون في العصور الأدبية السابقة لموضوع الدراسة بصورة موجزة.

امتلك اللون سطوته على مخيلة شعراء العصر الجاهلي، وسخّروا مختلف الرموز والعناصر التعبيرية في سبيل تكوين الصورة الشعرية، وإحكام تركيبها، والأداة المنوطة بنقل هذه الأحاسيس هي العين، بما تُبصره من مدركات حسية مستمدة من الطبيعة، ومشاهدات الشاعر، أو مخيّلته، فالشعر ((ينبت ويترعرع في أحضان الأشكال والألوان، سواء أكانت منظوره أم مستحضرة في الذهن))([5]).

شكّل اللون مساحة لا بأس بها في أشعار الجاهليين، وكان الشعراء يستمدّون الألوان من وحي الطبيعة، وما تحويه بيئتهم الصحراوية، لكنّها اعتمدت على النمطية والتكرار في مختلف الموضوعات التي اشتملت على مفردات الألوان، فكرروا صورة الممدوح المتّسمة بالبياض بشكلٍ صريح أو غير صريح من خلال التأكيد على موحيات البياض.

صفحة 5

ومثل ذلك ينطبق على شعرهم في التشبيهات الغزلية من ناحية استعمال اللون الأبيض والأصفر، أمّا الشعر الخمري فكان اللون الأحمر يغلب على غيره من الألوان، فيما كان اللون الأسمر مجسّداً في وصف صورة الرمح([6]).

ودلالات الألوان في عصر ما قبل الإسلام كانت بسيطة إذا ما قورنت بالعصور التي تلته، لا سيما العصر العباسي([7]).

وفي العصر الإسلامي والأموي لم تختلف الحال كثيراً عمّا سبق، فكانت مدلولات الألوان تقترب من معاني مثيلاتها في العصر الجاهلي، إلاّ ما يمكن عدّه دخول المعاني الإسلامية إلى فكر الشعراء من ناحية تفضيل بعض الألوان على غيرها، منطلقين بذلك من ورود الألفاظ اللونية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ففي القرآن الكريم وردت ستة ألوان صريحة، هي: الأبيض، والأسود، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، وتباينت دلالاتها بحسب مناسبتها في النص القرآني([8]).

من ذلك قوله تعالى:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿106﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿107﴾) آل عمران: ١٠٦ ـ ١٠٧, وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فاطر: ٢٧, وقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) الحديد: ٢٠, وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) الحج: ٦٣, وقوله تعالى:(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ ) طه: ١٠٢.

أمّا ما ورد من ألوان في الأحاديث النبوية الشريفة فكثير، لذا سأورد بعضاً منها في إشارة إلى دلالاتها المختلفة، تبعاً للمناسبة التي اقتضت قول الحديث.

من ذلك قوله r: ((إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك، ما المسلمون في الكفار إلاّ كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض))([9])، وقوله r: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، كان كلّ نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود...))([10])، وفي الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنّه قال: رأى رسول الله r عليَّ ثوبين معصفرين([11])، وهو يدل على اللون الأصفر، فقال: ((إنّ هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها))([12])، وقوله r: ((من حلف بيمين آثمة عند منبري هذا، فليتبوأ مقعده من النار، ولو على سواك أخضر))([13]).

استمدّ كثير من شعراء العصر الإسلامي والأموي دلالاتهم اللونية على وفق المنظور الذي رسمه التغيير الجديد الذي طرأ على المجتمع العربي آنذاك، وهو بزوغ فجر الإسلام وما حمله من قيمٍ دينية وأخلاقية، وجدت صداها في الشعر، كما كان بيّناً في غير ذلك من مناحي الحياة.

ثم كان بعد ذلك العصر العباسي والأندلسي، وهما يمثلان فترة ازدهار الحياة بمختلف نواحيها، لاسيّما الأدبية، ومن بينها الشعر بكلّ صوره وتشبيهاته وحضوره الراسخ في المخيّلة الإبداعية، على اختلاف مشاربها.

يأتي هذا المزج بين العصرين ـ العباسي والأندلسي ـ نتيجةً لتقارب نمط الحياة من ناحية المدة الزمنية، والمنبع الثرّ الذي يستمدّ منه الطرفان، ممثلاً بالشعر الجاهلي من جهة، والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من جهة أخرى، ومن ثم الظروف المحيطة بهما وما اشتملا عليه من تطوّر حضاري واسع، شمل كلّ الميادين؛ الثقافية، والحضارية، والاجتماعية.

وممّا لا شكّ فيه أنّ بواعث التطوّر التي اتّسم بها العصر الأندلسي كانت ذات أثر عميقٍ في نفوس الشعراء، فظهر ذلك في أشعارهم، فضلاً عن الفكر المشرقي الذي حملوه معهم حين دخولهم الأندلس، إذ لا يمكن الفصل بين موروثهم، وما تتمتّع به شخصيّاتهم من أصول تضرب جذورها إلى عمق الثقافة المشرقية، لكنّ تطوّر الحياة، وتغيّر البيئة، كان له الأثر الأبرز في تكوين ملامح الشخصية الأندلسية فيما بعد.

خضعت المفردة اللونية في الشعر الأندلسي إلى شكل من أشكال التجديد، وذلك من خلال استلهام مشاهد الطبيعة التي ألقت بظلالها على شعرية الألفاظ اللونية، فغدت معلماً بارزاً يشار إليه كلّما مرّ ذكر الأندلس، وإن كان بعض الباحثين يرى أنّ الشعر الأندلسي لا يترك أثراً دائماً في النفس بسبب ما يحويه من ألوانٍ مختلفة، وصورٍ وتشبيهاتٍ متتالية([14])، وهو قول مردودٌ بما تشهد عليه نصوص أدبية بقيت علامة فارقة في الأدب الأندلسي، كانت وما زالت ترددها الأجيال إلى وقتنا الحاضر، منها على سبيل المثال لا الحصر، نونية ابن زيدون، وسينية ابن الأبار، ونونية أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس.

((وإن يكن الشاعر العباسي قد وضع إحدى رجليه على تراثه والأخرى على بيئته العباسية الجديدة فإنّ الأندلسي كانت روافده ثلاثة: رافد التراث ـ الجاهلي والإسلامي والأموي، ورافد المعاصرة العباسي، ورافد البيئة الأندلسية الجديدة))([15]).

من هذا المنطلق؛ تأتي أهمية اللون في الأدب العربي عموماً، والأندلسي خصوصاً، إذ يعمل على تقديم مدركات حسية ترتفع بأدائها إلى مستوىً متطلّب، يُبرز القيم الجمالية للنصّ من خلال تعدد أبعاده الدلالية، وانفتاحها على تجلّيات اللفظ اللوني الصريح، والموحيات اللونية، وظلال الألوان، وانعكاسات اللون، والضوء والنور.

صفحة 6

أ ـ اللون في شعر المديح

يعدّ المديح أحد أهمّ الأغراض الشعرية التي نظم الشعراء عليها، واختلفت أحاسيسهم ومشاعرهم ما بين الصدق والتملّق، أو التكسب، أو الحثّ على فعل مكارم الأخلاق، فهو يعنى بذكر المناقب والصفات، وتمجيد الممدوح وتخليد شجاعته وشدّة بأسه([16])، ولم يخرج عن تعداد القيم الاعتبارية التقليدية للمدوحين، حتى يقتدى بها وتكون مثالاً ومعياراً يهتدي إليه الناس، فتوارث الشعراء عن أسلافهم المعاني والقيم الشائعة نفسها، من وصف الممدوح بالقوة، والإقدام، والكرم، والنسب الشريف، حتى يصل الأمر إلى جعل الممدوح هو الرجل المثال في احتواء تلك الصفات([17]).

ولسنا في هذا الموضع بصدد الخوض في أصول فنّ المديح في الشعر، أو تتبع تاريخه والوقوف على من اشتهر به، لكن الحديث عن المديح يستلزم ذكر صفات الممدوحين وارتباطها بالألوان ـ موضوع الدراسة ـ؛ ذلك أنّ كثيراً من تلك الصفات تُبنى على أساسٍ لوني بيّن، كصفو السريرة ونقائها، ووضاءة الوجه وإشراقه، وتشبيهه بالبدر أو غير ذلك من دلالاتٍ لونيةٍ أخرى صريحة أو غير صريحة.

وقد يكون المديح مرتبطاً بالطبيعة ومن ثم باللون؛ لأنّ الشاعر يستبدل المقدمة التقليدية بمقدمات وصف الطبيعة ووصف الرياض وما شاكلها، ومن الطبيعي أن تحوي هذه المقدمات على الألوان المبهجة، ومن ثم يكون المزج بين أوصاف الطبيعة ومناقب الممدوحين([18]). فالتصوير اللوني والاحتفاء بالتشكيل اللوني في شعر الأندلسيين مزج بين صفات الطبيعة وصفات الممدوح، وقد كان أرحب خيالاً لديهم، فكان الشاعر يربط بين ألوان الطبيعة وشعر المديح

من بين الأبيات التي يستظهر فيها الشاعر عظمة الملوك وهو في معرض المدح قول (إبراهيم بن الحاج النميري([19]) ت793هـ)([20]):

خير الملوك التي جلّت علاً فغدت

حمراً وقائعها بيضاً أياديها

إذ يسعى الشاعر إلى إغداق لونين في إبراز صورة المنزلة الرفيعة التي يتبوّؤها الملك وهو يخوض غمار الوقائع التي تتشرب بلونٍ أحمر يطغى على مشهد المعركة التي أثخن فيها بدماء العدو، إذ منح هذا اللون هنا صورة حوّلت المعركة إلى سلسلة من الانتصارات المتلاحقة، إذ تُضرّجُ الرايات بدم الأعداء ويُنال الفوز فيها. أمّا أيادي الممدوح فهي بيضاء على الرغم من طغيان المدّ الأحمر على المشهد، فهم ـ أي الملوك ـ لهم صنائع فضل وإحسان على الآخرين تتسم بالنقاء، لذا لا يتداخل اللون الأبيض والأحمر على الرغم من تقاربهما في ذاكرة المتلقي، فالصنائع الأولى في سياقها الحربي، والصنائع الثانية في محيطها بين الأهل والرعية.

إنّ منزلة العلا والرفعة تدرّجت صعوداً من خلال هذين اللونين، فصارت حلةً مرتبطة بذكر الملوك؛ لأنها تبرز خصلتين مهمتين هما: صنائع الحرب، وصنائع الخير المتمثلتين بدفع الأعداء والعيش بأمان.

أفاد الشاعر من اللونين في جعل المشهد منيراً بانتقائهما، وهما اللذان يؤطران لوحته ويحملان المتلقي على التآلف معهما، ومع دلالتهما المعروفة من ناحية تسليط الضوء على معنى دون آخر، حتى يظهر الممدوح بأبهى حلّة([21]).

وعلى الرغم من تكرار الصورة في الشعر العربي، إلاّ أنّ الشاعر جعل الشطر الثاني موقوفاً على مشهد لوني يمثّل لافتة تبرز طبيعة هذه الألوان ودلالتهما العميقة في التراث الشعري العربي.

صفحة 7

وفي موضع آخر يركّب الشاعر نفسه صورة اللون في لوحة يستقيها من مشاهد الحرب التي تبيّن فعل الممدوح فيقول([22]):

إذا شكّ بالخطيّ درع منازلٍ

على طرفه والنقعُ فيه دمٌ يجري

أرى أسمراً في أزرقٍ فوق أبيض

على أدهمٍ في أدكنٍ وهو محمرِّ

يبرز في هذه الأبيات تداخل حركي لوني يعمل في النفس البشرية وذاكرتها التي تلتقط الصور الأخاذة فعلاً آسراً، إذ يمتزج اللون الذي أراد له الشاعر أن يكون متحركاً حينما أردف وهو يذكر حركة رمح الممدوح القاتلة والنافذة عبر الدرع إلى جسد العدوّ، إذ النجيع ينساب من جسده، حينها يختبر الشاعر لعبة الألوان التي تتوالى من تتابع ـ أسمراً في أزرقٍ فوق أبيضٍ ـ وكأنّها توالي ضربات الرمح النافذ في الجسد والمتلقي لها.

تكتمل صورة الانتصار والتفوّق على الخصم في مشهد يظهر العلوّ ـ على أدهم في أدكن ـ وكلّها جاءت ألواناً تظهر دلالات التفوّق والانتصار، إذ مثّل للرمح باللون الأسمر المزرق، أي القاتل، ثم ذكر سمة التفوّق بالأبيض والأدهم والأدكن لفرس الممدوح، وأفضى من جراء هذا الفعل الذي انقضّ به على خصمه إلى اللون الأحمر الذي يبرز صورة القتيل المضرّج بدمه.

هيمن اللون بتنوّعاته على البيت الثاني؛ ممّا جعل المشهد متحركاً بألوانٍ تمايزت بين تدرّجات مختلفة، إلاّ أنها لم تفقد على الرغم من اختلافها قوة المزج، وجاءت دلالتها واضحة على نحو يستفيد منه الممدوح في بيان فعله وفعل فرسه ورمحه.

وفي موضع آخر يقول (ابن زمرك الأندلسي ت797هـ) مادحاً([23]):

واحمرَّ حدّ السيف من أثر الوغى

فيه لمن عاداك موتٌ أحمرُ

والبيض عادت بالدما محمرةً

وبها فلول وقعها لا يُنكرُ

يصدّر الشاعر بيتيه ـ في معرض المديح ـ بلونين هما الأحمر والأبيض، وينسج منهما تداعٍ لحركة ذهاب وإياب تتمثلان بالفعل وردّة الفعل، إذ يبرز الأثر والنتيجة من جراء استعمال السيف في القتل لعدوّ الممدوح، إذ صدّر البيت بالأحمر وختمه به، وما بينهما هو أثر الوقيعة في العدوّ، إذ أسدل ستار الموت على خصمه، ثم يأتي على الرايات البيضاء المنتصرة التي تتشرب بدماء الأعداء، وهي تمثّل دليلاً على هذا النصر الذي نال به الممدوح الرفعة والثناء، وهذه الصفات تستمد أصولها من تاريخ البطولة العربية في الحروب، من ناحية البسالة والشجاعة وسفك دماء الأعداء([24]).

تمكن الشاعر من تناول رمزين من رموز الانتصار هما السيف والراية، وأضفى عليهما لونين أبرز من خلالهما صورة النصر، وهما الأحمر والأبيض، فالأول الذي كسا به حدّ السيف ليظهر النتيجة التي آلت إليها المعركة، وهو الموت الأحمر، إذ استعمل له صفة تدلّ على المبالغة في هول الموت وبشاعة مظهره وأثره في النفس، ثم خفف من هذا الأثر في البيت الثاني، إذ جعل البيضاء ـ وهي الراية ـ متوّجة به ومعلنة النصر.

برع الشاعر في استعمال فعل (احمرّ) لحدّ السيف، وصفة (أحمر) للموت، واسم المفعول (محمرّة)، إذ أظهر في الأول قوة الفعل، وفي الثانية الموت المحقق بالصفة الملازمة، وفي الثالثة اسم المفعول بدلالة اسم الفاعل والدال على الأثر المتبقي والشاهد على مآل الصراع الذي توّج الممدوح منتصراً.

وفي موضع آخر يأتي (ابن الزقاق البلنسي ت528هـ) على ذكر اللون فيشبه الممدوح بصورة الشهاب المكللٌ بالنور الذي يخترق الليل المظلم، وكأنّه خارج من وراء الحجب بعد أن تكشّف عن الليل ستاره الحالك الظلمة والسواد فيقول([25]):

شهابٌ لو انّ الليل ألبس نوره

نضا معطفيه من ثياب الغياهبِ

صفحة 8

إنّ هذه الصورة المنبثقة من ذاكرة الشاعر والمرسلة إلى ذاكرة المتلقي تنبئ عن حركة مشبعة بالنور والظلمة؛ ذلك أنّ التمايز بينهما يجعل الصورة وثّابة حيّة نافذة في دواخل النفس، إذ استطاع الشاعر أن يصوّر بها ممدوحه بأنّه النور الذي ينفي الظلمات، ويؤسس لحالة جديدة.

إنّ الشاعر لم يستعمل الألوان الصريحة، لكنّه أوحى بقوة أثر النور والظلمة، وجاء بمشهد رائع من خلال حركة الشهاب الذي ينشر النور والضياء على خلفية الظلام.

أمّا (ابن عسكر الغساني([26]) ت636هـ) فيتناول اللون بصورة مغايرة عن سابقه فيقول([27]):

من آل سالم من قومٍ لهم حسبٌ

يضيء كالبدر جلّى ليلة الظلم

وإن تكن صفة للشعر تجمعها

فليس حمرة خدٍّ كاحمرار دمِ

يمثّل الشاعر حسب الممدوح بالبدر الذي أزاح الظلام بنوره، وهذا إظهار لمنزلته، فهو كقمرٍ يدور في فلك مظلم ينير ما حوله، ويكفيه ذلك من فخر.

وفي البيت الثاني يعرّج الشاعر على ذكر الصفات التي أسهمت بتبوّئه هذه المرتبة السامية، فيستعمل الألفاظ اللونية (حمرة الخدّ وحمرة الدم)، إذ يبيّن أنّ الممدوح يبرز عن غيره في علوّ شأنه، وأنّه مشغول بطعن الأعداء وتخضيبهم بالدم، لا كغيره ممن تلهيهم حمرة الخدود، فأشرك الخدّ والدم في صفة الاحمرار، مع أنّ الاختلاف واضح بينهما، وإن كان السياق الشعري قد جمعهما معاً، وفي ذلك التفاتة نادرة من الشاعر في توكيد هذا الاعتبار لممدوحه بتوظيف لون الاحمرار لأمرين متباينين، فاحمرار الدم صفة لازمة فيه من طبيعته، واحمرار الخدّ صفة طارئة عليه.

وفي موضع آخر يركز (ابن اللبانة ت507هـ) في مدحه على مفردة الأبلق([28]) فيقول([29]):

شُهِرت علاك فما يشار لغيرها

والخيل أشهرها الجواد الأبلقُ

فاللون الأبيض جاء في آخر البيت وكأنّها المفردة التي اختزلت كلّ شيء في الممدوح وإن كانت صفة للجواد الذي غالباً ما يكون عليه الممدوح في المعنى الحسي والمجازي، وإن جاء هنا بمعناه المادي المتمثّل بالفرس، إلاّ أنّ عائديته تشير إلى منزلة الممدوح السامية وصورته النقية البيضاء التي تأسر العيون وتجعلها ضمن هذا الفضاء المحدد ـ بعلا الممدوح ـ وليس شيئاً آخر.

منح الشاعر بيته طاقة شعرية باستعماله لتعبيرات يسيرة، إلاّ أنّها تدلّ على إمكانية في التوصيل؛ كونها تستند على صورة ثابتة في ذهن المتلقي، وهي الجواد الأبلق، إذ يمثّل أنموذجاً مثالياً للرفعة والسموّ عند العربي الذي اعتاد على هذا الوصف بعد أن عايشه في التراث الشعري العربي، ولاسيما الأندلسي.

ويخرج (ابن الأبار ت658هـ) بمشاعر مختلفة في تناوله لصورة ممدوحه وارتباطها باللون فيقول([30]):

يَصِلُ ابْتِساماً في الوَغَى بِطَلاقَةٍ

كَرَماً وَوَجْهُ اليَوْم أرْبَدُ([31]) أسْفَعُ([32])

فَكَأَنَّما النَّقْعُ المُثارُ دجُنَّةٌ

وَكأنَّ غُرَّتَهُ صَباحٌ يَسْطَعُ

إذ يمايز من خلال ثنائية تتخلل البيت الواحد، فيظهر في صدر البيت النور الساطع جلياً مجسداً بابتسامةٍ مشرقة تنير أسارير وجه الممدوح، وكان عجز البيت مختوماً بلفظتين لونيتين هما: الأربد والأسفع، من جراء خوضه الوغى. وفي خضمّ الغبار الملتفّ (دجنةً) بان نور جبهته يسطع ضياءً كأنّه صباح أبلج.

التفت الشاعر إلى سمتين أساسيتين هما موضع الابتسامة، والغرة، وكثّف حولهما صورة الغبار والدجنة؛ ليبرز من خلال ذلك صورة الممدوح التي جعلها متحركة داخل مشهد البيتين باستعماله للفظتين تدلان على اللون والحركة، وهذا ما يظهر الأثر في نفس المتلقي وكأنّه حقيقة حاصلة، وهو يدلّ على حيوية التصوير لدى الشاعر، إذ جعل المشهد الشعري نابضاً بالحياة.

ومن مواطن ذكر اللون مرتبطاً بالمديح قول (ابن اللبانة ت507هـ)([33]):

فكأنما الإصباح تحتك أشقرُ

وكأنما الإظلام تحتك أدهمُ

وكأن خاطفة البروق قد التظت

صفحاتُ سيفك قد علاهَن الدمُ

تهوى قناك الطير فهي وراءها

تهوي لتبصر حين تطعن تطعمُ

صفحة 9

يجسّد ابن اللبانة صورة شعرية لونية ذات أبعاد يحمّلها معانٍ تعجّبية تزخر بها صورة الممدوح، مبيّناً عظمتها وبهاءها، فيستعين بمظاهر الطبيعة الساكنة والمتحركة، وبألوانٍ متنوعة، إذ البرق يشابه سيف الممدوح، ومن ثم ترصد الطيور هذا المشهد وتواكب حركة الضرب والطعن، فهي الشاهد على الوقيعة.

قدّم الشاعر لمقطوعته مدركات لونية عزز بها ما يريد أن يقوله في آخرها (البيت الثالث)، وهذا من متطلبات تهيئة الشاعر للمشهد باستعمال اللون في جوٍّ يتّسم بالحركة والقوة، إذ جعل الإبصار للطير وهو يراقب هذا المشهد الملتقط بدقة وشفافية.

أمّا ابن (السيد البطليوسي ت521هـ) فيقدّم صورة يُلمس منها الجمال المعنوي الذي خلعه على ممدوحه فقال([34]):

لدى ملك ما لاح ضوءُ جبينهِ

بجنحِ الدُجى إلاّ كفى مطلع البَدرِ

ومتّقدِ الآراءِ لو جالَ في الوغى

بخاطرهِ أغنى عن البيضِ والسمرِ

ولولا اضطرام البأس فيه غدا القنا

براحته يهتزّ بالورق الخضرِ

أفاد الشاعر من التراكيب التي تشي بالنور والألوان كالأبيض والأسمر وموحيات الأحمر في مفردة الاضطرام، وكذلك الأخضر في (الورق الأخضر)، وكانت هذه البنى اللونية مكملات تؤطر اللوحة التي أبرزت صورة الممدوح على هذا النحو، وعلى الرغم من كونها مكملات مادية، إلاّ أنّها جسّدت الجانب الآخر حين أظهر الوصف الذي خصّ به الممدوح من خلال التعبيرات المجازية. فالشاعر يرجّح الجانب السياسي في ممدوحه، المتمثل برجاحة الرأي والحلم والحكمة؛ مما أغنى عن البيض والسمر كناية عن الحرب والقتال، فهو يسوس الناس ويحكمهم برجاحته، وعندما أحسّ الشاعر بأنه ربما يسيء إلى الملك بتركه القتال، أسند إليه القدرة على اضطرام البأس عبر استعمال (لولا) التي من معانيها وجود الشرط وانتفاء الجواب، الذي يستحيل فيه القنا براحته عوداً أخضراً مكسوّاً بالورق.

ويأخذ اللون طابعاً آخر في المديح لدى (ابن جابر الأندلسي ت780هـ) حين يقول([35]):

تشتكي الصّفر من يديه وترضى الـ

سمر عن راحتيه عند الحروبِ

أحمر السيف أخضر السيب حيث الـ

أرض غبراء من سواد الخطوبِ

إذ يأتي الشاعر في هذه المقطوعة الشعرية بتشكيلة لونية بثّها موزّعة بين الشكوى والرضى، فالدنانير الذهبية ـ الصفر ـ تشتكي كرم يدي الممدوح الذي لا يدّخرها، أمّا الرماح فارتضت مفارقتها وقت الحروب، وأشار الشاعر إلى ممدوحه بأنّه أحمر السيف، دلالة على كثرة فتكه بأعدائه من أثر الدماء، وأنّ عطاياه كست الأرض خضرة لاتساعها على الرغم من شدة سوادها جرّاء الخطوب التي ألمّت بها.

استعمل الشاعر في البيت الأول وحدات لونية دالة على صيغ الجمع في البيت الأول، وهي الصفر والسمر، وكانت تمثّل البنى الأساسية التي يشعّ منها معنى البيت، وتُظهر مكانة الممدوح. أمّا البيت الثاني فاستعمل فيه صيغة (أفعل) للدلالة على عمق الأثر الحاصل من هذا الممدوح ما بين الحزم في المعركة، والكرم في العطاء، وقد أفادت خاصية المدح من هذا التلوين الموشّى بألوان تتناسب مع التراكيب التي جاءت قانية في مقاصدها، وكانت موفقة في توظيفها؛ ممّا أنتج عنها أثراً يبرز صورة الممدوح وأفعاله.

وفي موضع آخر يقول (ابن حمديس ت527هـ)([36]):

وكَستْ أسيافُهُ عاريةً

ذُلّ أهْلِ السبتِ أهلَ الأَحَدِ

ذو يدٍ حَمراءَ مِن قَتلهِمُ

وهيَ عِندَ اللَّه بَيضاءُ اليَدِ

إذ يتّخذ من صورة اللونين الأحمر والأبيض اتّجاهاً في النظر إلى طبيعة اللون عند توظيفه كالفتك بالأعداء، إذ يصفه بأنّه ذو يد حمراء في قتل أعداء الإسلام، وكنّى ببياض اليد للدلالة على قبولها عند الله؛ ذلك أنّها دافعت عن حمى الإسلام.

وهذا التساوي في الدلالتين على الرغم من اختلاف اللونين يظهر توكيد صورة الممدوح لتكرار المعاني وإن جاءت بصورة تخالف إحداها الأخرى، وأنّ التمايز جرى من خلال لفظتي (حمراء وبيضاء) اللتان اعتمد عليهما البيت، وهو ما يثبت قوة التعبير والركون إلى المقصد الديني في إحالة العبارة إلى لفظ الجلالة (الله)..

(وهي عند الله بيضاء اليد).

ومن الشعراء الذين ظهر اللون في شعرهم مقترناً بالمديح (الأعمى التطيلي ت525هـ)، إذ يقول([37]):

وما احمرَّ إلاّ من صِيالِكَ مَعْرَكٌ

ولا اخْضَرَّ إلاّ من نَداكَ جَنَاب

يتحسس الشاعر اللون في فضاء الشعر على أنّه تأسيس بارز لتقنيات الصورة التي أوردها في ممدوحه، فلفظتا (احمرّ واخضرّ) تدلان على سموّ منزلته ورفعته، على الرغم من مجيئهما بأسلوب الاستثناء، وهو ما لم يقيّد معناهما، بل منحهما بعداً دلالياً أعمق. فاللون الأحمر طغى على المشهد الذي رسمه الشاعر في صدر البيت، وما كان ذلك إلاّ من صولات الممدوح في أرض المعركة، إذ إنّه قصر احمرار الأرض على شدة بأس هذا الفارس.

أفاد الشاعر من شمولية معنى اللون الأخضر في تبيان أثر كرم الممدوح، ذلك لأنّه ((يدلّ على الحياة والشباب ويحرر النفس ويوجّه الشعور نحو الشيء الأبدي))([38])، ثم أفاد من الدلالة المتحصلة من تشديد حرف الراء في لفظتي (احمرَّ واخضرَّ)، ففيهما إشارة إلى اتّساع عطائه وحسن بذله، وهذا البيت من قصيدة قيل بأنّها أجمل ما قاله التطيلي في هذا الممدوح([39]).

أمّا (ابن حربون ت570هـ) فيجعل إشراق الأرض ناتجاً عن نور ممدوحه الذي سطع في أفق السماء، فجلّى كل الغياهب([40]):

وأشرقت الأرض عن نوركم

فلم يبقَ في أفقٍ غيهبُ

مهّد الشاعر في معرض مدحه لممدوحه باستعمال حرف الواو الذي كان فاتحةً لأفق الإشراق بالنور على الأرض، وكأنّه الشمس تكسف كلّ الكواكب وتنير كلّ الآفاق، وكأنّ الأرض لم تحضَ بهذا الدفق المنير من قبل.

وفّق ابن حربون في إظهار صورة لونية بغياب لفظ اللون الصريح، إلاّ أنّها تمثّل الصدارة في فلك الألوان؛ لأنّها إشراق مكللٌّ بالنور.

ويصوّر (أبو عامر بن مسلمة ت511هـ) ممدوحه على شاكلة شعراء الأندلس من جهة معالجة الغرض الشعري، فيبتدئ بوصف الطبيعة فيختاره موضوعاً لمقدمة قصيدته فيقول([41]):

أرى في البهار النرجسي تلألؤاً

عيون الورى مشغوفةٌ بالتماحه

كأن الرياض الخضر صغن لباسه

بشكلين من ماء الغمام وراحه

أو الدهر رداه سروراً بشخصه

رداءين من إسفاره وصباحه

فحلته في لونها ذهبية

وفضيةٌ أثناء عقد وشاحه

جمال به حل الربيع عراره

ومنه كسى لا شك نور أقاحه

كما قد تحلى الدهر من بعد عطلةٍ

بجود ابن عبادٍ وفضل سماحه

به نيلت الآمال في كل بغيةٍ

وبوشر برد الأمن تحت جناحه

يمدح أبو عامر بن مسلمة ابن عبّاد (ذي الوزارتين) بقصيدةٍ طرّزها بألوان كثيرة زاهيةٍ وبرّاقة غلبت على جوّ القصيدة وأركانها، فهو يبدأ المشهد بمنظر البهار والنرجس المتلألئ، ثم يستهلّ مدحه مشبّهاً لباس الممدوح بالرياض الخضر المحببة للنفس، وأضفى على ذلك المنظر تجلّيات الدهر الذي استقبله فرحاً، إذ أفصح عن نوره وصباحه، فحلّة الممدوح أصبحت ذهبيةً مفضضةً عند الوشاح، وكأنّ الربيع حلّ بأزهاره ونوّاره، وكأنّ الدهر قد تحلّى بسماحة ابن عبّاد، فأصبح أكثر بهاءً، فعمّ الأمن والأمان في نفسه وفي معيشته.

أراد أبو عامر بن مسلمة أن تكون قصيدته فضاءً زاخراً بالألوان وموحياتها ودلالاتها العميقة التي لا تدع مجالاً للنفس أن يغزوها شيء آخر سوى النور الذي تتّشي وتتشرّب به، فحاله في ذلك حال بقية الشعراء الذين عمدوا إلى ((استغلال الطبيعة في مطالع قصائدهم، يضعونها تيجاناً على رؤوسها، ويقتبسون من أزهارها وشياً يطرّزون به ما يخلعون على ساداتهم من حلل الثناء))([42]).

ارتكزت القصيدة على وحداتٍ بنائيةٍ لونيةٍ كان لها طابع الهيمنة على جوّ القصيدة جاءت من خلال ألوان الأزهار والرياض الخضر، والماء وما يضفيه على المشهد من أبعاد تصويرية رائعة، وكذلك المعدنين الثمينين (الذهب والفضة) بلونيهما المتداولين في التعامل.

ثم ينعطف الشاعر إلى الربيع وآفاقه الرحبة بكلّ ما حوى من تكوّنات الصورة والتصوير وأثر ذلك في النفس، إذ يشيع فيها السكون والأمان.


وفي موضع آخر يقول (ابن فركون ت820هـ)([43]):

كأنّ سَنى الصُّبْحِ وجْهُ ابنِ نَصْرٍ

إمامِ الهُدَى المَلِكِ المُرْتَضى

وإنّ مُحيّاهُ مَهْما بَدا

أعادَ ظلامَ الدُجى أبْيَضا

يقدّم ابن فركون مدحاً متداولاً لممدوحه ابن نصر، إذ يرصد سنى الصبح لوجهه المنير، وإنّ صورته ستحيل الظلام القاتم إلى بياضٍ ونورٍ في كلّ تحوّلاته، وفي هذه الالتفاتة أظهر الشاعر هيبة ممدوحه (إمام الهدى الملك المرتضى)، إذ إنّه قادر على جلاء الظلام وإحالته إلى بياض.

أفاد الشاعر من مفرداتٍ أوحت باللون، منها (سنى الصبح، وظلام الدجى) و(أبيضاً)، وكان التوصيف للملك هادئاً ورزيناً يليق به، إذ جاءت العبارات اللونية متّزنة ومعهودة وغير مخالفة لما هو معتاد، فضلاً عن ذلك فقد كان للتشبيه المقلوب في مطلع البيت الأول صدىً جميلاً أبرز صورة الممدوح بشكلٍ جميل.

لم يكتفِ الشاعر بذلك، بل حرّك المشهد في البيت الثاني وجعله دافقاً بالحياة في قوله: (ظلام الدجى أبيضا)، وهما متضادّان أبرزا الصورة وأثرها في النفس.

صفحة 10

اللون في شعر المديح النبوي

تغنّى الشعراء في مختلف العصور بممدوحيهم، وخلعوا عليهم ألواناً من الصفات، فوصفوهم بالشجاعة والبسالة والإقدام والكرم والحمية والغيرة وغيرها من الصفات الطيبة، وفيهم من صدق بوصفه نظراً لإعجابه بالممدوح، أو أنّ شهرته حقيقة راسخة لا يمكن إغفالها، وفيهم من تملّق ليصل إلى غاية معينة، كطلب المال، أو المنصب أو غيرها من حوائج فانية.

من جهة أخرى نرى كثيراً من الشعراء يسلكون سبيلاً آخر في اختيار الممدوح، ممدوح لا يبتغون بمدحه عرضاً فانياً، بل يدّخرون بحبّه الأجر والثواب عند الله I، ألا وهو الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يلجأ الشعراء إلى مدحه عليه الصلاة والسلام إعجاباً وشوقاً لشخصه الكريم، أو بذكر نسبه الشريف، أو تعداداً لصفاته المثلى ومعجزاته، أو طلباً للشفاعة والدعاء، فصفاته أكبر من أن تحصى؛ لذلك استقى الشعراء معانيهم وصورهم من هذا الغرض الشعري، فراحوا يتفنّنون في مدائحهم ويعارضون بغيرها من المدائح.

وما يمكننا أن نلحظه على هذا الفن المنبثق عن غرض المديح الأصلي، هو أنّ المدائح النبوية ((لا تصدر إلاّ عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص، والإيمان العميق بصدق الرسالة المحمدية، والخصال الجيدة التي يتحلّى بها النبي r))([44]).

إنّ الشعراء لا يختلفون في الإجماع على روعة الصفات المحمدية؛ لذا فالشعر هنا يكتسب صفة الصدق في التعبير عمّا يختلج في النفس من مشاعر تُسهم في رسم الصورة الشعرية المبتغاة من هذا المديح، وتحقق صفة التفاعل المشترك بين الشاعر والنص والمتلقّي. ولا يعني هذا أنّ جميع القصائد النبوية ترتقي إلى مستوى متطلّب من ناحية الأداء التعبيري الناجح، فقدرات الشعراء تتفاوت فيما بينهم، فمنهم المُجيد، ومنهم من هو دون ذلك، لأنّ ذلك يرجع إلى إمكانية الشعراء، وسعة خيالهم، وثقافتهم، وغيرها من الصفات التي تميّز شاعراً عن آخر.

لا يمكن أنّ يعدّ المديح النبوي فنّاً شعرياً جديداً ابتكره واستقلّ به شعراء الأندلس([45])، فالمدائح النبوية ابتدأت منذ بزوغ فجر الرسالة المحمدية، لكنّ الذي لا يمكن تجاهله هو ازدهار هذا الفنّ ونموّه في العصر الأندلسي، لاسيّما في عصر الموحّدين، بل إنّ كثيراً من الشعراء عالجوا هذا الفنّ، ومنهم من انقطع إليه انقطاعاً كبيراً([46]).

تقف هذه الدراسة على كيفية توظيف اللون في شعر المديح النبوي الشريف، وكيف أنّ الألوان وموحياتها أسهمت في رسم معالم القصيدة النبوية الأندلسية في هذا العصر، من ذلك قول (ابن جابر الأندلسي ت780هـ)([47]):

كَأَنَّما الشَّمسُ تَحتَ الغَيمِ غُرَّتُهُ

في النَّقعِ حَيثُ وجوهُ الأُسدِ كالحُمَمِ

إِذا تَبَسَّمَ في حَربٍ وَصاحَ بِهِم

يُبكي الأُسودَ وَيَرمي اللُّسنَ بِالبَكَمِ

قَلّوا بِبَدرٍ فَفَلُّوا غَربَ شانِئهِم

بِهِ وَما قَلَّ جَمعٌ بِالرَّسولِ حُمِي

فابيَضَّ بَعدَ سَوادٍ قَلبُ مُنتَصِرٍ

واسوَدَّ بَعدَ بَياضٍ وَجهُ مُنهَزِمِ

يصوّر ابن جابر وجه النبي الكريم r بتشبيه مقلوب، فركّز على موضع محدد في الوجه، وهو الغرّة، ممهداً لمشهد الحرب الكالح.

أفاد الشاعر من تشبيهاتٍ لونية وضوئية أنار بها مشهد الحرب على الرغم من قتامته، فضلاً عن توظيفه التضاد الحاصل بين دلالة اللونين؛ الأبيض والأسود، محدداً بهما صورة النصر والهزيمة، وإن ذكرهما صراحة كمؤكدات أدت دوراً بارزاً في رسم الحدّ الفاصل بين الحق والباطل.

أبرز الشاعر صورة الممدوح ـ النبي r ـ عبر المديات الطبيعية للتكوين اللوني الحاصل من بروز الشمس من بين الغيوم، وقد بدا مبسم النبي r وهو يجلّي هذا المشهد.

وفي موضع آخر يقف (ابن جابر الأندلسي ت780هـ) على توظيف اللون ويفيد من تناوب الأدوار بين دلالات اللونين، الأبيض، والأسود فيقول([48]):

بجاهك تبيضّ الوجوه بشارةً

إذا اغبرّ وجه المنثني عنك واسودّا