eKtab
EN ع
المعماريين المصريين الرواد خلال الفترة الليبرالية بين ثورتي 1919 و 1952
اقرأ عينة مجانية

المعماريين المصريين الرواد خلال الفترة الليبرالية بين ثورتي 1919 و 1952

بقلم شيماء سمير عاشور

صفحة 1

شكر وتقدير

الحمد والشكر لله - عز وجل - علي أن أعانني علي إنهاء إتقان هذا الكتاب وأرجو أن يتقبله خالصا لوجه الكريم... وأخص بجزيل الشكر أسرتي ... أبي وأمي وأخوتي سامية وسارة علي مساندتهم لي وثقتهم في قدراتي. كما أخص بالشكر أساتذتي الأفاضل الذين قاموا بالإشراف علي رسالة الماجستير التي كانت بعنوان "إطلالة على المعماريين المصريين الرواد خلال الفترة الليبرالية بين ثورتي 1919 و1952م" بكلية الهندسة جامعه القاهرة (2005) و التي تم تحويلها لهذا الكتاب وهم الأستاذة الدكتورة سهير زكي حواس والأستاذ الدكتور علي حاتم جبر علي توجيهاتهم القيمة ودعمهم وإمدادهم لي بالمعلومات اللازمة للدراسة. والأخت الفاضلة الأستاذة الدكتورة رغد مفيد محمد لدعمها العلمي والمعنوي لي طوال فترة الدراسة فكانت نعم المعلم والصديق.

كما أشكر الأستاذ الدكتور سيد التوني فلا زالت كلمته الشهيرة "كفي إثراءا للمكتبة الغربية" هي الحافز الأول لكتابة رسالتي باللغة العربية. وأتوجه بجزيل الشكر لباقة من أعضاء هيئة التدريس الذين لم يبخلوا علي بالدعم والمشورة بل ومساعدتي للوصول للمادة العلمية الصحيحة وخلال رحلة البحث عن معلومات موثوق بها عن معماريينا الرواد وهم بترتيب مقابلاتي لهم: الأستاذ الدكتور سمير حسني، الأستاذة الدكتورة زكية شافعي، الأستاذ الدكتور عمرو شـريف نعمان، الأستاذ الدكتور طارق والي، الأستاذ الدكتور رضا كامل، الأستاذ الدكتور عبد المحسن برادة، الأستاذ الدكتور فاروق الجوهري، الأستاذ الدكتور يحي الزيني، الدكتورة هبة صفي الدين، الدكتورة عزة علي إبراهيم. وأخص بالشكر المهندس ياقوت من جمعية المهندسين المصـريين، والمهندس جمال بكري، والكاتب سمير رأفت، والباحثة علا سيف، والمهندسة سامية بالإدارة الهندسية لشركة المعادي للتعمير والإسكان، والمهندس عمر حزين لما قدموه لي من معلومات دقيقة عن جيل الرواد ومشورة مخلصه.

كما أشكر كل الذين سهلوا إجراءات تصوير المباني سواء داخليا أو خارجيا وهم المهندس عبد القادر عبد العال محمد رئيس قطاع الشئون الفنية للمشروعات بشركة الشمس، والأستاذ حسين عبد المنعم رئيس قطاع الفنون التشكيلية، عم ساتي مساعد الكاتب محمد حسـنين هيكل، مدام إمه فهوم ومسـاعدها أيمن، الأستاذ عبد الربه حسيني سكرتير محافظ الجيزة، الأستاذ مجدي قزمان مدير مدرسة الفرير بالظاهر، ومدام فاطمة سامح فهمي ومكتب مدير مستشفي الطلبة بالجيزة، والمهندس محمد نصير مدير شركة الكان والمهندس يحي شوكت.

كما أتوجه بجزيل الشكر لباقة من الأصدقاء كانوا نعم السند أثناء فترة إعداد البحث هم هدي فيصل، وسارة عبد المنعم، وأميرة حلمي، وعاليا عكاشة، وندي لبيب، وهبة شعراوي، كما أخص بالشكر رفيقات الدرب المهندسات: مها أبو بكر، ومها صلاح، ورشا علي، وسالي عيسوي، وريم شريف، ويسرا محمد، ورندا يوسف لما قدموه لي من مساندة فعلية ودعم معنوي وتشجيع لإتمام هذا العمل علي أكمل وجه. وأخيرا أشكر المهندس مؤمن بالله الحسيني والمهندسة إيمان عبد الشهيد لما قدما لي من مساعدات جليلة في اللحظات الأخيرة لاخراج هذا العمل علي أكمل وجه.

جزاكم الله عني خير الجزاء

صفحة 2

تقديم

« أن نعرف تراثنا ..قضية ، أن ندرسه.. ..قضية، أن نمحصه وننقيه مما علق به من شوائب..قضية، أن نعتز به ونستلهمه أن ننتفع به ونستمد منه ..قضية ».

نعمات أحمد فؤاد(1)

الهوية المصرية ليست أحادية الجانب وليست أحادية الفكر بل هي متعددة الأبعاد، كما أنها ليست هوية جامدة ثابتة متحجرة بل هي ديناميكية مستمرة ومتطورة، تغذت من خلال ثقافات عديدة متتابعة عقائدية أو استيطانية أو وافدة. لذا فالهوية المصرية هي حالة تراكمية لعناصر من حضارات متتالية على أرضية صلبة بناها هذا الشعب في تفاعله مع مجتمعه وبيئته ومحيطه الخارجي. وبما أن الهوية المصرية متشعبة الأبعاد فيجب الحفاظ عليها وفهمها عن طريق فهم هذه الحالة التراكمية و تكوين صورة متكاملة للحلقات المتتالية التي تمثل تاريخ الأمة وثقافتها ونتاجها البنائى مراعين في ذلك عدم إسقاط أي من عناصر مكوناتها وإعادة اكتشاف الحلقات المفقودة والتأكيد عليها بهدف تحقيق التقدم والتواصل بين الأجيال. إلا أن الواقع يؤكد وجود زخم من الدراسات الفرعونية والإسلامية والقبطية التي تمثل تاريخ العمارة المصرية عبر مراحلها المتتالية يقابله نقص شديد في تناول النتاج البنائى المعماري لمصر الحديثة في القرن العشرين، وبالتالي توجد حلقة مفقودة في تناول هذا الهوية المعمارية المصرية. من هنا تأتى ضرورة دراسة العمارة لمصر الحديثة وكذلك عمارة الرواد المعماريين المصريين الذين بدءوا عملهم مع بداية القرن العشرين للأسباب التالية:

أولا: العمارة المصرية المعاصرة تمر بمحنة، فنتاج العمارة المصرية المعاصرة لا يعبر عن الهوية المصرية إلا فيما ندر وذلك كنتيجة طبيعية للانبهار بالحضارة الغربية وفقدان الثقة بالنفس ونتيجة لاعتقاد خاطئ بأن التشبه بالحياة الغربية هو الطريق الوحيد للتواصل مع مستجدات العصر. هذا ما يؤكده عبد العزيز حمودة(2) بقوله: "لم تكن الثقافة العربية، إذن مفلسة، ولم يكن العقل العربي، قط متخلفا. كل ما حدث أننا في انبهارنا بإنجازات العقل الغربي وضعنا إنجازات البلاغة العربية أمام مرايا مقعرة صغرت من حجمها وقللت من شانها." لذلك من المفيد أن نزيح الغبار عن الرواد الأوائل في مجال العمارة الذين أثروا الساحة المعمارية حتى نفسر كثيرا من النجاحات والاخفاقات التي صادفت فن العمارة في مصر ونعيد الثقة بالنفس.

ثانيا: تمثل هذه المرحلة أحد مراحل الفكر البنائى المصري الهامة حيث أنها تمثل مرحلة انتقالية بين الفكر التقليدي واتجاهات التحديث أو كما يطلق عبد الحليم إبراهيم(3) على تلك المرحلة ثقافة الشرخ وبالتالي فان دراسة هذه المرحلة يكمل دورة الحياة المعمارية ويساعد في التعرف على معالم اللبنات الأولى في الهرم الثقافي المصري.

ثالثا: تعتبر هذه المرحلة عودة للمعماري المصري لبناء مجتمعه ، فالعمارة المصرية ظلت نتاجا مصريا حتى حكم محمد على وأولاده الذي بدأ مشروع تحديث الدولة واستعان فى ذلك بالمعماريين الأجانب، وتعتبر فترة النصف الأول من القرن العشرين بداية عودة المعماري المصري إلى بناء مجتمعه.

رابعا: ندرة الكتب التي تتناول الرواد الأوائل وسيرتهم وتاريخهم ونتاجهم البنائى مقارنة بأعمال قرنائهم الأجانب، الأمر الذي يؤدى إلى هيمنه الفكر الغربي والمكتبة الغربية بمضامينها ونظريتها على نظيرتها المحلية، بالتالي يؤكد عبد الباقي إبراهيم(4) أن الفكر المعماري العربي سوف يظل فترة طويلة مرتبطا بالفكر الغربي في مضامينه ونظرياته حتى تتشبع الساحة المعمارية العربية بالمراجع والكتب التي تبحث عن النظرية المعمارية المحلية. على أنه يجب ألا يقتصر هذا التناول على الاتجاهات التشكيلية أو التعبيرية للمعماري بل يمتد ليربط الجوانب الفكرية بالمقومات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شكلت المنتج البنائي.

خامسا: إغفال تناول العمارة المصرية الحديثة في دراسات نظريات العمارة في مدارس العمارة المصرية واقتصارها على تاريخ العمارة التراثية أو نظريات العمارة المعاصرة الغربية مع إلقاء الضوء على الرواد الأجانب كفرانك لويد رايت ولوكوربوزيه على سبيل المثال لا الحصر وإغفال عمارة نظرائهم المصريين ، يؤكد ضروره مراجعة القوالب التقليدية للعملية التعليمية المعمارية لاحتواء مقومات الشخصية المحلية الأصيلة بجانب المفاهيم المعرفية العالمية بما يتيح لمعماري المستقبل قراءة رسالة الإنجازات الماضية بعيون معاصرة للبحث عن الأصالة والابتكار ومقاومة تكرار النماذج الغربية الواردة.

يهدف الكتاب إلى تناول عمارة الرواد خلال العقود الثلاثة ما بين 1919 – 1952م مع التعرف على تأثير الجوانب المحيطة بهذه العمارة في الفترة المحددة والمتمثلة في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية و الثقافية المؤثرة على الفكر والنتاج المعماري. الأمر الذي يدعم هوية مجتمعنا ويوفر اتزانا فكريا بين المتاح الغربي السائد إعلاميا وبين القليل المحلى المتراجع بما يسمح بظهور نتاج بنائي متوازن.

صفحة 3

الطروح النظرية

يعتمد الكتاب فى تناوله على قاعدة فكرية ينطلق منها وهى مجموعة من الأدبيات والمشاهدات التي أثرت فى سياق التناول وشكلت أهم دعائمه الفكرية ويعتمد عليها الكتاب كثوابت فكرية ينطلق منها في عرضه وهى كالآتي:

1. النتاج البنائى المعماري هو انعكاس للواقع والفكر يجسد الهوية المصرية ويحدد أبعادها بصورة أقرب ما تكون للحقيقة على طول البعدين الزمني والمكاني لمنطقة ما. وهذا ما أكده هيجل(5) عندما حلل العنصر الأساسي في منطق فكره الجدلي الذي يراه القانون العام للحياة:

"إذا كانت الذات الدالة على جوهر الشيء واحدة فان الواقع الدال على وجود الذات يبدو متنوعا متغيرا، بمعنى آخر إذا كان جوهر الأشياء هو الفكرة فان واقعها هو التعبير عن هذه الفكرة، فكل موجود يسعى لتخطى وجوده المباشر إلى نمط جديد يحقق جوهره." ثم استطرد قائلا: "أن التاريخ هو اتحاد الفكر بالواقع Unity of concept and concrete حيث تلتقي المتناقضات لتحقيق التطور."

ونرى ذلك بوضوح فى الهوية المصرية الواحدة في ذاتها، المتعددة في أبعادها النابعة من تفاعلها مع الواقع المحيط فنحن لا نستطيع تجاهل تاريخ مصر الفرعوني ولا التراث والعقيدة الإسلامية ولا اللغة والحضارة العربية أو حتى عزل مؤثرات البحر الأبيض المتوسط وحضارته القديم منها والحديث.(6) كما أن عبد العظيم رمضان(7) يشير إلى العلاقة بين الفكر والواقع بقوله:

"أن الفكر جزءا لا يتجزأ من الواقع الاقتصادى والاجتماعى لحياة المجتمع فهو انعكاس لهذا الواقع وفى نفس الوقت فان هذا الانعكاس ليس انعكاسا سلبيا يقتصر على دور المتأثر، فالعلاقة بينه وبين الواقع علاقة تبادليه مؤثرة ومتأثرة، على أن الفكر قد يزيد عنه بأنه ينمو ليستمد قوه خاصة به تؤثر على الواقع الاجتماعى الاقتصادى."

من ثم يمكن تطبيق هذا المنطق عند دراسة الهوية المعمارية لحقبة ما وذلك من خلال إعادة قراءة تاريخ هذه الحقبة بهدف قياس علاقة البعد التاريخي ومتغيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية بالنتاج العمراني المتولد، وذلك لان دراسة العمارة فى إطار منظور تاريخي ما هي إلا رصد لأثر هذه التغييرات صعودا وهبوطا مع حركة التاريخ للمجتمع وليست قراءة لتاريخ مباني.

2. المعماري هو الذي يحول متغيرات المجتمع من واقع وفكر إلى برنامج، بمعنى آخر هو الذي يشكل العمارة في إطار المفاهيم والنظريات المعمارية الحاكمة لفترة ما. إذا المعماري جزء من منظومة ثلاثية تتكون من البعد التاريخي الممثل فى اتحاد الفكر بالواقع، ثم النتاج البنائى، وبينهما المعماري الذي يقوم بدور مزدوج: فهو المتأثر بالبعد التاريخي الغير مادي بمدخلاته والمؤثر على النتاج العمراني المادي بمخرجاته.

صفحة 4

محددات التناول

هناك مجموعة من المحددات سواء الزمانية أو المكانية أو الفكرية كانت هي الموجه لنا في الكتابة، وهي كالتالي:

محددات زمانية ومكانية:

يهتم الكتاب بتناول الفترة الليبرالية التي عاشتها مصر منذ أوائل القرن العشرين وحتى منتصفه تحديدا بين ثورتي 1919 ، 1952 حيث تتناول الدراسة النتاج العمراني للمعماريين الرواد في مدينة القاهرة ( وسط المدينة، هليوبلس، المعادى، جاردن سيتى، الزمالك ) والأسباب التي أدت إلى اختيار هذه الفترة :

أولا: هذه الفترة تتميز بأنها فترة تحولات وتغييرات أساسية أكثر منها استمرارية تاريخية ، فهي تعقب الحرب العالمية الأولى وتحتوى على أحداث الأزمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات ثم أحداث الحرب العالمية الثانية ثم تقسيم العالم بين القوى الحاكمة المختلفة ونشوء حركات التحرير الوطني. كل هذه العوامل حددت علاقة مصر بالخارج على المستويين الفكري والاقتصادي مما أثر على الحركة الفنية والمعمارية في مصر. كما أن هذا الثراء فى الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية العالمية والمحلية المواكبة لتلك الفترة يسمح لنا بتتبع ورصد تأثير تلك العوامل على العمارة فكرا ومنتجا. كما أن التحولات المعمارية الجارية اليوم لعمارة القاهرة وعمرانها هي امتداد لما حدث في الفترة المختارة كما يؤكد عبد الحليم إبراهيم(8)، لذلك فدراسة هذا التاريخ ليس هدفه التكرار أو إعادة بناؤه أو السـرد ولكن فهم قانونه الحاكم واستنباط موقع الحاضر في حركة هذا القانون.

ثانيا: الفترة الزمنية المختارة تمثل "ثقافة الشرخ"(9) أو بمعني آخر هي مرحلة تأرجح بين الإسلامية والعلمانية فهي صراع بين تيارين: أحدهما وارد غربي في أصوله علماني في فكره مادي في اقتصاده وتراكمي في قانونه ، والآخر موروث إسلامي في أصوله عقيدى إيماني في فكره اجتماعي في اقتصاده وتجددي في قانونه وبذلك فان الفترة المختارة وهى ما بين 1919 - 1952 فترة هامة لفهم طبيعة ذلك الشرخ في البناء الحضاري لهوية مصر.

محددات فكرية:

بسبب اختلاف آراء الكتاب التي تناولت الحقبة الليبرالية من 1919 إلى 1952 فقد حددنا مجموعة من المصادر المعنية بتلك الفترة مع مراعاة أن تشمل وجهات النظر الأجنبية والمصـرية لتحقيق الشمول والمحايدة فى العرض وهى كالتالي؛ بالنسبة للمؤرخين المصريين: عبد العظيم رمضان (1984)، جمال بدوي (1998)، عبد الرحمن الرافعى(1990)، نبيل عبد الحميد أحمد(1982) أما بالنسبة للمؤرخين الأجانب: جاك بيراك (1986)، سلمى بوتمان(1991)

التعريفات والمصطلحات الأساسية التي سيتم تناولها في الكتاب :

الليـبراليـــة:

بداية يجب تعريف المقصود بمفهوم الليبرالية حتى يمكن التحقق من مدى مصداقية إطلاق هذا المفهوم كوصف للفترة ما بين 1919و1952. فالبعض يصور الليبرالية على أنها معادية للهوية والاستقلالية حيث يراها احدى أدوات الاختراق الأجنبي التي تمنع الاحتفاظ بالهوية وتساعد على فقدان الاستقلالية. يقابلهم مجموعة أخرى تعتبر الليبرالية وعاءا يتحمل كافة الايديلوجيات الأخرى بتفاعلاتها وتأثيراتها السلبية والإيجابية بل يراها تفرز مناخا معرفيا يسمح بتداول ونمو كافة الأيديولوجيات الأخرى مستشهدين فى ذلك بالتجربة الغربية الليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية التي سمحت بتشكيل أحزاب يمينية ويسارية فى ظل بناء ليبرالي واحد.(10)

صفحة 5

أولا: أصل مفهوم الليبرالية:

الليبرالية هي الاشتقاق اللغوي لمبدأ الحرية LIBERTY ويرجع الأصل الفلسفي لليبرالية إلى الديمقراطية الأثينية التي تمثل الليبرالية السياسية، وأول من سموا ليبراليين هم أعضاء الكورتيس الاسبانى cortes عام 1810 – 1811 الذين كانوا يحاولون وضع أطر نظرية لمجتمع جديد صنعته طبقة جديدة (الطبقة الوسطى) التي استطاعت سلب الإقطاع والكنيسة امتيازاتها القديمة لذلك نلاحظ تزاوج ظهور الأفكار الليبرالية مع ظهور الطبقة البورجوازية فى هذه الحقبة.

بالنسبة لرواد هذا الاتجاه عالميا، يعتبر لوك هو المؤسس الحقيقي لليبرالية التي لم تزدهر إلا فى عصر النهضة والتنوير فى أوربا فى القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد سقوط الإقطاع وانطلاق الثورة الصناعية وتغلغل مبادئ الثورة الفرنسية لتستكمل طبقة الملاك الجدد هيئتها الاجتماعية بالتدريج حتى حظيت بازدهار مؤكد فى القرن التاسع عشر الذي سمى عصر تألق الليبرالية(11) بمختلف رؤاها من الفرنسية إلى الإنجليزية إلى الأمريكية وبمختلف روادها من" ديكارت "إلى "جون ستيوارت " ميل إلى أن انطفأ تألقها فى مطلع القرن العشرين إثر بداية الحرب العالمية الأولى 1914. فى حين يرى هيجل أن البورجوازية هي التي تشكل الأساس الاجتماعي للفردية وهى التي تم من خلالها تقويض دعائم مجتمع العصور الوسطى التقليدي(12) فان ليبرالية "جون لوك" ارتبطت ارتبطا وثيقا بالطبقة الوسطى حيث قدم لها رؤيته الخاصة عن الحرية الفردية أو الفردية التملكية ودعمه هوبز بتصوره عن النفعية الفردية فدعم كلاهما طموحات هذه الطبقة التي كانت ترسخ جذورها فى التربة الاجتماعية مما أدى إلى عقد أواصر علاقة حميمة بين الليبرالية والطبقة الوسطى.

أما بالنسبة للرواد المصريين فيعتبر رفاعة طهطاوى(13) أول الرواد الليبراليين بعد رحلته الشهيرة إلى باريس كما يعتبر الإمام محمد عبده ليبراليا، إلا أن كلاهما تكلم عن الليبرالية من وجهة نظر إسلامية كما اقتصرت وجهة نظرهما على الجانب السياسي لليبرالية. ثم جاء أحمد لطفى السيد ليترجم الشعار الى العربية تحت عنوان "فكر الحريين".(14)

ثانيا: تعريف الليبرالية:

يتلخص التعريف الاصطلاحي لليبرالية فى أنها:

"هي فلسفة التقدّم التي تعتز بحرية الإنسان فتسعى لتحقيق أقصى حرية فردية له على أن تتوافق مع حقوق الآخرين وبالتالي تنتج روح المنافسة التي تحقق مبدأ الكفاح النزيه. ذلك لا ينفى إيمانها بالتعددية داخل كيان المجتمع طبقيا ودينيا وفكريا مع عدم حرمان الفرد من حق التمثيل السياسي لانتمائه لحزب أو طبقة أو طائفة ما، مع دعم الانفتاح على العالم لتخليص العقل من عقد الغزو الثقافي والهيمنة الاقتصادية."(كاريك 1957)(15)

مما سبق نلاحظ أن مصطلح الليبرالية يدور حول لفظين أساسيان هما(16):

أولا: النزعة الفردية كأساس فلسفي لمفهوم الليبرالية المقابل للجماعية Collectivism والممثلة فى الإيمان بأن للفرد حقوقا طبيعية مستقلة عن الحكومة وعلى الحكومة أن تقوم بحمايتها ضد اعتداء الآخرين وأيضا منها ذاتها. يجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النزعة الفردية لا تنفى الجانب الجماعي لليبرالية.

ثانيا: الحرية كجوهر الليبرالية وآلية عمل المفهوم والتطبيق. فالحرية هي جوهر الليبرالية التي تهدف إلى قيام مشروع حر تحرسه الديمقراطية، كما أنها آليات عمل الليبرالية فيعتبر مبدأ "الديمقراطية" هو "التطبيق الليبرالي" للحرية. ولقد اتخذت الحرية مجموعة من التعريفات تتراوح سلبا وإيجابا لتبرير وجهة النظر السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ثالثا: أنواع الليبرالية:

قدم كاريك(17) فى الورقة الافتتاحية التي ألقاها فى الاجتماع الأول للمركز السياسي الليبرالي عن الفلسفة الليبرالية تعريفا لليبرالية بجوانبها الثلاثة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فرق فيها بين الليبرالية الاجتماعية والليبرالية الاقتصادية والليبرالية السياسية كالآتي :

( أ ) الليبرالية السياسية:

الليبرالية السياسية هي أن تعترف الحكومة بسيادة الشعب، تلك السيادة التي يعبر عنها بنظام برلماني يكفل حرية تعبير ممثلو الشعب المنتخبين عن آراء الغالبية العظمى من الشعب، وحتى يتحقق هذا المستوى من الليبرالية يجب أن يتوافر: نظام قضائي مستقلّ وحكومة لامركزية مع تأمين القيادة التنفيذية بواسطة البرلمان أو مجلس النواب ونظام اِنتخاب يَصُونُ قاعدة الأغلبيّة وعَقَدَ اِنتخابات بانتظام.

(ب) الليبرالية الاقتصادية :

تهدف الليبرالية الاقتصادية إلى خلق بيئة تكفل اقتصادا فرديا حرا حيث أنّ المشاريع والمؤسسات الحرة هي السبيل لتحقيق تقدّما اقتصاديّا، ولإنجاز ذلك يجب أن تتوافر مجموعة عوامل مثل حرية تكوين المؤسسات والمشاريع وتأمين الملكيات الخاصة وحرية التعاقد وعقد الاتفاقيات.

(جـ) الليبرالية الاجتماعية:

الليبرالية الاجتماعية هي مجْمُوعَة حرة من الأَفْرَاد تتواجد لتؤثر بالجهود المشتركة على تلك الظروف التي قد تساعد كل منهم على تنمية شخصيته باختيار طريقته الخاصّة للمعيشة ونظرته للحياة والالتزام بحقوق الآخرين. ولكي يمارس المجتمع دوره بكفاءة يجب أن تتوافر له مجموعة حريات رئيسية وهى: حرية التحاور وحرية تكوين الجماعات والروابط وحرية الدين والعدالة الاجتماعية.

مما سبق نلاحظ تعدد تعريفات مفهوم الليبرالية بجوانبها المتعددة، على أنه يمكن تلخيصها فى التعريف الاصطلاحي التالي: "الليبرالية هي مجموعة المبادئ والقيم التي يقوم عليها أعمدة المجتمع الحر وأهمها قيم الحرية الفردية مع المسئولية الاجتماعية والتسامح والمواطنة."(18) كما أننا نلاحظ أن الليبرالية تصب فى رافدين أساسيين هما: الحرية والنزعة الفردية، حيث تشكل النزعة الفردية الأساس الفلسفي لمفهوم الليبرالية بينما تمثل الحرية جوهر الليبرالية وآلية عملها والتطبيق العملي لها. وبناءا على ما سبق أطلق العديد من المؤرخين على الفترة محل الدراسة تسمية "العصر الليبرالي" وفي الباب الأول سيتم التحقق من مدى تطابق التعريف النظري لليبرالية بكلماتها المحورية على الفترة ما بين 1919 و1952 للتحقق من درجة مصداقية هذه التسمية كوصف لهذه الفترة.

صفحة 6

الطبقة البورجوازية

أولا: التعريف اللغوي

التعريف اللغوي للبورجوازية هو الطبقة المتوسّطة الفرنسيّة المعتمدة على مهنة التجارة.(19) كما تعرف على أنها طبقة الملاك الذين يستغلون الطبقة العَامِلة.(20) أما المنظرين فلهم تعريف مختلف للبورجوازية؛ فتعرفها سلمى بوتمان(21) على أنها تلك الطبقة التي تهْتِم بفتح النظام الاقتصادي وتشجيع تطور العمليّة السياسيّة، بينما عُرف الأديب الفرنسي Gustave Flaubert(22) البورجوازى بأنه الشخص الّذي يفَكّر ويعمل وفق شروط مذهب المنفعة Uilitarianism. على الصعيد الآخر يرجع عبد العظيم رمضان نشأة هذا اللفظ بظهور الطبقة الرأسمالية لتجارية الأوربية التى تمركزت حول ما يعرف باسم (Ourg وترجع الى العهد الرومانى) من هنا أطلق على هؤلاء التجار اسم Burgenses وتتطور الى Bourgeois.(23)

ثانيا: البورجوازية المصرية:

أما من الناحية التاريخية فقد كانت الطبقة البورجوازية بداية التكوين الاجتماعي الحديث فى مصر حيث ولدت نواة الطبقة البورجوازية إبان حكم محمد على إلا أن نضجها وتبلورها استغرق قرنا كاملا. فقد نشأت في الزراعة بعكس البورجوازية الأوربية التي نشأت فى التجارة والصناعة بسبب سيطرت الرأسمالية الأجنبية على المجال التجاري والصناعي المصري. وارتبط نموها بتصفية الاستعمار الأجنبي وانهيار العناصر الأجنبية الحاكمة وليس بانتزاع السلطة من الإقطاعيين كما فى البورجوازية الأوربية. وقد تجددت دماء البورجوازية مع استقرار حقوق الملكية فى أواخر القرن التاسع عشر ثم تجددت دماؤها مرة أخرى بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية فى 1937(24) لكنها بدأت تسقط مع قيام ثورة 1952.

بناءا على العرض اللغوي وآراء المنظرين والعرض التاريخى للبورجوازية فاننا نعتبر البورجوازية مرادفا للرأسمالية مستشهدين بما قاله عبد العظيم رمضان(25) "أن اليساريين المصريين أطلقوا لفظ "البورجوازية المصرية" على الرأسمالية المصرية التي ظهرت فى أوائل القرن العشرين وانتعشت أثناء الحرب العظمى بغض النظر عن النشاط الذي تزاوله."

الانتلجنتسيا (قادة الفكر) Intelligentsia

نشأ مفهوم الأَنْتِليجِنْسيَا فى روسيا فى القرن التاسع عشر حيث أطلق على فئة المثقفين من الأدباء وأساتذة الجامعة التي طَمَحتَ إلى تكييف القيم والتعاليم الأوروبيّة الغربيّة لنظيرتها الروسية. لكن خلال القرن، اُقْتُبِسَت هذه التسمية في علم الاجتماع الأوروبي وتحدد تعريفها كالتالي: "هي التعبير عن التخصصات المنفصلة عن المُجْتَمَع وتعتمد على الوضع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعيّ الملموس لكل مجتمع." وبناءا على ما سبق تعرف الانتلجسيا كبنيان متعدد الأطراف ذي آلية وظيفية، يعبر عن تركيب هذا البنيان أفراد ذوو مهن خاصة بصورة متكاملة مع المبادئ الثقافية المادية والروحية التى تربط الجماعات."(26).

يعتمد الكتاب في تسلسله على التناول المفصل لثلاثة محاور أساسية مع دراسة العلاقة التأثيرية فيما بينهم وهي: إعادة قراءة البعد التاريخي الممثل في اتحاد فكر وواقع المجتمع في الفترة الليبرالية وانعكاس ذلك على النتاج المعماري لهذه الفترة ودور المعماري في هذه المنظومة الثلاثية.

فيبدأ الباب الأول عرض الشق الأول من الهوية المصرية وهو الواقع المحلى للمجتمع المصري في الفترة الليبرالية (1919-1952) مع رصد انعكاس الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا الواقع على نتاج المجتمع المصري المعماري والعمراني من جهة ودور المعماري المصري من جهه أخرى، بهدف التحقق من مصداقية التعريف النظري لليبرالية بكلماته المحورية كوصف للفترة ما بين ثورتي 1919 و1952 على مستوي المجتمع أو العمارة أو دور المعماري

ننتقل في الباب الثاني لعرض الشق الثاني من ملامح الهوية المصرية ألا وهو الفكر ورصد كيف ألقت التيارات الفكرية والأدبية بظلالها على التوجهات المعمارية في الحقبة الليبرالية بهدف التوصل لملامح الليبرالية المعمارية. وينتهي هذا الباب بصياغة إطار أولي للعلاقة ما بين السياق المؤثر للمجتمع والمعماري والنتاج البنائي المعماري.

وأخيرا الباب الثالث هو تحليل نتاج اثنين من المعماريين الرواد هما: المعماري أنطوان سليم نحاس والمعماري على لبيب جبر وذلك بهدف استنباط كيف أثر واقع وفكر المجتمع المحلي والعالمي في هذه الحقبة على توجهات المعماريين الرواد وكيف عبروا عن هذه التوجهات في نتاج بنائي مع تقديم تصنيف لمجتمع المعماريين الأوائل. ينتهي الباب بتحديد ملامح تأثر كل منهما بواقع وفكر المجتمع في الفترة الليبرالية من 1919 إلى1952 وكيف أثرا في النتاج البنائي لهذه الفترة.

صفحة 7

تقـــديم

يهتم هذا الفصل بدراسة الواقع المحلى الممثل فى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى الفترة الليبرالية من 1919 حتى 1952 وذلك للوقوف على دور القومية فى دولة نصف مستعمرة وتأثير الحرب عليها مع رصد ولادة طبقة اجتماعية جديدة جاءت كاستجابة للتغيرات الداخلية بالاضافة الى دور الثقافة فى مجتمع تسوده الأمية وغير ذلك من الجوانب التى تساعدنا على فهم التغيرات التى ألمت بالمجتمع المصرى خلال فترة الدراسة.

صفحة 8

الواقع السياسي للمجتمع خلال الفترة الليبرالية من1919 الى1952م

كانت الفترة الليبرالية واحدة من أربع محاولات تمت للتحديث منذ عهد محمد على. (*) خطط لهذا التحديث حتى 1952 قوى أجنبية تحكمت فى نمو مصـر سواء تخطيطا أو تنفيذيا بهدف خدمة مصالحها. ويعتبر هذا امتدادا لمسلسل اتباع الفكر الغربى الذى بدأ فى فترة الحملة الفرنسية وأخذ يقلد النموذج الغربى فى كل الحقبات التى تلتها حتى وصلنا الى فترة الحداثة. لم يكن هذا الانصياع للمفهوم الغربى لليبرالية وخصوصا المادى منه بناءا على إدراك للمفهوم وأصوله ونشأته بقدر ما هو نقلا له بمساوئه ومحاسنه ونتاجه مع تجاهل مدى توافق هذا المفهوم الليبرالي مع الواقع المصري.(27) فالقوي الأجنبية لم تكن فقط حافزا للتغيير بل أيضا مصدر لايديولوجيات التحول، فقد كانت الحياة الحزبية مثالا واضحا للتحول السياسي نحو التغريب فى مصر حيث شجعت سلطات الاحتلال الاتجاه القومى العلمانى للأحزاب السياسية المصرية بهدف سلخ مصر عن الامبراطورية العثمانية بتقديم صفوة سياسيّة مصريّة جديدة. وقـد ساعد على تقوية هذا التضامن تشابك مصالح أعضاء هذه الاحزاب - ومعظمهم من كبار الملاك- مع مصالح الاحتلال البريطانى ورأس المال الاجنبى.(28) فيما يلي عرض لأهم الأحداث السياسية التي سادت تلك الفترة ثم رصد للقوي التي أدارت الحياة السياسية لنصل في النهاية لأهم ملامح الواقع السياسي للفترة الليبرالية.

صفحة 9

أهم الأحداث السياسية

تتميز هذه الفترة بأنها فترة تحولات وتغييرات أساسية أكثر منها استمرارية تاريخية فهي تعقب الحرب العالمية الأولى وتحتوى على أحداث الأزمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينات ثم أحداث الحرب العالمية الثانية ثم تقسيم العالم بين القوى الحاكمة المختلفة ونشوء حركات التحرير الوطني. وقد حددت هذه العوامل علاقة مصر بالخارج على المستوى الفكري والاقتصادي مما أثر فيما بعد على شتى جوانب الحياة وعلى الحركة الفنية والمعمارية.(29) وفيما يلى عرض لأهم الأحداث السياسية التى شكلت ملامح هذا الفترة وغيرت وجه الحياة السياسية:

أ‌- الحرب العالمية الاولى وثورة 1919

انتهزت بريطانيا فرصة قيام الحرب العالمية الأولى (1914-1919) فأعلنت الحماية البريطانية على الأراضي المصرية ثم تألف الوفد المصرى بزعامة سعد زغلول عقب انتهاء الحرب العالمية مباشرة للمطالبة بالاستقلال التام والذى كان من أهم أسباب قيام ثورة مارس 1919.

ب‌- تصريح فبراير 1922 ودستور 1923 :

يعتبر تصريح فبراير بداية التطبيق الفعلى لليبرالية الأوربية كنظام سياسي لكنه بدأ مقتصرا على الصفوة المثقفة قبل أن يشمل جميع الطوائف، فقد أسفر النضال الوطنى ضد الاحتلال البريطانى عن إعلان استقلال مصر فى تصريح 1922 الأمر الذى أعطى البورجوازية (*) قدرا من الحرية فى رعاية مصالحها الى أن سقطت الحماية البريطانية المفروضة على مصر بصدور دستور 1923 وألف سعد الوزارة البرلمانية الأولى وافتتح البرلمان فى 1924(30)، لكن الحياة الدستورية تعثرت بسبب مؤامرات القصر والاستعمار الى أن ألغى دستور 1923 ووضع دستور جديد سنة 1930 الذى لم تقبله الأمة فوقعت حوادث احتجاجا على تنفيذه.

ت‌- مظاهرات الشباب

شهدت البلاد فى ختام سنة 1935 فترة قلاقل وعدم استقرار البلاد بسبب معارضة الحكومة البريطانية لعودة دستور 1923 بعد أن ظل معطلا خمس سنوات مما أثار احتجاج الأمة على اختلاف هيئاتها وطبقاتها، وأدى الى قيام مظاهرات الطلبة فى القاهرة وبعض المدن مدفوعين بشعور وطنى يهدف الى الاستقلال والحرية والدستور مع التزامهم بالمظهر السليم دون أن يكونوا وسيلة للشغب والفوضى حتى أن الرافعى(31) وصفها بشبه ثورة لكونها صورة مصغرة من ثورة 1919، أثرت فى عودة الحياة الدستورية.

ث‌- معاهدة استقلال مصر واتفاقية مونترو

بعقد معاهدة استقلال مصر عام 1936 وبموجب اتفاقية مونترو سنة 1937 تم إلغاء الامتيازات الأجنبية التى كانت تشل السلطة التشريعية والمالية والقضائية والإدارية فيما يخص الأجانب كما ألغيت المحاكم المختلطة وبسطت الحكومة المصرية سلطانها على الأجانب.هذا مع أن الامتيازات فى نشأتها كانت ترمى الى حماية الأجانب من احتمال وقوع الجور عليهم فى مسائل الضرائب وتأمينهم على أرواحهم وأموالهم إلا أنها توسعت لتتعدى على الحقوق المصرية.

صفحة 10

ج‌- الحرب العالمية الثانية والكفاح الشعبى

استعرت نار الحرب العالمية الثانية فى سبتمبر 1939 فأعلنت الأحكام العرفية فى مصر ووضعت الرقابة على المطبوعات ومد امتياز البنك المصرى. أعقب ذلك أزمة التموين سنة 1942 فاضطربت الحالة المعيشية للشعب واقترنت هذه الأزمة المعيشية بأزمة سياسية حادة حيث قامت المظاهرات بسبب زيادة تهديدات القوات الإنجليزية للمصريين وللملك الى أن انتهت الحرب العالمية بعد ستة أعوام من نشوبـها.(32) تلقت النزعة القومية فى سنة 1945 دفعة قوية بتوقيع مصـر ميثاق جامعة الدول العربية ثم ميثاق الأمم المتحدة فانضمت الحكومة الى الأمة فى المطالبة بجلاء القوات البريطانية ووحدة مصر والسودان. ورغم أن مظاهرات 1946 كانت ذات طابع قومى تنادت بـ "الجلاء والوحدة" و" لا حزبية بعد اليوم" واشتركت فيها جميع الطوائف لتعيد الى الأذهان ذكرى مظاهرات 1919 و1935 إلا أن هذه المظاهرات غلب عليها الطابع الدموى كما لم تنجح فى توحيد الصفوف كما نجح أسلافهم فى سنة 1935.

ظهرت بعد ذلك قضية فلسطين على الساحة بعد فشل مفاوضات مصر لجلاء الحكومة البريطانية بعد قرار الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين فى نوفمبر 1947 الى دولة يهودية ودولة عربية فكان هذا القرار أكبر ضربة صوبها الاستعمار الغربى باسم الأمم المتحدة الى فلسطين والعرب.(33) أرسلت الدول العربية وعلى رأسها مصر الجيوش لمآذرة الفلسطينيين ولكن كان ينقصها العتاد والسلاح والقيادة الصالحة والتعاون الصادق بين الحكومات العربية مما أدى الى هزيمة هذه الجيوش أمام اليهود وكانت هذه الحرب من الأسباب للتعجيل بقيام ثورة 23 يوليو سنة 1952.(34)

ح‌- ثورة 23 يوليو 1952

شب حريق القاهرة سنة 1952 بسبب الكبت والقمع الذى عاناه الشعب طيلة ثلاثة أجيال وكأنهم ارادوا أن يقولوا أن مصر يجب أن تصنع من جديد.(35) لم تقتصر هذه البداية على النطاق السياسي فحسب بل امتد التعبير عنه الى النطاق العمرانى والمعمارى فبدأ الحريق من ميدان الأوبرا ثم امتد ليشمل محلات ومنشآت مملوكة لأجانب ولمصريين تقع فى اجمل أحياء العاصمة حتى أن الرافعى يصف ما حدث قائلا: " إن القاهرة نكبت هذا اليوم فى عمرانها بما لم تنكب بمثله فى تاريخها الزاهر" (36) شكل (1-1) .

تم بعد ذلك حل البرلمان لآخر مرة فى يناير 1952 حتى قيام الثورة فى يوليو1952 والأطاحة بالنظام الملكي ثم أعلن مجلس قيادة الثورة فى ديسمبر 1952 سقوط دستور 1923 ثم أعلنت الجمهورية عام 1953 كما أستقلت السودان عام 1956 وتم تنفيذ اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر عام 1956.