صفحة 1
مقدمــة
ليس من منكر أن الإدارة··ركيزة محورية من ركائز التنمية· ومع أن السمة الغالبة على العولمة··هي الاقتصاد··فإن الإدارة··هي المرتكز المحوري للاقتصاد من خلال إدارة الاقتصاد· وقد أكدت العولمة على أن الأداء الإداري··هو الذي يحدد··إلى حد كبير··مدى قدرة الدول المتخلفة المنضوية تحتها··في تعظيم المغانم وتقليص المغارم··
والإدارة قد تطورت مفاهيمها وأساليبها ووسائلها تطورا كبيرا··وانطلقت من الأطر التقليدية··إلى فضاء واسع من خلال نظم الاتصال والمعلومات··بحيث يطور ذلك اتخاذ القرار الذي هو محور الإدارة ذاتها··بحيث يكون القرار معتمدا على رصيد معرفي هائل··وخيارات متعددة··وتقييم علمي تقني لهذه الخيارات··وصولا إلى الخيار الأنسب أو الأمثل·
وأقطار الخليج العربية·· قد دخلت إلى العصر متأخرة··ومكنها الترف النفطي من اقتناء آخر صيحات الحضارة المعاصرة وأحدث نتاجها··وهي قد حاولت ··كما يبدو··الأخذ بعدد من المفاهيم والأساليب والوسائل بما في ذلك بعض المفاهيم والأساليب والوسائل الإدارية· صحيح أن الإدارة كمفهوم··حتى في أطره التقليدية··لم تعرفه هذه الأقطار إلا مؤخرا··وقد أتيح للإدارة أن تكون حقلا معرفيا من بين حقول المعرفة في جامعات حديثة النشأة وحديثة الإعداد والتكوين··كما أوفدت دارسين للحصول على مؤهلات عليا في هذا الحقل وغيره من حقول المعرفة·
وهي شأنها شأن الدول المتخلفة إجمالا··مازالت الإدارة بعيدة عن كونها محور اهتمام حقيقي على الأصعدة كافة· ومع ما يعلن عن محاولات الإصلاح الإداري··فإن الإصلاح الإداري··ليس في أكثر الأحيان··إلا شعارا للبرهنة على التطوير الإداري··وتقليص الفساد الإداري··ولذلك فإن المحصلة على صعيد الواقع··لا تكاد تكون محصلة ملموسة··ويظل التخلف الإداري··شأنه شأن باقي أبعاد التخلف··يجثم على ساحة هذه الأقطار··كما يجثم على ساحة الدول المتخلفة إجمالا ومنها الأقطار العربية التي سبقت أقطار الخليج العربية في التعرف على مفهوم الإدارة··وعلى الدور المحوري للإدارة في التنمية··وأن الإصلاح الإداري·· ضرورة حتمية·
وأساتذة الإدارة··على صعيد هذه الأقطار وغيرها من الأقطار العربية والدول المتخلفة··يفترض أن يكونوا رواد إصلاح وتغيير···للارتقاء بالإدارة في إطارها المعرفي··والمساهمة في استنباط وتفعيل آلياتها··لإحداث التغيير المطلوب على محك الممارسة··غير أن الجهد في مجمله··جاء محدودا··والمحصلة ضئيلة··وبدا وكأن الإدارة خارج دائرة الاهتمام··وأن العازفين على أوتارها·· خارج السرب··أو عازفين عنها··خصوصا في أقطار الخليج العربية··حيث الإرث الثقافي والقبلي شديد الوطأة··وحيث يترسخ مفهوم الرعاية الأبوية باستبداده··ويتعاظم الهاجس الأمني القبلي··ويطبق على كل شيء··حتى على المعرفة الإدارية وغيرها·· وحيث الترف النفطي يعمي القلوب والبصائر والأفكار والأقلام· وأساتذة الإدارة ليسوا إلا مثلا·· والإدارة مثل كذلك··والدور والغايات والإصلاح والتغيير والمناخ والحوافز والكوابح أمور تنطبق على غيرهم من الأساتذة··وعلى غيرها من حقول المعرفة··
صفحة 2
أهميـة الإدارة
بين الحقول المعرفية·· تبدو الإدارة حقلا معرفيا يشد الاهتمام بحكم الاهتمام الكبير بالإدارة في العالم المعاصر على وجه الخصوص· صحيح أن إدارة الأعمال تبدو أنها محط الاهتمام الأكبر بحكم أنماط الإدارة ومفاهيمها وقيمها في الدول الغربية المتقدمة التي يعتبر القطاع الخاص فيها رائد التنمية ومرتكزها المحوري·· ولكن الإدارة العامة لها حظ من ذلك الاهتمام بحكم موقع الإدارة في ثقافة تلك الدول·· وإن كانت وما زالت تلك الثقافة تصم الإدارة العامة بالروتين والجمود والتأخير وكل أوزار البيرواقراطية وسلبياتها·· ذلك أن الإدارة العامة المتمثلة في إدارة الأجهزة الحكومية تمثل عبئا على المجتمع يدفع مقابله مبالغ ضريبية بينما القطاع الخاص لا يمثل في تلك الثقافة عبئا على المجتمع بل محركا للمجتمع وخالقا للفرص ورائدا في التطوير والإبداع وتحقيق الكفاءة وخفض التكلفة·
وإذا كان هناك صراع بين المنتمين للدراسات الإنسانية وبين المنتمين للدراسات العلمية في الأقطار العربية·· حيث يرى الأولون أنهم أجدر بالتقدير بحكم أنهم حاملو المفاهيم والقيم الإنسانية التي تمثل جوهر الحضارة ومراميها السامية·· بينما يرى الأخيرون أن الحضارة الجديدة مرتكزها التقدم العلمي والتقني والمهني·· وأن الدراسات الإنسانية نوع من الترف الفكري أو البطالة الفكرية التي لا تؤدي إلى محصلة ملموسة على صعيد التنمية والتقدم· مع أنه ربما غلب على نظرتهم قدر من التجني خصوصا عندما ينظرون إلى مثل هذه الدراسات الإنسانية وكأنها قد أدت دورها وحقق فيها الأقدمون سبقا كبيرا·· وربما وصلوا إلى نهاية المطاف فيها·· فما هنالك من شيء جدير بالإضافة·· أو على الأقل يعتبرون أن مثل هذه الدراسات لا تحقق الارتقاء الفعلي ولا تهيئ لدخول حضارة العصر بإنجازاتها العلمية السريعة والمتلاحقة· ويقابل ذلك أن المنتمين للدراسات الإنسانية ينظرون إلى المنتمين للدراسات العلمية والتقنية والمهنية أن حظهم من الثقافة الحقة وجوهرها ضئيل·· وأن الإنسان والفكر والحضارة أصبحت قيما مادية·· وفي ذلك إجحاف كبير بها· كما أنه بالنسبة لمجالات الشريعة·· فهي تحظى بحساسية خاصة·· ذلك أن المنتمين إليها يعتبرون أنفسهم ورثة الأنبياء·· وأنهم مرتكز الصلاح والإصلاح·
ورغم أن المنتمين للحقول المعرفية الجديدة غالبا ما ينظرون إلى هؤلاء نظرة فيها قدر من الاستخفاف·· إلا أن الجهر بذلك مستحيل أو من الممكن أن يكون سلاحا يشهر في وجه المستخفين خصوصا في إطار ما يسمى بالصحوة الإسلامية·· وان كان ذلك سلاحا مشهرا دائما حتى من قبل المؤسسة الدينية التقليدية أو الرسمية· وتبقى الإدارة برغم أنها في أكثرها دراسات نظرية خارج إطار هذا الصراع·· وتبدو وكأنها معايشة لحركة العصر بل هي في قلب العصر وحضارته الجديدة ومنجزاتها·
صفحة 3
إن الإدارة كحقل معرفي يفترض أن تأخذ بنواصي المعرفة المتقدمة المتجددة وأن تجاري الثورة المعلوماتية في محتواها وفي استثمارها في التعليم والتعلم·· ولكن عليها مع ذلك كله أن تدرس ثقافة المجتمع الذي هي فيه·
إن الإدارة لو اقتصرت على الاقتباس مما هو قائم في جامعات الدول المتقدمة شكلا·· ولو افترض أنها اقتبسته مضمونا·· فإن ذلك لن يؤدي إلى محصلة ملموسة على محك الواقع·· إذ يبدو ذلك أمرا وافدا أو غريبا لا صلة له بالمناخ الإداري الذي يطبق فيه· ولا يعني ذلك مجاراة هذا المناخ الإداري الذي يطبق فيه·· ولكن التعرف عليه باعتباره بعدا من أبعاد الثقافة المجتمعية حتى يمكن تلمس الوسائل المثلى للتطبيق على محك الواقع· وإذا بدا ذلك مستغربا·· فإن العديد من الجامعات في الدول المتخلفة·· رغم وجود دراسات اجتماعية بها·· إلا أن الدراسات الأكثر عمقا ربما تمت في جامعات الدول المتقدمة· وهي لا تعرف الكثير عن مجتمعاتها· ويبدو أن الثقافة المجتمعية يجب أن تكون رصيدا معرفيا لدارسي الإدارة ولغيرها من الحقول المعرفية·· وليس معنى ذلك أنه يجب تكييف الأنماط والمفاهيم والقيم الإدارية المتطورة لهذه الثقافة·· بل المغزى من وراء ذلك هو التعرف على العقبات التي قد تقف أمام كثير من الأنماط والمفاهيم والقيم الإدارية المتطورة من خلال التعرف على الثقافة المجتمعية·· ذلك أن الثقافة الإدارية السائدة على محك الممارسة هي جزء من نسيج الثقافة المجتمعية·· وما هو مشهود وملموس من ممارسات وسلوك ليس إلا ترجمة للثقافة السائدة· وقد يضاف إلى ذلك مغزى آخر وهو التعرف على المنافذ الممكنة في هذه الثقافة وإحداث قدر من الاختراق لها أو إحداث قدر من التغيير يسمح بتطبيق معقول لبعض الأنماط والمفاهيم والقيم الإدارية المتطورة· صحيح أن القضية ليست بهذه السهولة·· إذ تتطلب تغييرا مجتمعيا جذريا وغربلة للثقافة المجتمعية برمتها يسمح بغربلة الثقافة الإدارية السائدة على محك الممارسة ويسمح بإجراء التغيير المنشود على كافة الأصعدة بما في ذلك الصعيد الإداري·· ذلك أن الإدارة متشابكة ومتفاعلة ومتداخلة مع غيرها من الأبعاد في النسيج المجتمعي· ويبقى الإلمام بالثقافة المجتمعية مطلوبا·· ذلك أن تلقين الأنماط والمفاهيم والقيم الإدارية المتطورة النابعة والمرتبطة بثقافة مجتمعية معينة يبدو نشازا أو صيحة في واد أو نفخة في رماد في إطار ثقافة مجتمعية مختلفة كل الاختلاف·
ومن ثم·· فإن القضية في الدول المتخلفة قضية شائكة جدا·· فالمنهجية يفترض ألا تكون إطارا شكليا مقتبسا من أدلة جامعات الدول المتقدمة·· وإنما تكون محتوى متطورا ووسائل متطورة في الحقل التعليمي والمعرفي·· ثم مناخا أكاديميا للحرية فيه حيز كبير يتيح الفرصة للتواصل المعرفي علميا·· وطلابا يحتل حب المعرفة مساحة تستحقها من وعيهم ونضجهم·· وذلك يقتضي أن يكونوا على درجة ملائمة من الوعي والنضج· ولعل ذلك يبدو أقرب إلى الأمنية منه إلى الواقع·· ولكنه ما لم تتحول مثل هذه الأمنية إلى واقع·· فإن الإدارة كحقل معرفي لن يكون لها حضورها كمحور من أهم محاور التسيير العولمي للشركات العملاقة في عالم اليوم بمستجداته السريعة المتلاحقة وإنجازاته المتسارعة··
صفحة 4
لقد ظلت الإدارة في الدول المتخلفة غير قادرة على تأهيل أفراد قادرين على امتلاك نواصي المعرفة الإدارية وقادرين على استخدامها وتطويرها في محيط العمل·· وربما كان هناك إجحاف كبير إن تصورنا أن الإدارة كحقل معرفي في الجامعات قادر على ذلك·· فتلك مهمة أشمل وتتعلق بالتربية والتنشئة·· وتتعلق بالمناخ التعليمي كما تتعلق بالمناخ على صعيد الممارسة·· وتتعلق أيضا بمستوى النضج المجتمعي بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية·
إنه من الممكن أن تظل الإدارة كحقل معرفي في جامعات الدول المتخلفة غارقة في ردهاتها وإن اصطبغت بإطار شكلي قد يبدو براقا وتبدو وكأنها تلبي حاجة الأجهزة الحكومية إلى كتبة إداريين وهو ما تطلبه أو تترقبه وترغبه عادة· ومعروف أنه في العديد من الأقطار العربية·· يكاد ينصرف الذهن عادة إلى الإداري من عهد قريب على أنه كتابي أو كاتب·· وفي اللغة الشائعة في الوسط الإداري الحكومي·· يقال عن الوظيفة أنها إدارية بمعنى أنها كتابية· وإخراج الإدارة من ردهاتها لابد أن يكون متسقا مع خروج المجتمع من ردهاته وذلك يحتاج إلى تغيير جذري في الأنماط القائمة والأوضاع القائمة تربية وتنشئة وسلوكا ومناخا وفي نهوض جذري على كافة الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية·· وذلك يعني في مجمله تعبئة مجتمعية شاملة· ولا يعني ذلك أن هذه التعبئة الشاملة ستلغي كل ما هو قائم·· ولكنها لا تبقي إلا على ما يصون الهوية ويجاري التطور·
صحيح أن مناهج الإدارة في جامعات الدول المتخلفة كثيرا ما تقتبس العناوين والمفردات من أدلة جامعات الدول المتقدمة·· ولكن ذلك يبقى إطارا شكليا لا ينسجم مع الواقع من حيث المناخ الأكاديمي ومن حيث موقع المعرفة والمواصلة المعرفية في الوعي ومن حيث مستوى النضج الاجتماعي والفكري ومن حيث قدرة القائمين على التعليم وقدرة المتلقين للتعليم· وهذا الإطار الشكلي هو النمط السائد خارج الجامعات·· ذلك أن الدول المتخلفة كثيرا ما تقتبس بعض المفاهيم من الدول المتقدمة للبرهنة على تقدمها الإداري ويبقى ذلك في الغالب إطارا شكليا مفرغا من المحتوى· وتجدر الإشارة إلى استخدام مفاهيم مثل: الجدارة، والأجر على قدر العمل، واللامركزية، والاستخدام الأمثل للموارد، وحسن اختيار القيادات الإدارية، والإنتاجية، والأداء، والمسؤولية، والمسائلة، وغيرها مما تزخر به محاولات الإصلاح الإداري التي ليست بالضرورة جادة·· ويتحالف ذلك مع واقع مناهض لهذه المفاهيم وتبقى هذه المفاهيم واجهات تناقض محتواها أو ما خلفها كل التناقض·· وتبقى الممارسة هي الأهم لأنها تتجسد على صعيد الواقع·
صفحة 5
وصحيح أيضا أن كثيرا من القائمين على التعليم في جامعات الدول المتخلفة ومنها الأقطار العربية قد تأهلوا في جامعات الدول المتقدمة· ولكن أكثرهم يصطدم بواقع مختلف أو مناهض أو قامع فيركن إلى الدعة والاستسلام·· ويكون استسلامه للواقع نقضا للرصيد المعرفي الذي حصل عليه من جامعات الدول المتقدمة·· وقد تختلف فترة الركون إلى الدعة والاستسلام باختلاف حماس الأستاذ أو قدرته على الصمود أو المقاومة التي غالبا ما تنهار وإن تفاوت المدى الزمني بحيث يغدو الجميع في أكثر الأحيان نمطا واحدا مسايرا للأوضاع القائمة ونائيا عن أي حقيقة معرفية قد تثير النمط السياسي السائد الذي يعتبر الجامعة كغيرها من الأجهزة والمؤسسات رهينة له ومرهونة لأي مشيئة أو قرار أو إرادة·· وفي أي كبيرة أو صغيرة بما فيها إمكانية فصل الأستاذ أو إقالته أو إكراهه على الاستقالة·
إن الإدارة كحقل معرفي·· قد خضع في الدول المتقدمة·· وعلى وجه الخصوص في الولايات المتحدة الأمريكية·· لعملية تقييم واسعة في ضوء التطورات الكبيرة والسريعة والمتلاحقة في عالم اليوم·· وبدت الإدارة في نسقها المتطور نسبيا تبدو متأخرة عن القفزات السريعة التي لم تمس الإدارة كحقل معرفي وإنما مست كل حقول المعرفة·· بل ومست كذلك الأنماط التعليمية والمناهج· وإذا كان السوق المتجاوز للحدود·· ونظم المعلومات والاتصالات البالغة التطور·· هي محور التغيير الكبير المؤثر على عالم اليوم·· فإن الإدارة في جامعات الدول المتقدمة وجدت أنها لابد أن تلحق بالركب·· أو وجد الركب أن الإدارة يجب أن تلحق أو تساير أو تسبق بحكم أنها محورية في العمل المؤسسي تخطيطا وإنتاجا وتسويقا·· وتعقد ندوات ودورات ولقاءات تجمع القائمين على تدريس الإدارة ومديري الشركات الكبرى المتجاوزة للحدود لوضع منهجية وآلية لتكوين القيادات الإدارية التي تستطيع امتلاك ناصية الإدارة في هذا التطور العصري المتسارع··
ولا ريب أن الوسائل التقنية المعاصرة بما في ذلك نظم المعلومات والاتصالات·· تعتبر محاور أساسية في المنهجية·· وفي طرق التعلم·· وفي البحث المعرفي·· وفي التعليم والإدارة إجمالا··
وقد كان مبعث ذلك الاهتمام الشعور بأن الإدارة برغم التطور الذي حققته منهجا وممارسة على صعيد الدول المتقدمة·· فإن سباق العصر ومستجداته المتسارعة المتلاحقة جعلت الحاجة إلى القفز بها إلى مستوى العصر حاجة ملحة وعاجلة خصوصا أن الإدارة واحدة من أهم الركائز في تسيير عجلة العولمة من خلال تسيير عجلة الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات· وقد اقتضى ذلك بالإضافة إلى الإلمام المتواصل بنظم المعلومات والاتصالات الإلمام بثقافات أخرى طالما أن الشركات المتعددة الجنسيات ستتعامل مع عملاء وموظفين ينتمون إلى ثقافات مختلفة·· وليس من المتصور أن يلم الإداري إلماما متعمقا بتلك الثقافات·· ولكن يجب أن يدرك إلى حد بعيد معالم هذه الثقافات وأنماط سلوكها لأن ذلك يصب في المحصلة ذاتها التي تسعى إليها العولمة والشركات المتعددة الجنسيات في التعامل مع أسواق مفتوحة واستخدام الثقافة المحلية في ترويج السلع والخدمات·· وفي الحصول على أكبر مردود من المشترين ومن الموظفين الذين يعملون في هذه الشركات·
صفحة 6
الإدارة العامـة
علاقة الإدارة العامة بالعلوم السياسية كمجالات معرفة علاقات وطيدة في الدول المتقدمة على اختلاف مدارسها ومناهجها·· وإن كانت العلاقة بين المجالين أوطد في الولايات المتحدة الأمريكية بحكم نشأة الإدارة العامة في بداياتها الأولى كحقل معرفي تحت مظلة العلوم السياسية· وهناك عدد كبير من برامج الإدارة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية أكثرها تحت مظلة العلوم السياسية وعدد منها مستقل وعدد آخر مرتبط بإدارة الأعمال··
ولا ريب أن الإدارة العامة كحقل معرفي في الأقطار العربية إجمالا نشأ كحقل معرفي يتبناه كل من آثر تبنيه· ولعل الارتباط بين العلوم على اختلاف تفرعاتها ارتباط يزداد قوة مع توجهات العصر·· ولكن الإدارة العامة تبدو وكأن فيها طرفا من أكثر من حقل معرفي·· فهي علوم سياسية في طرف·· واقتصاد في طرف ثان·· وعلم اجتماع في طرف ثالث·· وعلم نفس في طرف رابع·· وقانون في طرف خامس· هذا الخليط المتمازج يجعل الإدارة العامة مفتوحة الأبواب لكل داخل إليها ولكل عابر سبيل·· يلج إليها القادمون من العلوم السياسية·· والقادمون من الاقتصاد·· والقادمون من علم الاجتماع·· والقادمون من علم النفس·· والقادمون من القانون·· والقادمون من غير تلك المجالات المعرفية·· فحين تنفتح الأبواب على مصاريعها يستحيل إلى حد كبير إيصادها خصوصا في ظل النظم المرنة في القبول كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية·· حيث يتاح استكمال جوانب النقص بسهولة ويسر ودون عقبات أو عوائق·
ولما كانت مصر من أولى الأقطار العربية المنفتحة على الغرب·· ولما كان الموفدون منها للدراسة في الخارج قبلتهم الأولى فرنسا فقد عاد منها رعيل إثر رعيل في بداية حقبة النهضة المعاصرة إن جاز التعبير· ويبدو أن النهج الفرنسي والمدرسة الفرنسية قد غلبت على عدد من الحقول المعرفية وتوجت القانون في كثير من الأحيان باعتباره المجال الرئيسي الذي ترتبط به المجالات الأخرى· يعتبر القانون أو القانونيون من المدرسة الفرنسية·· أن لهم باعا في المحاسبة بحكم اهتمامهم بالضرائب مثلا· وفي الاقتصاد بحكم اهتمامهم بالمالية العامة·· وفي الإدارة العامة بحكم أن القانون الإداري هو من صلب القانون وهو حاكم الإدارة العامة· وتنازع الإدارة العامة كحقل معرفي في مصر أساتذة القانون القادمون المؤهلون في فرنسا ونفر في إدارة الأعمال مؤهل في الولايات المتحدة الأمريكية وقادم وقتئذ لتوه ·· ولم يكن حينئذ هناك متخصصون في الإدارة العامة أصلا·
صفحة 7
وفي أقطار الخليج العربية·· كان وضع الإدارة العامة في مصر هو الوضع الغالب على الساحة بحكم أن الذين يتولون التعليم أكثرهم قادمون من مصر·· وكانت الإدارة العامة في الجامعة لا تتجاوز في كثير من الأحيان مقررا دراسيا واحدا يتبع القانون· غير أن القضية ما كان لها أن تأخذ حيزا كبيرا من الوقت لأن أقطار الخليج العربية دخلت أبواب التعليم المعاصر متأخرة·· وهي في الدخول المتأخر لم تعاصر قضية التنازع كثيرا·· ذلك أن فرنسا لم تكن هي الوجهة التي يتوجه إليها دارسو الإدارة العامة·· ومن ثم فلم يكن هناك رعيل متمكن بحكم خلو الساحة تقريبا من المستظلين بالمظلة الفرنسية للقانون والمستحوذين على القوة والمستأثرين بالقرار· كان كل شيء يبدو جديدا·· فالموفدون الوافدون من الخارج جاءوا في حقبة واحدة تقريبا·· ولا ريب أن قدومهم في حقبة واحدة وهم في غمرة الحماس قد أثار قدرا من النزاع أو التنازع في المناهج·· ولكن لم يكن لفريق غلبة القوة والتمكن بحكم عامل الزمن أو بحكم ما كونه من رصيد من القوة لسبقه الآخرين في وقت كانت الساحة فيه تكاد تكون خالية له·
ولكن القضية التي ظلت وما تزال محورية بالنسبة للإدارة العامة كحقل معرفي·· أن العلوم السياسية تحاول في أحيان كثيرة اللجوء إلى مظلة الإدارة العامة وتحاول الإدارة العامة أن تنأى بنفسها عن العلوم السياسية كحقل معرفي وتوطد علاقتها بإدارة الأعمال كحقل معرفي·· ولكن إدارة الأعمال تحاول النأي بنفسها عن الإدارة العامة·· ولعل القاسم المشترك بين هذه المحاور والتوجهات: أن العلوم السياسية كحقل معرفي مغضوب عليه في الدول المتخلفة إجمالا·· وفي الأقطار العربية عامة·· وفي بعض أقطار الخليج العربي بصورة خاصة·· والدارسون للعلوم السياسية يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان يدرسون أشياء لا ينطبق عليها معنى العلوم السياسية ولا مضامينها ولا مفاهيمها·· وهم يتصورن أنفسهم في كثير من الأحيان موضع ريبة وشك ولو قدموا كل البراهين أنهم طيبون وموالون ومسالمون·
صفحة 8
إن الشأن السياسي في الدول المتخلفة لا يسمح بالخوض فيه·· ويبدو حساسا إلى حد يتجاوز مداه·· فكيف يمكن تدريس العلوم السياسية وهي تخوض إلى جانب النظريات السياسية والفكر السياسي في شأن سياسي· وتبدو الإدارة العامة كحقل معرفي وكأنها بعيدة عن هذا الوضع الذي تعيشه العلوم السياسية كحقل معرفي·· ولكن لأن صلة الإدارة العامة بالعلوم السياسية قوية من ناحية·· والعلوم السياسية موضع شك وريبة·· فإن إدارة الأعمال تنأى بنفسها عن الإدارة العامة وإن كانت الأخيرة من خلال أكثر مؤهليها تحاول توطيد علاقتها بإدارة الأعمال· ومن ناحية أخرى فإن إدارة الأعمال وهي تنأى بنفسها عن الإدارة العامة·· تبدو كأنها تواكب توجه العصر مع الخصخصة والانفتاح ودور القطاع الخاص الذي يعتبر الدور الأول والمحوري في هذا العصر·· وهذا التوجه قد يطغى عليه الحماس والعفوية وربما السطحية في بعض الأحيان·· ذلك أن إدارة الأعمال في صعيد الدول المتخلفة تختلف عن إدارة الأعمال في صعيد الدول المتقدمة·· فالرصيد المعرفي·· والاعتبارات الموضوعية·· وحرية الحركة·· والمبادأة والمبادرة في اتخاذ القرار سعيا وراء المردود الأعلى والأداء الأفضل والإنتاجية العالية ليست بالضرورة ماثلة على صعيد إدارة الأعمال في الدول المتخلفة· ويبدو حتى عهد قريب وقبل الموجة العارمة للخصخصة ونظام السوق تحت مظلة العولمة·· أنه كانت الحكومة هي المالكة وهي المديرة للعدد الأكبر من المشاريع الكبيرة والتي قد تتخذ صبغة مؤسسات عامة أو حتى شركات عامة·· ولذلك كانت إدارة الأعمال وهي المفروض أن تكون أداة التسيير لهذه المشروعات تهيمن عليها الإدارة العامة·· وربما تنسحب عليها كثير من اعتبارات الإدارة العامة·
وحتى عهد قريب نسبيا كان خريجو إدارة الأعمال يلتحقون بالكثير من الوظائف في الإدارات الحكومية ويبدو أنهم كانوا ينسون وراءهم رصيدهم المعرفي في إدارة الأعمال ويمارسون الإدارة العامة وفق نمطها السائد وليس وفق الرصيد المعرفي المتطور للإدارة العامة في الدول المتقدمة· وربما على هذا الصعيد يستوي إلى حد كبير القادمون من إدارة الأعمال والقادمون من الإدارة العامة وإن كان الأخيرون أوفر حظا·· كما أنه على صعيد المشروعات العامة قد يستوي القادمون من إدارة الأعمال مع القادمين من الإدارة العامة وإن كان الأولون أوفر حظا·· وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة·· في برنامجها الخاص بالإدارة العامة·· كانت تستحسن وتحبذ اندماج إدارة الأعمال والإدارة العامة تحت مظلة واحدة هي الإدارة في جامعات ومعاهد الدول المتخلفة والنأي عن تقسيمهما أو ربط الإدارة العامة بالعلوم السياسية كحقل معرفي· ولكن نظرة الأمم المتحدة تلك كانت خلال حقبة كانت الهيمنة فيها للقطاع العام على مساحة أكثر الدول المتخلفة·· أما في الوضع الراهن حيث الاتجاه الكاسح نحو تقليص القطاع الحكومي وهيمنة القطاع الخاص·· فإن النظرة لابد أن تكون مختلفة·· ولكن هل نقلص الإدارة العامة كمنهجية ؟ أم نلغيها؟ أم نتركها حقلا معرفيا بهدف المعرفة المجردة؟
صفحة 9
الإدارة العامة: حقل من لا حقل له
تبدو الإدارة العامة وكأنها حقل من لا حقل له· صحيح أن هناك من يحملون مؤهلات عليا في الإدارة العامة في الوقت الراهن على صعيد أقطار الخليج العربية وعلى صعيد العالم العربي·· ولكنها تبدو حقلا مخترقا ومفتوحا يمكن أن يدخله كل من يدعي وصلا بالإدارة العامة·· والوصل بالإدارة العامة يبدو ميسورا·· فمن المعروف أن الإدارة العامة تتداخل مع عدد من الحقول المعرفية في السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والقانون·· ومع أن التداخل بين الحقول المعرفية مسألة مطلوبة في العالم المعرفي الذي يزداد تداخلا وتشابكا·· فإن الإدارة العامة تبدو متاحة لكل من يزعم أنه درس ولو بضع مقررات في الإدارة العامة·
وإذا كانت العلوم السياسية تبدو ضائعة في الدول المتخلفة وعلى صعيد العالم العربي وكذلك أقطار الخليج العربية·· فإنه من السهل أن يدعي دارس العلوم السياسية أنه متخصص في الإدارة العامة طالما درس مقررا دراسيا أو مقررين خصوصا وأن الإدارة العامة تبدو أكثر قبولا من العلوم السياسية على صعيد هذه الدول والأقطار· ومع ما هو معروف من أن الإدارة العامة كحقل معرفي حينما نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية تحت مظلة العلوم السياسية·· فإن عددا من برامجها مازال يقدم تحت هذه المظلة·· وقد يأتي متخصصون في الإدارة العامة من هذه البرامج التي تستظل بالعلوم السياسية·· ومن هنا تتأتى سهولة ادعاء دارس العلوم السياسية أنه متخصص في الإدارة العامة حتى لو درس مقررا دراسيا أو مقررين·
والإدارة العامة في الغالب في الولايات المتحدة تمثل برامج على مستوى الدراسات العليا ومفتوحة الأبواب للقادمين من شتى الحقول المعرفية طالما أن النظام التعليمي مرن في سد الثغرات واستكمال أوجه النقص في الرصيد المعرفي·
ويبدو أن الإدارة على صعيد أقطار الخليج العربية والعالم العربي إجمالا تكاد تكون حقلا لا يهتم بطابع الخصوصية المهنية أو الاحترافية·· فقد يكتب أي موظف في الإدارات أو الأجهزة أو المؤسسات سيرته الذاتية أو مهام عمله أو تدرجه الوظيفي·· ويعتبر ذلك درسا في الإدارة أو كتابا في الإدارة· وقد يكون الالتباس في الأمر مصدره أن العمل الوظيفي يعتبر إداريا طالما كان تحت مظلة إدارة·· فالسكرتير والوزير وما بينهما قد يسرد كل منهم سيرته الذاتية ويدعي أنها تجربة إدارية أفضت إلى نجاح إداري كبير أو ربما منهجا إداريا ساعده في تحقيق الكثير من الإنجازات الإدارية·
إن عدم خصوصية الإدارة وترسيخ هويتها كحقل معرفي علمي يجسده إطار مهني بجعل الإدارة بمثابة الثوب الفضفاض الذي يلبسه أي موظف ويدعي أنه إداري محترف أو ملم بالإدارة أو ممارس للإدارة·· وقد يكون كل ما مارسه عملا سكرتيريا أو روتينيا أو كتابيا وما هو في صميم الإدارة ولا دخل له بالإدارة كحقل معرفي اكتسب في الدول المتقدمة وفي الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص بعدا مهنيا احترافيا متخصصا إلى حد بعيد ودقيق· صحيح أنه من الممكن تحت مظلة الإدارات اعتبار أي مسؤول يشرف على آخرين إداريا·· فمدير الإدارة الهندسية إداري·· ومدير الإدارة القانونية إداري·· ومدير إدارة الصيانة إداري·· ولكن ذلك لا علاقة له بالإدارة حقلا معرفيا وممارسة معتمدة على رصيد ذلك الحقل المعرفي·
صفحة 10
أهميـة الممارسـة
ليست الإدارة نظريات فحسب·· ولكنها تطبيق وممارسة ومحصلة النجاح في التطبيق· والممارسة هي الاختبار الحقيقي لنجاح النظريات الإدارية·· وهي المحك الفعلي لاختبار مدى نجاح الإدارة في تحقيق الأهداف·
والإدارة تخضع للتنظير الذي يظل تنظيرا أقرب إلى فلسفة الإدارة·· ومحاولة الغوص في أعماق النظريات واستنباط نظريات جديدة منها أو ابتكار نظريات جديدة على اعتبار أن ذلك مجال أكاديمي·· فإن بعض النظريات وإن ظل رهن الجدل الأكاديمي·· فلابد أن تشق نظريات أخرى طريقها إلى حيز التنفيذ وتحقق الارتقاء بالأداء الإداري وبالأداء المؤسسي إجمالا·· ذلك هو الوضع في جامعات الدول المتقدمة·
أما في جامعات الدول المتخلفة·· وجامعات أقطار الخليج العربي الحديثة النشأة·· فإنه ليس هناك ذلك الغوص الأكاديمي المتعمق تنظيرا واستنباطا واستنتاجا وفلسفة في إطار الجمود الذي يضرب أوتاده على صعيد العمل الأكاديمي·· ويأتي استقاء النظريات من مصادرها دون عناء وربما حتى دون فسحة التعمق الدقيق والإدراك المتعمق لمضامين هذه النظريات·· وإنما الأخذ بالخطوط العريضة منها بصبه في أطر تلقينية لطلاب الإدارة·
وتبدو هذه النظريات غير ذات صلة بالمحيط الإداري·· أو أن المحيط الإداري لا يستوعبها·· أو غير قادر على الأخذ بها·· أو متشبث بثوابته التقليدية التي تناهض التغيير وترفض الأخذ بالجديد·· وليس المحيط الإداري وحده هو الذي يفعل ذلك·· وإنما المحيط العام برمته·
وأستاذ الإدارة في جامعات أقطار الخليج العربي·· لا يتعامل مع الوقت تعامل الإدارة في مفاهيمها الأولى التي تعني استثمار الطاقات والإمكانات بأقل التكاليف للوصول إلى الأهداف المحددة·· ذلك أن طاقته ووقته وإمكاناته تكاد تكون في أكثرها معدومة أو ضائعة·· وبعض هذا الإهدار والضياع يتحمل وزره الأستاذ نفسه·· وبعضه الآخر يتحمل وزره المجتمع بثقافته السائدة التي يتمثل فيها الإهدار والضياع للطاقات والإمكانات والوقت دون وجود المساءلة وفي غياب الوعي الإداري وغيره من أطياف الوعي على الساحة المجتمعية إجمالا· يضاف إلى ذلك أنه ليس هناك ثمة حوافز تجعل الأستاذ ينغمس في الغوص الأكاديمي بحثا·· وينكب على المهمة الأكاديمية انكبابا·· ويبدع في ذلك إبداعا·· فالإبداع الحقيقي ليس له حضور ولا قيمة·