eKtab
EN ع
المدارس التاريخية الحديثة
اقرأ عينة مجانية

المدارس التاريخية الحديثة

بقلم الهادي التيمومي

صفحة 1

التــوطئــة

بعد كتابِنا الصادر عام 2003 عن «مفهوم التاريخ وتاريخ المفهوم في العالم الغَربي من النهضة إلى العولمة» وبعد الكتاب الثاني الصادر عام 2008 عن «نظريات المعرفة التاريخية وفلسفات التاريخ في العالم الغَربي في النصف الثاني من القرن العشرين» وكان عملاَ جماعيّا تولَّينا الإشراف عليه والمساهمة فيه ضمن نشاط «بيت الحكمة» التونسي، هانحن نُواصل الاهتمام بِعِلْمَوِيَّة التاريخ بهذا التأليف الجديد الموسوم «المدارس التّاريخيّة الحديثة»، وقد حاولنا أن تكون هذه المحطة الثالثة مرحلة متقدمة كميا ونوعيّا قياساً إلى ما أنجزناه سابقا، ولعل من أبْرز مَا جئنا به من جديد هو الملاحق ( 46 وثيقة مستلة من كتابات كبار المؤرخين وغيرهم من المفكرين الغَربيّين الذين أعملوا فكرهم في ماهية علم التاريخ)، وتمسح هذه الوثائق كامل الفترة من عصر النهضة الإيطالي (LA RENAISSANCE) إلى بِدايات القرن الواحد والعشرين و«ما بعد الحداثة».

إن هذا التأليف من شأنه أن يوفر للطالب وللمدرس العَربيّين في علم التاريخ حدّا أدنى من المعارف عن علم هو من أجمل مغامرات العقل البشري، ولقد تَوخَّينا فيه لغةً مبسّطة اللفظ قريبة المأخذ، دانية الملتمس، كما حَرِصْنَا على الإيجاز والتكثيف حتى يغريَ الحجم المحدود للكتاب بقراءته وبالاستفادة منه. وقد حاولنا جاهِدين ألا يكون التبسيط على حساب العلم رغم صعوبة ذلك.

لقد لاحظت بحكم مهنتي، بصفتي أستاذا جامعيّا في التاريخ المعاصر بالجامعات التونسيّة، أن الكثير من المهتمين بعلم التاريخ في العالم العربي من طلاب ومثقفين يجهلون أغلب ما كتبه عمالقة الفكر الغربيّين حول صناعتهم (علم التاريخ)، وإن الذين حاولوا التعرف إلى ذلك، اصطدموا بصعوبة بعض ما قرؤوه، خاصة إذا اختلط علم التاريخ بشيء من الفلسفة أو علم النفس أو الاقتصاد... إلخ. زد على ذلك نفور الطلاب من الرجوع إلى المصادر والمراجع المكتوبة بغير اللغة العربيّة، وهذه مأساة أخرى تتعلق بالطريقة التي تم بها تعريبُ العلوم الإنسانية والاجتماعيّة في تونس وفي بقية البلدان العربيّة، إِذ أدَّى ذلك التعريب – مع الأسف الشديد- إلى تقوقع الطلاب في صدفة اللغة العربيّة، في وقتِ تزداد فيه الحاجة إلى معرفة أكثر مايمكن من لغات العالم المتقدم.

إن توجه هذا الكتاب توجه تجميعي، إذ قلتُ لنفسي إِن المعنيين به بحاجة في مرحلة أولى إلى «مغازة أفكار»، فسرتُ على خطى الفيلسوف الفرنسي جان جاك رُوسّو الذي قال في «اعترافاته» (الكتاب السّادس) في أواخر القرن الثامن عشر «قلتُ لنفسي: لا بدّ أن أشيّد مغازة أفكار سواءٌ أكانت تلك الأفكار خاطئة أم صحيحة. المهمّ هو أن تكون واضحة، وذلك في انتظار أن يمتلئ دماغي ويكون قادرًا على المقارنة والاختيار بين تلك الأفكار. وأنا على يقين من أنّ هذه الطريقة لا تخلو من سلبيّات، لكنّها على الأقلّ تمكّنني من بلوغ هدفي، وهو التّعلّم...»(1)*. وأرجو أن يؤدّي الاطّلاع على «مغازة الأفكار» المتمثّلة في هذا التأليف إلى إغراء الكثيرين بمزيد التّشبّع بالتّراث الغربيّ في علم التّاريخ، ومعاشرة أمّهاته وأساطينه، لأنّه التّراث الأكثر تقدّمًا في هذا الميدان في عالَم اليوم.

لقد حمل علم التاريخ في العالم الغربي بصمات التحولات الكبرى التي شهدتها «القارة العجوز» من عصر الاصلاح الديني (القرن الخامس عشر) وعصر النهضة (القرن السادس عشر) (LA RENAISSANCE) وعصر العقلانية (القرن السابع عشر) إلى عصر التنوير (القرن الثامن عشر) وعصر الوضعية والعلم والصناعة العصرية وعصر «أزمة الإنسان والعلوم الإنسانية» والعولمة (LA MONDIALISATION) و«ما بعد الحداثة» (LA POST-MODERNITÉ) (القرن العشرون وبدايات القرن الواحد والعشرين).

لقد بذلتُ في هذا البحث جهد الطّاقة، وإن كنتُ كلّما أوغلتُ في طواياه، شعرتُ أنّني ما زلتُ أقف منه على العتبة، لكنّ الذي أحبّ تأكيده هو أنّني لا أزعم أنّني بلغتُ فيه كلّ ما أتوق إليه من الإحاطة والدّقّة، ولا أدّعي من العلم إلاّ بعضه، والشّكر مسبقًا للّذين سيقرؤون هذا الكتاب لصبرهم عمّا لم يعجبهم فيه، وعاش علم التاريخ ظافرًا منصورًا.

ملاحظة:

كل الوثائق المرافقة من تعريبي (الهادي التيمومي) باستثناء وثيقتين ذكرتُ اسم معرّبهما.

صفحة 2

المقــدمــة

تُعْنَى هذه الدراسة بتطور علم التاريخ (مبادؤه وأسسه وأهدافه وحدوده) في العالم الغَربي منذ عصر النهضة إلى بدايات القرن الواحد والعشرين. وطابع هذه الدراسة المكثف نسبيّا جعلها انتقائية، إذ العديد من المعطيات وقع التعرض لها بطريقة سريعة لأن قصدي ليس الشمولية والإلمام الكامل، وإنّما تمكين المهتم بعلم التاريخ من «حدِّ أدنى مضمون» (SMIG) أي من حصيلة معقولة تشمل أهم المحطات في تاريخ مفهوم التاريخ على امتداد أكثر من ستة قرون. وتغطي هذه الدراسة الجوانب «الهستوريوغرافية (HISTORIOGRAPHIE) والابستمولوجية (ÉPISTÉMOLOGIE) والفلسفية لعلم التاريخ (PHILOSOPHIE DE L’HISTOIRE).

لقد تبنيتُ المعيار الكرونولوجي في هذه الدراسة، وبدأتُ بـ«إنسانويّة» عصر النهضة الأوربيّة إلى أن بلغتُ عصر «العولمة» و«ما بعد الحداثة» في أيامنا هذه، علمًا بأنّ علم التّاريخ لم يولد حقيقة إلاّ في القرن التاسع عشر حيث وقعت بداية من هذا التّاريخ «مأسسة» (INSTITUTIONNALISATION) هذا العلم، أي بعث أقسام تاريخ في الجامعات ومجلّات متخصصة وجمعيّات عالِمة تُعنى بعلم التّاريخ، وهذه «المأسسة» ناتجة عن الثورة الفرنسيّة (1789) التي جاءت بفكرة مفادها أن التحوّلات المجتمعية أمر ضروري وحتميّ وعادي، لذلك نشأ علم التّاريخ والعلوم الإنسانية الأخرى لدراسة هذه التحوّلات وللتّحكّم فيها.

ولقد اخترتُ الوظيفة لا الاسم، وارتأيتُ القيام بعملية «تنميط» للمؤرخين خلال هذه الحقيقة الطويلة، فاكتشفت وجود أحد عشر نمطا.

وقد حاولت بالنسبة إلى كل صنف من هؤلاء المؤرخين تبيان الإطار التاريخي العام الذي ظهر فيه، والمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها، وإضافاته ومواطن قصوره.

والمؤرخون الذين أشرتُ إليهم في متن هذا التأليف ليسوا كلهم مؤرخين بالمعنى الضيق للكلمة، وإنما كانوا متخصصين في مجالات فكريّة متعددّة، ومن بينها التاريخ. وقد تطلب التعريف بكل صنف من هؤلاء المؤرخين اللجوء إلى مفاهيم من علوم إنسانية غير التاريخ، وخاصة من الفلسفة ، ولا مراء في أن الفلاسفة قدموا إضافات عظيمة لعلم التاريخ، لكن هذا التأليف لم يتحول – رغم بعده الابستمولوجي والفلسفي- إلى تاريخٍ للفلسفة مع كثرة المعطيات الفلسفية الواردة فيه.

لقد بدأ التفكير التاريخي منذ فجر الإنسانية بمضامين دينية ازدادت تعمقا مع ظهور الأديان التوحيديّة الكبرى، ثم أصبح التفكير التاريخي سياسيّا مع الإغريق والرومان، وبعد خسوف دام قرابة الألف سنة (باستثناء وميض لم يدم طويلاً جاء به العربي المسلم التونسي عبد الرحمان بن خلدون) تصالح التفكير التاريخي مع السياسة، وأصبح الإنسان – لا الله فقط- محور التفكير التاريخي بداية من عصر النهضة في العالم الغَربي، وقد تشظى هذا المضمون السياسي للتفكير التاريخي في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى ما لا يحصى من الحساسيّات والمشارب المختلفة.

لقد ازدهر علم التاريخ في العالم الغَربي لأن الوعي الأوروبي تكون تدريجيا في التاريخ، ولم توجد ماهية مسبقة كما هو الحال في الإسلام (الوحي)، وللوعي الأوروبي – والتاريخ جزء منه- أربعة مصادر: المصدر الشرقي القديم، المصدر اليوناني- الروماني (مصدران علمانيّان) والمصدر اليهودي – المسيحي (المصدر الديني) والبيئة الغَربيّة الأوروبيّة.

إن بعض أصناف المؤرخين الذين تعرضتُ لهم في هذا التأليف لم يعد لهم وجود بارز في عالم اليوم (مثل المؤرخ الرومنطيقي) وهذا ما يفسّر أن أجزاء هذه الدراسة ليست متعادلة الوزن، لكني حرصت مع ذلك على عدم إهمال هؤلاء المؤرخين لأنهم جزءٌ لا يتجزأ من تاريخ التاريخ (الهستوريوغرافيا) ولأن بعض طرق تفكيرهم وأشكال كتاباتهم، نلمس اليوم بصماتها لدى بعض المؤرخين الذين يُمارسونها بلا وعي أحيانًا.

إنّني عندما أستعرض مواصفات صنف من المؤرخين في عصر معيّن، فإنّ ذلك لا يعني أنّ كلّ تلك المواصفات متوفّرة لدى كل المؤرّخين الذين ينتمون إلى المدرسة التّاريخيّة لذلك المؤرّخ. فالتّنوّع أحيانًا داخل نفس المدرسة لا حدّ له، إلاّ أنّني فضّلت – ومن باب تقريب الحقائق إلى الأذهان- أن أستخدم مفهوم «الأنموذج المثاليّ» لـ«ماكس فيبر» (MAX WEBER). لقد رسمتُ صورة «خالصة» لمؤرّخ كلّ مدرسة بإيجابيّاته وسلبيّاته، وهو مؤرّخ لم يوجد قطّ بمثل تلك المواصفات على ارض الواقع، وإنما المؤرّخ الذي وُجِدَ، هو مؤرّخ يحمل الكثير من تلك المواصفات لا كلّها. لقد فَضَّلْتُ الوظيفة لا الاسم، انطلاقا من إيماني بأنّ الحضارة ليست في نهاية التّحليل سوى مجموعة من الوظائف التي تؤدي إلى التّراكم المعرفيّ والتّقدّم، فعوَض الحديث من باب المثال عن «اسم» «ماركس» المؤرّخ، خيّرنَا الحديث عن «وظيفة» المؤرخ الماركسي.

إن الجانب الهستوريوغرافي لهذه الدراسة ليس من صنف دراسة التاريخ الفكري أو دراسة تاريخ الأفكار، وهي الدراسات التقليدية المعروفة، وإنما هي نوع من سُوسيولوجية مهنة التاريخ والأدوار المختلفة التي أُوكلت لعلم التاريخ، وذلك منذ عصر النهضة إلى اليوم في العالم الغَربي، وقد حاولتُ كذلك تبسيط فلسفات التاريخ التي ظهرت خلال هذه الحقبة الزمنية رغم صعوبة ذلك التبسيط.

صفحة 3

وقد يبدو لبعض القراء أن بعض ما ورد في هذا الكتاب هو من البديهيّات، وهي ليست كذلك، ولا بدّ من التثبت إن كانت فعلاً بديهيّات، علما بأن الكلمات الأكثر شيوعًا ليست هي الأوضح في الأذهان، وقد تطلب اكتشاف تلك «البديهيّات» من البشرية دهورًا طويلة. لِنتذكر ما قاله «التونسي» وأحد أعظم آباء المسيحية القديس أوغسطين (SAINT AUGUSTIN) (صاحب التوليفة بين الأفلاطونية المحدثة والمسيحيّة) عن مفهوم الزمن في اعترافاته في القرن الرابع بعد الميلاد: «... ما هو الزمن؟ إذا لم يسألني أحدٌ عنه، فأنا أعرفه، لكن إذا ما سُئلت عنه، فإني عاجز عن الإجابة». إن تعريف هذَا الزمن الذي حيّر مفكرًا عظيما مثل القديس أوغسطين ولا يحيّر عامة الناس، هو الذي أدّى إلى أعظم ثورة في الفيزياء، وهي ثورة «النسبيّة» التي فجرها إِنشتاين (EINSTEIN) في بدايات القرن العشرين.

]مشكلُ التاريخ هو تاريخ المشكل]

هيغـل

[نحن لاَ نعرف سوى علم واحدٍ هو علم التاريخ]

ماركس – انقلز

]إني قادرُ على فهم قوانين الرياضيات، لكن حيال أبسط الوقائع التاريخيّة التي تتطلب الحدس، أجد نفسي في وضعية صعبة، مثل أغبى الأغبياء]

ماركس

]إن رجال التقدم بأتم معنى الكلمة، هم أولئك الذين يُجِلُّون الماضي كثيرا]

إرنست رينان

صفحة 4

في معنى كلمة تاريخ

ماذا تعني عبارة «تاريخ»؟ إِن الدراسات في هذا الموضوع هي من التنوع والكثرة حتى ليخيّل للباحث المقبل على دراسة هذا العلم أنه قُتل بحثًا وتمحيصًا، وأن كل جديد عنه لن يكون إِلا قولاً مسموعًا ملوكا ممجوجًا، لذلك سأقتصر على إثارة ماأعتبره أساسيّا في هذا الموضوع رغم أن الكثيرين سَبَقُوني إلى ذلك، ولعلّ في الإعادة الموجزة والمبسّطة بعض الفائدة.

ينتمي علم التاريخ إلى العلوم الاجتماعيّة (التسمية الأمريكية) أو إلى العلوم الإنسانية (التسمية الفرنسيّة)، وهذه العلوم كثيرة مثل: الانتروبولوجيا، الألسنية، علم النفس، الاقتصاد، علم الاجتماع، الجغرافيا، الديمغرافيا، العلوم السياسيّة...

وعلم التاريخ هو أقدم علم إنساني، وقد ظهر في اليونان القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد على أيدي المؤرخين هيرودوت (حوالي 485 ق م – 420 ق م) وتُوسيديد (470 ق م – 401 ق م). لقد انتقل الوعي بالزمن لدى اليونانيّين إلى الوعي بالتاريخ، وذلك لأنهم تخلصوا من سطوة الأساطير، أي من الفكرة التي مفادها أن التاريخ هو تكرارٌ للماضي. لقد أصبح اليونانيّون يعتقدون أن التاريخ تراكمي.

إِن الوعي بالتاريخ هو ما يتميز به البشر عن الطبيعة التي لا وعي تاريخي لها.

وتنطوي كلمة «تاريخ» لدى أغلب الشعوب على ثلاثة معان، فهي تعني أولا ماوقع في الماضي، وتعني ثانيا سَرْدُ (RÉCIT) ما وقع في الماضي فعلاً أو مايتصوّر الراوي أنه وقع فعلاً، وتعني ثالثا دراسة الماضي (رواية الأحداث وتأويلها)، فالتاريخ هو إذن معرفةٌ لمادة معيّنة، لكنه أيضا مادة لتلك المعرفة، على أَلاَّ يُفهم من ذلك وجود تطابق بين الماضي ومعرفة الإنسان لذلك الماضي، فالتطابق رهينُ ما يتوفّر للمؤرخ من وثائق وشواهد عن ذلك الماضي، ومن قُدرةٍ على الإلمام بذلك الماضي وسَبْر أغواره، على أن التطابق التام صعبٌ جدّا إن لم نقل مستحيلا، ويُوجد من المؤرخين من يذهبُ إلى حدّ القول إن أقصى وأحسن ما يمكن أن يبلغه المؤرخ هو «ذاتيةٌ غير منفعية» أو «لاَ انحياز نزيه»، أما الموضوعية، فأمرٌ صعب المنال إن لم نقل شيئًا آخر.

إنّ المعنى المزدوج لكلمة «تاريخ» موجود في كلّ اللّغات تقريبًا، ولعلّ ذلك ناشئ عن شعور دفين لدى الإنسان بالارتباط الوثيق بين معرفة الماضي والماضي ذاته، والاستثناء الوحيد تقريبًا يخصّ اللّغة الألمانيّة التي تتضمّن تمييزًا واضحًا بين (GESCHEHEN) و (HISTORIE).

إنّ هذا المعنى المزدوج لكلمة «تاريخ» له ما يبرّره، فالإنسان – موضوع المعرفة التّاريخيّة- هو أيضًا كائن تاريخيّ، وهذه المعاينة جعلت المهتمّين بالشّأن التّاريخيّ يواصلون طرح نفس الأسئلة، وذلك منذ العصر الإغريقيّ القديم إلى اليوم.

ماهي مادة هذا العلم؟

لقد اكتسب علم التاريخ مكانةً لأول مرة بين العلوم في القرن التاسع عشر، لكن وضعية هذا العلم تنطوي على إشكالية محرجة: فإذا ما بلور المؤرخ أفكارًا ونحت مفاهيم، فهو يتصرف وكأنه فيلسوف، وإذا ما أخرج للناس سرديّات كبرى، فهو يتصرف وكأنّه أديب، وإذا ما قام بتشريح وقائع اجتماعيّة، فهو يتصرف وكأنه عالم اجتماع، وإذا ما وصف أحداثا حقيقية، فهو يتصرف وكأنه صحفي، وإذا ما صاغ تراجم لشخصيّات كبيرة، فهو يتصرف وكأنه عالم نفس، وإذا ما عالج معطيات رقمية، فهو يتصرف وكأنه إحصائي، وإذا ما درس السّكان، فهو يتصرف وكأنه ديمغرافي... الواضح إذن أن حدودَ «القارة التاريخية» ليست واضحة. ألا يكون علم التاريخ علمًا امبرياليّا، وغولاً يريد التهام كل شيء؟ إن هذا ما لاحظه الكثيرون، وهم على حق.

سؤال آخر: هل بإمكان المؤرخ أن يترك جانبا طبيعته بصفته كائنا تاريخيا، ويدرس الماضي دراسةً موضوعية؟

صفحة 5

لقد كتب الشاعر معروف الرصافي (1875 -1945) في قصيدته «ضلال التاريخ»:

وما كتُب التاريخ في كل مــا

روت لقرائها إِلا حديثٌ ملفــــق

نظرنا لأَمر الحاضرين فَرَابَنَـا

فكيف بِأمر الغابرين نُصــــدّق

إِن موقفا متطرفا مثل هذا لاَ ينطوي على أية مصداقية، لكن دَعْنَا نطرح الأسئلة الجديّة: هل بإمكان الإنسان أن يكون مادةً للمعرفة التاريخية (OBJET) وفاعلاً (SUJET) لهذه المعرفة، أي هل بإمكان الإنسان أن يدرس أخاه الإنسان دراسة غير منحازة، أو بتعبير آخر: هل بلوغ الحقيقة ممكنٌ عندما يكون موضوع الدراسة من نفس طبيعة الدارس، خلافا للعلوم الطبيعيّة حيث الدّارس والمدروس من طبيعتين مختلفتين؟ وهل ثمة موضوع أصعب من دراسة الإنسان للإنسان ذلك «الذي حارت البَريَّةُ فيه» كما قال أبو العلاء المعرّي أو كما ورد في القرآن «وكان الإنسان أكثر شيئا جَدلاً» (الكهف 53)؟ أليس الفَضلُ بين البعد الإيديولوجي والبعد العلمي صعبًا جدّا في علم التاريخ نظرا إلى أن التاريخ هو دراسة الإنسان للإنسان؟ ثم ما المقصود بالعلم الذي نطالب المؤرخ بأن يتوخاه عند دراسته للماضي؟ هل هو العلم كما يفهمه علماء الطبيعة وهو العلم المتمثل في «التفسير» (EXPLICATION) أي في تحديد القوانين الحتمية والموضوعية التي تسيّر الكون؟ لا ننسى في هذا الصّدد ما يقُولُه العلماء من أنه لا يُوجد تفسيرٌ شامل وكامل ونهائي حتى للظواهر الطبيعية، أو ما يقوله الفيلسوف كارل بوبر (1902 – 1995) من أن أية حقيقة علميّة ليست حقيقة لأن التجربة أثبتتها، وإنما هي حقيقة لأننا لم نتوصل بعدُ إلى إثبات عكسها.

هل المقصود بالعلم في التاريخ هو مجرد «فهم» (COMPRÉHENSION) سلوك الإنسان ونَواياه ومقاصده، وبالتالي لا يحتاج المؤرخ هنا في مقاربته للماضي إلى مفهوم العلية (CAUSALITÉ) والحتميّة (DÉTERMINISME)، لكن المشكلة هنا هي إِنسان ما قبل التاريخ: كيف نَدرُسُه، وقد ترك لنا مخلفات «صامتة» (عظام بشريّة ، ملابس جلديّة، قطع فخار، كهوف، أسلحة حجريّة...) لا يمكن التعامل معها بمفهوم الوعي أو القصد.

هل علم التاريخ هو علم مثل علوم الطبيعة له هو أيضا قوانينه الموضوعية؟ أم هو مَزيجٌ معقد من التفسير ومن الفهم؟ أم هو شبيه بالأدب بسبب علاقته الضرورية بالكتابة وبالسّرد وبالتأويل؟ أم هو فن من فنون اللغة، وربّما أول الفنون الشعريّة؟ فالتاريخ لدى اليونانيين له عروسه (MUSE) وهي: كليو (CLIO) والحاملة لِبُوق (رمز الشهرة) ولسَاعَةٍ مائية (لاحتساب الوقت المنقضي) ولِلُفَافة (للترويح على الآلهة عن طريق التغني ببطولاَتهم وبمنَاقبهم)

صفحة 6

كْلِيـو (عروس علم التاريخ)

لقد انشغل المؤرخون منذ القديم بمعضلة «علمويّة» التاريخ، خاصة وقد بدا لهم أن كُلَّ حدث في التاريخ هو وَاحدٌ (UNIQUE)، أي أنه لا يحدث إِلا مرة واحدةً ولا يتكرر، وهو كذلك فريدٌ (SINGULIER) أي أنه يحمل مواصفات لاَ نجدها في أي حدث آخر مشابه له؟ إِذن لا شيء يتكرر في التاريخ الإنساني، والمؤرخ ليس بإمكانه القيام بأيّة تجربة على غرار زميله الفيزيائي أو الكيميائي، كما أن المؤرخين قد يتفقون في ما بينهم على أن أحداثًا معينة وقعت فعلاً في الماضي، لكنهم لاَ يتفقون حول أسبابها وأهميّة كل سبب، فَهَبْ أنَّ شخصا سقط عليه حجر، فسال دَمُه، فالسبب الواضح هو الحجر، لكن يوجد سبب غير مرئي هو قانون الجاذبية، ثم ألا توجد أسباب هي نفسها نتائج لأسباب أخرى؟ لنأخذ مثالاً آخر: كيفية تحقيب الماضي، فهناك من المؤرخين من حَقَّبه اعتمادًا على تعاقب الحضارات، وهناك من حقَّبه اعتمادًا على تعاقب السلالات الحاكمة، وهناك من حقّبه اعتمادًا على تعاقب أدوات الإنتاج (العصر الحجري، العصر البرونزي، العصر الحديدي...) وهناك من حقّبه اعتمادًا على الثورات التقنية الكبرى (عصر الفلاحة، عصر الصناعة ثم عصر الإعلاميّة) وهناك من حقّبه اعتمادًا على تعاقب أنماط الإنتاج (نمط الشيوعية البدائية، النمط العبودي، النمط الفيودالي، النمط الرأسمالي، النمط الاشتراكي) وهناك من حقّبه اعتمادًا على تعاقب أشكال التنظيم الاجتماعي (عصر الصّيد والالتقاط والبداوة، عصر البربريّة، عصر الحضارة)، وهناك من حقّبه اعتمادًا على معيار الانتقال من عصر سلطة الأم إلى عصر سلطة الأب، وهناك من حقّبه اعتمادًا على أنماط التفكير الفلسفي (عصر السّحر والأوثان، عصر الماورائيات، العصر الوضعي) وهناك من حقّبه اعتمادًا على مقولة التحقق التدريجي للعقل المطلق في التاريخ والمتمثل في تطور الوعي بالحريّة (الفيلسوف هيغل)، إلخ...

وحتى ولو اتّفق المؤرخون على مضامين أحداث معينة وعلى نتائجها، فهم ليسوا قادرين على التنبؤ بالمستقبل خلافا لصنفٍ معين من علماء الطبيعة مثل علماء الفلك على سبيل المثال الذين بإمكانهم تحديد كسوف الشمس تحديدًا دقيقا للغاية، وذلك قبل وقوعه بمدّة طويلة جدّا.

هل بإمكان المؤرخ تطبيق المقولة الكلاسيكيّة الشهيرة الدّاعية إلى أن يكون متجردًا من انتمائه الإيديولوجي والسياسي والطبقي والجهوي والقومي... لكي يكون بإمكانه اكتشاف الماضي كما وقع؟ إن الفرق بين المبدإ الجميل هذا والتطبيق شاسع، وقد أثبتت التجارب أن عددًا لاَ يستهان به من المؤرخين – رغم نَواياهم الحسَنة- عجزوا كل العجز عن الانسلاخ عن انتمائهم الزماني والمكاني، وقامُوا بدون أن يشعروا بإسقاط أفكار حاضرهم على الماضي، فأغلب المؤرخين الفرنسيّين يعتبرون نابليون بطلاً تقدميّا، بينما يعتبره الأسبان غازيًا سفاحا (انظر لوحة الرسّام غُويا (GOYA) الشهيرة عن المقاومة الإسبانية لنابليون)، وهناك صنف من المؤرخين اخترعوا مفهوم «الهولوكست»، ورغم فظاعة المذابح التي تعرض لها اليهود، إلا أن المؤرخين الصهاينة ضخموا كثيرا من عدد ضحايا «المحرقة» بهدف استدرار عطف العالم والسيطرة على أكثر ما يمكن من الأراضي الفلسطينية.

نمر الآن إلى المؤرخ الذي يريد أن يدرس تاريخ الزمن الحاضر، وله ما له من ذلك الكم الهائل من الوثائق والإحصائيات والمعلومات والصور والاستجوابات التي بإمكانه إجراءها مع الفاعلين التاريخيّين الذين قد يكون الكثير منهم لا يزالون على قيد الحياة، فهل بإمكانه بلوغ الموضوعية؟ اليس مهدّدًا بأن يتصرف كما يتصرف الصحفي؟ ألا يفتقد حسب قناعة راسخة إلى ما هو ضروري لأي مؤرخ، وهو مسافة زمنية معيّنة بينه وبين الأحداث، وهي الشرط اللازم لكي يكون له الحدّ الأدنى من الرصانة والصفاء الذهني، علمًا بأن أي حدث لا يمكن لمعاصريه فهمه فهمًا جيّدا كما قد يُتصور، وإنما الذين يفهمونه بصورة أفضل هم اللاحقون. إِننا نعرف اليوم الاسكندر المقدوني أو نابليون أو بورقيبة أفضل من أولئك الذين عاصروهم.

نتساءل الآن: ما قيمة مناهج البحث التي يلجأُ إليها المؤرخ؟ (نظريات المعرفة مثل الوضعية أو الماركسيّة أو الفرويدية... تقنيات البحث المتعلقة بتجميع المعلومات وباستجواب المتقدمين في السنّ وبطرح الفرضيات وبالاستقراء وبالمقارنة وبالاستنتاج وباختراع المفاهيم...

ماذا تمثل التقنيات الجديدة مثل الحاسوب بالنسبة إلى المؤرخ؟

أليست كل هذه المناهج والتقنيات شرطا ضروريّا، لكنه غير كاف لِبلوغ الحقيقة؟ أليس المؤرخ مثل البحّار الذي يهتدي بالبوصلة، لكن البوصلة لا تكفي، ولا بدّ له من حدسٍ وذكاء، ليبلغ مراده، فالذي اكتشف «العالم الجديد» هو كريستوف كولمب وليس البوصلة رغم أنها ساعدته بلا شك في مغامرته العظيمة.

صفحة 7

أليس علم التاريخ هو علم الوصول إلى حقائق جزئية لا غير؟ تمامًا مثل المصور الفوتوغرافي الذي يصوّر مشهدًا من فوق، فتكون صورته صحيحة لكنها لا تعكس كل الواقع، كما أنه عندما يصوّر نفس المشهد من زاوية أخرى تكون صورته صحيحةً أيضا، لكنها لا تعكس كل الواقع، لكن لكي تكون كل صورة صحيحةً ومهما كانت الزاوية التي يلتقط منها تلك الصّور، لا بدّ أن تكون آلته الفُوتوغرافية سليمةً وأن تتوفر له البراعة المهنيّة، وهذا هو المطلوب من المؤرخ، ورغم ذلك، يظل طموح هذا المؤرخ هو الإلمام بأكثر ما يمكن من جوانب الواقع، ولم لا الواقع كله، تمامًا مثلما فعل الرسام بيكاسّو في «سيّدات آفينيون» (1907): لقد قلب رأسًا على عقب قواعد الرسم المنظور كما هي معروفة منذ عصر النهضة، فالشيء لم يعد يُرسم كما تراه العين، وإنما كما يراه العقل، وهذا ما تصبو إليه المدرسة التكعيبية في الرسم، أي تصوير الشيء كما لو كان الإنسانُ يدور من حوله، أي إبراز مختلف وُجُوهه في نفس الوقت. إنه من الصواب القول على غرار أبي العلاء المعرّي:

أما اليقينُ، فلا يقينَ وإنما

أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسَا

إن بلوغ الحقيقة التاريخية الكاملة ممكن رغم كل شيء، لكن إذا كانت «علمويّة» التاريخ محفوفة بكل هذه الصعوبات، فَما الفائدة إِذن من تعاطي هذا النشاط الفكري؟ هل صحيح قولُ الشاعر:

ليــس بإنســـان وَلاَ عاقـــــلٍ من لا يعي التاريخ في صـدره

ومن وعي أحوال من قد مضـى أضــاف أعمـارًا إلى عمـــره

لماذا يتعلق الناس بالتاريخ؟ هذا هو السؤال الثالث الذي ما انفك يخامر المؤرخين والمفكرين منذ القديم إلى اليوم. لقد خاض المؤرخون وغيرهم في هذا السؤال وقالوا فيه شتى الأقوال. إن كل الشعوب شغوفة بالتاريخ، وذلك يعني أن الحياة بحاجة إلى مثل هذا النشاط الفكري.

إن الإنسان – وخلافا للحيوان- يتميّز بِتَاريخيَّتِهِ (HISTORICITE) أي بوعيه بالتاريخ، ثم ألا يعود تعلق الإنسان بالماضي لأن دراسة هذا الماضي تنير الحاضر وتستشرف المستقبل؟ إن الإنسان يرث من الأجيال السّابقة مكتسبات حضاريّة معينة كما أنه ينطلق دائما من القديم والسائد لابتكار الجديد ولاستنباط الطارف والبديع من التالد والموروث، والماضي حافل بنجاحات الإنسان وبإخفاقاته، لكن ماذا تعني الاستفادة من الماضي؟ إنها لا تعني أن ذلك الماضي سيتكرر، فالتاريخ لا يُعيد نفسه، ولا تعني أن الحلول التي جُرّبت في الماضي وصحَتْ، يمكن اللجوء إليها في الحاضر إزَاء مشاكل شبيهة بمشاكل الماضي. إن من وظائف التاريخ أنه يوفر للإنسان في أوقات الشدّة دواعي الاعتزاز والفخر ويفتح للعقول في ساعات الضيق فُسحة الأمل، فالرجوع للماضي يوفر للإنسان نماذج بشرية تكون بمثابة القدوة فيحاول النسج على منوالها واستلهام الشجاعة منها وتربية إرادته لمقاومة مصاعب الحياة الحاضرة، كما أن الماضي مليء بالمآسي التي تجعله يسعى لكي لا تتكرر مآسٍ شبيهة بها. إن التاريخ يتحول هنا إلى أداة تمكن الإنسان من العيش أحسن مما عاش أسلافه، فيصبح بمثابة عامل القوة والدفع والحافز،

وإذا فاتك التفاتٌ إلى الماضي فقد غاب عنك وجه التآســي

كما قال أحمد شوقي.

صفحة 8

ولطالما اشتكى الرئيس الفرنسي ريمون بوانكريه (1913 – 1920) من أن الشيء الوحيد الذي يؤرقه من مُساعديه ومستشاريه هو جهلهم للتاريخ. لقد استطاع فرويد (FREUD) الاستفادة من دراسة الماضي (الأساطير الإغريقية على سبيل المثال) واستنباط علم جديد، وطريقة جديدة لعلاج الأمراض النفسيّة، هو علم النفس التجريبي (LA PSYCHANALYSE)، لكن ألا يصبح التاريخ أحيانا عامل خمول وذُبول يُعيق الإنسان عن التقدم، فيصبح مثل مريض العُصاب الذي يعيش مشدودًا إلى ماضيه منطويا على نفسه، أليس من أسباب نكسة العرب الحاضرة اعتبارهم الماضي حاضرهم، وتحولهم كما قال الفيلسوف المغربي المعاصر محمد عابد الجابري من كائنات لها تراث إلى كائنات تُراثية. أليس تعلق العرب المهوّس بماضيهم المجيد وبكاؤُهم على الاطلال ومقارعتهم للغير بموتاهم العظام، واعتقادهم أن السلوكات التي مارسها أجدادهم في ماضيهم «المثالي» بالإمكان القياس عليها وتكرارها اليوم؟ أليس هذا رفضا للتاريخية (HISTORISME)، وهي الفكرة القائلة إِن كل إنجازات البشر هي نتاج الظروف التاريخية التي أفرزَتها، وبالتالي لا تُوجد قيمة أو حقيقة صالحة لكل زمان ومكان، لذلك يجب تحليل ظواهر الماضي في حدود ذلك الماضي فقط، وليس على ضَوء الحاضر. ألا تنطبق على العرب مقولة نيتشه (NIETZCHE) «إن الإفراط في استهلاك التاريخ مُضِرٌّ بالأحياء»، أو ما قاله بول فاليريه (PAUL VALÉRY) عن التاريخ: «... إنه يجعل الناس يحلمون، ويُسكر الشعوب ويجعلهم يستعيدون ذكريات خاطئة، ويضخم انفعالاتهم، ويترك جراحهم تنزف، ويُعذّبهم وقت جنوحهم إلى الرّاحة، ويخلق لديهم، إما هذيان العظمة أو عقدة الاضطهاد» (Regards sur le monde actuel. 1931) أليست أفضل قاعدة للتعامل مع الماضي هي الارتشاف منه بلا إفراط ولا تفريط؟ لكن لنقلب الآية تمامًا، ونُلقي السؤال التالي: هل بإمكان الإنسان أن يقاطع الماضي مقاطعةً تامة وكفى الله المؤمنين شر الخصام حول هذا الماضي؟ أليس الماضي هو الهويّة (IDENTITÉ) وفاقدُ الذاكرة شخصٌ فَاقِدٌ لهويّته، والمريض الذي يفقد ذاكرته لا يعمّر طويلا كما يعلمنا الطب ذلك. هل يمكن لشعب أو أمة أن تستحق هذا الاسم عندما تكون هذه المجموعة البشرية فاقدةً لأية هويّة تميزها عن غيرها من المجموعات البشرية الأخرى؟ أليست الهويّة الثقافية هي بنسبة كبيرة إرث من الماضي؟ أليست مكانة أي شعب في حاضره هي إلى حدٍّ كبير ماكان عليه في أمسه؟ لماذا تنفق الشعوب الكثير من مالها ووقتها لبناء المتاحف ومواطن الذاكرة، كما تحرص على الاحتفال دوريّا بشتى الذكريات السياسيّة والدينية والثقافية والاجتماعية؟ أليس لأن «نسيان الماضي هو خسرانٌ للمستقبل» مثلما هو مكتوب الآن على جِدارٍ في متحف الميز العنصري بجُوهانسبورغ؟ هل يمكن القول على غرار بعض المبالغين في التشكيك في أهميّة التاريخ إن اعتناء البشر بالتاريخ هو مجرد استجابة لفضول معرفي لا غير، على أساس أن الفُضُول جبلَّةٌ كامنة في نفس الإنسان ويشمل كل شيء بما في ذلك الماضي (نظرية المؤرخ الفرنسي المعاصر بول فاين (PAUL VEYNE)؟

صفحة 9

بول فاين

أليس كذلك من أدوار علم التاريخ هو التّسلية؟ لقد ذكر المؤرخ الفرنسي المعاصر جورج دُوبي (GEORGES DUBY) «لنَحترس من الخطإِ. لقد كانت أول وظيفة لِلخطاب التاريخي هي التسلية» (مجلة Les sciences Humaines أُوكسار، فرنسا، عدد خاص رقم6، أكتوبر – نوفمبر 2007).

آخر سؤال ما انفك يتجادل حوله المؤرخون والمفكرون منذ القديم هو: هل للتاريخ غايةٌ أم لا؟ هل هو مجرّد أحداث متلاحقة فوضويّة وعبثيّة وخاضعة للصّدفة وليس للإنسان فيها من دور سوى النّسج على منوال البطل الأسطوريّ اليونانيّ «سيزيف» الذي حُكِمَ عليه بأن يقضي العمر كلّه في دفع صخرةٍ إلى أعلى الجبل، وعندما تسقط يعيد الصّعود بها من جديد إلى القمّة، وهكذا دواليك.

أم هل أنّ للأحداث التّاريخيّة معنًى وهدفًا مستترًا وغايةً محدّدة مُسْبقًا، أي أنّ أحداث التّاريخ يحكمها منطق باطنيّ يوحّدها ويوجّهها لتحقيق غاية مرسومة سلفًا مثل السّير نحو التقدم؟

لقد أعلنت الأديان التوحيدية الكبرى (اليهودية، المسيحية، الإسلام) أن أصل الزمنية (LA TEMPORALITÉ) هو الله ذو الطيبة المطلقة الذي شحن مخلوقاته البشرية بتوجه معين هو التحقيق التدريجي للأهداف الإلاهية (نظرية الاستخلاف في الإسلام)، لكن هذه الأديان لم تطرح فكرة أن الإنسان هو محصلة للتحولات الناتجة عن مُمارسَتِه هو وأن مسيرته التاريخية محكومةٌ بفكرة التحسّن والتقدم، وهذا ماجاءت به «فلسفة الأنوار» بداية من القرن الثامن عشر. وفي القرن التاسع عشر الذي هو قرن التاريخ بامتياز، مثّل هيغل (HEGEL) (1770- 1831) أول مفكر اعتبر التاريخ بُعدًا أساسيّا من أبعاد وجود البشرية وحمّلَه هدفًا معينا هو التحقيق التدريجي للعقل المطلق عبر الوعي المتواصل بالحريّة.

أما المادية الجدليّة (ماركس – انقلز) فاعتبرت أن الإنسان حرّر نفسه بنفسه تدريجيّا وأن التحرر النهائي لا يتم إلا عندما تبرز «المدنية الفاضلة» المتمثلة في المجتمع اللاطبقي الخالي من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ومن الطبقات الاجتماعية.

أما في القرن العشرين، فإن الأحداث الرهيبة (الحربان العالميّتان، «المحرقة اليهودية»، أزمة الكساد الاقتصادي العالمي في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات...) قلصت كثيرا من مصداقية أن يكون للتاريخ معنى، وانبرى ميشيل فوكو (MICHEL FOUCAULT) ليعلن أن التواصل (LA CONTINUITÉ) ليس هو العماد الرئيسي للتاريخ، وإنما اللاّتواصل والانقطاع (LA DISCONTINUITÉ)، كما لم تعد للتاريخ وجهةٌ معينة تتباطؤ مسيرتها أحيانا أو تتسارع أحيانا أخرى، وهكذا تقلّص في القرن العشرين بريق فلسفة التاريخ، واعتبر الكثيرون أن من الأفضل والأكثر حكمةً، الإيمان بأن التاريخ يعتمل وفق قاعدة ظهور المتميز والجديد والمتفرد والمفاجئ كل مرة، ولا شيء غير ذلك.

الوثائـــق

1) حيثيات ولادة علم التاريخ والعلوم الاجتماعيّة في القرن التاسع عشر في العالم الغَربي حسب عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرّشتاين:

صفحة 10

«وُلد علم التاريخ والعلوم الاجتماعيّة كما نفهمها اليوم، في القرن التاسع عشر، وهذا لا يعني أنه لم يُكتب في هذا المجال قبل القرن التاسع عشر شيءٌ مفيدٌ أو يمكن استعماله اليوم. إننا لا ندّعي هذا أبدًا، وإنما نقصد أن الشروط المؤاتية لمأسسة (INSTITUTIONNALISATION) هذا النوع من النشاط الفكري لم تتوفر قبل القرن التاسع عشر، وغياب هذه المَأْسَسَة ناجم بكل بساطة وبصفة مباشرة عن الأمر المتمثل في عدم وجود كليات أو جمعيّات عالمة أو مجلات متخصصة تكون إطارًا يقع فيه شرح تلك المعارف ومناقشتها وإذاعتها. أما سبب المأسسة التي فَرضت نفسها لاحقا، فهو سبب معروف: إنه التحول الإيديولوجي الذي جَسَّدته الثورة الفرنسية (1789) وإن ذهنية عالمنا الحديث لَمَدِينَةٌ لهذا الإرث الفكري الأساسي وغير القابل ربّما للارتكاس، وهو المفهوم الذي يقول إن التغيير الاجتماعي أمر «عادي». إن عمق هذا الزلزال الإيديولوجي راجعٌ حسب اعتقادي إلى ذلك الأمر الجديد المتمثل في ظهور اتجاه محافظ وواع ناجم عن الرغبة في تفنيد ذلك المفهوم، إلا أن المحافظين فشلوا في هذه المهمّة.

لقد اقتنع العالم الحديث إيديولوجيا بالطابع العادي للتغيير، لذلك أصبح من الضروري أو بالأحرى من المستعجل، دراسة هذا الأمر حتى يكون بالإمكان التحكم فيه. من هنا برز علم التاريخ والعلوم الاجتماعيّة، والجميع على علم بتطور هذه العلوم على المستوى الفكري والتنظيمي، وقد ظهرت كذلك جملة من المواد المعرفية (DISCIPLINES) أو هكذا كانت تعرف نفسها، ومن الطبيعي أن يقع اقتراح تسميات ومقاييس مختلفة لِعَنْونَة هذه المواد والتمييز بينها، وفي الخمسينات (من القرن العشرين) عندما بدأت الأمور تَتضح، أصبحت دراسة الصّيرورات الاجتماعية تضم خمسة «فروع» مُعترف بها، وهي: الانتروبولوجيا، الاقتصاد، العلم السياسي وعلم الاجتماع، أما الفرع السادس فهو الجغرافيا وهي الابن البائس، كميّا بطبيعة الحال. ونُشير إجمالا هنا إلى أن هذه التسميات هي نفسها تسميات الأقسام الجامعيّة (وتبعًا لذلك للدكتورات المسلّمة) وكذلك الجمعيّات والمؤتمرات القوميّة والعالمية والمجلات المتخصصة. ونفس هذا الوضع قائم الآن في كل الأماكن تقريبا، لكن الأمر لم يكن كذلك عام 1950، لكنه أصبح واضح المعالم بعد ذلك التاريخ. إننا نعلم كذلك جيّدا نَسق المقولات القاعدية الذي أنتج هذا التقسيم إلى خمسة فروع، فتصنيف دراسة العالم الغَربي المعاصر إلى اقتصاد وعلم سياسي وعلم اجتماع، يعكس ذلك التصوّر الماقبلي الأساسي الذي يَهُم مسرح النشاط البشري الجماعي، ويشمل ثلاثة ميادين – أو ثلاثة مستويات مختلفة- : ما يهم الاقتصاد (أو السّوق) وما يهم الدولة (أو الكيان السياسي) وما يهم المجتمع (أو الثقافة)، وبما أن المتخصصين في هذه الميادين الدراسيّة الثلاثة – التي اعتُبرت متعلقة بصيرورات لا زمنية – يهتمون عمليا وبصفة رئيسيّة بالصيرورات الحالية (أو الحديثة)، فإن الضرورة فرضت وجود ميدان متميز هو التاريخ، أي ميدان دراسة الأحداث الماضية، وبما أن الميادين الأربعة تقتصر في الواقع على دراسة العالم المتحضر أو الحديث، فإن الأنتروبولوجيا وجّهت اهتمامها لدراسة العالم «الآخر» (لنلاحظ هنا أن الاستشراق دَرَسَ الحضارات الكبرى غَير الغَربيّة).

لقد أنتجت كل مادة معرفية كما هو معلوم طريقتها في تجميع المعطيات، وهي طريقة أصبحت ملازمةً لها، وأصبحت في نظر عدد من المتخصصين من نفس جوهر المادة المعرفية نفسها (خاصة بعد 1945 مع تطور الاهتمامات المنهجية)، وهذه الطريقة هي: الملاحظة القائمة على المشاركة بالنسبة إلى الأنتروبولوجيا، والاقتصاد الاحصائي بالنسبة إلى الاقتصاد، ودراسة الوثائق الأرشيفية بالنسبة إلى التاريخ والتحقيقات الميدانية بالنسبة إلى علم الاجتماع.

والمعلوم أيضا أن المنهجيّة الأساسيّة بالنسبة إلى هذا النشاط الفكري قد أفرزت حوارا واسع النطاق حول التمييز بين «الإيديوغرافي» (L’IDÉOGRAPHIQUE) و«النُّومُوتِيتِيك» (NOMOTHÉTIQUE)، فالاقتصاديون والمتخصصون في العلم السياسي وعلماء الاجتماع، اعتنقوا أساسًا وفي غالبيّتهم السّاحقة، «النُّومُوتِيتِيك» مؤكدين على علميّة تمشيهم الذي اعتبروه بحثا عن القوانين الكونية، أما المؤرخون، فقد خيّر أغلبهم الجانب «الايديوغرافي»، مؤكدين على مركزية السّرد في نشاطهم، وقد رفض كثيرون اعتبار التاريخ «علمًا اجتماعيّا» وفضلوا اعتباره مادة معرفية «إنسانويّة» (HUMANISTE)، أما أكثر المتخصصين ازدواجيّة، فهم بلا شك مجموع الأنتروبولوجيين، وقد رَاح بعضهم يزاوج بين الادعاءات «النُّومُوتِيتِيكية» والممارسة «الإيديوغرافية».

لقد تنوعت ردود فعل المدارس الإيديولوجيّة الكبرى للقرن التاسع عشر: مدرسة المحافظين ومدرسة الليبراليين ومدرسة الماركسيّين إزاء هذا التجديد المتمثل في الدراسة المنتظمة في الإطار الجامعي للسلوك الاجتماعي البشري. وقد حشرت هذه الممارسة المحافظين في وضعيّة شبه حرجة بسبب الخلفيات الضمنية المتأتية من فلسفة الأنوار، فهم ينزعون إلى رفض مشروعيّة التمشي، ويتحصَّنُون غالبا إما وراء موقف: إيديوغرافي، متطرف، رافضين أية إمكانية تعميم مقبولة («التاريخ يعيد نفسه») أو وراء موقف «نُومُوتيتيكي» متطرف «مختزلين» القوانين التي تتحكم في الكيان الاجتماعي إلى ظواهر أكثر أهمية من السلوك الاجتماعي في نظرهم وهي البيولوجيا أو حتى العلوم الفيزيائية، وفي كلتا الحالتين، هناك نفي لفكرة أن يكون السلوك الاجتماعي محددًا اجتماعيّا ويُمكن التحكم فيه.