صفحة 1
المفتون
(قراءة في واقع ملتبس)
كتب عزيز السيد جاسم روايته الثالثة المفتون سنة 1987، بعد روايتيه المناضل التي صدرت عن دار الطليعة سنة 1970، والزهر الشقي التي صدرت عن الهيأة المصرية العامة للكتاب سنة 1987· وكان قد أودعها لدى الهيأة المصرية العامة للكتاب: لكن ظروفاً ما قادت إلى ضياع المخطوطة، وتيسرت نسخة أخرى، تعوزها بعض الصفحات، لكنها تكاد تكون كاملة بعدما تم ملء بعض الفراغات التي طمست كلماتها أثناء التصوير·
والرواية فريدة في كونها واحدة من النصوص القليلة المعنية بوضع العراق الحديث، منذ 1958· لكن المدقق في الرواية يدرك انها تلم بالبلاء الذي نكبت به البلاد، منذ أن اعتلى دفة الحكم فيها نظام شعاراته تبرر له وحده التحكم بالحياة العامة للناس، فكان ان ضاعت المقاييس وانعدمت الأنظمة والقوانين، وكثرت التصرفات الإعتباطية، وأصبحت الحياة مشدودة بالقوة إلى ما يأتي من الأعلى· وهكذا كثُر الترحم على العهد الملكي، وصدرت مقالات وكتب كثيرة منذ خاتمة الستينات، كلها تبكي حياة مضت·
والرواية لا تأتي إلى هذا الواقع بهذه المباشرة، لأنها فريدة في استنطاق الباطن القصي البعيد للشخصيات القليلة التي تنفرد بالحوار· فـ المفتون رواية حوار أولاً، ولأنها كذلك لا تستقصي الوصف التفصيلي· فالحوار بن يوسف اليعقوبي والطبيب هارون هو السائد، تتخلله حوارات بين بعض النسوة، كبيداء، وبين الطبيب هارون، أو بينها وبين أخريات· كما ان الطبيب يمكن أن يستقطب آخرين، أمثال سالم اليعقوبي، والد يوسف، أو زوجه المطلقة· هذه الحوارات هي بدائل الوصف، كما إنها عدة السرد الأساس لاستجماع التعددية الصوتية التي تزخر بها الرواية، فتأتي بالمكان، الريف والمدينة، في زوايا ومواقع محددة، كالعيادة الطبية والمستشفى والسجن، لتحكي لنا ما يعلنه فوكو منذ السبعينات في أن هذه المواقع غالباً ما تفسر هيمنة ما، طاغية، متقلبة، ومتغيرة باستمرار· إنها امثولات العقلية الغالبة، تلك التي تشغف بالسيطرة، وتسعى باستمرار لتحويل الآخرين إلى هامشيين تابعين، خاضعين للبحث والتجريب والإدارة، والهيمنة الكلية لإداراتها· ويمكن أن نبتعد قليلاً في التأويل، فنقول انها مواقع لمرموزات أوسع: فالأوطان في أنحاء معينة من العالم لم تعد حرة، ولم يعد استلابها على أيدي المستعمرين، منذ أن تحررت سياسياً· فتسلط عليها نفر من أبنائها، تدربوا-بوعي أو بدونه- على أسوأ ما لدى المستعمر، وأضافوا إليه ما ورثوه من ثأر داخلي ضد واقعهم الشخصي أو الإجتماعي، فمارسوا ظلماً اجتماعياً وطغياناً لم يدر ببال المستعمر من قبل·
و المفتون تأتي بالشخوص في لحظة الإلتباس الفريدة، تلك التي يعلن فيها يوسف اليعقوبي إنه شخصية منفصمة منذ أن جرى تعذيبه وهو لم يزل شاباً يافعاً لتهمة سياسية باطلة· إنه الذكر الجميل المغري لنصف عام، والذي يغرقه الجدب في النصف الآخر، فيكون أنثى· وهذا اللبس على صعيد الجنس والنوع يعيد الشخوص إلى العمق الإسطوري، عمق تموز وعشتار، حيث يتبادل الخصب والجفاف، الربيع والخريف، الحب والموت، في إيقاع متصل، لا يحكيه غير ذلك التفجع الذي يسكن الفرح والحزن، في الكتابة والغناء، بين ضفاف الرافدين·
وبينما يجري استقدام الطقس الاسطوري بهذه الإيحاءات المتباعدة، تقيم الرواية حضورها السردي القوي على أساس التقابلات بين الشخوص، الرجال والنساء، بين يوسف وهارون، وبيداء والأخريات، وبين أم يوسف وسالم أبيه· لكن السرد يتدفق أيضاً كلما انفجر الداخل الشخصي لهؤلاء، فيظهرون بتناقضاتهم وأزماتهم، بين صوت معلن وآخر مضمر، بين الرغبة في الإلتحام بالآخر أو التماهي معه أو معها، وبين النزعة الشديدة للتباين أو الثأر أو التخلي الكلي عن الماضي، فالماضي ملتبس هو الآخر، لأن الحاضرين يعيشون بين آثاره أولاً، كما إنهم يسعون إلى طمسه ثانياً· وسواء هجر سركال الشيخ القرية وسكن المدينة، أو بقي هناك، فإن صوته المعلن يحكي أرقاً ورعباً يعجز عن التصريح به ذهنه المثقل بالضغينة والكراهية· فالسركال سالم، يد الشيخ الطولى في معاقبة الفلاحين وإلقائهم في حفر الموت وآبار العذاب، لا يحرره الإدمان من الرعب، وتبقى عيناه تتحركان باستمرار يمنة ويسرة، ترقباً لهجوم محتمل، لم يأته هذه المرة من إبنه يوسف الذي عرف فيه قاتلاً كريهاً وأبا لا يستحق الرأفة، بل جاءه من شخص آخر، كان طفلاً عندما قتل سالم أباه في ضوء رغبة شيخ الإقطاع هناك· ويبقى سالم اليعقوبي شخصية لا تقل إثارة وعمقاً عن الطبيب هارون، فكلاهما يستكمل الآخر، وبينما يسعى الطبيب إلى طمس الماضي، تراه يبحث عن يوسف كلما غاب عنه· إنه نصفه الآخر الذي لا حياة بدونه· كما ان يوسف يبقي الطبيب مأسوراً بما لديه، متجسداً هذه المرة بملامحه الجميلة وتقاطيعه المغرية الفذة· لكن الرواية التي تجعل من الظاهر جسداً بهذه الغواية وذلك الإغراء، تحقق من خلال ذلك بؤرة مركزية تستجمع إشعاعاتها الرواية التي تبني خيوطها على الجسد بصفته مكاناً· إنها رواية المكان بامتياز، تلك التي تحقق زمانيتها من خلال الإلتحام بالتاريخ، بينما تتحرر من هذا الزمان وحدوده كلما عايشت الاسطورة، ورافقت أساطير سومر وآشور، بدون إشارة معلنة واحدة، فتقيم بين ضفاف الأنهار والمدن والقرى بأنينها وفجيعتها الضاربة·
صفحة 2
ويتم استحضار تاريخ العراق السياسي منذ العهد الملكي حتى العصر الحاضر باختزال شديد، لم تتمكن منه الروايات الكثيرة التي ظهرت في العراق منذ عقود· إن اليعقوبي وكذلك الطبيب هارون يمثلان تجربتين مختلفتين ومتكاملتين في آنٍ واحد: فاليعقوبي أُقحم في الحياة السياسية منذ شبابه، وتعرض لتعذيب بشع، وعايش الحياة الإجتماعية والثقافية، وعرف الإقطاع، وشروره، فتحرر من أمراض أبيه، وانعتق من الأنانية التي ميزت عدداً كبيراً من ثوريي البلدان المتحررة حديثاً من الاستعمار· انه ولد مشوهاً جسدياً، لكنه جاء إلى الواقع بفهم عميق، وقرر أن يلجأ إلى الخلاف الفردي، لضآلة الايديولوجية الحزبية، وخضوعها المستمر لعلاقات السيادة والهيمنة الشخصية· وهو لا يعلن عقلانية سلوكه، ولكنه يراه فعلاً اضطرارياً، ما بين مزيد من التدهور الأخلاقي أو الإنعتاق الشخصي· والمآل الذي يقود إليه الإنعتاق المذكور لا يعدو أن يكون استسلاماً مؤجلاً للموت، لأن الأنظمة ستلجأ إلى الماضي، إلى ملفاته العتيقة، لتنال منه ومن الآخرين اليوم أو غداً· ومن الطرف الآخر، يسعى الطبيب هارون إلى طمس الماضي، وطيّه بعيداً، فهو يريد أن ينسى دوره الثوري القديم، لكن هذا الدور لا يطل عليه عبر معلومات تنثال على لسان يوسف اليعقوبي وبيداء فحسب، وانما يأتيه عبر ملفات الشرطة أيضاً، والنظام في إعلان من إعلاناته الجديدة ووعوده الذهبية يقوم بحملة مضاعفة لتدمير المتبقي من الفئة المثقفة، غير عابئ بجمود نشاطها وتعثر مسارها· وهكذا تتحول البلاد إلى مستشفى آخر للأمراض العصبية، فهي أرض الجنون، يكبل فيها المحزونون بمزيد من الهموم والآلام، وتكثر التأوهات والآهات، والاسترجاعات اليتيمة لماضٍ انقضى، لكنه يستحق الرحمة·
والذي يميز هذه الرواية هو ان حوارها يحتوي مجموعة من اللغات التي يتقاطع بعضها مع البعض الآخر، فينفرط الصوت في لغات متعددة، تأخذ من الهضاب والأعالي والسهول والسجون والمستشفيات لغاتها الخاصة· وهكذا يكون صوت خلف الأعور، بجئيره، الوجه الآخر للطغيان، فهو مجنون يمارس سطوته من موقعه في تلة عالية، تتيح له أن يرى الآخرون نثاياه وحريمه· إنه الوجه الدفين للمتسلط، لكنه محاصر بجنونه الذي يقصيه عن الآخرين، بينما يمده بمناعة خاصة وصوت رهيب· وعالمه بعد ذلك هو(الغروتسك)، عالم المتسلطين عندما يتمدد ويتضخم خارج حدود الواقع فيبدو بمثل هذه الأوضاع المثيرة للضحك مرة وبتباعد الآخرين عنها مرة أخرى·
وبمثل هذه السعة، تقدم هذه الرواية بعداً آخر للكتابة السردية، تلك التي بمقدورها أن تقول الكثير في فسحة صغيرة نسبياً: و المفتون بعد هذه التوطئة القصيرة رواية ما بعد الاستعمار بامتياز، إنها من بين النصوص الفريدة التي تستكمل ما كتبه فانون في المعذبون في الأرض عن ولادات الدولة المريضة·
صفحة 3
(1)
تقع عيادة الطبيب هارون في الطابق الأول من عمارة ذات أربعة طوابق، على شارع فرعي لا يبعد عن الشارع العام إلاّ مسافة خمسة حوانيت· وكتبت على العيادة قطعة(طبيب أمراض نفسية)·وهارون، الطبيب المختص بمعالجة الأمراض النفسية رجل تخطى الخامسة والأربعين من العمر، أشيب الشعر لامع العينين مغوليّ الوجه، شديد التدقيق في توجيه نظره إلى الناس· نال الماجستير بعد عناء طويل ودراسة متفانية جعلها الفقر كفاحاً مثالياً قوّم شخصيته بصورة لا لبس فيها، وهو-إنساناً-كان مزيجاً من العقلانية والخيالية يسير دوماً نحو الحقائق ماديةً كانت أو مثالية·
لقد علمه الفقر الماضي كيف يواجه الوقائع القاسية بصلابة، كما علمه كيف يهرب من الوقائع أيضاً، إذ كان الهروب-بذاته- مواجهة ومجابهة· لم يتأخر هارون عن وقته النظامي أو يتقدم·· بل إن اعتياده على دقة المواعيد خلق وشيجة قوية بينه وبين عيادته· ولم تكن العيادة أكثر من شقة صغيرة بكراسٍ خشبية أثرية ذات مساند معطلة· وفي غرفة الإنتظار لصقت صورة مرسومة باللون الرمادي لرأسٍ بشري يضغطه الصداع وتوشك أن تفرّ عيناه منه· وتتعدى الملامح الأساسية للصورة أعراض الصداع إلى نوع من الكابوسية الصارخة الممزقة·
وقف الفتى يوسف محدقاً بها كثيراً· وعندما دقّ الجرس دخل يوسف غرفة الطبيب· عاينه الطبيب معاينةً لماحة، وسجل في مفكرته بعد عدة أسئلة:
يوسف اليعقوبي في العشرين من عمره، عامل ميكانيكي· مراجعة صحية لأول مرة لعيادة الطبيب·
سأل الطبيب: تحدّث لي يا يوسف عن حالتك·
لاحظ أن عيني يوسف قد انفتحتا قليلاً ببلاهة، وبعد إرماشات سريعة، أجاب:
- إنني كئيب، كئيب جداً·
- وأنا أيضاً كئيب·
- ماذا تريد أن تقول؟
- أقول إن الكآبة حالة نفسية شائعة·· إنها ليست مرضاً·· والإنسان قادر على إزاحتها·
- هل لها أسباب؟
- نعم·
- إذن كيف أطردها؟
- تتخلص من تأثيرها بإرادتك··
- الإرادة نفسها-مكبلة بالأسباب القديمة وبالمؤثرات والعوارض وبالنتائج التي تتحول إلى أسباب وأسباب متراكمة··
- أنت ذكي·· هل تقرأ كثيراً·· أو تدرس مثلاً؟··
- لا·· أقرأ فقط·· ما علاقة القراءة بالكآبة؟
- القراءة كآبة··
صفحة 4
- لماذا؟
- لأنها انفصام عن الواقع بواقع آخر يتصل بعالم ثان هو عالم الكتاب··
- دكتور·· جئت للمعالجة·· منتظراً منك حلاً لآلامي·· والآن·· تدفعني إلى دائرة الرعب·
- لا·· صدقني·· إن حالتك بسيطة جداً قياساً إلى حالات كثيرة أشهدها شهرياً بل ويومياً أحياناً···
- كلٌ يحتضن حالته المرضية يادكتور، كأنها طفل له أو حاجة خاصة، أو لعبة عزيزة عليه·· وبعض الأمراض تصبح أسراراً··
أثار انتباه الطبيب ذكاء مريضه·· وجماله المميز· وجه شفاف· عينان عسليتان تستحمان على أجفان طويلة·· أنف دقيق مرتفع قليلاً لأعلى·· فم صغير بأسنان دقيقة وملامح أخرى محسوسة وغير مرئية تترك انطباعاً سريعاً عن مزايا فاتنة في الوجه، والشعر الأسود الفاحم المتناثر في خصلات فوضوية تلمَّها فتنة خاصة·
دوّن الطبيب ملاحظاته وهو في إصغائه لما يقوله يوسف··
- إن كآبتي يادكتور شيء وحشي يستولي على أعماقي·· إنها هجوم قدري رهيب يُفرَضُ عليّ الوقت الذي يشاءه في الليل أو في النهار· أحس بعد ذلك بتوقف شهيتي·· فلا آكل ليومين أو ثلاثة·· وأظل مطرقاً في صمتي تحت عباءة حزن لا يوصف··
إنني مهجور·· منبوذ·· وحيد·· وحيد مبعد عن كل شيء·· أحياناً أنخرط في بكاء مرير·· أذهب إلى شارع بعيد، فارغ من المارة، لأبكي كثيراً·· ولا أدري لماذا لا أنتحر·· انني أجد نفسي جاهزاً للإنتحار، لقد قرأت عن حياة المنتحرين··· وأسباب انتحارهم·· فرأيت أنني سيدهم··
لماذا-إذن-هذا التأخير؟ لماذا؟
لم يجد الطبيب داعياً لقطع استرسال مريضه·· لا سيما أن المعالجة تأتي عبر تداعيات الأجوبة، حيث تبرز خيوط الحالة المرضية رويداً رويداً وتتجمع هنات وأجزاء من الصورة، حتى إذا ما تجلت النقطة المركزية أصبح العلاج ممكناً·
ورأى الطبيب التناقض بين نعومة وشفافية وجه يوسف اليعقوبي وكبر وخشونة كفّيه المتماسكتين بحدة·
إن العصبية تظهر بجلاء على أصابع يديه، ويظل وجهه هادئاً تماماً لا أثر لأعاصير الكلمات عن الكآبة والانتحار على صفحته· وتساءل الطبيب مع نفسه:
أيمكن للمرض النفسي أن يحتل مكاناً سرياً خاصاً لا يلمس الوجه؟؟ أم يمكن للوجه أن يكون بمنأى عن مد المرض الداخلي العنيف·· آه·· هذا الفتى محسود في بهائه·· وشموخه الجميل·· من يدري-من الناس-انهم يحسدون حزناً لا نهاية له؟
- دكتور··
- نعم
- أريد علاجاً فعالاً·· أريد ذلك··
- حسناً·· سأعطيك بعض المهدئات حالياً··
- دكتور··
- نعم··
- ما تلك الصورة المعلقة على الجدار في غرفة الانتظار؟
- إنها صورة للصداع··
- ولكن الصداع لا يمكن تصويره··
- يمكن تصوير أعراضه··
- كنت أظن أنها صورة للجنون، فالجنون-وحده- الناطق والمرئي، وكل ما عداه مسرح سريّ··
كتب الدكتور بعض الملاحظات الإضافية وسجّل وصفة طبية، فيما أخذت الأصابع الطويلة ليدي يوسف اليعقوبي تقلبان وتحركان أوراقاً وأقلاماً وأشياء أخرى على منضدة الطبيب·
- هذه هي الوصفة الطبية، وسترتاح كثيراً··
- شكراً·· دكتور·· ومتى أراك؟
- تراني؟
- نعم·· ربما أحتاجك·· فأنا أعرف ان شفائي صعب·· إنني سيء الحظ·· قبل أيام أسندت شقيقتي رأسها على كتفي·· طويلاً·· محدقة بسقف الغرفة ثم قالت لي: لماذا أنت سيء الحظ دائماً؟·· حقاً·· أنا كذلك·
غادر يوسف اليعقوبي غرفة الطبيب، بعد أن علا ملامح وجهه سرور خفيف لا يتناسب مع الحديث عن سوء الحظ· ظل الطبيب مطرقاً قليلاً ثم شعر بدافع قوي لأن يزيح ستارة الشباك ويتابع بنظراته الحزينة انصراف الشاب المعذب·· والتقت النظرات·· كان يوسف اليعقوبي واقفاً في الشارع·· يحدق في النافذة·· وافترّ ثغره عن ابتسامة، سرعان ما أصبحت ضحكة غامضة··
صفحة 5
(2)
في مساء اليوم الثاني، والطبيب يوشك أن يغلق غرفته بانتهاء وقت الدوام اليومي، دخل يوسف اليعقوبي مرتدياً بدلة بيضاء، وربطة عنق حمراء خلابة، وقد تدفقت فيه حيوية السعادة·- معذرة لاقتحامي زمنك الخاص·· إنما عذري هو شعوري بالإمتنان·· حيث يجب أن أقدمه لك بلا توان·· لقد أدركتني أحاسيس الفرح على يديك·· ولا أستطيع أن أعطي تعبيراً خيراً من القول: إنني في خدمتك دوماً··
رغم أن الطبيب مستسلم لإعيائه الدوري الذي ينتابه بعد عدة فحوص للمرضى، إلا أنه ابتهج للإطراء الذي تضمنته كلمات الشكر·
ووافق على أن يشرب معه بضعة أقداح من البيرة· كان محل المشروبات الكحولية يشبه القباء، تسوده عتمة خفيفة تتخللها إنارات متقطعة، باهتة· إلا أن تداخل الأصوات البشرية، ورنين الأقداح، وخشخشات متباينة قد أضفى على الجو نوعاً من فقدان الهدوء لم يستطع الطبيب التجانس معه· ولكنه اختيار يوسف، الذي بدا سريع الانسجام مع النادل، ومع آخرين يجلسون حول طاولة مجاورة·
- هل تحبّ؟
- أنا؟ نعم·· أحبّ زوجتي وأطفالي··
أجاب الطبيب
ضحك يوسف ضحكة خفيفة معقباً:
- وهل حبّ الزوجة يتعدى حب الليلة الأولى؟
- ماذا تعني؟
- أوه·· لا أعني شيئاً·· إني أعتقد أن ما بعد الليلة الأولى لن يكون فيه للحب الزوجي معنىً··
- لا زلت أصغر من أن تقرر مثل ذلك التقدير القاطع··
عاود الابتسام·· واكتفى بما انطوت عليه ابتسامته المتشككة، المتعالية·
- وأنت يا يوسف·· هل تحبّ؟
كان منتظراً ذلك السؤال·· فهو نمط من الشبان يطرح السؤال كيما يتاح له القدر الوافر من الثرثرة المزهوة· لم يجب مباشرة، بل مدّ أصابع يده الطويلة إلى جيب سترته·· وأخرج صورة·· قدمها إلى الطبيب·
- ما رأيك بها؟
- فتاة رائعة··(أجاب الطبيب)
- ألا تشبه ملكة جمال معروفة؟ لا شك أنك ترى فيها أكثر من المشابهة··
- ربما·· لكني لست سريع المبادهة في استحضار المشابهات··
- إنها تشبه ملكة جمال العالم
- أمر جائز·· رغم أني لا أعرف شيئاً عن هذه الملكة··
صمت يوسف لعدة ثوان، ونقر على جبهته بأصبعه، ثم ناثر خصلات من شعر رأسه بانفعال·· ومد يده مجدداً إلى جيبه الداخلي··
- هاك··
- ماذا؟
- رسالة·· واحدة من رسائل عديدة·· تبعث بها إليّ·· اقرأها··
صفحة 6
بعض الإنزعاج ألمّ بنفس الطبيب النفساني·· فقد أخذ الصبي·· يقوده إلى أحراشه الخاصة· قرأ الرسالة·· التي لم تتجاوز ثلاثة أسطر مع رسم اعتيادي معهود لقلب يخترقه سهم··
كانت موضة القلب والسهم قد ازدهرت فترة طويلة·· ثم تلاشت، بعد أن أصبحت ملاذّ الإتحاد الجسدي لا تحتاج إلى عبارات ورسوم·· فلقد تنحى القلب ولغته إلى ما وراء الهوامش، وأصبحت اللغة السائدة صراخاً جنسياً·· واحتكاكات فجة، وغلواً في الإنسحاق المتداخل·
وكان الطبيب، وهو يعرف استمالة الفكرة في رسوم واضحة، جيدة، مكنته من إجادة الرسم، قد اعترض على إنزلاقات الفن في الآونة الأخيرة، وأخبر أصدقائه·· ان الفنون التشكيلية والرسم بخاصة، في إجازة عن الروح· وان اللوحات الفنية المعروضة هنا وهناك كاسيةً جدران الصالونات هي لوحات حسية، ترصد حركات عضوية، جسدية مبتعدة عن لغة الروح والقلب·
- أنت تفكر بعيداً يا طبيبي العزيز؟
سأل يوسف، وهو يطلق تنهيدة شبه أنثوية·
أصبح الجو خانقاً بفعل دخان السكاير المشتعلة، وأطلت العيون من الوجوه المتباينة بحالات غريبة من التوهج العصابي، والخمود، والبكاء، وثمة عيون كانت مكرسة باتجاه الاثنين· ولاحظ الطبيب أن يوسف اجتماعي مرغوب· وقد تبادل التحية معه عدة أشخاص كانوا يرمقونه بودّ محسوس·
لم يكن وارداً في تفكير الطبيب احصاء الصور غير المألوفة لسلوك يوسف، إلا أنه لا يمكن القول إنه لا يراقبه· لقد أحاطت عيناه به إحاطة كاملة، لم تكن تسبب ليوسف أي إزعاج، بل كان يقابل ذلك بغبطة كبيرة·
- هل تتفحصني يا استاذي الكبير؟
- لا··
- لا تنكر ذلك
ثم بنقلة سريعة، وبصوت خافت، وبوجه ينخفض نحو المائدة، قال:
- أترى ذلك الشخص؟
لم يكن يشير إلى شخص، لكنه كان متأكداً من أن هارون الطبيب سيدرك ما يريده·
- أي شخص؟
- أحد الثلاثة الجالسين قرب النافذة الخشبية، هو ذو السترة الخضراء·
صفحة 7
- ما به؟
- لا شيء··
ثم أطرق صامتاً، كئيباً، متناسياً الموضوع، وكأنه ينقطع نهائياً عن العلاقة حول المائدة، فقد بدا هارون لا وجود له، أو كشخص يقف على مكان يتباعد بسرعة·
لم يتدخل هارون، وانشغل بتعاطي البيرة· ومن طرف خفي لاحظ أن الشخص الذي أراد يوسف التحدث عنه يرمقهما··
غطت وجه يوسف صفرة باهتة، ثم أخرج من جيبه شيئاً ما·· بآلية غير اعتيادية·· كان ذلك الشيء موس حادة·· أخذ يقرقعها بأصابعه الطويلة، يطلقها درجة درجة من زر ضاغط ثم يعيدها إلى بيتها درجة درجة·· كان يفعل ذلك صامتاً محملقاً نحو الأسفل، إلى نقطة غير محددة· وعندما أعادها إلى جيبه، نظر مبتسماً··
- عفواً، أستاذ·· إنها مجرد سكين، أو بديل عن السكين·
- هل تستهويك لعبة استخدام السكاكين؟
ضحك يوسف فرحاً··
- أحياناً أرى أن السكين يجب أن تكون الصديق الدائم يجب أن تكون معي·· في جيبي، أو بين أصابعي، أو تحت الوسادة·· إنها جزء من كيان الانسان·
- في أية وظيفة؟
- السكين أكبر من الوظيفة، إنها شيء يتفوق على غايته·· إنها قادرة على قطع كل الأشياء: الجذور، والسيقان، والأوراق، والأعضاء·· أليس هناك أناس يستحقون القتل، أو الذبح؟انصعق الطبيب من هذه العبارة:
- أناس يستحقون القتل والذبح؟
تساءل باستهجان جارح··
وخلافاً للضحك اللطيف، ظهرت ثغرة سوداء في مؤخرة صف الأسنان من الفك الأسفل، ولم يشك الطبيب في أن ضحكة يوسف بغيضة، سامّة، مزعجة··
ودّعه على عجل، وشبح هذه الضحكة يلاحقه· وفي الليل كتب في دفتر خاص:
علامات وحش في إهاب شاب جميل· علامات أكبر من الهستيريا قطعاً·· ضحكة جوفاء، قاتلة، وأصابع طويلة تصل إلى طبيعتها في ملاعبة الموس الحادة· هل يمكن للبراءة أن تنزاح فجأة أمام ملامح وحشية؟ إن وجه يوسف بريء، والبراءة تتناسب مع تقاطيع الوجه تماماً أما الملامح الوحشية فهي تركيب·· غير أنه تركيب غير مصطنع، يأخذ طريقه-فوراً- في التلاؤم· إن يوسف صورة المخاوف القادمة
أغلق القوس على عباراته·· منتهياً من إبداء ملاحظاته مكتوبة·· ثم وجد نفسه معذباً بالسؤال الجديد: ولكنه ياترى ماذا يريد؟ ماذا يريد؟ إنه لا يراجع العيادة بصفته مريضاً، إنه يندفع نحوي بسرعة عجيبة··
وشعر بخوف بارد··
صفحة 8
(3)
اكتظّت غرفة المراجعين في عيادة الطبيب بالمرضى· وقد جحظت العيون باتجاه الممر وكان حرياً بأي زائر أو عابر خارج العيادة، أن لا تلتقي نظراته بنظرات المرضى الناتئة والمدورة، والتي لا تتراجع· فالمصابون بالأمراض النفسية يحافظون على جنون العين، فتظل العين نشطة، وحادة حتى في زوغانها·
المستخدم المعني بتنظيف العيادة وترتيب أسماء المراجعين بدا هو الآخر جاحظ العينين متوتراً·
- هل يمكن مراجعة الطبيب لأمر شخصي؟
سألته الفتاة·
- ليس لدينا مجال للزيارات الشخصية·· المرضى ينتظرون منذ فترة طويلة، والبعض سجّل اسمه منذ أكثر من أسبوعين·
- قل له إني من أقرباء يوسف
- يوسف؟
- نعم··
- إذن·· تفضّلي·· فيوسف صديق الطبيب، والوحيد الذي يدخل بدون استئذان·
لم يُخف الطبيب دهشته عندما رأى(بيداء) وتذكّر كلمات يوسف: إنها تشبه ملكات جمال العالم· لم تكن المقارنة مهمة، حيث ليست هناك دقة فيها·· لكنها فعلاً فتاة ساحرة· ولشدّما جلب اهتمام الطبيب الأهداب السوداء الطويلة الطرية لعينين متلألئتين بالفرح·· في وجه ضاحك غني بالدم الفائر تحت بشرة ناطقة بالحب·
- أنا بيداء··
- أهلاً ومرحباً··
- ربما أخبرك يوسف عني، إنه-أيضاً- يتحدث عنك كثيراً··
- ماذا قال لك عني؟
تفجرت بضحكة عارمة اهتز لها جسدها·· وانهالت خصلات من شعرها الفاحم السواد متناثرة على نهدها النابض مع شهقة الفم الضاحك، رفعته إلى الوراء·· محركة رأسها إلى الخلف حركة ناعمة، وهي مفتوحة العينين والثغر صوب وجه الطبيب كأنها تقدم وجهها على طبق·
- إنني أعبده··
- ···
- وأحب الأشياء التي يحبها، والناس الذين يحبهم·· تصور انني أتلهف لرؤيتك لأنه يلهج بذكرك دوماً··
- شكراً·· شكراً··
- على كل حال·· لديك مشاغلك·· ولابد من الذهاب·· إنما جئت لأمر واحد··
صفحة 9
- تفضلي··
- إنني·· وضحكتْ بدلع أنثوي وهي تعبث بشعرها الطويل الناعم
- إنني أنفّذ طلباً ليوسف··
- ماهو؟
- سترى··
نهضت بخفة مقتربة من كتف الطبيب الجالس قرب النافذة·· تُرى بماذا تريد أن تسرّه؟ وأيُّ حديث مهم يتطلب الكتمان جاءت به؟ ولم يتوفر للطبيب الوقت الكافي ليفهم ما حدث·· طبعتْ على خدّه قبلةً صامتة، خفيفة، كنسمة عطر··
ارتبك الطبيب، وحدّق في حذائه طويلاً··
- إنني نفّذت أمره·· قال لي: أريد منك أن تقبّلي الطبيب·· وها إني فعلت ذلك·· وداعاً··
وانفلتت مسرعة إلى الخارج كطيف··
قبلة ضائعة هذه هي العبارة التي تفوه بها هارون· ما أكثر القبلات الضائعة وما أهمها أكمل عبارته الخفية· لكل قبلة صادرة من امرأة تأريخ، إلا أن أثبَتَ التواريخ فيها تلك القبلات التي ظل فيها طرفاً سلبياً· كان قليلاً ما يجني ثمار تلك السلبية بعد حين، لكن-غالباً-كانت القبلات تضيع مع الأيام المتساقطة في قيعان الماضي·
أزاح الستارة عن النافذة وفتحها قليلاً ليأخذ هواء نقياً·· وهناك في الشارع كان يوسف اليعقوبي يقف مبتسماً واضعاً يده في يدها·· واستدار ليتابع فحص مرضاه·
صفحة 10
(4)
كلاهما في العشرين من العمر·· يوسف وبيداء·· تجولا في الشوارع بين الناس·· ونظرات الفضول والإهتمام والرغبة تحيط بهما·· وهما لا يشعران بأي حرج·· فقد تعلقت بذراعه ضاغطة نصف صدرها على كتفه·· وهو يمشي مختالاً كقائد يقطف ثمار انتصاراته·- ما رأيك بالطبيب؟ سألها·
- إنه انسان رائع·· رائع فعلاً·
- يقال إنه عاشق كبير للمرأة
- أية امرأة؟
- لا·· للمرأة الجميلة·· مثلك·
- لا يبدو عليه شيء من ذلك·
- هل تجاوب معك في القبلة؟
- إنه خجول·· مدهش·
- أين كان موضع القبلة؟
- الخد··
- في المرة القادمة، قبّليه في ثغره··
- ويحك·· ألا تغار؟
- لا·· إنني أحبّه·· ولهذا لا مجال للغيرة·
- على أية حال·· انني مطيعة لك· ولكن قل لي·· ماذا تعرف عن غرامياته؟ إنه صامت، مندثر في عمله بصفته طبيب·
- لنأكل قليلاً·· وسأروي لك قصة صغيرة·
ضمهما مطعم صغير··· اعتادا على ارتياده من وقت إلى آخر···
- أنت جائعة··
- كلا·· أنت الجائع
- إن جوعي لك لا تسده هذه اللقاءات، انني أطمح إلى صلة كاملة··
- هل نتزوج؟
- طبعاً·· طبعاً·· عندما تحصلين على قرار فسخ عقد خطوبتك من ابن عمك، سأتزوجك·
- ولكنه صديقك·· كيف ستفسر الأمر للناس؟
- الناس؟·· ياللمشكلة·· ماذا يريدون مني؟
- يوسف؟
- هاه··
- أنظر البنات في المطعم!
- ما أمرهنّ؟