eKtab
EN ع
المغمور من أديان الشرق الأوسط
اقرأ عينة مجانية

المغمور من أديان الشرق الأوسط

بقلم د. محمد الدعمي

صفحة 1

إهــداء

إلى لقاء الورد ، ابنة الرافدين

صفحة 2

توطئة

لم يكن غرضي من تأليف هذه الدراسة مجرد التعريف بثلاثة من أديان الأقليات الثانوية المغمورة الموجودة في إقليم الشرق الأوسط بشيء من التفصيل، بقدر ما كان هذا جزءًا من جهد لإلقاء الضوء على بقايا راسبة من أنظمة دينية وعبادات غائرة في القِدم؛ بل ومنسية نسبيًا؛ كانت قد اعتنقتها أقوام وسلالاتٌ لم تترك الكثير من الشواخص للأجيال التالية سوى بقايا من معتقدات روحية وطقوس لم تزل حيَّة اليوم، ليس كأجزاء من الأديان الأصلية كما كانت معتنقة في قديم الأزمنة، ولكن كأجزاء ضُمت لعدد من الأديان "التوفيقية" أو التركيبية syncretistic religions من النوع الذي سيتم بحثه عبر الفصول القادمة.

أما فيما إذا كانت هذه الأديان التي تعتنقها أقليات صغيرة عدديًا، ذات دلالة ما بالنسبة للقارئ المعاصر، فان الأمر يبقى مرتهنًا بكيفية مباشرته هذه الأديان ودوافع تعمقه في تفحص جوانبها المتنوعة، تلك الجوانب التي تتموضع في قلب هذا العمل وتستحث المزيد من البحث والاستقصاء، ليس بهدف الوصف المجرَّد فقط، ولكن كذلك بهدف إلقاء الضوء على دلالاتها بالنسبة لقضايا اجتماعية وسياسية معاصرة ترتبط بأزمات الشرق الأوسط الذي، للأسف، يغرقه العنف الطائفي والضغائن الدينية، حارمة شعوبه من إيجاد موطئ قدم لها في مسيرة ركب التقدم إلى أمام على نحوٍ موازٍ للتقدم الذي تحرزه شعوب العالم الأخرى. تبدو الصراعات الداخلية في هذا الإقليم الملتهب؛ خاصة الدينية والطائفية منها؛ كأنها تتناسل وتتوالد على نحو تسلسلي وتراكمي بلا نهاية منظورة، عاكسة عبر تفاعلاتها وآثارها المأساوية نمطًا توسعيًا من النمو والتشعب المضطرد عبر الإقليم اليوم.

وليس بأقل أهمية مما ذُكر في أعلاه، تبرز ملاحظة: كيف تتفاعل العواطف الدينية والطائفية وتتصاعد حتى تنقلب إلى ضغائن ومشاعر كراهية تصبُّ في بناء الجدران العازلة التي تبقى حابسة أغلب شعوب الشرق الأوسط في زنزانة "حلم الأسلاف" الرجوعي المتوثب إلى العصر الوسيط، وهي حال فكرية واجتماعية معقدة توصد كافة أبواب ونوافذ التحرر نحو آفاق مستقبل مشرق يعد بالسلام.

لا يتشبث هذا الجهد بتغطية جميع التقاليد الدينية للأقليات على مدى هذا الإقليم المترامي الجميل والمتداخل التفاصيل، فهو إقليم عصي على الاحتواء لأنه "إقليم المفارقات"؛ كما أفضِّل أن أطلق عليه على نحو متكرر، بلا تعسف. والحق أقول، فإن هذه الأديان لا تزيد عن جوانب ومكونات من تعقيد شائك أوسع، تعقيد قوامه أنواع الأقليات الإثنية والدينية التي تشكِّل - مع الأغلبيات وتقسيماتها الفرعية الثانوية - البِنى الاجتماعية لشعوب الشرق الأوسط. ولكن في دواخل هذا الفسيفساء المربك، تميز هذه الأقليات الدينية نفسها عن سواها من الأقليات عبر عنايتها باستقلال شخصياتها وحرصها على المحافظة على مسافات فاصلة بينها وبين الأغلبية، من ناحية، وبينها وبين سواها من الأقليات، من الناحية الأخرى. هي أقليات حريصة، كذلك، على حفظ مسافة فاصلة بينها وبين الأقليات التي غالبًا ما تنمو تفرعات أو تبرعمات من التقاليد الروحية الرئيسة التي غالبًا ما تقرن بالشرق الأوسط، باعتباره إقليم ظهورها إلى الوجود، كاليهودية والمسيحية والإسلام.

إن التعقيد الديموغرافي لأديان الأقليات إنما هو في الغالب، نتاج تفاعلات وتتابعات لا متناهية، أشبه ما تكون بالصندوق الصيني، المتشكل من طبقات تميط اللثام عن طبقات أخرى من الجماعات الدينية، بضمن تشعباتها من الطوائف والعبادات والمعتقدات الروحية الأخرى.

إن المعيار الأساس الذي اعتمدتُه لانتقاء ديانات أهل الحق والمندائية واليزيدية إنما هو - بغض النظر عن احتوائها على عناصر تعود إلى الديانات الرئيسة المشار إليها أعلاه - أنها أديان لا تقبل التصنيف في سلال عامة رئيسة كسلال اليهودية والمسيحية والإسلام، فالأخيرة هي أديان يحسم الباحثون تصنيفها في سلة "السامية" و "التوحيدية"، على نحو غائم ومغرق بالتعميمية. هنا لا نتعامل مع طوائف ولا مع تشعبات منبعثة من الديانات الرئيسة لأن ما يعقد موضوع التصنيف إنما ينبعث من الافتراض الأساس الذي يفيد بأنها ديانات تركيبية الطبيعة، بمعنى أنها تجمع عناصر من مختلف الديانات التاريخية القديمة، الأمر الذي يفاقم من صعوبة حل معضلة الأصول والتصنيف.

بينما تتماهى أديان الأغلبيات السُكَّانية من خلال إحالة عقيدة التوحيد إليها، حكرًا، فإن أهل الحق والمندائيين واليزيديين إنما يتشبثون بذات العقيدة، ولكن من منظورات أخرى، منها منظورات قد تبدو لـ"الآخرين" مقلوبة رأسًا على عقب، منظورات تتطلب المباشرة من زاوية أخرى، زاوية تتناغم مع رؤى مختلفة وفلسفات كونية قد لا تتواءم مع ما غُرس في دواخلنا وما نتمسك به، توارثًا، بوصفه التقليد المقبول.

صفحة 3

إذا ما شاء المرء أن يدرك أبعاد ديانات الأقليات التي نبحثها في الصفحات القادمة، يغدو من الضروري عليه أن يحرِّر نفسه من الأفكار المسبقة ومما عُبئ به من المفاهيم والتحاملات المتنوعة عبر محاولة تحرير الذات لتهيئة موقف فكري مُنقَّى من المفاهيم المسبقة والعدائية، وخالٍ من التطرف أو الغلو.

إن بقاء الأديان الثلاثة بداخل بيئة مناقضة كتلك التي تلف إقليم تركبه الصراعات الطائفية، إنما يلقي الضوء على أسباب التواصل والاستمرارية التي أتاحت لمثل هذه الأقليات تطوير أنماط سلوكية جمعية معينة تصب في تجنب الاضطهاد والاندثار والتذويب في آنية جماعات دينية أوسع.

لذا فإنه من المهم أن نبحث مثل هذه الأنماط السلوكية الجمعية التي طوَّرها المؤمنون بهذه الأديان الثلاثة عبر العصور، مع إشارة خاصة إلى الأدوار الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن يضطلعوا بها للتعريف بمكانتهم الاجتماعية وإمكانياتهم بضمن مهاد مجتمعي أوسع.

إن جهدًا من هذا النوع لا يمكن أن يخلو من الجدوى لأنه يخدم في إلقاء الضوء على "الجانب الآخر" من الشرق الأوسط في سبيل تجسيده لعموم العالم وللمهتمين خاصة، فهو الجانب المعتم الذي لم يمط عنه اللثام بالكامل حتى اللحظة بسبب عدم منحه ما يستحق من اهتمام بدواعي غير مقنعة قد تكمن في طيات الأفكار المسبقة والتنميطات الخاطئة التي استزرعها في دواخلنا "حُرَّاس الأديان" الكبرى عبر الإقليم بواسطة أنظمتنا التربوية وثقافتنا الشائعة. ثمة إرادة واضحة المعالم ما فتئت ترمي إلى تجنب هذه الأديان والابتعاد عن رصدها وبحثها، وكأنها حقول ألغام لا ينبغي أن تطأها أقدام المهتمين.

لا يمكن للفصول التالية أن تدَّعي الإلمام بكل ما يتعلق بهذه التقاليد الروحية، فهذا ليس من مهمات الكتاب النهائية، خاصة وأن هناك من العقائد والطقوس والمسلمات التي ستتم الإشارة إليها دون مناقشتها على نحو كامل بسبب ما يشوبها مما هو غير قابل للشرح أو للعقلنة أو للإدراك المنطقي المبسط، وهي حال تنطبق على جميع التقاليد الروحية في العالم بلا استثناء. وللمرء أن يلاحظ أننا قد عمدنا إلى ترك بعض العناصر والمُسلَّمات لهذه الأديان غامضة كي لا نحرم القارئ من فوائد "صدمة الوعي" المرجوة من كل بحث مجد. ثمة حاجة ضاغطة لحث القارئ إلى المزيد من البحث والاستزادة والإغناء، فهذا هو ما نتوخى تحقيقه في نهاية المطاف. هنا تكمن جاذبية الموضوع، خاصة وأنه يعرض مسلمات القارئ ومفاهيمه المسبقة لتيار ثقافي "جديد"، تيار مستفز نسبيًا، لم يألفه من ذي قبل، تيار مستل من الزوايا البعيدة وغير المكتشفة للشرق الأوسط. هكذا يتحقق الإدراك، أي من محاولة القارئ، المثقل بالمفاهيم المسبقة والمنمطة التحرر منها عبر اضطلاعه بواحدة من أذكى أنشطة العقل الآدمي، ألا وهي أنشطة المقارنات والمقاربات: فعندما يتتبع القارئ متوازيات معينة ويقارن أفكارًا ومعتقدات بأخرى كانت تبدو له، طوال حياته، وكأنها الحال الطبيعية أو الصحيحة، فإنه لابد أن يعمد إلى إلقاء الضوء على حاجة الإنسان للدين وميله للعبادة، زد على ذلك ملاحظته ومساءلته ما يجري في العالم الغربي حيث يظهر أدعياء نبوة ومبشرين بأنظمة روحية جديدة يطفون على بشرة الحضارة الغربية من آنٍ لآخر عكسًا لمرض داخلي يعتمل في أعماق تلك الحضارة، مرض لم تزل أسبابه ترد إلى تراجع الحياة الروحية وإلى الحاجة الدائمة لأساس صلب للتيقن.

لأن هذه "الأديان الأخرى" التي نناقشها فيما يلى من الفصول القصيرة تبدو غير شائعة أو معروفة للقارئ العربي، فقد اضطررنا لإستعارة ألفاظ من لغاتها الأصلية، الأمر الذي قاد إلى الحاجة لتقديمها وشرحها للقارئ على نحو مبسط لمساعدته على فقه معانيها.

في هذا السياق لا بد لي من تقديم تعابير الشكر والعرفان لزوجتي الفاضلة، السيدة ( لقاء صاحب الورد ) التي كانت خير سند ومشجع لي منذ شببت حتى شبت. ولا مناص من أن أشكر عددًا من الأصدقاء المندائيين واليارسانيين واليزيديين الذين لم يترددوا في تقديم العون والمشورة لي على سبيل خدمة الحقيقة بقدر ما أمكن.

صفحة 4

الشرق الأوسط: إقليم الثروات والمفارقات الدينية

تنبع أهمية الشرق الأوسط من أنه يمنع الشرق الأقصى

والشرق الأدنى من التجاوز على بعضهما.

( دان كويل )

بين ثُلث ونصف الأنباء الأجنبية في المطبوع والمبثوث الإعلامي الغربي عادة ما يكون حول الشرق الأوسط.

( غوين داير )

• • • • •

صفحة 5

( أ )

بقي الشرق الأوسط عبر القرن الزائل وسنوات القرن الجاري المبكرة إقليمًا إشكاليًا ومصدرًا للمشاكل بقدر تعلق الأمر ببقية أجزاء العالم: فهل يمكن أن ترد هذه الحال إلى ثرواته الطبيعية الكبيرة التي أشغلت العالم الصناعي وأرَّقت حكوماته لعقود؟.. أم أن الأمر يمكن أن يرد أساسا إلى موقعه الإستراتيجي، الكائن في قلب خارطة العالم على نحو التحديد؟.

قد يكون هذا استفهاما عصيًّا على الإجابة الدقيقة، خاصة عندما يتداخل العاملان أعلاه مع بعضهما. من ناحية أولى، بقيت الموارد الطبيعية المبطونة في أراضي دول الإقليم الفتية تتواشج مع مخزونات النفط والغاز العملاقة؛ المادتان الحيويتان الضروريتان لجميع الأنشطة الاقتصادية بلا استثناء. بيد أن على المرء أن يتأنى ليتذكر أن الموارد الطبيعية إنما هي اكتشاف متأخر نسبيًا بحسابات التاريخ الأوسع، لأنها لا يمكن أن تتجاوز ما قبل العقود العشرة الأولى للقرن العشرين.

لم يكن النفط عمليًا ذا قيمة قبل أن تضطلع الشركات الأوربية باستكشاف مخزوناته. بقي النفط الخام ينبعث من باطن الأرض إلى سطحها على نحو طبيعي، بينما جعل سُكَّان كركوك في العراق، على سبيل المثال، يستعملون هذا السائل الأسود الكثيف المنبعث من البواطن علاجًا لأمراض الجلد عند الحيوان، أو لمجرد إحراقه، الأمر الذي كان يؤدي إلى تلويث البيئة على نحوٍ لا مبالٍ، منطوٍ على سذاجة. لقد شاعت هذه الاستعمالات البدائية للنفظ الخام عبر الإقليم برمته، فليس فيه من يدَّعي أنه كان أكثر معرفة أو حكمة في استعماله. إنها لمن المفارقات الطريفة أن سُكَّان الدول الغنية بالنفط اليوم بقوا يجهلون أهمية هذا السائل الكثيف "الغامض" القابل للاشتعال بل ويجهلون حتى قيمة الأرض التي تبطتن مخزوناته الأسطورية، غير واعين بأنه كان "ذهبًا"، ولكنه ذهب ذو لون أسود.

على أعتاب القرن العشرين، كانت دول مهمة اليوم؛ كالعراق والمملكة العربية السعودية وإيران ودول الخليج العربي؛ ذات أهمية أدنى مما هي عليه اليوم بالنسبة لبريطانيا وفرنسا وألمانيا ما بعد بسمارك. هذه الأهمية الضئيلة هي التي كمنت خلف الرسم الاعتباطي للحدود البينية بين دول الإقليم، ذلك الرسم الذي تمَّ بعد الحرب العالمية الأولى، بلا ما يشير إلى توقع واضح المعالم بثمة ثروات معدنية وفيرة، ممكنة الاستغلال، تكمن في أراضي هذه الدول. إذا ما أجرى المرء مسحًا عينيًا مبسطًا لخارطة الشرق الأوسط اليوم، فإنه لابد أن يطور انطباعًا يفيد بأن الراحلين، "سايكس" Sykes و "بيكو" Picot اللذين رسما خطوط الحدود بين هذه الدول الفتية الواقعة في قلب الشرق الأوسط لم يكونا بحاجة لأكثر من "مسطرة" مجردة لرسم هذه الحدود تأسيسًا على اعتبارات مصلحتي بريطانيا وفرنسا آنذاك، بضمن سياق كولونيالي تنافسي أوربي، وحسب معطيات تفوقهما حقبة ذاك، بغض النظر عن تطلعات وآمال الشعوب التي تقطن الإقليم.

ومن ناحية ثانية، لعبت مركزية الشرق الأوسط الجغرافية بين الشرق والغرب، كبؤرة التقاء خطوط المواصلات العالمية، دورًا مهمًا كذلك بقدر تعلق الأمر بذات التنافسات الكولونيالية والاستحواذية بين الإمبراطوريات الأوربية، ومنها، زيادة على بريطانيا وفرنسا، البرتغال وإسبانيا وإيطاليا. في هذه الحقبة، تبلورت أهمية الشرق الأوسط في موقعه المركزي بين أوربا وبين مستعمراتها عبر الشرق الأقصى وأفريقيا. ولا يقل عن أهمية الموقع الوسطي للإقليم بالنسبة للندن وباريس خاصة، هي تلك الممرات المائية الإستراتيجية نحو الشرق الأقصى ونحو شبه القارة الهندية التي بقيت ردحًا طويلاً من الزمن "ماسة التاج" البريطاني، ناهيك عن حقيقة أن امتدادات الشرق الأوسط الغربية عبر شمال أفريقيا إنما كانت تشكِّل معبر فرنسا لأفريقيا ولمجاهل الأقاليم الشاسعة جنوبي الصحراء الكبرى، عشق باريس التاريخي.

كمنت هذه الأهمية الإستراتيجية لموقع الشرق الأوسط وراء إطلاق الجنرال نابليون بونابرت حملته التاريخية الشهيرة على مصر، مدشنًا مرحلة تنافس كولونيالي جديدة قادت إلى تغييرات كبيرة عبر الإقليم بإطلاق تحولات اجتماعية تسلسلية عمادها التفاعلات السببية التي غمرت بمعطياتها الشجاعة الإقليم بأسره فيما بعد، زيادة على ما تبع ذلك من حروب ومن اشتداد التنافس بين بريطانيا وفرنسا لبسط هيمنتهما على الممرات المائية الإستراتيجية. انطلقت آمال الجنرال الفرنسي من خطة قطع الطريق على بريطانيا في سبيل إعاقة الوصول إلى أثمن "ممتلكاتها"، الهند، ناهيك عن خطة بونابرت لوضع حدّ لنجاحات بريطانيا الكولونيالية عن طريق بسط الهيمنة الفرنسية على مصر بهدف إرباك الاندفاع البريطاني نحو "وليمة الاستعمار" التي لفتت انتباه الدول الكبرى فيما بعد، خاصة بعدما ركزت طاقاتها للسيطرة على قناة السويس وسواها من الممرات المائية الطبيعية، إذ اكتشف العقل النفعي البريطاني المعروف ببُعد النظر الأهمية القصوى والحاسمة لبسط هيمنته على مضيقي عدن وهرمز، إضافة إلى ضرورات إيجاد موطئ قدم على مفاصل المسارات الدولية الإستراتيجية ومحطاتها النهائية، كما كانت عليه الحال في اهتمامها بالبصرة المطلة على رأس الخليج العربي بالقرب من نقطة التقاء الرافدين، دجلة والفرات، جنوبي نقطة "القرنة" لتكوين شط العرب، وهو الآخر من أهم الممرات المائية. شكَّل النهران العظيمان أعلاه طريقًا مائية إضافية تمتد من دواخل هضبة الأناضول إلى الخليج العربي، ثم إلى مسقط، ومن هذه المدينة المهمة، إلى رأس الرجاء الصالح من ناحية وإلى جُزر جنوب المحيط الهادي حيث كانت فرنسا تحقِّق تفوقًا ملموسًا تبتز به سواها من الدول الأوربية على نحو سريع حقبة ذاك.

تصاعدت التنافسات الكولونيالية الغربية حتى بلغت ذروتها في الحرب العالمية الأولى بسبب تشبث ألمانيا الموحدة بدخول السباق الكولونيالي، ملتحقة بالركب البريطاني/الفرنسي القديم المندفع نحو التوسع، إمَّا بالضم وإمَّا بفرض سلطات الانتداب. وهكذا راحت ألمانيا الموحدة الجديدة، وعلى نحو معاكس لرؤى موحِّدها المستشار أوتو فون بسمارك (1805-1898)، تميط اللثام عن حلم إمبراطوري عبر الإعلان عن خطة مشروع مواصلات عملاق، عُرِف بمشروع (ب/ب) (B/B)، لربط برلين ببغداد بواسطة خط سكك حديد عملاق، وهو الأمر الذي أثار حفيظة بريطانيا من ناحية، وتسبب بتوتر العلاقات مع فرنسا، من ناحية ثانية، حيث كرَّس ذلك سعي باريس ولندن لتشديد قبضتهما على ما سبق وإن فرضتا عليه الهيمنة من بين البقاع المترامية في الشرق الأوسط وفي سواه، خاصة وأن خط حديد بغداد برلين بدا قابلاً للاستطالة حتى البصرة على رأس الخليج العربي، منوهًا إلى مطامح ألمانية لا محدودة.

بدأت تعابير هذه التنافسات الأوربية حتى قبل انهيار الأمبراطورية العثمانية (الرجل المريض) وما تلاه من تقطيع لأوصالها، إذ دخلت القوى الأوربية العظمى جميعًا في حرب خفية من أجل النفوذ عبر أقاليم أو ولايات الإمبراطورية العثمانية بواسطة الأذرع الدبلوماسية والأنشطة التجارية، زيادة على توظيف التجسس الذي تركز بث العيون في المراكز الحضرية الرئيسة مثل بغداد وبيروت والبصرة ودمشق والموصل وحلب، زيادة على مدن آسيا الصغرى. لقد ترك التجسس وما تخلله من شراء ذمم واستمالة للسُكَّان المحليين بصمته على طبيعة هذه الحرب الأوربية - الأوربية الخفية، فساعدت عليه جهود الرعايا الأوربيين الذين وضعوا أقنعة التُجَّار والمبشرين والدبلوماسيين والمنقبين الآثاريين، من بين سواها من الأقنعة على سبيل المرور دون ملاحظة السلطات العثمانية والسُكَّان المحليين.

صفحة 6

ربما تكون الحرب العالمية الأولى هي التي دشنت "عصر النفط" من الناحية العملية، فطفت أخبار هذه المادة الحيوية الحديثة الاكتشاف كمصدر للطاقة، لأول مرة في التاريخ، برغم عدم اكتشاف كامل إمكانياتها وآفاقها الصناعية، باستثناء ملاحظة حكومات أوربا أن النفط يمكن أن يحلَّ محل الفحم الطبيعي مصدرًا للطاقة، خاصة بالنسبة للمتنافسين التاليين في الحرب العالمية الثانية التي اندلعت بعد سنوات توتر مشحونة بالتنافسات والتكتلات والأحلاف. لقد تأكد مذاك، كما هي عليه الحال اليوم، أن من يهيمن على النفط هو من سيتفوق.

لقد كان المدخل الأوربي النفعي للشرق الأوسط بدرجة من التعامي، أنه تجاوز جوانب أخرى لأهمية هذا الإقليم المتنوع والمترامي. وقد بانت هناك العديد من المؤشرات التي وجب استذكارها بقدر تعلق الأمر بتقييم وفك شفرة رموز اهتمامات أوربا بالإقليم. للمرء أن يلاحظ أن مثل هذه الرموز قد تباينت وتنوعت بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية بعدما كانت أكبر قوة إقليمية.

وللمرء، بضمن سياق هذه المناقشة، الارتجاع إلى الإرهاصات التي اعتملت في دواخل الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت، تلك الإرهاصات التي تجلَّتْ في خطابه الشهير لجنوده بالقُرب من أهرامات الجيزة قبل اقتحام القاهرة، مذكِّرًا الجُند بأن قرونًا من التاريخ ترقبهم في هذه المعركة التاريخية. زد على ذلك سلوكه الغريب، عندما التحق بإحدى حلقات المتصوفة في القاهرة، إضافة على اعتداده الشخصي بذاته، ذلك الاعتداد الذي تجسَّد باستخدامه الجنسي لـ"فاطمة"، وهي شابة مصرية، في جهد كان يرنو إلى "ترميز" هيمنته على مصر، عبر إمتلاكه جسدها الغض. يجسد الباحث "إريك ماير" Eric Meyer هذا النزوع النفسي الترويحي باستخدام توازِ يفيد بـ" إذا ما اعتبرناها جملة فوق نحوية، فان سر البنية المنطقية التي اعتمدها الاستشراق الرومانسي آنذاك يمكن أن تختزل في بنية كتاب هيغل (فلسفة التاريخ)، حيث يهزم الغرب، فاعلاً، الشرق، مفعولاً به، في الصراع العالمي على الهيمنة التاريخية " (1). لقد باشر الغرب الذكوري الشرق، بضمن ثرواته وأقوامه وتراثه، كيانًا مؤنثًا سكونيًا ملفوفًا بالحجاب. (2)

إنه لمن المهم في هذا السياق ملاحظة أن المسائل الروحية ترادف الأنوثة في دواخل اللاوعي الغربي. من هنا نبعت الحاجة النمطية الجمعية التي عكسها الشعراء والكتّاب الخياليون الغربيون في حنينهم للعودة إلى "رحم" (3) الحضارة، كناية عن ماضي الإقليم، على سبيل مزج "أنصاف الأفكار" الغربية بأنصاف "الأفكار الشرقية" لاستيلاد "الإنسان الألفي الجديد" (4).

لقد تبلور هذا النمط الغربي النفسي الغربي في الحنين إلى الماضي، ذلك الحنين المفعم بالروحانيات وبالماديات في فكرة دفء الشرق الأوسط. لذا شهدت أراضيه الظهور المفاجئ للعديد من الرحَّالة، منهم المفكرون الروَّاد الذين توجهوا صوب بلداننا مدفوعين بقوة بحثٍ مضنٍ عن التيقن وعن الذات، هذا هو نفس البحث الذي قاد بعضهم إلى خلاء البوادي العربية؛ هذه البوادي التي خلبت عقول المرتحلين الكبار من أمثال تشارلس دوتي Doughty وأوستن ليارد Layard ووليام هوغارث Hogarth وجيرترود بيل Bell وولفريد ثسجر Thesiger وكيفن يانغ Young وفريّا ستارك Stark، من بين آخرين ممن أدَّوا دراما الذات المغتربة والمضطربة عبر استشراق الارتحال على مسرح الشرق الأوسط النقي والبعيد عن قساوة عالم الماكنة والصناعة.

صفحة 7

( ب )

رادف الشرق الأوسط في الثقافتين المحلية والعالمية (5) ما يُسمى بـ"التقليد الديني اليهودي/المسيحي" ردحًا طويلاً من الزمن. وقد تعزَّز هذا الترادف بإضافة الاسلام، خاصة بعد الاندفاع الكولونيالي الأوربي نحو آسيا وأفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين، إذ ربط الإسلام بذات التقليد التوحيدي أعلاه فعُدَّ امتدادًا له بسبب التشابه بينه وبين تلك الأديان التي أحيلت أصولها جميعًا إلى الأقوام السامية. لذا شعر الباحثان هولت PM Holt ولويس B. Lewis بامكانية دمج الإسلام بهذا التقليد لتشكيل ثالوث ديني شامل تتآصر فروعه بعقيدة الإيمان بتوحيد الرب وبالانتساب للعنصر السامي. هذا هو ما أجاز توظيف تعبير "التقليد الديني اليهودي/ المسيحي/ الإسلامي" في الدراسات الدينية والاستشراقية. وبدمج الإسلام، الذي بقي إشكالاً غربيًا مستديمًا لقرون منذ العصر الوسيط حتى اليوم. بهذا التقليد الخاص بالأقوام السامية، تكبَّل المفهوم الغربي للشرق الأوسط بهذا المنظور المرتكن إلى تقليد ديني، باعتباره مهدًا وموطنًا للأقوام السامية التي يتواشج تاريخها بتكون هذه الأديان وانتشارها. وقد تبلور هذا الوعي شبه الهاجسي "بسامية" شعوب الإقليم في أدب الرحلات المبكر، أي في الحقبة الذهبية لشيوع أسطورة الجنس الآري في أوربا. لقد سطَّر أحد عمالقته المبكرين، المستشرق تشارلس دوتي، المذكور أعلاه، هذه الفكرة في رسالة شخصية لأحد مجايليه من المستشرقين على نحو لا يقبل اللبس، إذ كتب يقول:

" لم أتوخ من وراء تأليفي مجلدات "الصحراء العربية" عرض جولاتي بين ظهراني شعب سام ذي أهمية أنجيلية، بقدر ما توخيت هدف استئناف الجهد المثالي لتقليد الشاعرين تشوس وسبنسر". (6)

وتناغمًا مع قرن هذا الإقليم بذات التقليد الديني للأقوام السامية، عبّر لسان حال حركة أوكسفورد The Oxford Movement، الكاردينال نيومان Newman ( 1801 - 1890 ) عن ذات التآصر بقوله أن " القدس هي منبع المعرفة الدينية، بالضبط كما أن أثينا هي منبع المعرفة العلمانية" (7) بضمن سياق أطروحته المهمة التي تصبُّ في خلاصة أن علم اللاهوت يسمو على جميع العلوم والأنظمة المعرفية الأخرى، في تفاصيل مشروعه لتأسيس جامعة كاثوليكية في شمال إيرلندا، ذلك المشروع الذي وضع نيومان فلسفته التربوية في كتابه الفذ (فكرة الجامعة - The Idea of a University ).

حيال هذا المفهوم الغربي القديم المرتكن إلى قرن الشرق الأوسط بأديان الأقوام السامية التي أشرنا إليها، يتوجب على المرء، في سبيل كسر القيود التقليدية السابقة التي أرساها المستشرقون، أن يحاول الظفر بمنظور مختلف يباشر به ديانات شعوب الشرق الأوسط الأخرى على نحو يلقي بالشكوك على تيقنات المستشرقين. تشكك الباحثة "كارين آرمسترونغ"، المعروفة بـ"مؤرخة الرب"، باعتبار عنوان كتابها المهم المعنون (تاريخ الله) A History of God، بتواشج عقيدة التوحيد بأديان الشرق الأوسط السامية الرئيسة عبر رصد معتقدات توحيدية قديمة للغاية وتتبعها، ليس إلى ذات الأقوام السامية، كما هو شائع، وإنما إلى "قبائل أفريقية أصلية" (8) أي إلى قبائل بدائية كانت قد تأملتْ التوحيد كفكرة، فأطلقتْ على الخالق الواحد اسم "إله السماوات" the god of the skies. بيد أن هذه القبائل ما لبثت وأن أخفقت في التمسك بهذه الفكرة والمحافظة عليها حتى عصرٍ تالٍ، عصر شهد "شخصنة" الرب هناك، فالشخصنة (أي التجسد على نحو شخص) إنما تستتبع تعدد الآلهة على نحو تلقائي. لذا تقودنا فرضية أرمسترونغ إلى قناعة مفادها أن عقيدة التوحيد لم تكن حكرًا على الأقوام السامية التي قطنت الشرق الأوسط، كما ساد الاعتقاد طويلاً، باعتبار أن "فكرتنا عن الرب قد ظهرت تدريجيًا قبل حوالي 14000 سنة". (9)

لذا يمكن للمرء أن يحرِّر نفسه من المُسلَّمات الغربية التي عُدت من البديهيات، خاصة بعد أن يطلِّع على تواريخ شيوخ المؤرخين المسلمين من هؤلاء الذين حبّروا تواريخهم عبر العصر الوسيط من أمثال المسعودي الذي يفاجئنا تاريخه (مروج الذهب) بحقيقة قد تكون صادمة، مفادها أن الشرق الأوسط كان بيئة خصبة لظهور المتنبئين، بمعنى أدعياء النبوة من هؤلاء الكهنة الذين إدعوا أنهم "رُسلٌ من الله" قبل ظهور الإسلام (10). لذا تؤشِّر القائمة المطولة من أسماء وقصص أدعياء النبوة التي يوردها المسعودي، من بين مؤرخين آخرين، الخطوط الزئبقية المختلطة التي يفترض أن تفصل بين شخوص الكاهن والساحر والناسك والشاعر من ناحية، وبين النبي (حسب المفهوم الإنجيلي ومن ثم الإسلامي) من الناحية الثانية. وباعتبار هذ الاختلاط؛ فإن ظهور النبي محمد (ص)، سوية مع سواه من أنبياء الكتاب المقدس الذين تتبع نسبه إليهم، لم يكن ظاهرة فريدة في تاريخ إقليم شهد ظهور العديد من الأنبياء والرسل، إضافة على أدعياء النبوة، إقليم كان مسكونًا بأنواع الآلهة والغيبيات. إنه لمن المفيد أن يلاحظ المرء، على سبيل توكيد ما مرَّ ذكره، أنه لحظة لفظ محمد (ص) أنفاسه الأخيرة، برز عدد من أدعياء النبوة، ذكورًا وإناثًا، بدعوى إكمال رسالته أو بدعوى نسخها لتقديم دين جديد. لقد بدت هذه الظاهرة للمسلمين الأوائل بدرجة من الخطورة في تاريخ الإسلام أنها استتبعت ما سُمي بـ"حروب الردة" في جزيرة العرب لإعادة المرتدين إلى الدين القويم. وقد بقيت فكرة ترادف "الرؤى" بالفرد حاسمة في هذا السياق. ربما كان هذا الاختلاط وراء ما أشيع بين العرب عن انزعاج الرسول الكريم (ص) بما أشاعه المشركون من تُهم الكهانة أو الشاعرية في بداية إطلاق التبشير برسالته. (11)

وقد لاحظ كل من المؤرخ الأميركي واشنطن إرفنغ Washington Irving ( 1783 - 1859 ) والفيلسوف الأسكتلندي توماس كارلايلThomas Carlyle ( 1795 - 1881 ) التقاليد الدينية المرتبكة والمختلطة التي سادت بلاد العرب والشرق الأوسط قبل الإسلام، على سبيل تبرير ظهور الإسلام (12). ملاحظًا أن اليهودية والمسيحية قد حُرفتا عن عقائدهما الأصلية (13)، نظرًا لأن مجرد وجودهما سوية، مع وجود معتنقي العبادات الوثنية والشركية، إنما قد جسَّد ضرورات ظهور الإسلام.

بيد أن السؤال الأهم في سياقنا هذا، هو: أين ذهبت هذه العبادات والأنظمة الروحية القديمة؟ هل تلاشت في الفضاء ببساطة؟ أم أنها ضمت عقائدها إلى عقائد روحية لتقاليد دينية قديمة لتعاود الظهور كديانات تركيبية أو توفيقية؟

لذا فإن للمرء أن يزعم، بما يكفي من التيقن، أن العالم الغربي كان موهومًا، باحتضانه مفهومًا خاطئًا عندما تمسك بقرن الشرق الأوسط بالأديان الكبرى الثلاثة، لأنه قد أغفل بذلك تقاليد غابرة لديانات بقيت خارج فضاء اليهودية والمسيحية والإسلام، تقاليد عصت على الإذابة أو الإستحالة. كانت هذه ديانات افترض البعض أنها تدعو لعبادة أرباب سوى الرب الحق الذي تؤمن به الأديان الثلاثة الرئيسة، لأنها أديان حافظت على مفاهيمها ومنظوراتها الخاصة بـ"الخالق".

ينطوي هذا المفهوم المسبق غير الدقيق حول هذه الأديان ضمن سياق مناقشتنا هذه على الانحياز وعلى اعتماد معيار واحد ومفاهيم قسرية. لذا لايمكن وضع أغلب الديانات الثانوية في الشرق الأوسط في صنف الديانات التوحيدية سوية مع اليهودية والمسيحية والإسلام، على الرغم من أن هذه الديانات لا تشكِّل سوى "الرأس المنظور" من غاطس جبل الجليد الذي يكمن على تاريخ غائر في القدم لأقوام كانت قد استقرت بهذا الإقليم ثم تركت تراثها العقائدي والروحي والنفسي الجمعي، رواسبًا، في دواخل عقول وتقاليد جماعات عرقية معينة على نحو عقائد وتقاليد وطقوس لم تزل باقية عبر الإقليم حتى اللحظة، متعايشة سوية مع الأديان الرئيسة.

ولكن على الرغم من أن خطة هذا البحث لا ترنو إلى بحث جميع هذه الديانات فانها تضطر لأن تقسِّمها، تأسيسًا على أصولها، على صنفين:

1- الأديان التي لاصلة لها ولم تتأثر بالأديان الرئيسة الثلاثة، أي اليهودية والمسيحية والإسلام، وهي الأديان التي نسلِّط الضوء عليها في هذا البحث مثل أديان أهل الحق والمندائيين واليزيديين.

صفحة 8

2- الأديان التي تفرعت عن الأديان الرئيسة الثلاثة، أو حملت آثارها كأديان الدروز والبابية والبهائية والأزلية وشهود يهودا والسامريين، من بين سواها من التقاليد الروحية.

على الرغم من أن معتنقي الأديان المشار إليها في الصنف الأول أعلاه لا يضطلعون بأدوار اجتماعية أو سياسية حاسمة، مقارنة باتباع الأديان الرئيسة، فإنه من المهم للمرء أن يلاحظ أن مجرد بقائها حتى اليوم إنما يشير إلى حقيقة مفادها أنها قد إجتازت اختبار الزمن وتجاوزت ما تعرضت له من مِحن وحملات وإساءات من قبل أتباع الأديان الرئيسة التي تحتضن أصلاً مبدأً تبشيريًا يرنو إلى ضم أتباع ديانات الأقليات إلى الإسلام أو إلى المسيحية، اللّهم باستثناء اليهودية لأنها ليست من الأديان التبشيرية.

إن أديان الأقليات تشكِّل حالة بقاء وتواصل روحي تستحق الرصد والتحليل لأنها تجاوزت محاولات الإذابة والامتصاص في فضاءات الأديان الكبيرة، ولأنها تقاليد دينية لم تنقرض بسبب ما تكمن عليه من عناصر الوجود وتواصل الحياة، وهي حال تستحق البحث والدراسة كذلك، خاصة وأنها أديان متبعة في إقليم تمتطيه العصبيات الدينية وعواطف الغلو والتحاملات الطائفية، هو إقليم يحيا اليوم عصر الحروب الدينية والطائفية الذي طوته أغلب دول العالم بعد أوربا منذ زمن طويل.

ومن ناحية ثانية، يمكن لدراسة هذه الديانات الثانوية أن تلقي الأضواء على صفات جوهرية تحتفظ بها أقوام الشرق الأوسط المتنوعة اليوم، فتساعد على مباشرتها من المنظورين التاريخي والمعاصر على سبيل الاستنارة. يشكِّل أتباع كل واحد من هذه الأديان تمثيلاً للأنماط السلوكية والاجتماعية التي ميّزتْ ما سُمِّي بـ"أديان المضطهدين" وحافظتْ عليها (14) ، فهي أديان يعتنقها أقوام عرفت بقدراتها الاستثنائية على القتال وعلى المناورة، تجنبًا لمحاولات الضم أو الإبادة الجماعية. إن أتباعها هم جزء لا يتجزأ من فسيفساء أقوام الشرق الأوسط لأنهم لا يمكن أن يكونوا قد جاءوا من فراغ. لذا يتعذر فهم وإدراك روح شعوب الشرق الأوسط دون إدراج أتباع هذه الأديان ضمن جهد المرء لإجراء مسح تعريفي ووصفي لأقوام الشرق الأوسط، فهم يكمِّلون الصورة السكانية لهذا الإقليم الذي أطلق عليه عنوان "إقليم المفارقات". ولا تقل أهمية في هذا السياق هي ملاحظة أن كل واحد من هذه التقاليد الدينية له تاريخ خاص به، وهو تاريخ يمكن أن يساعد على إلقاء الضوء على جوانب معينة من مجتمعات الإقليم، ماضيًا وحاضر.

وكما يصعب فهم الشرق الأوسط دون الإحاطة بأهميته الجيوستراتيجية المتمثلة بالممرات المائية وبما تختزن أراضيه من ثروات طبيعية، فإنه من الصعب كذلك فهم الإقليم دون الاهتمام بما ينطوي عليه من أهمية متجسدة بـ"الجغرافيا المقدسة" (التي شكلتها تواريخ الأديان) في الثقافة، أي الجغرافيا التي لابد أن تضم هذه التقاليد الدينية الثانوية موضوع الفصول التالية، ليس لأنها، طبقًا للمواقف المتحاملة للكثير من أتباع الأديان الرئيسة، لا تتطابق في عقائدها وفلسفاتها مع ما تمَّت تعبئة الأغلبيات به من عقائد وأفكار عن الرب والملكوت، ولكن لأنها قد أُهمِلت لزمنٍ طويلٍ من قِبَل الباحثين المحليين أنفسهم، ومن سواهم من الأجانب الذين دأبوا على الذهاب صوب "إقليم الكتَّاب المقدس" بدوافع جُلَّها ديني مبتسر، وربما بدوافع نفعية من النوع الذي ساد استشراق عصر الثورة الصناعية. لذا فإنه من الأغراض الأساسية التي توختها الصفحات التالية هو تعريف القُرَّاء بثلاثٍ من هذه الأديان المغمورة التي انتهى بها المطاف إلى صنف "أديان المضطهدين"، لأنها معتنقة من قِبَل أقليات صغيرة قد لا تقل أهمية، من الناحية العلمية، عن سواها من أغلبيات أتباع الأديان الرئيسة، إذا ما أراد المرء الإحاطة بالشرق الأوسط وبشعوبه وعقائده على نحو شامل خال من الخيلاء أو التحامل (15).

بالرغم من حقيقة مفادها أن هذه الأديان قابعة في الظل، خارج متناول الباحثين المتوجهين إليها من داخل وخارج الإقليم، ونظرًا لتعمد إخفائها من قبل الأنظمة الشمولية التي توالت على حكم أغلب دول الإقليم بهدف تجسيد دور الأديان الرئيسة أو "الأديان الرسمية" فقط، فإن ما شهدته الأعوام الأولى من القرن الجاري من تفاعلات اجتماعية وانقلابات جذرية قد قادت إلى دفع هذه "الأديان المنسية" إلى المقدمة بعد أن بقيت كامنة في الخفاء بعيدًا عن العالم الخارجي وعن متناول الباحثين لأسباب عدة.

صفحة 9

( ج )

في الوقت الذي كان الجمهور يشاهد فيه السجَّان وهو يلف حبل المشنقة حول رقبة الرئيس السابق "صدام حسين" وكأنه يشد ربطة عنق حولها، كانت شعوب الشرق الأوسط تدشِّن فصلاً جديدًا من تواريخها، وهو فصل القادة القتلى والرؤساء المتقاعدين الذين سرعان ما تبعهم قادة آخرون من هؤلاء الذين لم يكونوا بأقل من صدام حسين ومن زميله القتيل معمر القذافي طغيانًا. أما القادة المتقاعدون الذين نجوا من المشنقة أو من مصير القذافي الذي ظفر به الجمهور الغاضب فقتله بوحشية وبلا رحمة، بعد أن حكمه لما لا يقل عن أربعين سنة، فقد وجدوا ملاجئًا لهم في دول أخرى دأبت على توفير ملاجئ آمنة للقادة المخلوعين ولعوائلهم. والحق يقال، فإنه ليس هناك من هو متيقن من قدره تمامًا في إقليم الشرق الأوسط الملتهب وغير المستقر، قادة ومواطنين على حدٍّ سواء.

لقد وضعت التفاعلات والانتفاضات الساخنة التي أطلق الإعلام عليها عنوان "الربيع العربي"، تعسفًا، حدًّا لغياب الهدف والتيقن عبر الشرق الأوسط، ذلك الغياب الذي طال ما لا يقل عن تسعة عقود بلا انقطاع من حكومات الطغاة المتتالين. إنهم الطغاة الذين ما فتئوا يشيعون حلمًا سلفيًا وسيطًا، حلمًا يعتمد نقدًا انكماشيًا متعاميًا بالرجوعية حيال كامل التجربة الحديثة في التطور والتقدم، بوصفها تجربة غريبة مستوردة، "لا توائمنا"، بمعنى أنها لا تصلح للأقوام التي يمتطيها التاريخ، تلك الأقوام القاطنة في إقليم حائر بين حقبتين، الأولى لا تموت، متجسدة بحلم الأسلاف الطللي، بينما تنكمش الثانية من أضواء آفاق الحاضر والمستقبل الواعدة.

ومع هذا، فقد كشفت نهايات الرؤساء القتلى المأساوية، التي تبعها ظهور ما نطلق عليه "نادي القادة المتقاعدين"، كشفت للجمهور جميعًا آفاق عالم جديد، عالم متحرر من المحرمات التي بقيت ممنوعة حتى وقت قريب. لذا انطلق الكُتَّاب والمفكرون للتعبير عن رفضهم للشمولية، لحظة إزالة الاضطهاد، بعد أن كانت احتجاجاتهم مكبوتة على نحو غير مرئي لعقود سابقة. لقد ولّدتْ التغيرات الجذرية السريعة عبر دول الإقليم، التي بقي العديد منها في حال من التحجر لدهور بعيدًا عن التغير، رد فعل فكري انتقامي ثأري: فبدا الأمر وكأنه حال من الانتشاء لحظة شعور المرء بأنه حُرٌّ لاستشكاف الموضوعات والقضايا التي بقيت ممنوعة أو محرَّمة لزمن طويل.

تأسيسًا على وعي الأنظمة الشمولية الوسواسي بأن سلطاتها تعتمد في بقائها على وضع أقنعة التدين الإسلامي، فإنها قد عمدت إلى تصميم هذه الأقنعة حسب الأغراض الانتهازية المطلوبة، باعتبار ما تحتضنه غالبية شعوبهم من معتقدات دينية. وبهدف أن يتم النظر إليها بوصفها "راعية للدين الإسلامي"، تستمد سلطتها من هذه الرعاية في سبيل حماية الدين الرسمي والدفاع عنه، توسلت هذه الأنظمة الشمولية ردود أفعال انفعالية غير متأنية في تعاملها مع التقاليد الدينية الثانوية ومع الجماعات والجمعيات التي لا تستجيب لقواعد الدين السائد، أي دين الدولة الرسمي. في العراق، على سبيل المثال لا الحصر، صدرت قوانين وتشريعات تقضي بإنزال عقوبة الإعدام بالأشخاص الذين يعتنقون الديانتين البابية والبهائية، وبهؤلاء الذين ينتمون لنوادي الأسود Lions أو لنوادي الروتاري Rotary، بافتراض أنها جمعيات مضادة للأديان، ذلك أن تجاهل هذه النوادي أديان الأعضاء عُدَّ اسلوبًا يمهد الطريق لاستبدالها بدين "كوني" لا يؤمن بالله، حسب بلاغيات الصحفيين والإعلاميين التي وُظِّفت على نحو مركز لتمرير مثل هذه القوانين "القاتلة". لقد لعب الإعلام دورًا قويًا لإشاعة وتثبيت قناع "حامي الدين" أو "القائد المؤمن" للحاكم الشمولي بين الجمهور المسكين من خلال تبرير مثل هذه التشريعات والفتاوى والإعدامات، كما فعل بعض الصحفيين العراقيين من الذين عملوا على تبرير أحكام محكمة عسكرية، عُرفت باسم "محكمة الثورة"، كانت قد أصدرت أحكام إعدام عديدة، فأرسلت أعضاءً سابقين في الماسونية ونوادي الروتاري للمشانق، زيادة على إعدام آخرين بُتهم متنوعة كالتجسس. الطريف في الأمر هو أن أحد هؤلاء الصحفيين وقد كان عضوًا في الحزب الشيوعي سابقًا قد أصدر العديد من المقالات والكراسات متهمًا النوادي والمنظمات أعلاه بالعداء للأديان والإلحاد، باعتبارها تهدف إلى إبعاد المؤمنين، مسلمين ومسيحيين، عن أديانهم الأصل، فكانت هذه من غرائب إقليم المفارقات في عصور الفوضى واللا يقين.

لقد بدا هذا المنطق الجارف قابلاً للتطبيق على الأقليات الدينية التي تختلف معتقداتها الروحية مع معتقدات دين الدولة الرسمي، أي مع معتقدات الأغلبية التي لا يُحسِن تمثيلها وحراستها سوى الحُكَّام "بأمر الله"! وكدليل على انتهازية مثل هؤلاء الحكام، فقد عمدوا إلى إصدار قوانين لا تقل قساوة وظلمًا، درجة الإعدام أحيانًا، بهدف محاربة أحزاب إسلامية، لا تمت للبهائية أو للماسونية بصلة، كما حدث بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ولأعضاء حزب الدعوة الإسلامية في العراق، من بين أحزاب إسلامية أخرى.

صفحة 10

لقد خدم هذا القناع المضلل الذي وضعه طُغاة الشرق الأوسط طوال عقود، لترويج صورة إقليم موحد برمته، إقليم يبدو وكأنه موحد بدين مُنزَّل واحد، الإسلام.

ولا يقل أهمية عن هذا التضبيب في الصورة هو ما لعبته المداخل الغربية لدراسة الإقليم التي سقطت هي الأخرى، في أفخاخ مجاملة وتملق الأنظمة الاستبدادية في أحيانٍ عدة، داعمة رغبتها تقديم صورة موحدة لأقوام الشرق الأوسط للعالم. وقد زاد هذا المدخل الوحيد الجانب من حال تجاوز وتجاهل الجماعات الدينية "الأخرى" التي لا تقبل الضم إلى أي من أصناف التقاليد الدينية الرئيسة، أي الجماعات الدينية العصية على التصنيف التقليدي لما يسمى بـ"الجغرافيا المقدسة" (16) . لقد بدا الأمر وكأنك فردًا من مواطني الشرق الأوسط، لايمكن إلا أن تكون مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا. لقد اعتمدت السلطات "زِيًّا موحدًا" بمساعدة بعض المستشرقين والصحفيين أحيانًا، للتضبيب على عدد من التقاليد الدينية واضطرار أتباعها الانكماش، لائذين بالظل بعيدًا عن معتقدات الأغلبية وقسرية السلطة، بل وحتى عن عدسات الإعلام والباحثين الأجانب، خشية الظهور على نحوٍ شاذٍ غير متوازٍ مع السائد. بل إن أتباع هذه الأديان كانوا بدرجة من المحافظة والتحسس من الرصد والدراسة لتحاشيهما، أنهم فضَّلوا الخصوصية النائية بنفسها عن الأضواء على الإعمام المعرفي على مستوى عالمي واسع.

لهذا النوع من التحسس واللوذ بالصمت والمحافظة ما يبرره بقوة (خاصة في سنوات العقد الماضي) بسبب انتشار وانتشاء الحركات الإسلامية الراديكالية والجماعات الإرهابية التي دأبت على توعد الآخرين، وبضمنهم مسلمين، بـ"التكفير"، نظرًا لعدهم جماعات لا تؤمن بما تؤمن به هذه الحركات من إسلام متشدد خاص بها، الأمر الذي أوجب "القصاص الشرعي" عليها.

لقد لاذت الأقليات الدينية بالانفصال والابتعاد، اعتمادًا على العيش في زوايا و جيوب جغرافية مستقلة وبعيدة المنال وذاتية الاكتفاء لتجاوز الاحتكاك بالأغلبية ولتجنب اضطهاد الغلاة منها، الأمر الذي أسهم في تشكيل بِنى مهمة في "سايكولوجية الأقليات" التي سنخصها بالدراسة والمناقشة في فصلٍ لاحق. بل وصل أفراد هذه الأقليات درجة من التحسس أنهم راحوا يشعرون بأن من يطلب المعرفة المجردة عن أديانهم وأحوالهم إنما هو شخص عدائي يقصد الإساءة، خاصة عندما يحاول أن يعرف أكثر مما ينبغي، أي أكثر من المسموح به تقليديًا، خشية العبث بتصويرهم وتحريف تقديم دينهم وتمثيل مجتمعهم المغلق على نحوٍ مشوَّه.

مع إشارة خاصة لهذه الأنظمة الدينية التي يغلب عليها الطابع التوفيقي أو التركيبي، أي الأنظمة التي لا تبدو عقائدها مطابقة لعقائد الأديان السائدة، بمعنى الأديان الرسمية التي تحتضنها الأنظمة الحكومية، اسميًا فقط، للنجاة من التغير، تذهب الباحثة "كرزتنا كيلبودروغي" Kehl-Bodrogi إلى رصد تعقيدات وجود هذه الأقليات في الدول التي تعتمد الإسلام دينًا رسميًا، مثل تركيا أو إيران أو العراق، كي تلاحظ أن الحكومات في هذه الدول تحاول أن تتجاهل هذه الأقليات الدينية على سبيل تحقيق نوع من التوفيق بينها وبين دين الأغلبية الرسمي (17) ، من ناحية أولى، وعلى سبيل اعتماد سياسة تهدف لتطمين هذه الأقليات بعدم التمييز، من ناحية ثانية. المقصود من ذلك هو تطمين هذه الجماعات الدينية بتوخي العدالة الاجتماعية وبضمنها عدالة التوظيف وتسنم المناصب المهمة في أجهزة الدولة من قبل الجميع، شريطة عدم إشهار أتباع هذه الأديان معتقداتهم الدينية على نحو علني صارخ بضمن مهاد رسمي إسلامي غير موائم. يُعتمد هذا النوع من السياسات المزدوجة المعايير لردم الهوة بين سياسات ما يسمى بـ"الدين الرسمي" مناقضًا لسياسات الديانات الأخرى.، هذا جانب آخر من جوانب سياسات المواقف المنافقة السائدة في العديد من دول الشرق الأوسط، نظرًا لعدم توخيها أنظمة سياسية ديمقراطية تعتمد العدالة المطلقة أساسا للمساواة بين المواطنين دون تمييز، الأمر الذي يقود هذه الحكومات إلى اللوذ بالروح التوفيقي، إذا لم تعتمد اللجم والبتر كما لوحظ في أعلاه.