eKtab
EN ع
المجتمع المفتوح وأعداؤه - الجزء الأول
اقرأ عينة مجانية

المجتمع المفتوح وأعداؤه - الجزء الأول

بقلم كارل بوبر

صفحة 1

مقدمة الطبعة الأولى

إذا كان قد ورد في هذا الكتاب بعض الكلمات القاسية التي تعرَّضتُ بها لكبار قادرة الفكر الإنساني، فإنني أرجو ألا يُعتقَد أن دافعي إلى ذلك هو التقليل من شأنهم، وإذ إنّ دافعي إلى ذلك هو يقيني بأن حضارتنا إذا ما أُريد لها أن تبقى وتستمر، فينبغي أن تقلع عن عادة الدفاع الأعمى عن أولئك المفكرين العظماء. فهؤلاء الرجال العظماء ليسوا معصومين من الخطأ، ويحاول هذا الكتاب أن يبرز أن هؤلاء القادة العظماء قد دعموا، في الماضي، المعركة الأبدية بين الحرية والعقل. إن تأثيرهم الذي لم يجد من يتحدّاه إلا نادراً قد استمر في تضليل أولئك الذين كان دفاعهم عن الحضارة يستند إلى، ويتوقف على، تفرقَّهم. وربما تصبح مسؤولية هذا التفرّق المأساوي من نصيبنا لو ترددنا في التصريح بانتقاد ما هو مسلَّم به من تراثنا الثقافي. فقد يؤدّي نفورنا من انتقاد بعض من هذا التراث، إلى القضاء عليه جميعه.

وهذا الكتاب إنما هو مدخل نقدي لفلسفة السياسة والتاريخ، وهو فحص لبعض مبادئ إعادة البناء الاجتماعي. أما فيما يتعلق بالمَرامي التي يسعى إليها، أو بالمداخلات التي يتبناها، فكل ذلك مذكور في المقدمة. وإذا بدا للقارئ أن موضوعاته تعود إلى الماضي، فإنني أوكِّد أن مشكلاته هي مشكلات عصرنا الحالي، ولقد بذلت قصارى جهدي في عرض هذه المشكلات بأكبر قدر ممكن من البساطة، يحدوني في ذلك أمل في أن أكون قد وفّقت إلى توضيح المسائل التي تهمّنا جميعاً.

ومع أن الكتاب لا يفترض مسبقاً أي شيء سوى تفتّح عقل القارئ، فإن هدفه ليس تبسيط المسائل المطروحة بغَرَضِ حلها. ومع ذلك، ففي محاولة لخدمة هذَيْن الغرضَيْن، فقد حصرت كل المسائل التي تهم المتخصص في الهوامش التي وضعتها في نهاية الكتاب(1).

1943

صفحة 2

مقدمة الطبعة الثانية

على الرغم من أن الكثير مما هو موجود في هذا الكتاب كان قد تبلور في مرحلة سابقة، إلا أن القرار النهائي لكتابته كان قد اتُّخذ في مارس من العام 1938، وفي اليوم نفسه الذي استُقبلت فيه أخبار غزو النمسا. وقد امتدت كتابته حتى العام 1943، وحقيقة أن معظم الكتاب كان قد كُتب أثناء السنوات القاتمة، التي كانت فيها نتيجة الحرب غير مؤكدة، قد تساعد على فهم لماذا تستوقفني اليوم بعض الإنتقادات عليه باعتبارها انفعالية وشديدة اللهجة أكثر مما كنت أرجو. ولكن هذا الزمن لم يكن زمن الألفاظ المنتقاة - أو على الأقل، هذا ما كنت أشعر به آنذاك. ولم تكن الحرب أو أي حادث آخر معاصر، مشار إليه صراحة في الكتاب، وإنما كانت محاولة لفهم تلك الأحداث وخلفيتها، وبعض المسائل التي كان من المُحتَمل أن تنشأ بعد أن تُكسب الحرب. والتوقّع بأن الماركسية سوف تصبح مشكلة رئيسية، كان هو السبب في معالجتها بإسهاب إلى حدّ ما.

وفي إطار ضبابية الموقف العالمي الراهن آنذاك، فإنه يمكن النظر إلى نقد الماركسية الذي ورد في الكتاب باعتباره الموضوع الأساسي فيه. هذه الرؤية ليست خاطئة في إجمالها، وربما لم يكن من الممكن تجنّبها، مع أن أهداف الكتاب أوسع بكثير من ذلك. إذ كانت الماركسية إحدى المراحل فقط، واحدة من الأخطاء الكثيرة التي اقتُرفت في النضال الدائم والخطير من أجل بناء عالم أفضل وأكثر تحرّراً.

وكما توقعت، فقد نالني تأنيب البعض لكوني كنت صارماً أكثر من اللازم تجاه ماركس، في حين أشار آخرون إلى تساهلي تجاهه بالمقارنة بعنفٍ هجومي على أفلاطون. ولكنني لا زلت أشعر بالحاجة إلى فحص أفلاطون بعيون نقدية أكثر جدة، بسبب أن الافتتان العام بـ «الفيلسوف المقدَّس» كان له أساس حقيقي في إنجازه الذهني الغامر. أما ماركس، من جانب آخر، فقد هوجم مرات عديدة على أسس شخصية وأخلاقية، مما دفعني إلى أن أوجِّه نقداً عقلانياً قاسياً لنظرياته، مقروناً بتفهّم متعاطف لرونقها المدهش على المستويين الأخلاقي والذهني. ولقد شعرت، سواء كنتُ في ذلك على صواب أو على خطأ، أن نقدي له كان مدمِّراً، وأنه كان يمكنني نتيجة لذلك البحث عن الإسهامات الحقيقية لماركس، وأن أعفي دوافعه من الشبهة.

وعلى أية حال، من الواضح أننا لو رغبنا في مواجهة الخصم بنجاح، فيتعيّن أن نحاول تقييم قدرته. (ولقد أضفت في العام 1965 ملاحظة جديدة حول هذا الموضوع في الملحق 2 من الجزء الثاني).

صفحة 3

ولكن لا يمكن لكتاب أن ينتهي على الإطلاق. فأثناء العمل فيه نتعلّم بما فيه الكفاية أنه في تلك اللحظة التي نقرّر فيها الانصراف عنه، نجده غير ناضج. وفيما يتعلق بنقدي لأفلاطون وماركس، فقد كانت هذه التجربة المحتَّمة أكثر إزعاجاً من المعتاد. ولكن معظم اقتراحاتي الإيجابية، وأهمها الشعور القوي بالتفاؤل الذي يعمُّ مجمل الكتاب، قد بدت لي أكثر فأكثر سذاجة مع مرور سنوات ما بعد الحرب. وبدأ صوتي يتردد صداه بالنسبة لي كما لو كان آتياً من الماضي السحيق - كصوت أحد المصلحين الاجتماعيين المفعَمين بالأمل من القرن الثامن عشر أو حتى القرن التاسع عشر.

بَيْدَ أن شعوري بالإحباط قد ولَّى، وسبب ذلك على الأرجح هو زيارتي للولايات المتحدة. ويغمرني الآن شعور بالسعادة، لأنني عند مراجعة الكتاب اكتفيت بإضافة مادة جديدة، وبتصويب بعض أخطاء في مضمونه وأسلوبه، وقاومت إغراء تعديل نبرته، ذلك لأنني أشعر بالأمل أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من الوضع الدولي الراهن.

وإنني أرى الآن، بشكل أوضح من أي وقت مضى، أنه حتى أعظم متاعبنا قد تنشأ من شيء يدعو للإعجاب والاقتناع بقدر ما هو خطير - ألا وهو تلهّفنا لتحسين أحوال مواطنينا.. ذلك لأن تلك المتاعب إنما هي نتاج لما يمكن أن يكون أعظم الثورات الأخلاقية والروحية في التاريخ، وهي حركة بدأت منذ أكثر من ثلاثة قرون. إنها رغبة العديد والعديد من البشر المجهولين في تحرير أنفسهم وأذهانهم من هيمنة السلطة والأفكار المسبقة. إنها محاولاتهم لبناء مجتمع مفتوح بلفظ السلطة المطلقة لما هو قائم ولما هو تقليدي مع محاولة الحفاظ على، وتطوير، الموروثات القديمة والحديثة التي ترقى إلى مستويات الحرية والإنسانية والنقد العقلاني التي يرتضونها. إنها رفضهم التقاعس وترك المسؤولية الكاملة عن حُكم العالم إلى سلطة بشرية أو فوق بشرية، واستعدادهم لتحمل عبء المسؤولية والعمل على تفادي المعاناة. ولقد أدت هذه الثورة إلى خلق قوى تدميرية هائلة، ولكن قد يمكن السيطرة عليها.

صفحة 4

مدخل

لا أبتغي إخفاء حقيقة أنني ليس بمقدوري سوى أن أتطلع باشمئزاز.. إلى ادّعاء كل هذه المجَلَّدات المنتفخة بالحكمة، كتلك التي تبدو مُدَّعية للحداثة في أيامنا هذه..

وإنني لعلى قناعة تامة بأن الطرق المقبولة ينبغي أن تزيد بشكل دائم هذه الحماقات والهفوات، بل وحتى الفناء الكامل لكل هذه الإنجازات الخيالية لم يكن من الممكن أن يكون مؤذياً مثل ذلك العلم الوهمي بخصوبته المنفِّرة.

كانط

يثير هذا الكتاب قضايا ربما لا تكون ظاهرة من خلال فهرس موضوعاته. فهو يجمل بعض الصعوبات التي تواجه حضارتنا - تلك الحضارة التي ربما يمكن وصفها بأنها تهدف إلى تحقيق ما هو إنساني ومعقول، كما تهدف إلى تحقيق المساواة والحرية؛ حضارة لا تزال في طفولتها، كما كانت دائماً، وقد تستمر في التطور على الرغم من حقيقة أن العديد من القادة المفكرين للجنس البشري، قد غدروا بها في معظم الأحوال. وهو يحاول أن يبيِّن أن هذه الحضارة لم تفُق بعد من صدمة ميلادها - صدمة التحوّل من «المجتمع القَبَلي» أو «المغلق»، بما وقع له تحت سيطرة القوى السحرية، إلى «المجتمع المفتوح»، الذي يُطلق قوى الإنسان النقدية. وهو يحاول كذلك أن يُبَيّن أن صدمة هذا التحوّل إنما هي أحد العوامل التي جعلت من الممكن أن تنشأ تلك الحركات الرجعية التي حاولت، ولا تزال، هدم الحضارة، والعودة إلى النظام القَبَلي. وهو يقترح أن ما ندعوه في هذه الأيام المجتمع الشمولي إنما ينتمي إلى ما هو سائد سواء أكان قديماً أم حديثاً، كما هو الحال في حضارتنا نفسها.

وهو يحاول من ثم أن يُساهم في فهمنا للشمولية، ولأهمية ودلالة الكفاح المتجدِّد لمواجهتها.

ويحاول فضلاً عن ذلك أن يفحص تطبيق طُرُق العلم النقدية والعقلانية على مشكلات المجتمع المفتوح. فهو يحلّل مبادئ إعادة البناء الاجتماعي الديموقراطي، مبادئ ما اصطلح على تسميتها «الهندسة الاجتماعية المتدرّجة» في مقابل «الهندسة الاجتماعية اليوتوبية» (كما هو موضح في الفصل التاسع). كما أنه يحاول أن يزيل بعض العوائق التي تعترض سبيل حَلّ مشكلات إعادة البناء الاجتماعي بطريقة عقلانية.

وهو يفعل ذلك بنقد تلك الفلسفات الاجتماعية المسؤولة عن التحيز الواسع الانتشار ضد إمكانيات الإصلاح الديموقراطي. وأكثر هذه الفلسفات قوّة هي تلك التي قد أُطلق عليها اسم التاريخانية. فقصة نشأة وتأثير بعض الأشكال المهمة للتاريخانية هي أحد المحاور الرئيسية للكتاب، والتي أمكن وصفها بأنها مجموعة ملاحظات هامشية في تطوير فلسفات تاريخانية معينة. ولسوف نورد في متن الكتاب بعض الملاحظات حول ما هو المقصود بالتاريخانية، وكيف أنها مرتبطة بالقضايا الأخرى المذكورة.

وعلى الرغم من أنني مهتمٌّ بصفة رئيسية بمناهج الفيزياء (ومن ثم بمشكلات تقنية معينة بعيدة كل البعد عن أُطروحات هذا الكتاب)، إلا أنني قد عنيت أيضاً منذ سنوات عديدة بالحالة المتردّية التي وصلت إليها بعض العلوم الاجتماعية، ولا سيما الفلسفة الاجتماعية. ويُثير هذا، بطبيعة الحال، مشكلة المناهج الخاصة بها. وقد جاء اهتمامي بهذه المشكلة نتيجة لرغبتي في البحث عن إرهاصات هذه النزعة الشمولية في بداية تكوّنها.. والأسباب التي أدّت إلى إخفاق علوم اجتماعية عديدة، وفلسفات اجتماعية متنوعة في إدراك حقيقتها.

وفي هذا السياق بدا لي أمر كان يلحّ عليَّ دائماً.

صفحة 5

يتبادر إلى الذهن في معظم الأحوال أن شكلاً أو آخر من الشمولية أمر لا يمكن تفاديه. فالعديد من المثقفين يرون أنه أمر لا مفرّ منه. ويتساءلون عمّا إذا كنا من السذاجة بحيث نتقبّل فكرة أن النظام الديموقراطي قابل للاستقرار، وعما إذا كنا نرفض أن يكون هذا النظام هو أحد الأشكال المتعددة للحكم الذي يأتي ويمضي في مسيرة التاريخ الإنساني. وهم يجادلون بأن الديموقراطية، لكي تجابه الشمولية، ملزَمة بأن تحاكي مناهجها، ومن ثم أن تصبح بالتالي شمولية. وهم يقرّرون أن نظامنا الصناعي لا يمكنه أن يستمر في أداء وظيفته من دون تبنّي طرق التخطيط الجماعي، ويستدلون بذلك على صعوبة استمرار النظام الجماعي الاقتصادي دون أن يتبنّى الأشكال الشمولية للحياة الاجتماعية.

وقد تكون مثل هذه الحُجج مقبولة إلى حدٍّ كبير. بَيْدَ أن القبول لا يُعَد دليلاً يمكن التعويل عليه في مثل هذه المسائل. ففي الواقع لا يتعين على المرء أن ينخرط في مناقشة هذه الحجج المشكوك فيها قبل النظر في السؤال التالي الذي يطرحه المنهج العلمي: هل في مقدور أي علم اجتماعي أن يُجري مثل هذه التنبؤات التاريخية الشاملة؟ هل في مقدورنا أن نتوقع الحصول على أكثر من إجابة من عرَّاف إذا سألناه عمّا قد يخبِّئه المستقبل للجنس البشري؟

هذا سؤال عن منهج العلوم الاجتماعية. ومن الواضح أنه سؤال أساس أكثر من أي نقد لأي حجّة مقدمة لدعم أي نبوءة تاريخية.

ولقد أدى بي الفحص المدقِّق لهذا السؤال إلى القناعة بأن مثل هذه النبوءات التاريخية الشاملة إنما تقع كلية خارج نطاق المنهج العلمي. فالمستقبل يعتمد علينا، ولسنا معتمدين على أية ضرورة تاريخية. ومع ذلك ثَمّة فلسفات اجتماعية مؤثرة تتمسّك بوجهة النظر المقابلة. إنها تزعم أن الإنسان يحاول أن يستخدم عقله للتنبؤ بحوادث وشيكة الوقوع؛ ذلك أن من المشروع بالتأكيد بالنسبة إلى رجل استراتيجي أن يحاول التنبؤ بنتيجة معركة؛ وأن الحدود بين تنبؤ مثل هذا وعدد من التنبؤات التاريخية الشاملة أكثر إنما هي حدود مائعة. وهم يقرّرون أن مهمة العلم بصفة عامة هي إجراء تنبؤات، أو بالأحرى، تحسين تنبؤاتنا اليومية، وترسيخها على أساس أكثر أماناً، وأن مهمة العلوم الاجتماعية، بصفة خاصة، هي تزويدنا بتنبؤات تاريخية طويلة الأجل. وهم يعتقدون أيضا بأنهم قد اكتشفوا قوانين التاريخ التي تمكّنهم من التنبؤ بمسار الأحداث التاريخية.

ولقد جَمَعْتُ الفلسفات الاجتماعية المختلفة التي تتبنّى مزاعم من هذا النوع تحت اسم التاريخانية. وحاولتُ في مكان آخر، في كتاب «عقم المذهب التاريخي»(2) أن أناقش هذه المزاعم، وأن أبيّن أنها على الرغم من معقوليتها، فإنها تستند إلى سوء فهم جسيم لمنهج العلم، وخصوصاً إلى تجاهل التمييز بين التنبؤ العلمي والنبوءة التاريخية scientific prediction and historical prophecy. وبينما كنتُ منهمكاً في تحليل منهجي ونقدي لمزاعم التاريخانية، حاولت أيضاً أن أجمِّع مادة لتوضيح تطورها. والملاحظات التي جمَعتها لهذا الغرض أضحت الأساس لهذا الكتاب.

ويهدف التحليل المنهجي للتاريخانية إلى ما يشبه الوضع العلمي، ولم يهدف هذا الكتاب إلى ذلك. فالعديد من الآراء التي عبَّر عنها أصحاب هذا التوجه آراء شخصية بحتة. فما يُدين إلى المنهج العلمي هوالوعي أساساً بحدودها: فهي لا تقدم براهين، حيث لا شيء يمكن البَرهَنة عليه، وهي لا تتظاهر بكونها علمية، حيث لا يمكن تقديم أكثر من وجهة نظر شخصية. وهي لا تحاول أن تحلَّ نسقاً حديثاً للفلسفة محل أنساق فلسفية سابقة. كما أنها لا تحاول أن تكون مجرّد إضافة إلى كل هذه المجلدات التي تموج بالحكمة، وإلى ميتافيزيقا التاريخ والمصير، مثل تلك المنتشرة هذه الأيام. وإنما هي تحاول بالأحرى أن تبيّن أن هذه الحكمة التي تعتمد على النبوءة تضرُّ أكثر مما تُفيد. إن ميتافيزيقا التاريخ تعرقل تطبيق مناهج العلم المتدرِّجة على مشكلات الإصلاح الاجتماعي. وهي تحاول، فضلاً عن ذلك، أن تبيّن أننا قد نصبح صانعي مصيرنا عندما نتوقّف عن تقديم أنفسنا كأنبياء.

وفي محاولة لاقتفاء أثر تطور التاريخانية، وجدتُ أن الأسلوب المتواتر للنبوءة التاريخية، المنتشرة على هذا النحو وسط قادتنا المثقفين، لها وظائف مختلفة. إنها تدَّعي انتماءها إلى ما هو في أصله شكل من أشكال المبادرة، وأنها تمتلك قوّةً غير عادية للقدرة على التنبؤ بمسار التاريخ. فضلاً عن أن ثَمَّة فكرة شائعة تزعم أن القادة المثقفين يمتلكون مثل هذه المقدرة، وعدم امتلاكهم لها قد يؤدّي إلى فقدان تميُّز الطبقات. ومن ناحية أخرى فإن الخطر هنا يكمن في أن قدرتهم على ستر أنفسهم كمشعوذين ضئيل للغاية، حيث إنهم يستطيعون دائماً أن يشيروا إلى أن المسموح به بالتأكيد هو إجراء تنبؤات شمولية أقل، وأن الحدود بين هذه التنبؤات وما يقوم به الكهنة أو العرَّافون إنما هي حدود مائعة.

صفحة 6

ولكن هناك أحياناً بواعث إضافية وربما أعمق للتمسّك بالمعتقدات التاريخانية. فالأنبياء الذين يتنبّأون بقدوم عصر ألفي سعيد(3) يوحون بإحساس راسخ بعدم الارتياح، وتعطي أحلامهم، في الواقع، أملاً لبعض الناس الذين يستطيعون التفكير من دونهم. ولكن يتعين علينا أيضاً أن ندرك أن تأثيرهم مسؤول عن حجب القدرة على مواجهة المهام اليومية للحياة الاجتماعية. وأن أولئك الأنبياء المزعومين الذين يتنبأون بأن حوادث معينة، مثل زلة السقوط في الشمولية (أو ربما في «النزعة الإدارية» «managerialism») تُعَدّ، سواء أرادوا ذلك أو لم يريدوا، وسيلة لتحقيق نبوءاتهم. إن ما يزعمونه بأن الديموقراطية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، ما دامت الديموقراطية وحدها هي التي تزوِّدنا بإطار مؤسساتي يسمح بالإصلاح بدون عنف، وكذلك استخدام العقل في مجال السياسة. بَيْدَ أن هذا الزعيم يميل إلى تثبيط همة أولئك الذين يجابهون الفكر الشمولي، ودافعها إلى ذلك هو دعم الثورة ضد الحضارة. ويبدو أنه يمكن أن نجد باعثاً آخر، لو أننا اعتبرنا أن الميتافيزيقا التاريخانية تميل إلى تحرير الناس من ضغط مسؤولياتهم. ولو علمت أن الأحداث تجري على نحو مترابط، مهما حاولت أن تتفادى ذلك، فإنك سوف تشعر بأنك حرٌّ في أن تكفَّ عن مجابهتها. وقد تكفّ، بصفة خاصة، عن محاولة التحكّم في تلك الأشياء التي يوافق معظم الناس على أنها شرور اجتماعية، كالحرب؛ أو التنويه بأمور أقل أهمية من الحرب، مثل طغيان موظف تافه.

ولست راغباً في الاقتراح الذي يذهب إلى أنه يتعيَّن على التاريخانية أن يكون لها مثل هذا التأثير. وهناك من أصحاب النزعة التاريخانية، وخاصة الماركسيين، مَنْ لا يَوَدّون تحرير الناس من ضغط المسؤوليات التي تقع على كاهلهم. ومن ناحية أخرى، توجد بعض الفلسفات الاجتماعية التي قد تكون أو لا تكون تاريخانية، ولكنها تبَشِّر بعجز العقل في الحياة الاجتماعية، والتي، بهذه النزعة المضادة للعقل، تدعم الموقف الذي يقول: «إما أن تتبع القائد، رجل الدولة العظيم، أو تصبح أنت ذاتك قائداً»؛ وهو الموقف الذي يعني بالنسبة لمعظم الناس خضوعاً سلبياً للقوى، سواء أكانت شخصية أم مُغْفَلَةً، التي تحكم المجتمع.

والآن من المثير للاهتمام أن نرى أن بعض أولئك الذين يشجبون العقل، أو حتى يلومونه على ما يسود مجتمعنا الحالي من شرور، يفعلون ذلك من ناحية، لأنهم يدركون حقيقة أن النبوءة التاريخية تتجاوز قدرة العقل، ولأنهم لا يمكنهم أن يتصوروا من ناحية أخرى علماً اجتماعياً، في مجتمع معقول له وظيفة أخرى سوى النبوءة التاريخية. وبعبارة أخرى، إنهم يخيّبون رجاء ما يدعو إليه التاريخانيون؛ فأولئك يشجبون العقل، على الرغم من إدراكهم عُقْم المذهب التاريخي، غير عارفين أنهم يحتفظون بضرر تاريخاني أساس ألا وهو المذهب الذي يقول بأن العلوم الاجتماعية، إذا كان من الممكن أن يكون لها استخدام على الإطلاق، ينبغي أن تكون ذات نزعة نبوئية. ومن الواضح أنه يتعيَّن أن يؤدّي هذا الموقف إلى رفض قابلية تطبيق العلم أو العقل على مشكلات الحياة الاجتماعية - وبصورة شاملة، إلى نظرية في القوّة تعتمد على الهيمنة والخضوع.

فلماذا تؤيد كل هذه الفسلفات الاجتماعية الثورة على الحضارة؟ وما هو سرّ انتشارها؟ ولماذا تجتذب وتُغري الكثير جداً من المثقفين؟ إنني أميل إلى الاعتقاد أن السبب هو أنها تعطي تعبيراً عن شعور عميق بعدم الرضى عن عالم لا يستمر، ولا يمكن أن يستمر على مستوى المُثُل الخُلُقية، وعلى مستوى أحلامنا بالكمال. إن ميل النزعة التاريخانية (ووجهات النظر المرتبطة بها) لدعم الثورة ضد الحضارة؛ ترجع بقدر كبير إلى أن النزعة التاريخانية ذاتها، إنما هي، إلى حدٍّ كبير، ردّ فعل ضد الضغوط التي تفرضها حضارتنا، وضد ما تفرضه علينا من مسؤولية شخصية.

هذه التمويهات مبهَمَة إلى حدٍّ ما، ولكنها كافية لهذا المدخل. وهي أخيراً سوف تدعمها المادة التاريخية، خصوصاً في الفصل الذي يحمل عنوان «المجتمع المفتوح وأعداؤه». ولقد كان هناك ما يُغريني بأن أضع هذا الفصل في بداية الكتاب، بما فيه من موضوعات هامة تجعل المدخل بالتأكيد أكثر جاذبية. ولكني وجدت أن الوزن كله لهذا التفسير التاريخي لا يمكن إدراكه إذا لم تسبقه المادة العلمية التي تناولتها في مقدمة هذا الكتاب. ويبدو أنه ينبغي على القارئ أن يوزِّع اهتمامه بين التشابه الذي نجده في النظرية الأفلاطونية للعدالة، ونظرية وممارسة الشمولية الحديثة، قبل أن يدرك أن لهذه المسائل أولوية قصوى.

في المجتمع المفتوح (حوالي 430 ق.م).

صفحة 7

على الرغم من أن القليل فقط هو الذي يمكن أن يُنشئ السياسة،

إِلَّا أننا جميعاً لقادرون على الحكم عليها

برقليس من أثينا.

وضد المجتمع المفتوح (بعد ذلك بحوالي 80 عاماً)

إن المبدأ الأعظم بالنسبة إلى الجميع هو أن أي شخص،

سواء أكان ذكراً أم أنثى، لا ينبغي عليه أن يحيا بلا قائد

ولا ينبغي لعقل أي شخص أَنْ يعوِّده على فعل أي شيء على الإطلاق بمبادَرَته الخاصة، لا على سبيل الحماسة، ولا على سبيل اللعب.

ولكن في أوار الحرب، وفي غَمْرَةِ السلم؛ عليه أن يوجِّه ناظريه لقائده، وأن يتبعه بإخلاص.

وحتى في أصغر المسائل شأواً عليه أَنْ يمتثلَ للقيادة.

فعليه مثلاً أَلَّا يستيقظ، أو يتحرَّك، أو يغتسل، أو يتناول وجباته إِلَّا إذا أُمِرَ أن يفعل ذلك.

وبعبارة واحدة، يتعيَّن عليه أَنْ يعلِّم نفسه بمرانٍ طويل، أَلّا يحلم أبداً بالإتيان بفعل مستقل،

وأَلَّا يصبح قادراً عليه بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أفلاطون من أثينا.

أسطورة المنشأ

صفحة 8

التاريخانية وأسطورة المصير

ثمَّة اعتقاد واسع الانتشار بأن المَيْل العلمي أو الفلسفي الحَقّ تجاه علم السياسة، والفهم الأعمق للحياة الاجتماعية بصفة عامة ينبغي أَنْ يعتمدا على تأمّل وتفسير التاريخ الإنسان، في حين أن الإنساني العادي إنما يتخذ موضعه من حياته وأهمية خبراته الشخصية، ونضالاته التافهة كقضية مُسَلَّم بها؛ ويُقَال إن العالم أو الفيلسوف الاجتماعي يبنغي أن يعاين الأشياء من مستوى أعلى. فهو يرى الفردي بوصفه ضماناً، وبوصفه أداة ليست على أهمية كبيرة في ما يتعلَّق بالتطور العام للجنس البشري. ويجد أن العوامل المهمة بحق، في الممثلين المهمِّين بحق، على مسرح التاريخ هم إِمَّا الأمم العظيمة وقُوّادها العظماء، أو ربما الطبقات العظيمةأو الأفكار العظيمة. وأيَّا كان الأمر، فإنه سيحاول أن يفهم معنى المسرحية التي تُمثَّل على خشبة مسرح التاريخ، وسيحاول أن يفهم قوانين التطور التاريخي. فإذا نجح في هذا، سيكون قادراً، بالطبع، على أن يتنبأ بتطورات مستقبلية. فيضع السياسة عندئذٍ على أساس صلب، ويعطينا نصيحة عملية بإخبارنا أي الأدوار السياسية يُحتمَل أن تنجح وأَيُّها يُحتمَل أن تُخْفِق.

إن هذا لهو وصف مختصر للاتجاه الذي أدعوه التاريخانية. وهي فكرة قديمة، أو بالأحرى، مجموعة من الأفكار المترابطة بشكل واسع والتي قد أصبحت، لسوء الحظ، تمثِّل جزءاً كبيراً جداً من مناخنا الروحي الذي يؤخذ عادة كقضية مُسَلَّمٍ بها، ويصعب في أي وقت أن تكون موضع شك.

ولقد حاولتُ في مكان آخر أن أُبيِّن أن المنحى التاريخاني للعلوم الاجتماعية إنما يعطي نتائج ضعيفة. ولقد حاولت أيضاً أنْ أضع مخططاً تمهيدياً لمنهج، أعتقد أنه يمكن أن يؤدِّي إلى نتائج أفضل.

ولكن إذا كانت التاريخانية منهجاً معيباً يؤدِّي إلى نتائج لا قيمة لها، إذنْ ربما يكون مفيداً أن نرى كيف نشأت، وكيف نجحت في ترسيخ ذاتها هكذا بنجاح. يمكن للمخطط التاريخي الساعي لهذا الغرض، أن يخدم في الوقت نفسه، تحليل مختلف الأفكار التي قد تراكمت تدريجياً حول المذهب التاريخي المركزي – المذهب القائل إن التاريخ محكوم بقوانين تاريخية أو تطورية معينة، وأن اكتشافها سيمكّننا من أن نتنبأ بمصير الإنسان.

فالتاريخانية، التي قد ميَّزتُها حتى الآن فقط بطريقة مجرَّدة إلى حدٍّ ما، يمكن توضيحها جيداً بواحدة من أبسط وأقدم صور عقيدة الشعب المختار. فهذه العقيدة واحدة من المحاولات التي تجعل التاريخ مفهوماً عن طريق تفسير المسرحية التي تُؤدّى على خشبة مسرح التاريخ. إِذْ إن نظرية الشعب المختار، إنما تفترض أن الله قد اختار شعباً واحداً كأداة مُنتقاة لإرادته، وأن هذا الشعب سيرث الأرض.

صفحة 9

ويوضع، في هذه العقيدة، قانون التطور التاريخي عن طريق إرادة الله السامية. وهذا هو الاختلاف النوعي الذي يميّز الصورة الإيمانية عن باقي صور التاريخانية. فالتاريخانية الطبيعانية، على سبيل المثال، إنما تتعامل مع القانون التطوري بوصفه قانوناً للطبيعة، في حين ستتعامل التاريخانية الروحانية معه بوصفه قانوناً للتطور الروحي؛ وكذلك،ستتعامل التاريخانية الاقتصادية معه، بوصفه قانوناً للتطور الاقتصادي. وتتقاسم التاريخانية الإيمانية مع هذه الأشكال الأخرى من المذاهب أن ثمّة قوانين تاريخية نوعية يمكن أن تُكتشَف، وعليها يمكن أن تتأسس التنبؤات المتعلِّقة بالجنس البشري.

وليس من شكّ في أن عقيدة الشعب قد انبثقت من الصورة القَبَلية للحياة الاجتماعية. فالقَبَلية، أعني التأكيد على الأهمية القصوى للقبيلة التي بدونها لا يساوي الفرد شيئاً على الإطلاق، هي العنصر الذي سنجده في العديد من صور النظريات التاريخانية. أَمَّا الصوَر الأخرى التي لم تعد قبَلية ربما ستظل تحتفظ بعنصر الجماعية(4)؛ فهي تظلُّ تشدِّد على أهمية جماعة أو تجمُّع ما - طبقة، مثلاً - دون أي اعتبار للفرد على الإطلاق. وثَمّة جانب آخر لعقيدة الشعب المختار، هو ضَعْف ما يطرحه من أسباب لنهاية التاريخ. لأنه على الرغم من أنها قد تصف هذه النهاية بدرجة ما من التحديد، فلا بدَّ أن نمضي إلى طريق طويل قبل أن نبلغها. والطريق ليس طويلاً فحسب، بل هو متعرِّج أيضاً، يصعد أحياناً ويهبط أحياناً أخرى، ويتجه ذات اليمين وذات الشمال. وعليه، فسيضحى ممكناً أن نستحضر كل حادث تاريخي مُدْرَك بيسر من خلال نظام التفسير. ولا يمكن لأية خبرة مُدْرَكة أن تدحضها. ولكن بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون بهذه الفكرة، فإنها تمنح اليقين لَما يتعلَّق بالمصير النهائي للتاريخ الإنساني.

ولسوف نبذل محاولة لنقد التفسير الإيماني للتاريخ في الفصل الأخير من هذا الكتاب، حيث سيتبيَّن أيضاً أنَّ بعضاً من أعظم المفكرين المسيحيين قد تنكَّر لهذه النظرية بوصفها وثنية. ولذلك لا ينبغي أن يُفسَّر الهجوم الموجَّه لهذا الشكل من التاريخانية، بوصفه هجوماً على الدين. وفي الفصل الحالي، ستستخدم عقيدة الشعب المختار فقط كمثال توضيحي. إِذْ يمكن تَفَهَُّم قيمتها في حدّ ذاتها من كون أهم مميزاتها مشتركة مع المفهومَيْن الحديثَيْن للتاريخانية، واللذَّين سيشكل تحليلهما معاً الجزء الأعظم من هذا الكتاب - الفلسفة التاريخية للتمييز العنصري من جهة (اليمين)، والفلسفة التاريخية الماركسية من الجهة الأخرى جهة (اليسار). لأن عرقية الشعب المختار تحلُّ محل الشعب المختار المنتقى كأداة للمصير، والذي سيرث الأرض في النهاية ( من اختيار جوبينو(5)). أما فلسفة ماركس التاريخية فتستبدلها بالطبقة المختارة، التي ستكون أداة خلق المجتمع اللاطبقي، وفي الوقت نفسه، الطبقة المقدَّر لها أن ترث الأرض. وكلتا النظريتَيْن تؤسّس تنبؤاتهما التاريخية على تفسير التاريخ الذي يؤدّي إلى اكتشاف قانون تطوره. ففي حالة العرقية يُعتقد في هذا بوصفه نوعاً من القانون الطبيعي؛ التفوّق البيولوجي لدم الجنس المختار يفسِّر مَسار التاريخ، الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ وهو ليس سوى نضال الأجناس من أجل السيطرة. أَمَّا في حالة فلسفة ماركس للتاريخ، فالقانون الاقتصادي؛ وقد فسَّر كل التاريخ بوصفه نضالاً للطبقات من أجل السيطرة الاقتصادية.

والسمة التاريخانية لهاتَيْن الحركتَيْن تجعل بحثنا يتضمن عدة موضوعات. وسنعود إلى النظريتَيْن في أجزاء لاحقة من هذا الكتاب. إذ تعود كل منهما مباشرة إلى فلسفة هيجل. ولذا ينبغي أن نتناول تلك الفلسفة أيضاً. ولأن هيجل يتبع بالأساس بعض فلاسفة قدامى معينين، فسيكون من الضروري أن تُناقش نظريات هيراقليطس، وأفلاطون، وأرسطو، قبل العودة إلى الأشكال الأكثر حداثة للتاريخانية.

صفحة 10

هيراقليطس

إننا لا نجد في اليونان حتى هيراقليطس نظريات يمكن مقارنتها - من حيث سماتها التاريخية – مع عقيدة الشعب المختار. ففي الديانة الهوميرية(6)، أو بالأحرى في التفسير الشِّركي(7) يُعَدُّ التاريخ نتاجاً للإرادة الإلهية. ولكن لا تضع الآلهة الهومرية قوانين عامة لتطور التاريخ. فما يحاول هوميروس أن يشدَّد عليه ويشرحه ليس وحدة التاريخ، وإنما بالأحرى افتقاره إلى الوحدة. إِذْ إن مؤلِّف المسرحية على مسرح التاريخ ليس إلهاً واحداً، وإنما عدة آلهة. وما يشترك فيه التفسير الهوميري مع التفسير اليهودي هو شعور ما غامض معيَّن بالمصير، وكذلك فكرة القوى التي تقف خلف الكواليس. َبيْد أن المصير النهائي طبقاً لهوميروس، ليس بادياً للعيان، وإنما يظل سرّاً على خلاف نظيره اليهودي.

وكان هزيود(8) هو أول يوناني يُدخل مذهباً تاريخياً بشكل أكثر وضوحاً، وربما كان متأثّراً بمصادر شرقية. فهو الذي استخدم فكرة الاتجاه العام أو النزعة العامة في التطور التاريخي. إن تفسيره للتاريخ متشائم، فعو يعتقد أن الجنس البشري، في تطوره ابتداءً من العصر الذهبي، يكون مصيره التدهور جسدياً وخُلقياً معاً. ولقد جاءت ذروة الأفكار التاريخية المختلفة عند فلاسفة الإغريق القدامى مع أفلاطون، الذي، في محاولة منه لتفسير التاريخ والحياة الاجتماعية للقبائل الإغريقية، وبصفة خاصة الأثينيين، رسم صورة فلسفية فخيمة للعالم. وكان متأثّراً بقوّة في مذهبه التاريخي بمختلف الرواد الأوائل، وبصفة خاصة هزيود، ولكن معظم التأثير الهام أتى من هيراقليطس.

كان هيراقليطس هو الفيلسوف الذي اكتشف فكرة التغيّر. وقبل هذا العصر، كان الفلاسفة اليونانيون متأثِّرين بالأفكار الشرقية، وقد تصوَّروا العالم صَرْحاً هائلاً تكون فيه الأشياء المادية بمثابة مواد البناء. إنها شمولية الأشياء - أو ما يُطلَق عليه الكوزموس (وهو يبدو في الأساس نتاجاً شرقياً). وكانت الأسئلة التي سألها الفلاسفة لأنفسهم: «ما هي المادة الخام التي صُنع منها العالم؟ أو «كيف بُني، وما هو تصميمه الأساس الحقيقي؟». ولقد رأوا أن الفلسفة، أو الفيزيقا (ولم يكن ثَمّة تمييز بين الاثنين لزمن طويل)، هي البحث في «الطبيعة»، أعني المادة الأصلية التي منها بُني هذا الصرح: العالم. أمَّا العمليات التي تكون موضوع دراستهم فهي تتم إما داخل هذا الصَّرْح، أو كإضافة إلى بنائه، أو للمحافظة عليه، فهي بذلك تخرج الصَرْح من حالته المستقرة أساساً أو تعيده إلى هذه الحالة. كما أنهم يعتبرون هذه العمليات دورية (بصرف النظر عن العمليات المرتبطة بأصل الصرح، والسؤال «مَنْ الذي صنعه؟» سبق أن ناقشه الشرقيون، وكذلك هزيود وآخرون). وهذا المنحى الطبيعي للغاية، الطبيعي حتى بالنسبة للعديد منّا اليوم، تخطَّته عبقرية هيراقليطس. إذ كانت وجهة النظر التي أدخلها أنه لا يوجد مثل هذا الصَّرح، ولا البناء الثابت المستقر، ولا الكوزموس «فنظام الكون، في أحسن الأحوال، لا يعدو أن يكون مثل كومة نفاية تَبعْثَرت بالصدفة» وهذه واحدة من أقواله. لقد تصوَّر العالم ليس كَصَرْح، وإنما بالأحرى كعملية واحدة هائلة جبارة؛ ليس كمحصِّلة كلّية لجميع الأشياء، وإنما بالأحرى مجموع كل الحوادث، أو التغيّرات، أو الوقائع. «فكل شيء في تغيّر متواصل ولا شيء ثابت»، إنه شعار فلسفته.

ولقد أثّر اكتشاف هيراقليطس في تطور الفلسفة اليونانية لفترة طويلة من الزمن. إذ يمكن أن توصف فلسفات بارمنيدُس، وديموقريطس، وأفلاطون، وأرسطو على نحو مناسب كمحاولات لحلِّ مشكلات تغيّر ذلك العالم الذي اكتشفه هيراقليطس. ولا يمكن أن نغالي في تقدير عظمة هذا الاكتشاف، فلقد وُصِفَ بأنه اكتشاف مروِّع، ويمكن مقارنة تأثيره بتأثير «زلزال، يبدو فيه كل شيء وكأنه يترنّح» ولا يداخلني شكّ في أن هذا الاكتشاف كان نتيجة للتجارب الشخصية المروِّعة التي عانى منها هيراقليطس من جرّاء الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في عصره. وكان هيراقليطس أول فيلسوف يتعامل ليس فقط مع «الطبيعة»، وإنما أكثر من ذلك مع المشكلات الأخلاقية والسياسية التي خَبِرَها في عصر الثورة الاجتماعية. وكانت الأرستقراطية القَبَلية اليونانية، في عصره هذا قد بدأت تُذعِن للقوّة الوليدة للديموقراطية.

ولكي نفهم تأثير هذه الثورة، علينا أن نتذكَّر رسوخ وصلابة الحياة الاجتماعية في ظلِّ الأرستقراطية القَبَلية. فلقد كانت الحياة الاجتماعية محكومة بمحرَّمات اجتماعية ودينية، وكان لكلِّ شخص مكانه المحدَّد في البناء الاجتماعي الكلّي، ويشعر كل شخص أن مكانه هذا مناسب، فهو المكان «الطبيعي»، الذي وضع فيه من قبل قوى تحكم العالم، كل شخص «يعرف مكانه».