صفحة 1
توطئة
إنّ الحديث عن التجربة النقدية والفكرية، بالنسبة لي، مشوب بالحذر المعرفي، فكل حديث ينصرف إلى وصف التجارب الذاتية يجد نفسه متورّطا في خضمّ سلسلة من الادّعاءات التي لا تملك براهينها، وذلك حينما ينطلق من افتراض عام هو استقرار تلك التجارب وثباتها، وهذا أمر لا أستطيع أن أدّعيه، كون التجارب الفكرية يجرى تشكيلها بفعل مؤثّرات كثيرة، وهي مفتوحة على آفاق لا نهائية، وليس من الصواب وضع نهايات قطعية لها؛ لأنها ستضيق بنفسها، وتتعطل فاعليتها المعرفية إذا ما قيّدت بمرجعيات تفترض الثبات المطلق، فكل تجربة تغتني - رؤية ومنهجا- بالحوار والتفاعل والتواصل، ولا يصح الحديث إلا عن مسار متحوّل وأطر عامة تروم تجديد ذاتها لتواكب عمليات التحديث المعرفي في الفكر الإنساني·
في ضوء ذلك لا يجوز الحديث عن تجربة نقدية مكتملة، إنما الالتفات إلى جملة من الأفكار والرؤى والموضوعات المتغيّرة التي انتظمت في نسق فكري معين، وجرى خلالها الانشغال بجملة من قضايا السرد· وأقول- بكثير من التردّد- بأنّ الخيط الناظم للنشاط النقدي الذي مارسته هو العمل المنهجي بمعناه العام، فقد اهتديت به للتنقل بين التجارب الإبداعية ممثلة بالسرد العربي القديم والحديث من جهة، والفكر العربي والعالمي بجوانبه الفلسفية والنقدية من جهة أخرى· ولا أخفي أنّ هذا التنقل بين هاتين المنظومتين طوّر لديّ تصورا للنقد من كونه ممارسة أدبية غايتها تحليل النصوص الأدبية، وكشف جمالياتها، واستنطاقها، وتأوليها، إلى ممارسة فكرية، غايتها كشف الظواهر الثقافية وتفكيكها، وبيان تعارضاتها الداخلية، وآثارها في الفكر والمعرفة· وانتهى بي إلى الربط بين السرديات والمركزيات الثقافية؛ فكل تمركز حول الذات العرقية أو الدينية، أو الثقافية، إنما يقوم على التصديق بسرد يرفع من شأن الذات على حساب الآخر، وينزع عنها التسامح، ومجمل أعمالي النقدية ترتبت في فلك التمثيل السردي، سواء أتصل ذلك بالمتخيلات السردية القديمة والحديثة أم بالمركزيات الثقاقية والدينية والعرقية التي هي سرود ثقافية متحيّزة·
إن كثيرا من الأفكار والآراء المتناثرة في صفحات هذا الكتاب تكوّنت بمرور الزمن، وجرى تصحيحها، وتنقيحها، وتعديلها، كلّما اقتضى الأمر، فلا قيمة لأفكار لا تخضع للمراجعة والنقد والتدقيق، ثم وجدت لنفسها مكانا في بعض كتبي وبحوثي، وصار من الصعب تقصّيها لأنها متناثرة في طيات المؤلّفات التي طُبعت في أماكن متعدّدة، وظهرت في أوقات متفاوتة، وقد وجدت من المناسب جمع ما تفرّق منها في بعض المحاورات التي أجريت معي، وانتقيت من بين كثير منها بعض ما أجري بين الأعوام 1995و2010 لأنها واكبت اهتمامي بالمسائل المنهجية، وبكيفية تطوير مفهوم التمثيل السردي الذي أعدّه ركنا اساسيا في سائر عملي النقدي، فربما تكون كاشفة لجوانب مما لم يظهر في كتبي الأخرى، أو داعمة لما ظهر منها·
ضمّت هذه المحاورات معظم ما شغلني من أفكار خلال تلك المدة، على أنه من الضروري الاعتراف، بأن معظم هذه الحوارات كان شفويا وأجري في بلدان متعددة، وفي سياقات متباينة، وغالبا ما كنت اشترط أن ترسل إلي المسوّدات لمراجعتها، وتحريرها، فالكلام الشفوي لاينطوي على دقة الرأي المكتوب، وبخاصة بعد أن ظهر لي أن كثيرا من الآراء أخذ باعتباره مواقف نقدية في بعض المصادر الأكاديمية، وجرى الاعتماد عليه في سياق تحليل وجهة نظري في السرديات أو المركزيات الثقافية، فكنت أقوم بتحرير المحاورات في ضوء الأسئلة المطروحة، فاتخلّص مما آراه من نتاج المشافهة المتعجّلة، وأوسّع ما أجده مكثّفا، أو اختصر ما أراه إطنابا غير مفيد، وفي كل ذلك كنت استعين بما أكتبه، أو كتبته، فظهرت فقرات كثيرة مما ورد في مؤلفاتي في بعض هذه المحاورات، كما جرى دمج فقرات منها في مؤلفاتي، وفي الحالتين، فقد كتبت كلّ ذلك بنفسي وراجعته، وهو يعود إليّ، وجرى إدراجه في المكان المناسب الذي ظهر فيه· وندر أن رفض المحاورون ذلك، فقد تفهموا حرصي على ظهور الأفكار بطريقة وافية ومُدقّقة، وعلى هذا فتضمّ هذه المحاورات جملة من الأفكار التي شغلت بها، وجرى صوغها في ضوء النتائج اللاحقة التي توصلت إليها، وقد يلمس تكرار هنا أو هناك في بعض المحاورات·
وتنبغي الإشارة إلى أن هذه المحاورات غير متسلسلة في تواريخها، فلا غرابة أن يعنى كل منها بأمر ما له صلة باهتمام المحاور أو باهتمامي، أو يقع اهتمام بأمور جرى ذكرها في كتاب أو بحث أو ندوة، والغالب فيها هو موضوع السرد، والتوسّعات الخاصة به، وقد وجدت أن بعض الأفكار بحاجة إلى إعادة نظر في سياق إعداد هذا الكتاب للنشر؛ لما وجدته فيها من غموض أو اختزال من جهة، واسترسال غير مستحبّ من جهة أخرى· وكنت راغبا في حذف المقدّمات التي كتبها المحاورون لأنها تتضمن تعريفا أقرب إلى أن يكون تقريظا مما لا أحبّ وجوده في مطلع كلّ حوار، لكنني تحرّزت من حذفها، لأنها لا تعود إليّ إنما للمحاورين، فأبقيتها على مضض منّي، على الرغم من أنها لا تؤدي غرضها في سياق الكتاب، كما أدّته في سياق نشرها أول مرة·
صفحة 2
موقف الإسلام من السرد
حوار: إياد الدليمي وأبو طالب شبوب
من مدينة النار الأزلية، من كركوك العراقية، جاء عبدالله إبراهيم، حاملا أكثر من وجهة نقدية وفكرية ساعيا إلى إعادة قراءة النصوص القديمة والحديثة، متوسّلا بالنصوص وصولا إلى الحقائق الرمزية، سالكا طريق التحليل، وتفكيك تلك النصوص بعيدا عن أية وجهة نظر مسبقة قد تؤدي إلى وقوعه في شراك الانحياز، أو تقديم تلك النصوص بطريقة تفضل هذا على حساب ذاك· لم يقرأ عبدالله إبراهيم النصوص القديمة والحديثة كما قرأها آخرون، ومن هنا جاء تميزه· لقد فهم النص فهما لم يشاركه فيه إلا القلائل من المفكرين والنقاد العرب، ورغم ذلك وقف حذرا، فهو يرفض، رغم كل ما أوتي من قوة حجة وفهم لتلك النصوص، أن يصدر عليها أية أحكام، ويعتقد أن مهمته هي تقديم النص وتفكيكه وتحليله بعيدا عن الأحكام·
- من أفكاركم اللافتة القول بأن الإسلام تحوّل إلى معيار قيمة في الحكم على الموروث السردي القديم، فما وافقه استُبقي وما خالفه استُبعد، هل ترى بأننا خسرنا جزءا مهما من ذلك الموروث؟
- إذن نحن نبدأ بقضية مهمة جدا، قضية إشكالية، فحينما تصبح العقيدة الدينية دعامة للمؤسسة السياسية، فإنها تقوم باجتثاث الموروث الروحي والعقلي الذي سبقها، وهو أمر ينسحب على المؤسسات القائمة على الإيديولوجيات أيضا، ونجد له تجليات لا تحصى في العصور القديمة والحديثة· يوصف الماضي عند الأديان والأيدلوجيات بأنه مرحلة فوضى فيما تكمن الحقيقة المطلقة في العقيدة أو الأيدلوجية الجديدة· وبظهور الإسلام على أنه مؤسسة دينية - سياسية فقد سعى لجبّ ما قبله من العقائد والأخلاقيات، وكانت المرويات السردية الجاهلية تمثل ما امتلكه العرب من عقائد وثقافات وأساطير، نقض الإسلام الحامل(المرويات السردية) والمحمول (العقائد القابعة فيها)، وبذلك اقترح وظيفة دينية للقصّ، ونفي ما يتناقض معها·
- كيف وقع ذلك؟
- تلك حكاية طويلة ومريرة، فقد أدّى الانعطاف التاريخيّ، الذي مثله ظهور الإسلام، إلى إقصاء الجانب الأساس من المرويّات السرديّة الجاهليّة؛ لأنها استثمرت وقامت بتمثيل العقائد القديمة، أي أنها عبّرت عن البطانة الدينيّة للمجتمع الجاهليّ· أمّا الأجزاء التي وصلتنا، فمثّلت الجانب الذي أذعن لضغوط الدين، واستجاب له، فتكيّف معه بأن انطوى على مواقف اندرجت في خدمة الرسالة الدينيّة· وهذه العمليّة المزدوجة من الاستبعاد والاستحواذ عطّلت أمر البحث الموضوعيّ في أصول المرويّات الجاهليّة، وطبيعتها، بوصفها مرويّات كاملة الصياغة، ليس فيما يخصّ العصر الجاهليّ، بل في الثقافات الشفويّة كافّة، ولعل أكثر المداخل عمليّة وفائدة في فحص طبيعة المرويّات السرديّة الجاهليّة، أن يتّجه البحث إلى السمات الأسلوبيّة، والتركيبيّة، والدلاليّة، للنثر القرآنيّ والنبويّ باعتبارهما صورة ممّا كان شائعًا من تعبير نثريّ آنذاك·
أدّت تلك التحوّلات إلى انكسار شديد في زاوية الرؤية، إذ انتقل الموروث الثقافيّ من وسط جاهليّ كثيف إلى وسط إسلاميّ شفاف وكانت درجة الانكسار كبيرة بين الوسطين، الأمر الذي أدّى إلى إعادة إنتاج المأثورات القديمة أو إقصائها بما يوافق الوسط الجديد الذي اقتضت رؤيته للعالم بأن ينتخب ما يمتثل لتلك الرؤية، ويستبعد ما يؤثر سلبا فيها· طبعت التناقضات التاريخيّة-الدينيّة مظاهر التعبير السرديّ بطابعها المتحول؛ لأنه كان حاملا لمنظومة قيميّة مغايرة، فجاءت الرسالة الإسلاميّة لاستبعادها، أو امتصاصها، فأقصي الحامل كما أقصي المحمول·
- هل توافق الرأي القائل بأننا خسرنا جزءًا هائلا من الموروث الثقافي؟
- لكي نعرف ما استبعد ينبغي أن نعبر حاجزين صار من المتعذر علينا عبورهما من ناحية واقعية، هما القرآن الكريم، والتدوين· جاء القرآن على وفق التفسير الرسمي بديلا للفوضى السابقة، فحجز بيننا وبين معرفة حقيقة ما كان قبل ذلك، ثم بدأ عصر التدوين في ظل المؤسسة الدينية فاستبعد ما لا يتوافق وشروط الإمبراطورية الإسلامية· قام التدوين بعملية تنقية للموروث القديم، وصفّاه من العقائد والأديان· ومعلوم بأن عقائد الأولين وصفت بأنها أساطير، وجاء القرآن على ذكر نُبذ منها في سياق الذمّ والانتقاص· تمركزت دلالة أساطير الأوّلين حيثما وردت في سياق الخطاب القرآنيّ، حول معنى محدّد، هو أحاديث الأوّلين، وأخبارهم الكاذبة التي سطّروها، وليس لها حقيقة، وأباطيلهم، وأسمارهم التي كُتبت للإطراف والتسلية حيثما ورد ذكر لأساطير الأوّلين ارتسم أفق الذمّ، إنها أباطيل ينبغي محوها، والتخلّص من ضررها، لأنها تذكّر بحقبة تاريخيّة انتهت·
صفحة 3
- بكم تقدر الخسارة عمليا؟
- يقول الفضل الرقّاشي، وهو أشهر قُصّاص البصرة في القرن الهجري الثاني ما تكلّمتْ به العرب من جيد المنثور أكثر ممّا تكلّمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عُشره، ولا ضاع من الموزون عُشره لا يؤكد الرقاشي قدم المرويّات السردية، فحسب، إنما يؤكد الحقيقة المرّة، وهي ضياع تسعة أعشارها، وبالمقابل جرى حفظ تسعة أعشار المرويّات الشعرية· تلاشت المرويّات السردية في الفضاء الشفويّ الواسع لأسباب منها حوامل لعقائد الجاهليّين الوثنية، ومنها قصور الوسائل الكتابيّة، ومنها سيادة التقاليد الشفويّة·
وإذا خُصّ الحديث بالمرويّات السرديّة الجاهليّة، فالأمر يزداد التباسا، بسبب التداخل اللانهائيّ بين النصّ القرآنيّ بوصفه نثرًا، وضروب النثر الأخرى التي عُرفت آنذاك من جهة، وبين الرسول بوصفه نبيًّا ومحدّثًا وخطيبًا وطائفة كبرى من المتنبئين والقصّاص والخطباء، ويزداد ذلك التداخل اشتباكًا إذا أخذنا في الحسبان شيوع الروح الدينيّ والتنبؤيّ في الأدب النثريّ عمومًا في تلك الحقبة، كما يدلّ عليه القرآن، والحديث، والشذرات المتناثرة التي وصلت إلينا من النثر المنسوب إليها· يضاف إلى كلّ ذلك، إستراتيجيّة الإقصاء والاستحواذ المزدوجة التي مارسها الخطاب الدينيّ تجاه مظاهر التعبير النثريّ المعاصرة له، أو تلك التي سبقته، ففي عصر شفويّ التراسل كالعصر الجاهليّ، تزداد احتمالات التداخل بين الخطابات الشفويّة، ويذوب بعضها في بعض، وتتمازج، وتمتثل لنسق ثقافيّ واحد، ويعاد إنتاجها في صور مختلفة طبقًا لمقتضيات الرواية الشفويّة، وحاجات التلقّي، وأيدلوجيا العصر الذي تظهر فيه المرويّات، أو تعاد فيه روايته· ما وصل إلينا وتم تداوله هو ذلك الذي توافق تماما مع المؤسسة الوليدة، أو اختلق ليعطي للأصول الدينية مشروعية دينية، فإذا كانت الرواية الرسمية أن العصر السابق للإسلام قد امتلأ بالتنبؤات الداعمة للظهور الإسلامي، فقد اختلقت المرويات لتوافق هذه الرواية الرسمية للتاريخ·
- لكن الدراسات التاريخية تقول أن أقدم النصوص المكتوبة تعود إلى قرنين فقط قبل الإسلام، كما أن هذه المنطقة لم تكن تتحدث أصلا بعربية قريش، فكيف نحمّل المرحلة الإسلامية وزر إعدام شيء غير موجود؟
- يصح هذا الكلام لو اعتبرنا أن النسق الكتابي هو الوحيد الذي يعطي المشروعية للسرد، لكن النسق الكتابي لم يبدأ إلا بعد قرون من ظهور الإسلام، فلا ينبغي اعتباره الشكل الضامن لمشروعية السرد· ما وصلنا تم تدوينه حسب شروط المؤسسة الدينية الجديدة· ينبغي الحذر من الظن بأن عدم وجود كتابة يعني عدم وجود موروث، ثمة موروث هائل اصطلح عليه القلقشندي أوابد العرب وهي مجموع عقائدهم وخيالاتهم وخرافاتهم التي جبّها الإسلام· لكل أمة أو جماعة عقائد ومتخيلات تمثلها سردياتها، وبها تصوغ هوياتها، وما تسرب من الإسرائيليات، والأخبار، وأيام العرب، فقد كبحها الإسلام بوصفه مؤسسة، ولكن أعيد إنتاجها بعد قرون ضمن شروط المؤسسة الجديدة· إن المدونات التاريخية الكبرى التي تركها الطبري، والمسعودي، وابن الأثير، وكبريات مدونات التفسير التي خلفها ابن كثير، والطبرسي، تعوم فوق السرديات الإسرائيلية·
لم تطوّر الثقافات الشفويّة ظروفا تسهم في حماية نصوصها الأدبيّة، وهي لا تستطيع ذلك؛ لأن تلك النصوص رهينة التداول الشفويّ الذي يتعرّض لإنزياحات، واقصاءات كثيرة· وغالبا ما تُدمج النبذ المتبقية من نصوص متماثلة في الموضوع والأسلوب، فتظهر من تلك الأمشاج نصوص جديدة تسهل نسبتها إلى هذا أو ذاك، وتخضع لروح العصر الذي تُعرف فيه· ويظهر الراوي بوصفه وسيطا بين جملة من النصوص ومتلقّيها، والنصوص القديمة، بما فيها الدينيّة، تمنح الوسيط (النبيّ/الراوي) مكانة مهمة، فهو يوصل بين قطبين: مصدر النصّ- وغالبًا ما يكون مجهولاً، وفي النصوص الدينيّة إلهيّا- ومتلقّيه، وهذا المتلقّي يكون جمهورا قبليّا، أو طائفة دينيّة، أو نخبة في مجلس، أو فردا مخصوصًا، فقوة التواصل الشفويّ بين الوسيط والمتلقّي هي التي أكسبت المرويّات السرديّة الجاهليّة دلالاتها، وأهميتها، ووظائفها؛ لأنها أدرجتها ضمن سياق تداوليّ شفويّ، فلا يمكن تثبيت صورة نهائيّة للمرويّات الشفويّة لكونها نهبا للألسن، وتتغيّر تبعًا للإسقاطات الخاصّة بالراوي وبيئته وعصره، والظروف المرافقة لروايته·
- كيف إذن يستقيم القول بأن المرويات السابقة جرى إعدامها بينما لدينا نص نبوي بخصوص الإسرائيليات يقول بعدم تصديقها ولا تكذيبها؟
- أنتم تشيرون إلى حديث الرسول حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وهو الحديث الذي اختلف الفقهاء والمحدثون حول قصد الرسول فيه· ويرجّح جواز رواية الإسرائيليات التي تعنى بأخبار الخلق، والجنة، والطوفان، والأنبياء، والرسل، وقد استفحل أمرها عند الثعلبي، والكسائي اللّذين خصّاها بكتب سمّيت بقصص الأنبياء، وكانت تطوّرت من أخبار قصيرة، منسوب معظمها إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وعبد الله بن سلاّم، إلى مرويّات مستفيضة حول بدء الخليقة، والنزول من الفردوس، وما جرى للأنبياء من مآسٍ في أقوامهم· جردت الإسرائيليات من محمولاتها، فأصبحت داعمة للمؤسسة الإسلامية، ومدشنة لها، وليس على أنها كيان مستقل يختص بعقيدة أخرى·
- لدينا نصّ نبوي واضح بعدم مسّ الإسرائيليات؟
- لا يمكن استنباط حكم نهائي من الحديث المذكور، ولم يتفق القدماء على الإطلاق بشأنه، وأنا أرجّح الجانب الاعتباري فقط من روايته· ولكن لا ينبغي إغفال السياق التاريخي لظهور الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية· يرى ابن خلدون أن بني إسرائيل كانوا على عقيدة، ودخل بعضهم الإسلام، فتخلو عن عقائدهم وتبنوا العقيدة الجديدة، لكنهم لم يتخلوا عن ذاكرتهم الجماعية التي اعتبرت رصيدا رمزيا لهم· ما وصل هو أخبار جرّدت من أبعادها الدلالية وغلّفت بمعاني ودلالات داعمة وممهدة للعقيدة الإسلامية·
- لكننا نلاحظ أن ما كان متصلا بالجاهلية قد تم إعدامه، أما ثقافات أهل الكتاب فكانت النظرة الإسلامية إليها قائمة على الاحترام والتقدير·
صفحة 4
- يتصل ذلك فقط بمفهوم التوحيد في اليهودية، وعقائد الشرك في شبه الجزيرة العربية، ولم يتعاط الإسلام بالدرجة نفسها بين الاثنين· ففيما يخص التوحيد لم ينظر الإسلام نظرة عمياء إلى الماضي، ولكنه مارس عنفا مفرطا بحق مبدأ عبادة الأوثان، وأصرّ على اجتثاثه· فكرة التوحيد، التي مثلها أهل الكتاب، كانت موجودة في الديانات السابقة، ففي الديانة الموسوية كان الإله مجسدا، فإله اليهود يهوه تراءى للمؤمنين بالتوراة على أنه ملك عابس منحاز لبني إسرائيل، وبمجيء المسيحية ارتقى التوحيد درجة فأصبح الإله مزيجا من التجريد والتجسيد، فعيسى عاش وقتل في فلسطين، لكن اللاهوت الكنسي بتأثير الفلسفة اليونانية، ومبدأ اللوغوس وضعه في مصاف الإله، فصار مزيجا من إله وإنسان في المعتقد المسيحي الرسمي، وبذلك ارتقى التوحيد درجة عن التشخيص القديم، وبمجيء الإسلام تم الوصول إلى التوحيد المطلق حيث لا يمكن أن يجسد الله بصفات عيانية، أتمّ الإسلام فكرة التوحيد التي انبثقت في الأديان الطبيعية الأولى ثم ارتقت درجة مع اليهودية ثم المسيحية، وأخيرا الإسلام ، كل ما يتصل بأهل الكتاب يندرج في هذا السياق·
- ألا ترى بأن عدم تبنّي الإسلام للكتابة أدى إلى القضاء الموروث القديم·
- الرسالة الإسلامية في جوهرها رسالة شفوية، وكلام الله هو أكثر تجليات الشفاهية في التاريخ، كلام الله متن شفاهي حمله جبريل وأوحى به للنبي محمد، وبالتدوين استقرّ في المصحف، لعبت الكتابة دور الحافظ للكلام الشفوي، والفكرة ذاتها انتقلت للحديث النبوي· وأصبح الإسناد داعما لمشروعية المشافهة، فيؤكد على هيمنة النسق الشفوي في التعبير والتفكير· لا يمكن القول إن الإسلام جاء لنقض المكتوب، لأنه، الممثل الأكبر للحالة الشفوية·
أورد الأشعري تعريفا للكلام، بأنه معنى قائم بالنفس ولما كان القرآن كلام الله، فهو إذن معنى قائم بنفسه، والكتابة رسوم تدلّ عليه، وليس بموجود معها نفي الكتابة عن القرآن، وتخريج مفهوم كلام الله استنادا إلى الفصل بين المعنى القديم الجاهز، والمبنى المُحدث المتلفّظ به، قضيّة جوهريّة عند الأصوليّين، فالكتابة، اصطلاح بشريّ محدث، والقرآن معنى قديم كامن في نفس الله، ولا يجوز إلحاقه بها؛ لأنها رسوم تحيل عليه؛ ما تؤدّيه الكتابة أنها تعمل على تقييد الألفاظ بالرسوم الخطّيّة لأنّ مادتها الألفاظ الكتابة تحيل على لفظ، وهذا اللفظ يحيل على ملفوظ هو المعنى الخالد في النفس الإلهيّة· وقع فصل حاسم بين الكتابة ومحمولها المعنويّ الخالد· انتزعت الشفاهيّة شرعيّتها الثقافيّة من الدين؛ فالترابط بين التراسل الشفويّ والممارسات الدينيّة ظهر في عصر الرسول·
- إذا كان هذا الافتراض صحيحا، فكيف نتعامل مع الأحاديث التي تحثّ على القراءة وتعلّم الكتابة، بل إن هنالك تكليفات نبوية لبعض أصحابه بتعلم لغات معينة، هل يتفق هذا كله مع قولكم إن الإسلام كرّس الشفوية؟
- إذا أردنا أن ننبش في الاستثناءات فسوف نحصل على أدلة تثبت دعاوى متناقضة في كل النصوص الدينية، أتكلم في هذا السياق عن نسق شفوي كلي مهيمن على بنية الثقافة، لا عن معرفة أفراد معدودين للكتابة والقراءة· ورد عن الرسول قوله لا تكتبوا عنّي شيئا سوى القرآن، ومَن كتب عنّي غير القرآن فليمحه، ولما استؤذن أن يدوَّن حديثه، قال مستنكراً أكتابا غير كتاب الله تريدون؟ ما أضلّ الأمم من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله، وورد عنه قوله إنما ضلّ من كان قبلكم بالكتابة
هذه باقة مختارة من الأحاديث التي تكاد تغصّ بها الكتب القديمة، صحيحة وموضوعة، وهي ترسم أفق انتقاص للكتابة التي بشيوعها ينتهك ما ينبغي صونه: وهو كتاب الله، حيث تحظر المنافسة· الكتابة تفضي إلى ظهور منافسة تحول دون التفرّد؛ فالأمم السابقة ضلّت لأنها كتبت· كتب البشر تسبب الضلالة لأنها توهم الناس بأنها نظير كتب السماء· ولتجنّب ذلك ينبغي وقف أية محاولة· لماذا ضلّت الأمم من قبل؟ لأنها خلطت بكتبها المنزّلة كتبَها المؤلّفة· لا يسمح، في التجربة الإسلاميّة، تكرار الخطأ مرّة أخرى· ينبغي التحذير الكامل من إمكانيّة الوقوع في ضلالة جديدة· هذا ما يمكن استخلاصه من تلك الأحاديث· وما لبث أن تكرّس موقف لاهوتيّ يقول بأميّة الرسول درءٌ لتهمة الأخذ عن كتب السابقين من الرسل، فتقرر معنى الأميّة بجهل القراءة والكتابة، وجرّد معناها من الدلالات الدينيّة التي كانت شائعة في عصر النبوة·
- إذن كيف تكرّست الشفاهية؟
- تدرّجت بمرور الزمن، ابتداء من الكلام الإلهيّ الذي هو معنى في نفس الله، مرورا باللفظ الذي يحيل عليه، وصولا إلى تقييد ذلك اللفظ كتابة· وتزامن ذلك، ممارسة وجدلا، مع تسويغ أميّة الرسول، وذمّ الكتابة، وإعلاء شأن السمع والحفظ· هذه هي الصورة التي تكرّست بها الشفاهية، وهي توضح أنها نفحت بقوة دينيّة، فمنحت سمة شبه مقدّسة، أصطلح عليها شخصيا القداسة بالمجاورة، فما جاور المقدس يكتسب صفة القداسة·
- لو كانت الأمية شرفا، كما تقول، لتباهي بها الخلفاء الراشدون، وهم الأقرب إلى فكر النبي، لكن هؤلاء كانوا كتبة· فهل أخطأوا جميعا شرف الاقتداء بالنبي؟
- أتحدث هنا عن أمّة لا عن أفراد معدودين، فأنا معنيّ بالأنساق الكبرى لتداول الأفكار، وضمن النسق الشفوي وقع تداول الإسلام، ولطالما رفض أن يدون القرآن على الجلود والصخور لأن مكانه القلوب المؤمنة الطاهرة، والألسنة التي تتداوله مشافهة، وظل هذا التقليد راسخا إلى عصور متأخرة، بما في ذلك الحديث النبوي·
صفحة 5
- أنت تتحدث عن استثناء في التاريخ الإسلامي، ذلك أن الأمية لم تكن شرفا إسلاميا بالمرة، فالدين الإسلامي يحثّ على القراءة والكتابة·
- لا تمكننا الشذرات المنتزعة من سياقاتها على تأكيد هذا القول إلا بوصفه دعوة للتعلم، لكن بنية العقيدة، وطريقة نزولها، وكيفية نشرها، وتداولها، وتدوينها أخيرا في مصحف باعتباره حافظا لكلام الله الشفوي، يظهر لنا الخلفية الشفوية للحدث الإسلامي بأجمعه· ليس من المفيد للثقافة الإسلامية اختزلها بقول أو قولين، فحينما نستعيد تلك التجربة الثقافية الكبيرة، وكيفية تبلور ملامحها، نجد أنها عامت كلها على نسق شفوي من التداول، ولا سبيل لإنكار ذلك، لا يصبح الشذوذ قاعدة، ولا ينبغي·
- هل هنالك ما هو أوضح من ابتداء القرآن الكريم بلفظ اقرأ؟
- دعوني أوضح هذا الأمر بالتفصيل لأن اللّبس قائم فيه· لقد خرّج الغزاليّ أميّة الرسول على أنها عدم القدرة على قراءة الكتاب البشريّ، لمُكنته من قراءة الكتاب الإلهيّ، لا مقارنة إذن بين الاثنتين، فالحقائق الخالدة لا توجد في كتب البشر الفانية، إنما في كتاب الله، وذلك كتاب يعرف الرسول وحده قراءته· أمر جبريل الرسولَ أن يقرأ في الآية الأولى من سورة العلق قائلاً اقرأ باسم ربك الذي خلق، فاعتذر الرسول ما أنا بقارئ فَهم المفسّرون ذلك بعدم قدرته على القراءة· وهذا معنى مباشر للكلمة لا ترجّحه سياقات ذلك العصر، فمراد جبريل هو أن تتولى التبشير بالقرآن، أي استخراج الوحي من القلب وقراءته بالصوت باسم الله، أي نيابة عن الله·
ولدينا تأكيدات قرآنية كثيرة على ذلك، فقد وصف القرآن الرسولَ في سورة الأعراف بـأنه النبيّ الأميّ، قال تعالى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}· لكن الآية الثانية من سورة الجمعة أوضحت القصد العامّ من ذلك الوصف، حينما دفعت به إلى منطقة دلاليّة لا يفهم منها معنى الجهل بالقراءة والكتابة· قال تعالى {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأميِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}·
لا يخفى الفرق بين أن يوصف نبيّ بـأنه أميّ وأن يوصف قومه كافّة بـالأميّين، فذلك من المحال، إنما الكلّ يفسر الجزء، فالوصف يحمل دلالة أخرى، إذ هو نعت لذلك النبيّ الذي بعث لغير بني إسرائيل، لأنه، وطبقا للمرويّات التوراتية، لم يظهر نبيّ من غير بني إسرائيل· معنى أمي وأميين وأمم، يشير، في التراث العبرانيّ، إلى كلّ الأمم ما خلا اليهود، فدلالة الأميّ في القرآن تحيل على نبيّ من العرب أرسل إلى قوم من غير اليهود، فلم يكن لا هو ولا قومه من بني إسرائيل، كما كان شائعا من قبل في تقاليد ظهور الأنبياء والرسل· ولا يرشح من كلّ ذلك معنى الجهل بالقراءة، كما شاع في الثقافة العربيّة-الإسلاميّة·
- إذن، هل ثمة خلاف حول موضوع أمية الرسول؟
- أظن أنه آن الوقت لإعادة النظر بالفكرة اللاهوتية الشائعة حول أميّة الرسول، ومراجعة مفهوم الأمية الذي كان يحيل على معان غير المعاني الشائعة في العصور الحديثة، فالتطوّر الدلاليّ للألفاظ ترك خلفه سيرة شبه مجهولة من المعاني المطمورة، لكثير من الكلمات· ولم تعنَ العربيّة بمعجم دلاليّ يتتبع معاني الألفاظ، وتحولاتها، ويكشف المتروك منها، ويبيّن المهجور، فيُظن بأن المعنى الشائع هو المعنى الأصل منذ ظهور الكلمة· على أن الأميّة، بالمعنى الحاليّ، لم تكن مَنقصة في عصور المشافهة الأولى، بل كانت فخرًا، ومباهاة، فالنسق الشفويّ صاغ الثقافة صوغا شفويّا، ولا يعرف عن كثير من كبار شعراء الجاهليّة معرفتهم القراءة والكتابة، وهم وسواهم من الخطباء، والقصّاص، سبكوا نسيج اللغة العربيّة، وأقاموا صرح فصاحتها، وكانوا ينهلون من ذخيرة الألفاظ في عصرهم، ويتداولون بها أفكارهم، ويعبّرون عن أنفسهم، فطوروا أساليبها، ودلالاتها، وظهر النبيّ في وسط هذا المحيط الشفويّ، فلا مَنقصة، بأيّ معنى من المعاني، إلاّ يكون قد عرف القراءة والكتابة، فلم تكن بعدُ قد رسخت أهميتها، ولا يصحّ إسقاط مفاهيمَ ثقافيّة تعود لمرحلة تاريخيّة لاحقة على مرحلة سابقة·
صفحة 6
الكتابة ممارسة ممتعة،لا أتكلّفها، ولا أسترضي بها أحدا
حوار: منى سعيد
مع نتاج نقدي وفكري استغرق نحو ربع قرن، ظهر في أكثر من 15 كتابا وعشرات من البحوث والدراسات النقدية والتاريخية والفلسفية، ينبغي عليّ القول بأنني كدّت أفقد بوصلتي، وأنا أحاول مناقشة، وعرض، أفكار، ووجهات نظر المفكّر والناقد العراقي عبد الله إبراهيم، فهي بمجملها متاهة مترامية الأطراف يصعب الإلمام بها، ففيها النقد السردي الموسّع ممثلا بكتابه الكبير موسوعة السرد العربي، وفيها التحليل الفكري الجريء للمنظومات الدينية والاجتماعية، ممثلا بنقده للمركزيات الغربية والإسلامية، وعالم القرون الوسطى في أعين المسلمين، الذي ظهر في أربعة كتب كبيرة تزيد على ألفي صفحة، وفيها الجوانب الخاصة التي لم يكشف عنها بعد بالتفاصيل، فما زال متكتّما عليها، وتمثلها سيرته الذاتية المخطوطة الضخمة، ونحو عشرة مجلدات من اليوميات التي تتوسّع يوما بعد يوم، وتغطّي أحداث أكثر من ثلاثة عقود ونصف من حياته وتاريخ العراق، فكان لابد لي أن أختصر وأكثف عبر الأسئلة المباشرة الآتية:
- في العام 2000 مررت بأزمة منهجية عسيرة، فكيف تصف ذلك؟
- تعلمين بأنني أُعددت إعدادا أكاديميا في مجال السرد الأدبي، وربما تكون أطروحتي للدكتوراه، وهي بعنوان السردية العربية هي أول أطروحة جامعية خصصت بكاملها لهذا الموضوع· ثم مارست عملي الأكاديمي لتدريس هذا التخصص منذ ذلك الوقت، ولي آراء فيه كثيرة، ومعظم مؤلفاتي كانت في ذلك الجانب· ولكن بموازاته انبثق لديّ اهتمام فكري أشمل، فانشغلت بممارسة نقد الظواهر الفكرية والدينية والاجتماعية· ومع نهاية التسعينات وجدت نفسي أعمل في حقلين مختلفين: نقد الفكر بمعناه الشامل، ونقد الأدب بمعناه الدقيق· فلم أعد أعرف أين أنا؟· فإن كنتُ غير قادر على التعرف إلى نفسي، فكيف يتعرّف القرٌاء عليّ؟!·
لا لوم عليهم إذا ما تركوا الاهتمام بالجانبين؛ وعزفوا عن قراءتي، لأني كنت قد انشطرت فعلا بين حقلين لا تبدو الصلة بينهما واضحة، فتوقّفت عن الكتابة، واصطلح على هذه الحقبة بـ الأزمة المنهجية فتأزّمت فكريا لأنني لا أدري في أي مجال أعمل· إلى أن انتهيت، وأنا مشغول بهذا الموضوع مدة طويلة، إلى طرح السؤال التالي: أليس كل مركزية، سواء أ كانت دينية أم عرقية أم مذهبية، قائمة على الأخذ بسرد مخصوص، أي الإيمان برواية معينة للماضي، وللذات، والآخر؟!· وقد كشف لي هذا السؤال جوهر العلاقة المتينة بين السرد والمركزيات الثقافية· وللتوضيح أضرب أمثلة دالة، فمن ذلك اعتقاد اليهود بأنهم شعب الله المختار، وإيمان المسلمين بأن ديانتهم هي خاتمة العقائد، وتصوّر الغربيين بأن حضارتهم هي أكمل الحضارات، ويمتد ذلك فيشمل المذاهب والأعراق والطوائف التي أخذت بسرد مخصوص يقول بالأفضلية، أي التمركز حول الذات، والانكفاء على النفس، فكل قوم أو معتقد، أو مذهب، أو قبيلة، يتوهم أنه الأفضل، وغيره هو الأسوأ·
ويعود ذلك إلى الأخذ بسرد يستجيب للرغبات المغلقة، وينكر على الآخرين وجودهم السوي والطبيعي في عالم لا يقبل في حقيقته إلا الشراكة، لكنه مملوء بضروب الاستبعاد والانتقاص والكراهية والذم، والحروب بكافة أشكالها وأسبابها· فارتسمت لي الصلة الواضحة بين السرد والمركزيات الثقافية، وحينما حُلّتْ هذه القضية شرعت في إعادة النظر بمشروعي النقدي والفكري من أوله، فعدّلت فيه بما يوافق هذه الرؤية الجديدة، إذ لم يعد السرد، بالنسبة لي، سردا أدبيا فقط، إنما هو سرد ديني، وتاريخي، وسياسي· وأصبحت المركزيات نفسها سرديات ثقافية مغلقة تحتاج إلى التحرير من أسوارها الافتراضية· ولم تلبث أن أصبحت الكتابة عندي ممارسة ممتعة، وجذابة، وشائقة، لا أعاني منها أي تكلّف، ولا أسترضي بها أحدا·
- في ضوء ما ذكرت، ما هي وظيفة النقد باعتباره ممارسة فكرية تحليلية كشفية استنطاقية، كما وردت ذلك في مقدمة كتابك المركزية الغربية
- لا أجد أن وظيفةً ما قد تعرّضت لسوء فهم عميق في الثقافة العربية القديمة والحديثة، كما تعرّضت له وظيفة النقد، فقد ظل واصفا للنصوص، وشارحا لها· فيما أجده ممارسة فكرية وجمالية تحللّ النصوص، وتستكشفها، وتستنطقها، بل وتطرح عليها أسئلة سواء أ كانت نصوصا دينية أم تاريخية أم أدبية، بحيث تزحزح وظائفها التقليدية، وتدرجها في سياق وظائف جديدة· وهذه، فيما أرى، هي الوظيفة الحقيقية للنقد، وليس وظيفته التلخيص، والترويج، وإطلاق الأحكام السريعة·
- لطالما كانت هناك شكوى دائمة من عدم مواكبة النقد لإبداع الكتّاب والشعراء فما هو تعليقك؟
- النقد نقدان: صحافي هدفه تعريف الجمهور بالنتاج الإبداعي، وهو لا يغوص في تضاعيف النصوص، إنما يهدف إلى تسليط الضوء عليها من أجل إثارة انتباه القراء حولها بما يدفعهم للاطلاع عليها أو حتى تكوين فكرة عامة عنها، فليس جميع القراء يرغبون في معرفة شؤون الأدب بالتفصيل· وهذا النوع من النقد مفيد لأنه يدرج الأعمال الأدبية في سياق الاهتمام العام، وأحيانا يقوم بتصفية تلك الأعمال وتنقيتها فيبرز المهم منها· أما النوع الثاني، وأنا معنيّ به منذ البداية، فهو الذي يستنطق النصوص، ويفكّك العناصر المكونة لها، ويستكشف أبنيتها، ودلالاتها، وجمالياتها· وهذا النقد هو الذي يدرج الأعمال في تاريخ الآداب القومية، ولا يعنى إلا بتلك الآثار التي اكتسبت شرعيتها الجمالية والدلالية·
صفحة 7
ولطالما جهر المبدعون بشكواهم من النوع الأول لأنهم يربطون كتاباتهم بأشخاصهم، ويبحثون عن ظهور مشترك في الإعلام معا، ولم ينتبهوا لأهمية النوع الثاني الذي يستبقيهم في الذاكرة ويخلّدهم في الآداب القومية العظيمة· كثيرون منهم مشغولون بالشهرة العابرة، والسريعة، ومعظمهم يفتقرون للبصيرة العميقة كونهم بُناةً لآدابهم القومية، إنهم يقلبون الحقائق كلية، فيريدون أن يكونوا الناطقين بلسان ما يكتبون، والصواب أن تكون كتابتهم هي الناطقة عنهم· ولهذا فمن الضروري عدم بذل اهتمام كبير بالكتّاب أنفسهم، إنما بما يكتبون، فهم زائلون، وهو باق إذا كان متوفرا على شروط الجودة الأسلوبية، والرفعة الفنية· ومن الضروري أن يتجنّب الكتّاب الاستسهال، فذلك يؤدي إلى انهيار قيمة القول الأدبي بأجمعه، كما يلاحظ ذلك في الثقافة العربية الحديثة·
- لكن الكاتب كائن نرجسي، ومن حقه الظهور والشهرة، أليس كذلك؟
- لا أبخس الكاتب حقّ الشهرة، لكنني أحذّره من الهوس المرضي بذاته وجعلها مركزا ثابتا للعالم، وأطالبه بجودة الأداء فيما يكتب، وإشباع الحالة الإبداعية التي يريد تخيّلها أو تصويرها، فالكفاءة هي التي توفر له الشهرة، بل الخلود في التاريخ، وليس الظهور السريع العابر في وسائل الإعلام التي تلتهم كل شيء، فلا ترتوي، وسرعان ما تنبذ المشاهير أنفسهم، باحثة عن سواهم، بعد أن أصبح هؤلاء حجر عثرة أمامها، لثبات أفكارهم وآرائهم ووجهات نظرهم· ولا يلبث هؤلاء أن ينزلقوا إلى خداع أنفسهم وخداع القرّاء متوهمين أنهم معاصرون دائما وأبدا، وينبغي تحذير الكتّاب من الوقوع في هذه المنطقة الخادعة، فكم وكم من الكتّاب الذين بذلوا المال من أجل شهرة زائفة سرعان ما خمل ذكرهم بمجرّد نفاذ أموالهم· هذا سلوك يتنافى وكل وعد حقيقي من وعود الكتابة· ولعل أفلاطون قد ناقش هذه القضية في إحدى محاوراته، وقال بأن الإنسان يبحث الاعتراف، ويريد أن يحظى بالتقدير في الوسط الذي يعيش فيه، وأعتبر ذلك أشبه بالغريزة، وسمّاها( التيموس) أي الرغبة الكامنة في أن يقع تقدير لعمل المرء من طرف الآخرين· وبعض الكتاب يكتنفهم هوس بالاعتراف، فيشبعون نرجسية شخصية، ولا يسعون لكتابة حقيقية·
- وهل ثمة مانع من أن يستأثر الكاتب بالأمرين معا؟
- من ناحية موضوعية ليس ثمة مانع، لكن قيمة الأديب ومكانته وشهرته ينبغي أن تنبثق من جودة عمله، وليس من حضوره الشخصي ولا من أسمه، لأن وسائل الإعلام تكرّس، أحيانا، متأدّبين لهم نفوذ وظيفي لا صلة له بالكتابة الحقيقية، فيرفع مستواهم إلى مصاف كبار الكّتاب وهم لا يستحقون ذلك، وإذا ما أخذنا بهذا واعتبرناه حقا شرعيا، فسوف يهيمن الأدب الرديء، أي الأدب الرخيص، فيما ينبغي أن يستأثر بالاهتمام الأدب الرفيع· لم يكن أحد على معرفة بهوميروس، أو شكسبير، أو أمريء القيس، إنما آدابهم هي رفعتهم إلى مصاف الشهرة العظيمة، فيما خبت أسماء زائفة بخبو حياتها·
- مازلت مصرّة على أننا نعيش في عصر وسائط الإعلام، نركن للانترنت والتلفاز بدرجة أكبر مما للكتاب، فما المانع من أن تظهر أعمال وأشخاص غير الذين أسميتهم بذوي النفوذ فيها؟·
- وما زلت أشدّد أنا على أن الاهتمام ينبغي أن ينصرف إلى الأعمال وليس إلى الأشخاص، لأن الأعمال هي الباقية فيما الأشخاص زائلون· ولست من المشجعين لترويج الأسماء الشخصية على حساب الكتابة· إنما أنا من المناصرين والداعين للاهتمام بالآثار الفكرية والأدبية، فهي التي يغتني بها الجمهور، ويهتم به، وينبغي أن نكرّس ثقافة واضحة ودقيقة لهذين الجانبين ونفكّ الصلة الملتبسة بينهما، إذ لا ينبغي الحديث عن أشخاص على حساب الحديث عن مؤلفاتهم·
- وما المانع في ذلك، فماركيز مثلا تحدّث حتى عن الوردة الصفراء التي يضعها على منضدته في أثناء الكتابة، وعن طقوس الكتابة لديه بأدق التفاصيل؟
- الذي يمنح الشرعية للكاتب ليس شخصه إنما عمله الأدبي أو الفكري، وماركيز اشتهر بعد روايته مائة عام من العزلة فمصدر شهرته كتابته المجيدة، وليس شخصه المجهول، فقبلها كان يعيش معوزا في باريس، هو وثلة من الموهوبين من أميركا اللاتينية، يتبادلون عظمة عجفاء يكررون طبخها بحثا عن قطرة من الدسم، فهو يستحق هذه الشهرة لأن مصدرها الكتابة· وهنا تصبح الشهرة الشخصية موضوعا مفيدا في حثّ الكتاب الآخرين للإقتداء بمثل أعلى هو ماركيز استأثر بالشهرة بسبب أعماله الأدبية، وليس العكس·
- هل يمكن للنقد أن يغير مسار التلقي لدى الكاتب أولا ثم القارئ؟
- من إحدى وظائف النقد الأساسية هي تغيير طريقة تلقّي الأعمال الأدبية والفكرية ، فقد كان ماركس يُقرأ في الإتحاد السوفيتي بطريقة تستجيب لمقتضيات النظرية الشيوعية بجانبها السياسي، فيما كان يقرأه العالم الرأسمالي بوصفه فيلسوفا ومُحللا اجتماعيا للطبقات وللتاريخ· والآن فإن النقد قد أعاد النظر بكثير مما كان يدور حول ماركس قبل قرن، وكذا الأمر بالنسبة لشكسبير، والمتنبي، ودانتي، فالنقد يغير مسار تلقّي الأفكار، ويقترح مسارات جديدة لها، وتلك وظيفة مهمة لأنه يقوم بتقليب صفحات التاريخ ويسلط ضوءا جديدا على نقطة لم يسلط ضوء عليها من قبل· والمثال الأكثر شهرة في عصرنا هو موضوع المركزية الغربية فالنقد لا يستطيع تخريب هذه المركزية ولا تقويضها إنما يستطيع أن يغير نظرتنا إليها، أي أنه يقترح مسارا جديدا للتعرّف إليها، مما يؤدي إلى انهيار قيمة مضمونها في نظرنا·
- هل استطعت بوصفك ناقدا من تغيير وجهة نظر كاتب ما نحو قضية معينة أو غيرت مسار تفكيره؟
صفحة 8
- مسار التلقي قضية أكبر من الكاتب والناقد، إنها زحزحة وظائف ثقافة معينة، واقتراح بدائل لها، وأنا لستُ مُعلّما، ولا توجد بيني وبين الكتّاب حوارات شخصية ومباشرة تقوم على النصح والإرشاد، إنما لدي حوارات معمّقة مع ما يكتبون، ولا أدري إن كانت آرائي قد أثرت سلبيا أو إيجابيا على قُراء آثارهم، فوقع تغيير في مسار تلقّيها عندهم· في الواقع أنا غير معني بتتبّع ما تحدثه أفكاري من آثار عند الكتّاب أو القرّاء، لكني معني أشد العناية بكيفية تحليل تلك الآثار، ونقدها، وإبراز قيمتها الفنية والجمالية·
- أنت تدهشني بدقتك، وأجدك محدّدا بنظام صارم في حياتك، ووقتك، ونتاجك النقدي والفكري، فالمقال مرتبط بعلاقة مع مقال آخر، ومجموع من المقالات يشكل نواة لبحث كبير، والبحث إنما هو فصل من كتاب، ثم أن الكتاب نفسه جزء من مشروع موسوعي· أتخيلك وسط أكوام من الكتب والمصادر· فكيف استطعت تنظيم وقتك بين الوظيفة، والكتابة الصحفية، وتأليف الكتب الكبيرة؟
- لا فرصة لإنتاج المعرفة دون تنظيم صارم للوقت، وضبط العلاقات الاجتماعية· ففي السيطرة عليهما يكمن السرّ، ناهيك، بطيعة الحال، عن الموهبة، والرغبة، والمنهجية، وهاجس الاكتشاف، وكلها من الشروط الأساسية للكتابة· ولن أفشي سرا إذا ما قلت بأني أقرأ وأكتب منذ ربع قرن في إطار دقيق ومبرمج أصبح الآن جزءا من حياتي، ولا أتذكّر بأنني قد شُغلت مباشرة بالقراءة والكتابة أقل من عشر ساعات يوميا إلا في حالات طارئة أكون فيها خارج بيتي لسبب ما· وقد زودني هذا النظام الصارم بقراءة وكتابة متواصلتين، إلى ذلك فلا أقرأ في الغالب إلا تلك الكتب التي أدرجتها في جدول يغذّي معرفتي ويغنيها ويسهم في صوغها، ويحتمل أن تكون مادة للتحليل والنقد، أو تلك الكتب التي تغذّي أفكاري بما هو جديد، فالكتب بمئات الآلاف، بل بالملايين، ولا ينبغي أن نضيع في متاهتها، إنما ننتخب منها ما له صلة بعالمنا، وأفكارنا، والقضايا التي تشغلنا، وإلا ضعنا في تلك المتاهة الكبرى، فلا نعود منها أبدا·
وأضرب لك مثالين من الرواية التاريخية والنسوية، منذ أكثر من10 سنوات تتراكم في مكتبتي روايات نسوية، لكني لم أنصرف لقراءة كثير منها إلا حينما جاء وقت الكتابة عن السرد النسوي ضمن برنامجي للكتابة عن السرد العربي، ووقع أمر مشابه بالنسبة بالنسبة للأعمال التي تندرج فيما يسمى بـالرواية التاريخية فقد انصرفت إليها كلية حينما شرعت في الكتابة عما أصطلح عليه التخيل التاريخي الذي هو أصحّ من المصطلح الاول، وينبغي استبدال هذا بذاك· أحيانا أغبط القراء الأحرار الذين لا يكتبون، فهم يعيدونني إلى زمن رائع كنت التهم فيه الكتب المختلفة دونما تمييز· ولا أنصح بذلك الآن، فكثير من الكتب لا تستحق أن تُقتنى، فكيف أن تقتطع وقتا ثمينا من القارئ؟· لا أملك الوقت لإضاعته فيما هو خارج مدار اهتمامي النقدي والفكري ومايجاوره ويغنيه·
- كيف تكتب؟ وهل من خطة تتبنّاها؟
- يمرّ عملي النقدي بمراحل ثلاث قبل أن يكتسب شرعيته الأخيرة، في الأولى أباشر تلك الأعمال الأدبية متوقفا على أهم البؤر المركزية فيها، ويظهر ذلك غالبا في مقالاتي، وحينما استكمل الكتابة عن سلسلة من الموضوعات التي تشترك في قضية واحدة انتقل للمرحلة الثانية، وهي إعادة كتابة كل ذلك بصيغة بحث دقيق ينشر غالبا في إحدى المجلات المتخصصة، وهذا البحث لابد أن يكون مرتبطا بآخر وآخر في موضوع قريب، وربما واحد، يشغلني لسنوات عدة، فلا أبارحه إلا للمراجعة واعادة النظر، وهذه البحوث تتطور في مرحلة ثالثة لتكون فصولا لكتاب، والكتاب جزءا من موسوعة·
وفي كل مرحلة أقوم بالمراجعة والتدقيق، بل التغيير والإضافة والحذف، فأتخلص من الاستطرادات، وأتوسع فيما أعتقد إنه بحاجة إلى توسّع، وحتى حينما تظهر المدونة النهائية اكتشف بأنه كان ينبغي عليّ توسيع موضوع ما، أو اختزال آخر، يسكنني هاجس الكتابة الدقيقة، والنتائج الشاملة، وتحدوني رغبة عارمة في استكمال شروط الكتابة، والوفاء لها، فقد اخترت كل ذلك، ولم أُجبر عليه· والكتابة عندي في مجموعها حوار يومي صريح مع النفس، ومع العالم، ومع الثقافة· هذه هي طريقتي في الكتابة والتأليف، وأنا ماض بها منذ أكثر من ربع قرن فلم أضع جهدا، إلا ما ندر، ولم أكتب مجاملة لأحد كائنا ما كان، ولم أستجب لا لمؤتمر أو لندوة إن لم أجد بأن الموضوع المقترح يندرج في إطار عملي النقدي والفكري، واعتذر حينما أجده بعيدا عن اهتمامي·
- لديك اهتمام معروف بالرواية النسوية، خصوصا بعد أن أفردت لها جزءا كبيرا من موسوعة السرد العربي فكيف تعرّفها، وما هو موقعها على خارطة الرواية العربية، بعد أن اختلفت الآراء والمواقف حولها؟
- قادني الاستقراء النقدي للرواية العربية إلى التمييز بين رواية المرأة والرواية النسوية· رواية المرأة هي ما تكتبه المرأة عن الشؤون العامة فتشارك الرجل بذلك، فهي كتابة لا تقوم على هوية جنسية تريد تكريسها إنما تصدر عن رؤية لا صلة لها بذلك· أما الرواية النسوية فهي ذلك النوع من الكتابة السردية التي تتوفر على أحد المكونات الثلاثة التالية، أو جميعها متلازمة: أولا أن تحتفي بالجسد الأنثوي بوصفه هوية مميزة للمرأة، فتصف جمالياته ورغباته حتى يصبح المركز الفاعل في فضاء السرد، فتنجذب إليه سائر عناصر السرد· وثانيا أن تطرح رؤية أنثوية لم تكن معروفة من قبل تمثّل موقع المرأة في العالم الذي تعيش فيه، وهذه هي الرؤية الأنثوية للعالم التي تجاهد للظهور على أنقاض الرؤية الذكورية، وتتطلع إلى إزاحتها· وثالثا، فالرواية النسوية تعرض نقدا جذريا للنظام الأبوي في مستوياته الثقافية والدينية والاجتماعية، وتقدّم هجاء مرّا له بهدف زعزعته، بل إنها تقترح تفكيكه، واستبداله بنظام أمومي يعطي للروابط الإنسانية قيمة أعلى من القيم المغلقة التي كرستها الأبوية· هذه، فيما أرى، هي المحدّدات الكبرى للرواية النسوية، وقد استقيتها من المُدونة السردية النسوية على خلفية نظرية واسعة من الاهتمام بالفكر النسوي، ويختلف التناسب بين هذه المحددات بين رواية وأخرى، وبين كاتبة وكاتبة، وقد يغيب بعضها، ويحضر آخر، فالأعمال السردية لا تخضع لمعادلات وموازين دقيقة، إنما تُعرف هوية الآداب السردية بالترجيح، وتكرار السمات العامة، فإذا ما جرى تنضيد هذه السمات المشتقّة من السرود النسوية رجح تحديد هويتها·
- هل انتزعت الرواية النسوية مكانا لائقا في السرد العربي الحديث؟
- نعم، تتبوأ الآن الرواية النسوية مكانة مهمة في خارطة السرد العربي المعاصر فقد فتحت الآفاق أمام موضوعات جديدة وطرحت رؤى لم تكن شائعة من قبل· وهي ظاهرة تمرّ بمخاض صعب ففيها تزاحم بين النصوص القوية وتلك الضعيفة، وبما أن المرأة قد فتحت قمقم التاريخ، ورغبات الجسد، فقد اندفعت كتلة متوهجة في سماء الكتابة كالبركان الثائر، وسيمرّ وقت طويل قبل أن تترسب المظاهر بصورتها النهائية، وإلى ذلك الوقت فسنجد كاتبات وروايات لن يسمح لهن تاريخ الأدب أن يتركن أية بصمة في صفحاته الخالدة، فثمة تزوير في الكتابة، وثمة ترويج زائف، وثمة إنشاء إغوائي فجّ، ولكن ثمة أعمال دشنت لهذه الظاهرة، وفتحت لها الأفق في الرواية العربية· وسيقوم كل من النقد، والذوق الأدبي، والتقاليد الأدبية، بغربلة هذه الظاهرة، والإبقاء فقط على تلك الأعمال التي تتوفر على الشروط الأساسية للكتابة الحقيقية، ولكن في جميع الأحوال لم تعد الرواية النسوية موضوع اعتراف الآن، فقد تحقق ذلك، إنما هي موضوع تقويم نقدي يريد لها أن تتخلّص من بعض العثرات السردية المرافقة للظواهر الأدبية الجديدة·
صفحة 9
موسوعة السرد العربيجهد أدبي غير مسبوق
حوار: جهاد فاضل
الدكتور عبدالله إبراهيم من الأكاديميين العرب المرموقين، وعندما يذكر اسمه في المنتديات الثقافية العربية تتداعى فورا إلى الذهن إسهاماته المتميزة في دراسة السرديات العربية، وفي نقد المركزيات الثقافية· وتمثل موسوعة السرد العربي جهدا أدبيا غير مسبوق في النقد العربي الحديث· وقد استغرق العمل فيها نحو عشرين سنة، وهي تتبع السرود العربية منذ نشأتها الأولى قبل الإسلام، وتكشف المحاضن الدينية والشفوية التي انبثقت منها، وتقف بالتفصيل على أنواعها الكبرى القديمة منها والحديثة، ثم تتقصى أبنيتها السردية والدلالية بداية في المرويات السردية الجاهلية وصولا إلى الرواية العربية في العصر الحديث·
ولا يقل عن هذه الموسوعة أهمية كتابه الموسوعي الآخر المطابقة والاختلاف: بحث في نقد المركزيات الثقافية والذي عرض فيه الروايتين الغربية والإسلامية حول الذات والآخر، مؤكدا على فكرة أساسية هي أن المركزيات تصاغ استنادا إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه المرويات الثقافية إلى الذات المعتصمة بوهم النقاء الكامل، والآخر المدنس بالدونية الدائمة· وله إسهامات ثقافية وفكرية كثيرة، تتسم بالعمق والإحاطة، منها كتابه الشامل عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين ولكن إسهامه في حقل السرديات والمركزيات الثقافية، إسهام متميز· ولهذا السبب اخترت أن ينصب حوارنا التالي معه عليهما· وقد بدأ الحوار بالسؤال التالي:
- كثيرون من المؤلفين يكتبون حول مسائل كثيرة، ولكني لاحظت أنكم كتبتم أكثر، ما كتبتم حول مواضيع محددة بالذات في طليعتها السرديات العربية القديمة والحديثة· فهل لديكم ما يمكن تسميته بالمشروع؟
- هذا التشخيص في مكانه· لكنني أتردد الآن في أن أصطلح على ما أعمل عليه بأنه مشروع، خشية الوقوع في المحذور؛ لأن المشروع هو نظام فكري له هدف كبير يقوم به مفكر ينتدب نفسه لمهمة جليلة· وأظن أن على المرء أن يتحسّب قبل أن يندرج في منطقة الغرور والادعاء· لكن من ناحية واقعية، ووصفية، فإن عملي النقدي والفكري بأجمه يدور حول محور أساسي له نواة شبه ثابتة تتصل بوظيفة السرد، وطرائق تمثيله للموضوعات الأدبية أو الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية· وقد مرّ بمرحلتين: المرحلة الأولى هي أنني أعددت نفسي إعدادا أكاديميا للدراسات السردية، وقمت بتدريسها في عدد من الجامعات العربية في العراق وخارجه· وأصدرت عددا من الكتب في هذا المجال الأكاديمي الذي يهدف إلى استنباط النظم السردية للنصوص الروائية والحكائية والقصصية والخرافية، فضلا عن السرد العربي الحديث· إلا أنه منذ أوائل التسعينيات بدأ لدي اهتمام مواز لذلك الاهتمام، وهو نقد المركزيات الثقافية، سواء كانت مركزيات دينية أو عرقية، أو مذهبية، أو ثقافية·
وخصصت لهذا الأمر مجموعة من الكتب نقدت فيها المركزية الغربية نقدا تفصيليا منذ الإغريق إلى مطلع القرن العشرين· ثم انتقلت إلى نقد المركزية الإسلامية، وتتبعتها خلال القرون الوسطى حيث كان العالم ينقسم إلى دار الإسلام ودار الحرب· وكان التصور الشائع آنذاك هو أن الحق يكمن في دار الحرب، ويفتقر إليه ما سواها· فينبغي حمل القيم الإسلامية لتشمل العالم بأجمعه· نقدت هذه الفكرة في كتابي المركزية الإسلامية ثم دعمت هذا الكتاب بموسوعة كبيرة اسمها عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين، نشرت فيها النصوص الأصلية التي كرست فكرة التمركز الإسلامي، وعبرت عنها بواسطة نخبة من المؤرخين والرحالة والجغرافيين والفقهاء وسواهم من الذين صاغوا الوعي الإسلامي في القرون الوسطى·
وهكذا وجدت نفسي أمضي في مسارين، وفي نهاية التسعينيات شعرت بنوع من التأزّم الفكري، وحال من الانشطار بين إعدادي الأكاديمي في مجال الدراسات السردية، وبين اهتماماتي الثقافية التي طرأت، وأنتجت فيها عدة كتب، إلى درجة شعرت وكأنني أعمل خارج المكان، وكأن ليس لي موضوع محدد أسند عملي إليه، فحالة الارتحال بين المعارف تورث إحساسا بالقلق الفكري، ذلك أن التوسع المفرط أوهمني بالضياع في متاهة كبيرة، فتوقفت لأنني احسست بفقدان البوصلة الموجهة في الكتابة التي كنت أريدها، واتمسك بها،· فلا أدري إن كنت ناقدا في مجال السرديات، أو باحثا في مجال المركزيات الثقافية، فلم يلح لي بعدُ التلازم بينهما· وإذا كنت أنا منْ لا يعرف ذلك، فأين سوف يضعني المتلقّي؟ ولا تثريب عليه إن تجاهلني، ولهذا توقفت للبحث في حلّ هذه القضية·
- أفهم أنك موزع بين مشروعين ثقافيين: المركزيات ثم السرديات··أليس من الممكن التعامل مع أحدهما على أنه هواية، ومع الثاني على أنه مهنة؟ من شأن هذا التعامل أن يحل المسألة برأيي·
- في نهاية التسعينيات، كما ذكرت من قبل، بدأت أشعر بأنني منقسم على نفسي، وأمضيت مدة في هذا الإحساس بالقلق الذي يكاد يبلغ درجة الحيرة إلى أن اكتشفت عبر سؤال نقدي: هل هناك صلة بين السرديات والمركزيات الثقافية أم لا؟ وهذا السؤال اعتبره من الأسئلة الكبرى التي أعادت تركيز ثقافتي الشخصية والفكرية· وبدأت أفكر بالصلة وأعتقد أنني منذ ذلك الوقت اكتشفت الصلة التي لم أكن أعرفها، ولم أنتبه إليها· وهي أن كل مركزية تقوم على الإيمان بسرد مخصوص داعم لفرضياتها، ومروّج لرغباتها، ومؤجج لتطلعاتها المكبوتة· فلو أخذنا على سبيل المثال المركزية الإسلامية، فقوامها الأخذ بالرواية الإسلامية للتاريخ البشري، أي الرواية القائلة بأن الإسلام هو آخر العقائد السماوية، ومن ثم فهو أكملها وأفضلها، وينبغي تعميمه بالجهاد على مستوى العالم، فلا يجوز النكث بوعد الله من أجل تصحيح مسار بني البشر في ظل معتقدات وثنية وإشراكية· ولو أخذنا المركزية الغربية، نجد أنها قائمة على التصديق برواية الغرب لتاريخه، واعتبارها مرتكزا صحيحا للجميع، وتعميم ذلك على سائر أطراف العالم بالحملات الاستعمارية والتبشيرية· والحاصل فكل مركزية قائمة على سرد مخصوص داعم لهوية الجماعات المؤمنة بها، ومغذّي لها، وذلك قادني إلى الربط بين السرد والتمركز، فكل تمركز، وتعصب، وغلواء، وتطرف، يقوم على الأخذ بسرد معين والإيمان به، والنهل من فرضياته، ثم ترويجه وتدعيمه، وأحيانا فرضه بالقوة كما حصل في حروب الفتوح، والنزاعات الإمبراطورية، والحروب الاستعمارية·
صفحة 10
وبعد الوصول إلى هذا الحلّ انحسرت المشكلة الفكرية بالانقسام على النفس، وأشعر الآن أنني أكثر انسجاما بكثير مما كنت عليه من قبل، فلم أعد فقط أبحث في هذين المكونين المترابطين، وهما السرد والمركزيات الثقافية، إنما أعدت النظر بكتبي التي كتبتها قبل أن أكتشف هذه الصلة· وهكذا، ومن هذه الناحية، لك أن تقول بأن لدي مشروعا فكريا بالمعنى الذي يحيل على الانصراف الطويل لمعالجة قضايا مترابطة· لكنني أتردد قبل أن آخذ بهذا الوصف كي لا أعتقد أنني صاحب دور لتغيير شيء، فهذا ما لا أدعيه، إذ نقدت دور المثقف المتوهم بأن له دورا نبويا، فأنا أحلل، وأفكك أنظمة ثقافية وأدبية ودينية واجتماعية، وأتطلع إلى أن أغير مسار التلقّي لهذه الاتجاهات ما استطعت إلى ذلك· ولكن هذا لا يعني أنني منذور شخصيا، ودون سواي، لتغييرها· ومكلّف بذلك، ولطالما حذرت من هذه النظرة النبوية للتاريخ التي يأخذ بها كثير من المفكرين·
- أشعر كما لو أن لديك احتجاجا على مثل هذه الحتميات التي حصلت· أي على الانغلاق داخل كل مركزية من المركزيات، وكأنك تدعو إلى حوار، أو إلى تعددية·
- لا أدعو فقط إلى حوار بين المركزيات الثقافية، وإنما أدعو إلى تفكيكها، وتخريبها وأذهب في هذا الأمر مذهب المفكر الإيراني داريوش شايغان الذي أصدر كتابا بعنوان هوية بأربعين وجها ومؤدى الفكرة أن الإنسان لم يعد يكتفي بهوية، أو بعقيدة، أو بفكرة· إنه يحتاج الآن إلى أربعين هوية لكي يتفاعل بها مع عالم متعدد الهويات· لا يمكن القول الآن إنني أنتمي انتماء أعمى، أو أرتبط ارتباطا مطلقا بهذه العقيدة الفكرية أو الإيديولوجية أو حتى الدينية أو بتلك، لا بد من فتح النوافذ برأيي بين الثقافات والحضارات والأديان· وهذا هو الذي يجعلني اقترح باستمرار أمر تهشيم الأسوار الدوغمائية التي تحول بيننا كنوع بشري نتفق في النوع، ولكن لدينا اختلافات في الدرجة· الاختلاف في الدرجة ينبغي ألا يجعلنا نحبس في أطر ضيقة ومغلقة وننتج نوعا من التعصب للأديان والهويات والأعراق، كما يحصل الآن حيث أصبح العالم رهينة تفسيرات مغلقة للظاهرة الدينية أو الظاهرة العرقية أو الظاهرة الطائفية أو المذهبية·
على الفكر العقلاني أن يتصدى بصرامة لشيوع هذه التفسيرات المغلقة للظاهرة الدينية، أو الظاهرة العرقية حيث الإنسان لم يعد ينتمي إلى عرق ودين، وإنما ينتمي إلى تفسير مخصوص لعرق ودين· نحن الآن ضحايا التفسيرات، أكثر مما نحن ضحايا العقائد· وعلى الفكر العقلاني أن يقف بصرامة لتحليل هذه الظواهر لأنها ظواهر مختلقة وقائمة على أسس ضيقة ونظرات مغلقة تبحث عن صفاء في الهوية، وصفاء في الانتماء· وهذا يحول دون فتح المسارات بين الشعوب، والمجتمعات، والثقافات، بل إنه يكرس تفسيرا مطلقا للتاريخ· ومن ضمنها فكرة النهايات التي كانت تأخذ الطابع الدوري في الأساطير القديمة، وفي الأديان، وبدأ إنتاجها ثانية من خلال الأيديولوجيات الكبرى كالماركسية التي تقول بنهاية التاريخ ضمن عالم ينتهي فيه الصراع الطبقي· هذه الرواية انتهت الآن وانهارت· لكن ظهرت أيضا فكرة نهاية التاريخ عند فوكوياما الذي قرر أن التاريخ ينتهي أيضا حينما يعم العالم نظام الليبرالية الغربية الرأسمالية، ولو جرى فحص هذه المقولة فحصًا نقديا، فلا تختلف عن الماركسية، أو أية أيديولوجية دينية، حيث هناك الفكرة الأخروية التي ينتهي إليها البشر جميعا·
هذا الأمر ليس خاصا بي وحدي، فهناك عدد كبير من المفكرين النقديين الذين يعرفون حق المعرفة أن الإنسانية في تطور خطي وليس في تطور دائري، وإن العودة الى التاريخ الدوري، أو النهايات، مجرد وهم أيديولوجي أو نفسي أو ديني، وهو لا يصمد أمام حركة التاريخ الصاعدة التي انطلقت بالبشرية من نقطة واستمرت في تصاعد· والظواهر المعرقلة كالحروب، والأيديولوجيات المتعصبة، والكوارث الطبيعية، لن توقف المسار الصاعد للإنسانية على الإطلاق· وهذا المسار لا نهائي· لن ينتهي· إنه مسار صاعد عبر التاريخ وهو عابر للأزمنة ولكنه ينبغي أن يكون متنوع المسارات، والمشارب، والثقافات، تسهم به سائر الجماعات البشرية دون غلبة ولا هيمنة، وبعيدا عن مديونية أحد لأحد·
- أود أن تلقي نظرة ناقدة على المركزية الإسلامية· إلا ترى أنه كانت هناك انفراجات في هذه المركزية؟ كانت هناك تيارات محافظة وتقليدية فيها كما كانت هناك تيارات اجتهاد وتأويل· على الدوام كان هناك نزوع للخروج من الأطر العامة أو المرسومة·
- نعم· هذا صحيح، كل هيكل عام لثقافة أو حضارة يتضمن ما ينقضه، ففي طيات الفرضيات الكبرى تنمو بذور نقضها· وهذا يتجلى الآن فيما يسمى بالمركزية الغربية أكثر ما يمكن تجليه، ذلك أن الغرب ليس بإطلاق كتلة صماء جامدة متمركزة حول نفسها· هناك شيء داخلي· نجد شوبنهاور، نجد نيتشه، نجد هابرماس، نجد ميشيل فوكو، نجد جاك دريدا، هؤلاء وسواهم حاولوا نقض فرضيات المركزية الغربية· لكن أنا أتكلم عن الهياكل الكبرى بحيث تتبدد الأعراف والمواقف والتحليلات الشخصية من النظام· ولو انتقلت بهذه الفكرة إلى سؤالك حول المركزية الإسلامية، فينبغي تعريف المركزية الإسلامية؟· إذ هي، فيما أرى، ذلك الشعور العقائدي المهيمن في دار الإسلام والمنطلق من الفرضية القائلة بأن كل ما يوجد داخل دار الإسلام هو حق مكتمل، فهذه دار حق مطلق ينبغي أن يشعّ على العالم· وكل ما يوجد خارج دار الإسلام فهو باطل باطلاق· العالم، طبقا للمركزية الإسلامية، منقسم إلى قسمين: حق وباطل· وما دام المسلمون هم حاملي الحق، فينبغي عليهم إيصاله إلى دار الباطل· في الدين لا تكتمل الرسالة بوجود ناس ما زالوا على ضلال، ولهذا فإن المؤمن يحمل رسالة إصلاح العالم، لكي يعيد التئام شمله في وحدة دينية وأخلاقية وقيمية· لكن من ناحية واقعية لا يمكن أن تعمم عقيدة على العالم بأجمعه· حركة الواقع تفرض الثنائية· لكن الإيمان الديني يهدف إلى الوحدة فيحصل نوع من التنازع لا ينتهي، وهذا عاشته المسيحية واليهودية والإسلام·