سي. أس. لِويس (C. S. Lewis)
1898-1963م
كان كلايڤ ستايپلز لِويس (Clive Staples Lewis)، أحدَ عمالقة الفكر في القرن العشرين، وأحدَ أكثر كُتَّاب عصره تأثيرًا. عملَ مدرِّسًا للأدب الإنكليزيِّ في جامعة أكسفورد حتَّى عام 1954م حين اختيرَ في جامعة كامبردج بالتَّزكية لمنصب الأستاذيَّة في الأدب الإنكليزيِّ في فترتَي العصور الوسطى وعصر النهضة، وهو منصبٌ شغلَه حتَّى تقاعُدِه. كتبَ لِويس أكثرَ من ثلاثين كتابًا، واصلًا بها إلى عددٍ كبير من القُرَّاء، وما تزال أعماله تجدُ ألوفًا جُدُدًا من القُرَّاء سنويًّا. من أهمِّ أعماله ‘‘روايات عالم نارنيا’’ (The Chronicles of Narnia)، و‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’ (Mere Christianity)، و‘‘رسائل خُربُر’’ (The Screwtape Letters)، وجميعها متوفِّرة في العربيَّة من أوفير للطِّباعة والنشر.
مقدِّمة
يقول الرسول يوحنَّا: ‘‘الله محبَّة’’.[1] ولمَّا حاولتُ أن أكتبَ هذا الكتاب أوَّلَ الأمر، خُيِّلَ إليَّ أنَّ قَول الرسول يوحنَّا المشهور هذا سيُمهِّد لي سبيلًا سهلًا جدًّا عبرَ الموضوع بكامله. وخُيِّل إليَّ أنَّه ينبغي لي أن أتمكَّن من القول إنَّ المَحبَّاتِ البشَريَّةَ تستحقُّ أن تُدعى مَحبَّاتٍ أصلًا فقط بمقدار ما تُمثِّل تلك المحبَّةَ وأعني بذلك الله. ولذلك كان أوَّل تفريق قمتُ به هو بين ما دعوتهُ ‘‘محبَّة المَنح’’ (Gift-Love) و‘‘محبَّة الاحتياج’’ (Need-Love). أمَّا المَثلُ النموذجيُّ على ‘‘محبَّة المنح’’ فمن شأنه أن يكونَ تلك المحبَّة التي تدفع رجُلًا ما لأنْ يعملَ ويُخطِّطَ ويوفِّرَ لأجل رفاه عائلته المُستقبليِّ الذي سيَموت من دون أن يشتركَ فيه أو يُشاهِدَه. وأمَّا على المحبَّة الثانية، فتلك التي تدفعُ ولدًا مُوحَشًا أو مَرعوبًا إلى الارتماء بين ذراعَي أمِّه.
لم يكُن من شكٍّ في أمر أيُّ المحبَّتين أشبَهُ بالمحبَّة نفسه، أي بالله. فالمحبَّة الإلهيَّة هي ‘‘محبَّة مَنح’’. إذ إنَّ الآب يُعطي كلَّ ما هو عليه ويملِّكه للابن. ويعود الابن فيُعطي نفسَه للآب، ويُعطي نفسَه للعالَم، وللآب من أجل العالَم، ومن ثَمَّ يُعطي العالَم (في نفسه) من جديد للآب أيضًا.
أمَّا من الناحية الأخرى، فماذا يمكن أن يكونَ أقلَّ شبهًا بما نؤمن به بشأن حياة الله من ‘‘محبَّة الاحتياج’’؟ فإنَّ الله لا يحتاج إلى شيء، ولكنَّ ‘‘محبَّة الاحتياج’’ لدينا، كما رأى أفلاطون، ‘‘هي بِنتُ الفقر’’. إنَّها الصُّورة المُنعِكسة الدَّقيقة في وعْيِنا لطبيعتنا الفعليَّة. فنحن نُولَد بائسين بلا عَون. وما إن نغدو واعينَ تمامًا، حتَّى نكتشفَ الوحدةَ والوحشة. إنَّنا نحتاج إلى الآخرين بدنيًّا وعاطفيًّا وعقليًّا؛ نحتاج إليهم إنْ كان لنا أن نعرفَ أيَّ أمر، حتَّى لو كان ذلك الأمرُ أنفسَنا.
كنتُ أصبو إلى كتابة بعض صفات المديح السَّهلة تمامًا في نوع المحبَّة الأوَّل، وبعض كلام الاستصغار والاستهانة في النَّوع الثاني. وما زال كثيرٌ ممَّا كنتُ أنوي أن أقولَه يبدو لي صحيحًا. فما زلتُ أعتقد أنَّه إذا كان كلُّ ما نعنيه بمحبَّتنا أو حُبِّنا هو الاحتياجَ الشديد لأنْ نُحَبَّ، فنحن في حالة يُرثى لها جدًّا. ولكنِّي لن أقولَ الآن (مع أُستاذي، مَكدونَلد McDonald) إنَّنا إن كنَّا نعني هذا التَّوقَ فقط نكونُ مُتوهِّمين شيئًا ليس حُبًّا البتَّة كما لو كان حبًّا. ولا يمكنني الآن أن أرفضَ إطلاقَ التسمية ‘‘حُبّ’’ على ‘‘محبَّة الاحتياج’’. فكُلَّما حاولتُ تخريجَ الأمر بمُوجِب هذه المُعطَيات، انتهيتُ إلى أحجيَّات وتناقُضات. ذلك أنَّ الحقيقة أكثرُ تعقيدًا ممَّا افترضتُ.
فأوَّلًا، نحن نُلحِقُ تحريفًا بمُعظم اللُّغات، ومنها لغتُنا، إن كُنَّا لا ندعو ‘‘محبَّة الاحتياج’’ حُبًّا. طبعًا، ليسَتِ اللُّغة مُرشِدًا معصومًا، ولكنَّها تَحوي- رُغم جميع عيوبها- قَدْرًا وافيًا من التبصُّر والخبرة المُختزَنَين. فإنْ بدأتَ بالهُزء بها، فإنَّ لها طريقةً لِتثأرَ لنفسها في ما بعد. وخيرٌ لنا ألَّا نعتمد نهجًا عشوائيًّا في جَعْلِ الكلمات تعني ما يحلو لنا.
وثانيًا، يجب أن نحترسَ من تسمية محبَّةِ الاحتياج ‘‘مجرَّد أنانيَّة’’. فالكلمة ‘‘مُجرَّد’’ كلمةٌ خَطِرة دائمًا. لا شكَّ أنَّ محبَّةَ الاحتياج، شأنُها شأنُ حوافزنا كلِّها، يمكن أن ينغمسَ المرءُ فيها بأنانيَّة. فإنَّ مُطالبةً طاغيةً وجشعةً بالعاطفة قد تكونُ أمرًا مُروِّعًا. ولكنْ في الحياة العاديَّة لا أحدَ يدعو الطفلَ أنانيًّا لأنَّه يتوجَّه إلى أمِّه طلبًا للعزاء والهناء؛ وكذلك أيضًا الراشدَ الذي يتوجَّه إلى صديقه ‘‘طلبًا للرِّفقة’’. وأولئك الذين يفعلون هكذا- صغارًا كانوا أم كبارًا- بمستويات قليلة ليسوا في العادة الأكثرَ لاأنانيَّة. فحيثُ يحصل الشعور بمحبَّة الاحتياج، قد توجَد دَواعٍ إلى رفضه أو إماتته كلِّيًّا؛ ولكنَّ عدم الشعور به هو عمومًا ميزة الشخص المستغرق في ذاته (Egoist) الأنانيِّ البارد. ولمَّا كنَّا بالحقيقة نحتاجُ بعضُنا إلى بعضٍ فعلًا (‘‘ليس جيِّدًا أن يكونَ آدمُ وحدَه’’)، فإنَّ الإخفاقَ في أن يظهرَ هذا الاحتياج بصفته ‘‘محبَّة الاحتياج’’ في الوعي- بكلمة أخرى، الشُّعورَ المُوهِمَ بأنَّه جيِّدٌ لنا أن نكونَ وحدَنا- هو عَرَضٌ روحيٌّ سيِّئ، تمامًا كما أنَّ فقدانَ الشَّهيَّة عَرَضٌ صحِّيٌّ سيِّئ؛ لأنَّ البشرَ يحتاجون فعلًا إلى طعام.
أمَّا ثالثًا، فنأتي إلى شيءٍ أهمَّ بكثير جدًّا. ذلك أنَّ كلَّ مؤمنٍ بالسيِّد المسيح لا بدَّ أن يُقِرَّ بأنَّ صحَّةَ المرء الروحيَّة تتناسَب تمامًا مع محبَّته لله. ولكنَّ محبَّة الإنسان لله، حسب طبيعة الموضوع، يجب دائمًا أن تكون إلى مدًى بعيد- كما يجب أغلبَ الأحيان أن تكون بكُلِّيَّتها- محبَّةَ احتياج. وهذا بديهيٌّ حين نلتمسُ مغفرةً لخطايانا أو معونةً في بلايانا. ولكنَّه في النِّهاية رُبَّما كان أكثر بَدَهيَّةً بَعدُ في إدراكنا المُتنامي- إذ ينبغي أن يكون مُتنامِيًا- أنَّ كِيانَنا بجُملته من حيثُ طبيعتُه بالذَّات هو حاجةٌ واسعةٌ واحدة: صرخةٌ ناقصة، إعداديَّة، خاوية لكنْ ضاجَّة، إلى ذاك الذي يستطيع أن يحلَّ الأُمورَ المُتشابِكة ويربطَ الأمورَ التي ما تزال سائبة. لستُ أقولُ إنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أبدًا أن يُقدِّم إلى الله أيَّ شيءٍ على الإطلاق ما عدا محبَّةَ الاحتياج الخالصة. فالنُّفوس المُرفَّعة قد تُحدِّثنا بشأن بلوغِ ما يتخطَّى تلك المحبَّة. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ أصحابَ هذه النُّفوس سيَكونون أيضًا أوَّلَ مَن يُحدِّثُنا بأنَّ تلك الأعالي ستنقطعُ عن أن تكون نِعَمًا محضة، وتصيرُ أوهامًا أفلاطونيَّة مُحدَثة (Neo-Platonic)، أو شيطانيَّة أخيرًا، لحظةَ يستجرئ الإنسان أن يُفكِّر أنَّه يستطيع أن يعيشَ عليها ويُسقِطَ من ثَمَّ عُنصرَ الاحتياج. إنَّ مبدأ المُحاكاة يقول: ‘‘لا يقوم الأعلى من دون الأدنى’’. فإنَّه يكون مخلوقًا وقحًا وقبيحًا ذاكَ الذي يمثُل أمامَ خالقه مُتباهِيًا: ‘‘لستُ مُستعطِيًا. أنا أُحبُّك دون مصلحة ذاتيَّة’’. وأولئك الذين يبلغون أقرب نُقطة إلى محبَّة المَنح تُجاه الله سوف يَعمِدون في اللحظة التالية، بل في اللحظة ذاتها أيضًا، إلى قَرع صُدورهم مع العشَّار التائب، باسِطِين فقرَهُم وعوزَهم أمام المانح الحقيقيِّ الوحيد. ثُمَّ إنَّ الله يريدُ أن تكونَ الحالُ على هذا المِنوال. فهو يستهدفُ محبَّةَ الاحتياج لَدَينا إذ يُخاطِبُنا بالقَول: ‘‘تعالَوا إليَّ يا جميع المُتعَبين والثقيلي الأحمال، وأنا أُريحكم!’’ (متَّى 11: 28) أو بكلمات المزامير: ‘‘أَفغِرْ فاَك، فأملأَه!’’ (مزمور 81: 10).
وهكذا فإنَّ محبَّةَ احتياجٍ واحدةً، وهي العُظمى، إمَّا تُوافِقُ حالَة الإنسان الروحيَّة العليا والأكثر صحَّةً وواقعيَّة، وإمَّا تُكوِّن على الأقلِّ مُقوِّمًا رئيسيًّا من مُقوِّمات تلك الحالة. وتترتَّب على هذا نتيجةٌ طبيعيَّة غريبة جدًّا: أنَّ الإنسانَ يقترب الى الله أقربَ قُربٍ حين يكون، بمعنًى ما، أقلَّ شَبَهًا بالله. فماذا يمكن أن يكون أكثر تبايُنًا من الامتلاء والاحتياج، والهيمنة والاتِّضاع، والبرِّ والتَّوبة، والقوَّة اللَّامحدودة والاستغاثة؟ إنَّ هذه المُفارَقة أذهلتني لمَّا بلغتُها أوَّل مرَّة؛ وأحبطَت أيضًا جميعَ محاولاتي السابقة في الكتابة عن المحبَّة. وعندما نواجِهُها، فلا بُدَّ أن يَنتجَ شيءٌ من هذا القبيل على ما يبدو.
علينا أن نُميِّز بين شيئَين يمكن احتمالًا أن يُوصَفا بأنَّهما ‘‘قُربٌ من الله’’. أحدهما مُشابَهة الله. وأنا أعتقد أنَّ الله قد طبعَ نوعًا من مُشابَهته في كلِّ ما قد صنعه. فإنَّ المكانَ والزمان، على طريقتهما، يُصوِّران عظمتَه؛ كما تصوِّر جميعُ أصناف الحياة إبداعَه، والحياةُ الحيوانيَّة فاعليَّتَه. أمَّا الإنسان فله مُشابهَةٌ أهمُّ من هذه كلِّها بكثير من حيثُ كونُه عاقلًا أو مُفكِّرًا. وفي اعتقادنا أنَّ لدى الملائكة مُشابَهةً لله يفتقر إليها البَشَر: البقاء (الخلود) والمعرفة الحَدْسيَّة. ومن هذه الناحية، فإنَّ جميع البشر، سواءٌ أَصالحينَ كانوا أم طالحين، وجميعَ الملائكة، بِمَن فيهم أولئك الذين سقطوا، هم أكثرُ من الحيوانات مُشابَهةً لله. إنَّ طبيعتَيهم هُما بهذا المعنى ‘‘أقربُ’’ إلى الطبيعة الإلهيَّة. ولكنَّ هنالك، في المقام الثاني، ما يمكن أن ندعوَه ‘‘قُربَ الاقتِراب’’.[2] فإنْ كان هذا هو ما نعنيه، فإنَّ الحالاتِ التي فيها يكون الإنسان في ‘‘أقربِ وَضْع’’ من الله هي تلك التي فيها يكون مُقترِبًا بِمُنتهى اليقينيَّة والسُّرعة إلى اتحِّاده النهائيِّ بالله، ورؤيته لله، وتمتُّعه بالله، وما إن نُميِّز بين القُرب بالمشابهة وقُرب الاقتراب، حتَّى نرى أنَّهما لا يتوافقان بالضَّرورة. فربَّما يتوافقان وربَّما لا.
وهُنا، قد يُساعِدنُا تشبيه. تخيَّل أنَّنا نقومُ بمسيرةٍ جبليَّة إلى القرية التي نُقيمُ فيها. فعند الظَّهيرة، نبلغُ أعلى جُرفٍ مُطلٍّ على القرية، حيثُ نكون- نِسبةً إلى المسافة- قريبين منها جدًّا لأنَّها تحتَنا تمامًا. وفي وُسعنا أن نُسقِطَ حَجَرًا فيها. ولكنْ لأنَّنا لسنا مُتسلِّقي جُروفٍ بارعين، لا نستطيع أن نهبطَ إليها حالًا. إنَّنا مُضطرُّون إلى سلوكِ طريقٍ الْتِفافيٍّ طويل، قد يبلغ ثمانية كيلومترات. وفي نقاطٍ كثيرة على تلك ‘‘العَطْفة’’ سنكون من ناحيةِ مَوضعنا أبعدَ عن القرية ممَّا كُنَّا لمَّا وقَفْنا على الجُرف- إنَّما موضعيًّا فقط. بينما من حيثُ التَّقدُّم، سنكون ‘‘أقرب’’ بكثيرٍ إلى التمتُّع بأخذ حمَّاماتنا وتَناوُل شايِنا.
ولمَّا كان الله مُبارَكًا وكلِّيَّ القُدرة ومُهَيمِنًا وخَّلاقًا، فهنالك على نحوٍ جليٍّ مَعنًى به تُكوِّنُ السَّعادةُ والقُوَّة والحرِّيَّة والخِصب (سواءٌ في الفِكر أم في الجِسم)، حيثُما ظهرَت في الحياة البشريَّة، أوجُهَ مُشابَهةٍ لله، وأوجُهَ قُربٍ من هذا القبيل. ولكنَّ أحدًا لا يفترض أنَّ لامتلاك هذه الهِبات أيَّ ارتباطٍ ضروريٍّ بتقديسنا. فلا نوعَ من الثراء هو جوازُ سفرٍ إلى مملكة السَّماء.
على قِمَّة الجُرف، نكونُ قريبين من القرية. ولكنَّنا مهما أطلنا المكُوثَ هناك لن نكونَ أقربَ البتَّة إلى حمَّامِنا وشايِنا. وهكذا الحالُ هُنا؛ فإنَّ ما أضفاه الله من مُشابَهة- ومن قرُبٍ بهذا المعنى- على بعض خلائقه وبعض حالات تلك الخلائق هو أمرٌ محسوم ومُرسَّخ. وما هو قريبٌ منه بالمُشابهة لن يكونَ، بمُقتضى تلك الحقيقة وحدَها، أقربَ بَعدُ بأيَّة حال. غير أنَّ قُربَ الاقتراب، تعريفًا، هو قُربٌ مُتزايد. وفي حين أنَّ المُشابَهةَ مُعطاةٌ لنا- ويمكن أن تُقبلَ بشُكرٍ أو بلا شُكر ويُحسَنَ استِعمالُها أو يُساء- فإنِّ الاقترابَ شيءٌ يجب أن نقومَ به، وإنْ كانتِ النِّعمةُ تُنشِئُه وتَعضُده. إنَّ الخلائقَ صُنِعوا- بطرائقهم المُتفاوتة- صُوَرًا لله، بِلا مُشارَكةٍ منهُم ولا مُشاورَةٍ لهم أيضًا. ولكنْ ليس هكذا يصيرون أبناءً لله. ثُمَّ إنَّ المشابهةَ التي ينالونها بالبُنوَّة ليست مُشابهةَ الصُّوَر أو الرُّسوم. فهي بطريقةٍ من الطرائق أكثر من مجرَّد مشابهة، لأنَّها اتِّحادٌ أو وحدةٌ مع الله في الإرادة؛ ولكنَّ هذا مُتناغِمٌ مع جميع الفوارق التي كُنَّا ننظرُ فيها توًّا. ومن هنا، كما قال كاتبٌ بشكل جيِّد، فإنَّ تشبُّهنا بالله في هذه الحياة- أعني تشبُّهَنا الإراديَّ بِوَصفه مُتميِّزًا عن أيَّةٍ من المُشابَهاتِ التي طبعَها الله على طبيعاتنا وحالاتنا- يجب أن يكون تشبُّهًا بالله المُتجسِّد: فإنَّ مثالَنا ليس هو يسوعَ الجُلجثة وحدَها، بل أيضًا يسوعُ مشغَلِ النِّجارة والطُّرُق والجمُوع، والمَطالِبِ الصَّاخبة، والمُعارَضات المؤكَّدة، والافتقارِ إلى كلِّ سكينةٍ وخُصوصيَّة، والمُقاطَعاتِ المُتكرِّرة. وذلك لأنَّ تلك الحياة- في اختِلافٍ غريبٍ تمامًا عن أيِّ شيءٍ يمكن أن نَنْسبَه إلى الحياة الإلهيَّة في ذاتها- لَيست على نحو واضحٍ مُشابِهةً فقط للحياة الإلهيَّة، بل هي هذه الحياةُ عينُها عامِلَةً في ظروفٍ بشريَّة.
وعليَّ الآن أن أشرحَ لماذا رأيتُ أنَّ هذا التمييز ضروريٌّ بالنِّسبة إلى أيِّ بحثٍ في محبَّاتنا. فإنَّ قَول الرسول يوحنَّا إنَّ الله محبَّة ما يزال يَتوازن في ذهني مُقابِلَ مُلاحظةٍ وضعَها كاتبٌ حديث هو أم. دنس دي روجمون (M. Dennis de Rougemont) إذ قال: ‘‘إنَّ المحبَّةَ تكفُّ أن تكونَ شيطانًا فقط حين تكفُّ أن تكون إلهًا’’. ويمكن طبعًا أن يُصاغ هذا القول مُجدَّدًا على هذا النَّحو: ‘‘إنَّ المحبَّة تبدأ بأن تكونَ شيطانًا لحظةَ تبدأ بأن تكونَ إلهًا’’. ويبدو لي أنَّ هذا التوازُن إجراءٌ وقائيٌّ لا مفرَّ منه. فإنْ نحنُ تجاهلناه، فإنَّ حقيقة كَون الله محبَّة قد تصير عندَنا خلسةً بمعنى العكس: أنَّ المحبَّة إله.
وأعتقد أنَّ كلَّ من يُفكِّر في هذه المسألة لا بُدَّ أن يدركَ ما عناه روجمون. فإنَّ كلَّ محبَّةٍ بشريَّة، في ذروَتها، مَيَّالةٌ لأنْ تدَّعيَ لنفسها سُلطةً إلهيَّة، حيثُ يميل صوتُها لأنْ يكونَ له وَقعُ صوتِ الله نفسه. فهي تقول لنا إنَّه علينا ألَّا نحسبَ النَّفقة، وتُطالِبُنا بالالتزام الكامل، وتُحاوِل أن تطغَى على جميع المَطالِب الأخرى، وتُوَسوِسُ لنا بأنَّ أيَّ عملٍ نقوم به مُخلِصينَ ‘‘لأجلِ المحبَّة’’ هو بذلك مشروعٌ، بل جديرٌ بالمُكافأة أيضًا. فإنَّ كَونَ الحُبِّ الشَّهوانيِّ وحُبِّ المرء لوطنه قد يُحاوِلان أن ‘‘يصيرا إلهَين’’ أمرٌ مُعترَفٌ به عمومًا. ولكنَّ المحبَّة العائليَّة قد تسلكُ السبيلَ عَينه. وكذلك أيضًا مَودَّة الأصدقاء. ولن أتوسَّعَ هُنا في هذه النُّقطة؛ لأنَّنا سنَلقاها مِرارًا وتكرارًا في الفُصول التالية.
إنَّما الآنَ يجب أن نُلاحِظ أنَّ المَحبَّاتِ الطبيعيَّةَ تدَّعي هذا الادَّعاءَ التجديفيَّ ليس عندما تكون في أسوإ حالاتها الطبيعيَّة، بل عندما تكون في أحسنِها؛ عندما تكون ‘‘خالصة’’ أو ‘‘نبيلة’’، على حدِّ وَصفِ آبائنا لها. وهذا واضحٌ خُصوصًا في الميدان الجنسيّ. فإنَّ الشَّغَف المُخلِصَ والمُضحِّيَ بالذَّات على نحوٍ أصيلٍ سيُخاطِبنا بما يبدو وكأنَّه صوتُ الله. أمَّا مُجرَّدُ الشَّهوة الحيوانيَّة أو العابثة فلن تفعلَ هكذا. ذلك أنَّها لا بدَّ أن تُفسِدَ مُدمِنَها بعشرات الطُّرق، ولكن ليس بهذه الطريقة. فقد يتصرَّف الإنسان بُمقتضى مشاعرَ من هذا القبيل، ولكنَّه لا يستطيع أن يُوقِّرَها أكثر ممَّا يوقِّرُ شخصٌ يشعرُ بحَكَّةٍ مَن يهرشُ جلدَه! كما أنَّ انهماكَ امرأةٍ سخيفةٍ وقتيًّا في تدليل ولدها، وهو في الحقيقة انغماسٌ ذاتيّ- حيثُ تَحسب الولدَ دُميَتها الحيَّة مُدَّةَ دوامِ نَوبة التدليل- قلَّما يُرجَّح أن ‘‘يصيرَ إلهًا’’ كما قد يصير التكرُّسُ العميقُ الوثيق من قِبَل امرأةٍ ‘‘تعيش لأجل ابنها’’ (بمعنًى حرفيٍّ تمامًا).
وأنا مَيَّالٌ لأنْ أعتقد أنَّ نوع محبَّة المرء لوطنه ذاك الذي يُحدِثُه شربُ البيرة وسماعُ الفِرَق التي تعزفُ الآلات النُّحاسيَّة لن يدفعَهُ إلى إلحاق كثيرٍ من الضَّرر بالوطن (ولا إلى إسداء كثيرٍ من الخير في سبيله). وربَّما تبدَّدَتْ تلك المحبَّة تمامًا بطلب شرابٍ آخر ومُشاركة الجوقة.
ثُمَّ إنَّ هذا بالطَّبع هو ما ينبغي أن نتوقَّعه. فإنَّ مَحبَّاتِنا لا تُصرِّح بادِّعائها الأُلوهة قبل أن يصيرَ هذا الادِّعاءُ معقولًا ومقبولًا. وهو لا يصيرُ هكذا قبل أن تصيرَ المحبَّاتُ شبيهةً شَبَهًا حقيقيًّا بالله، بالمحبَّة ذاتِه. إنَّما لا نَغلطْ هُنا. فإنَّ ‘‘محبَّاتِ المَنح’’ لدينا هي بالحقيقة مُتشبِّهة بالله؛ وبين هذه المحبَّات أكثرُها تشبُّهًا به هي تلك الأكثرُ لامحدوديَّةً وعدمَ كَلََلٍ في العطاء. وكلُّ ما يقوله الشُّعراءُ عنها صحيح. فإنَّ ما يُواكِبُها من فَرَحٍ وطاقةٍ وصبرٍ واستعدادٍ للصَّفح، و تَوقٍ إلى خير المحبوب، هو كلُّه حقيقيٌّ وصورةٌ تَكاد تُعبَد للحياة الإلهيَّة. وفي حضرتها نحنُ على حقٍّ بأن نشكرَ الله على ‘‘إعطائه البشرَ قُدرةً كهذه’’. ولنا أن نقول، بكلِّ صدقٍ وبمعنًى مُدرَك، إنَّ أولئك الذين يُحبُّون محبَّةً عظيمة ‘‘قريبون’’ من الله. ولكنَّ ذلك بالطبَّع ‘‘قُربٌ بالمُشابَهة’’. وهو لن يُنتِجَ من تلقاء ذاته ‘‘قُربَ اقتِراب’’. فإنَّ المشابَهة قد وُهِبَت لنا وَهبًا. وليس لها من ارتباطٍ ضروريٍّ بذلك الاقتراب البطيء والمؤلم الذي يجب أن يكونَ مَهمَّتنا الخاصَّة (وإنْ كانت لا تتمُّ بغير مُساعَدةٍ على الإطلاق). غير أنَّ المشابَهة، في أثناء ذلك، هي أمرٌ رائع. ولذلك يمكن أن نَحسبَ مُخطئين أنَّ شبيهَ الشيءِ هو الشيء ُنفسُه. وقد نقدِّمُ إلى محبَّاتِنا البشريَّةَ الولاءَ غير المشروط الذي نحن مَدينون به لله وحده. عندئذٍ تصيرُ تلك المحبَّات آلهة؛ وتصير بذلك شياطين، وإذ ذاكَ تُدمِّرنا، كما تُدمِّر أنفُسَها. فإنَّ المحبَّاتِ الطبيعيَّةَ التي يُسمَحُ لها بأن تصيرَ آلهةً لا تبقى محبَّات. إنَّها ما تزال تُدعى هكذا، ولكنْ يمكن أن تصيرَ في الواقع أشكالًا مُعقَّدةً من البُغض.
أمَّا ‘‘محبَّات الاحتياج’’ لدينا فقد تكون جَشِعة ومُتطلِّبة جدًّا، ولكنَّها لا تنحو لأنْ تكونَ آلهة. فهي ليست قريبةً إلى الله قُربًا كافيًا (بالمُشابهة) حتَّى تسعى إلى ذلك.
يترتَّب على ما سبق قولُه إنَّ علينا ألَّا نَنضَمَّ لا إلى مؤلِّهي الحُبِّ البشريِّ ولا إلى فاضِحي زَيفِه. وقد كان تَأليه الحبِّ الشَّهوانيِّ ‘‘والعواطفِ العائليَّة’’ ضلالةً كبيرةً في أدب القرن التاسع عشر. فإنَّ براونِنغ (Browning) وكِنغزلي (Kingsley) وپاتْمور (Patmore) يتكلَّمون أحيانًا كما لو كانوا يعتقدون أنَّ الوقوعَ في الغَرامِ والتقديسَ هما الشيءُ نفسُه؛ والرِّوائيُّون عادةً يُعارِضون ‘‘العالَم’’ لا بملكوت السَّماء بل بالحياة البيتيَّة. وما يزال مجتمعُنا يعيشُ في ردَّةِ الفِعل على ذلك. ففاضِحو الزَّيْف يَصِمُون مقدارًا كبيرًا جدًّا ممَّا قاله آباؤهم في امتداح الحُبِّ بأنَّه هُراءٌ وعاطفيَّةٌ مُفرِطة. وهم دائمًا يقتَلِعون جذورَ محبَّاتِنا الطَّبيعيَّةِ المُبتلاةَ بالدُّود والعَفَن وينبذونَها. ولكنِّي أعتقد أنَّ علينا ألَّا نُصغيَ ‘‘لا إلى المارد الفائق الحكمة، ولا إلى ذاك المُفرِطِ الجهالة’’. إذ إنَّ الأعلى لا يُقوم من دون الأدنى. فلا بُدَّ أن تكون للنَّبتة جذورٌ في الأسفل وضوءٌ من الشمس في الأعلى، ويجب أن يكون في الجذورِ شيءٌ من الدُّود والعَفن. وكثيرٌ من ذلك الدُّود والعَفن ينتمي إلى التُّربة الصالحة، هذا إنْ تركتَه في البُستان ولم تُوالِ تَذرِيَتَهُ على طاولة المكتبة. فمن الممكن أن تكونَ المَحبَّاتُ البشريَّة صُوَرًا بَهيَّةً للمحبَّة الإلهيَّة- لا أقلَّ من ذلك، ولكنْ أيضًا لا أكثر- أوجُهَ قُربٍ بالمُشابهة قد تُعين في حالةٍ ما قُربَ الاقتراب، وقد تُعيقُه في حالةٍ أخرى. وربَّما لا تكون لها أحيانًا علاقةٌ وثيقةٌ بكِلَيهما.
المُيولُ والمَحبَّات لِما هو دونَ البشر
كان مُعظم أبناء جيلي يُوبَّخون في صِغَرِهم على قولهم إنَّهم ‘‘يحبُّون’’ الفراولة مثلًا. ويُفاخِر بعضٌ باحتواء اللُّغة الإنكليزيَّة على فِعلَين يدلَّان على الحُبِّ والإعجاب هما (Love) و(Like)، في حين أنَّ الفرنسيَّةَ مثلًا تُضطَرُّ إلى استعمال فعلٍ واحدٍ للتَّعبير عن الأمرَين (Aimer). ولكنَّ في جانب الفرنسيَّة عددًا لا بأس به من اللُّغات. وفي الواقع أنَّ الإنكليزيَّة المَحكيَّة كثيرًا جدًّا ما تُسايِرُ الفرنسيَّة. فجميع المُتكلِّمين، مهما كانوا مُتحَذلِقين أو أتْقياء، يتحدَّثون كُلَّ يوم بِكَونهم ‘‘يُحبُّون’’ أكلةً أو لُعبةً أو مهنة.[3] وبالحقيقة أنَّ هنالك استِمرارِيَّةً بين ميولنا الأوَّليَّة إلى الأشياء ومحبَّاتنا للأشخاص. ولمَّا كان ‘‘الأعلى لا يقوم من دون الأدنى’’، يُستحسَنُ أن نبدأ من الأسفل، بميولنا المُجرَّدة. ولمَّا كان ‘‘المَيل’’ إلى شيء ما يعني أن نجدَ فيه نوعًا من السُّرور، فعلَينا أن نبدأ بالمسرَّة.
والآن، هو اكتشافٌ قديمٌ جدًّا أنَّ المسرَّات يمكن أن تُقسَم إلى فئتَين: تلك التي لن تكون مَسرَّاتٍ البتَّة ما لم تسبقها رغبةٌ ما؛ وتلك التي هي مسرَّاتٌ بُحكم حقِّها الذاتيِّ ولا تحتاج إلى تمهيدٍ كهذا. ولنا في شُربةِ الماء مَثَلٌ على الفئة الأولى. فهذه مسرَّةٌ إذا كُنتَ عطشانًا، ومَسرَّةٌ عظيمةٌ إذا كنتَ عطشانًا جدًّا. ولكنْ ربَّما لم يكُن في العالَم شخصٌ واحد- إلَّا مُطاوَعةً للعطش أو امتثالًا لأوامر طبيب- سكب لنفسه كأس ماءٍ وشرِبَها لمُجرَّد الاستمتاع بها. كما أنَّ لنا مثلًا على الفئة الأخرى في مسرَّات الشَمِّ غير المنشودة وغير المتوقَّعة، كالعبير المُنبعِث من نبات الياسمين أو شجرة غاردينيا عطرة، تَلقاهُ في نُزهتِك الصبَّاحيَّة. فأنت لم تكُن في حاجةٍ إلى شيء، وكنتَ راضيًا تمامًا، قبلَ ذلك. وإذ ذاك، فإنَّ المسرَّة التي ربَّما كانت عظيمةً جدًّا هي هِبَةٌ مُضافة فائقة غيرُ مُستجداة. وأنا إنَّما أضربُ أمثلةً بسيطة جدًّا لأجل الوضوح، إلَّا أنَّ هنالك بالطَّبع مُضاعَفاتٍ كثيرة. فإذا قُدِّمتْ إليك قَهوةٌ أو شايٌ بالنعناع حيثُ كنتَ تتوقَّعُ الماء (وكان من شأن ذلك أن يكفيَك)، فعندئذٍ تحصلُ طبعًا على مسرَّةٍ من النَّوع الأوَّل (إرواء الغليل) ومسرَّةٍ من النَّوع الثاني (طَعم طيِّب) في الوقت نفسه. ثُمَّ إنَّ إدمانَ شيءٍ ما قد يُحوِّل ما كان من قَبلُ مَسرَّةً من النَّوع الثاني إلى مَسرَّةٍ من النَّوع الأوَّل. فبالنَّسبة إلى الإنسان المُعتدِل، تُشكِّل كأسٌ من النَّبيذ بين الحين والآخر متعةً فعليَّة، كالعبير المُنبعِث من نبات الياسمين. أمَّا بالنسبة إلى السِّكِّير الذي تعطَّلَتْ لديه حاسَّةُ الذوقِ كما تعطَّل الهَضمُ منذ زَمنٍ بعيد، فما من شرابٍ كُحوليٍّ يؤتيه أيَّة مسرَّة ما عدا مسرَّةَ الارتياح من رغبةٍ مُلِحَّةٍ لا تُطاق. فبمقدار ما يستطيعُ أن يُميِّزَ الطُّعومَ بَعد، هو يَمقتُ الشَّراب بالأحرى؛ ولكنَّه أفضلُ عندَهُ من بؤسِ بقائه صاحيًا. ومع ذلك، فعلى الرُّغم من كلِّ تَباديلِ مواضع هاتَين الفئتَين وتَشارُكهما، يبقى التمييز بينهما جليََّا على نحوٍ مقبول. ولنا أن ندعُوَ هاتَين الفئتَين المذكورتَين ‘‘مسرَّاتِ الاحتياج’’ (Need-Pleasures) و‘‘مسرَّات التقدير’’ (Pleasures of Appreciation).
لا بُدَّ أن يخطر في بال أيِّ قارىءٍ التَّماثُلُ بين مسرَّات الاحتياج و‘‘محبَّات الاحتياج’’ التي ذكرتُها في المقدِّمة. ولكنَّك تذكُر أنِّي هناك اعترفتُ بأنَّه كان عليَّ أن أقاوِمَ مَيلًا إلى الاستخفاف بمحبَّات الاحتياج واستصغارها، بل أيضًا إلى القول إنَّها ليست محبَّاتٍ على الإطلاق. فهُنا، بالنِّسبة إلى مُعظَم الناس، قد يوجَدُ مَيلٌ مُعاكِس. إذ يسهل جدًّا أن نتمادَى في امتداح ‘‘مسرَّات الاحتياج’’ ونَتجهَّم حيال ‘‘مسرَّات التقدير’’: مُعتبرين الأولى طبيعيَّةً جدًّا (كلمة نُسحَر بها) وضروريَّة، يحميها من الإفراط كَونُها طبيعيَّة؛ والثانيةَ غيرَ ضروريَّةٍ ومُشرِّعةً البابَ لكلِّ صنوف الرَّفاهيَة والرذيلة. وإن أعوزَتنا مَوادُّ في هذا الموضوع ففي وُسعنا أن نفتح الحَنَفيَّة (الصُّنبور) بتَصفُّح آثار الرِّواقيِّين،[4] فتَتَدفق حتَّى تملأ حَوضًا. ولكنْ علينا أن نحرِصَ طَوالَ هذا المَبحَث على ألَّا نتبنَّى أبدًا قبلَ الأوان موقفًا خُلُقيًّا أو تقييميًّا. فإنَّ الذَّهن البشريَّ عمومًا توَّاقٌ لأنْ يَمدحَ ويَذُمَّ أكثر منه بكثيرٍ لأنْ يُوصِّف ويُعرِّف. إنَّه يودُّ أن يجعلَ كلَّ تمييزٍ تمييزَ قِيمة؛ ومن هُنا كان أولئك النُقَّاد المُهلِكون الذين لا يستطيعون البتَّة أن يُحدِّدوا النَّوعيَّة المختلفة لدى شاعِرَين بِغَير أن يضعوهما في تراتُبِ تفضيلٍ كما لو كانا مُرشَّحَين لجائزة. فيجب ألَّا نَعمِدَ إلى شيءٍ من هذا القبيل بالنِّسبة إلى المسرَّات. إذ إنَّ الحقيقة مُعقَّدةٌ فوقَ الحدّ. ويُحذِّرُنا من هذا أصلًا واقعُ كَون ‘‘مسرَّة الاحتياج’’ هي الحالة التي فيها تضمحلُّ المسرَّاتُ التَّقديريَّة عندما يسوءُ حالُها (بالإدمان).
ولكنَّ أهمِّيَّة نوعَيِ المسرَّات بالنَّسبة إلينا تكمن على كلِّ حال في المدى الذي إليه تؤذِنُ بخصائصَ تتميَّز بها ‘‘محبَّاتُنا’’ (المدعوَّة هكذا على نحوٍ صحيح).
إنَّ العطشانَ الذي شربَ توًّا كأسَ ماء قد يقول: ‘‘حقًّا، لقد أردتُ ذلك!’’ وقد يحذو حذوَهُ السِّكِّيرُ الذي شرب توًّا ‘‘رَشفتَه’’. أمَّا ذاك الذي يمرُّ بقرب شجرة الغاردينيا في نزهته الصَّباحيَّة، فهو أميَلُ إلى القول: ‘‘كم هي طيَّبة هذه الرائحة!’’ كذلك أيضًا قد يقول الخبيرُ بعد رَشفتِه الأُولى للنَّبيذ الفرنسيِّ الفاخر: ‘‘هذا نبيذٌ ممتاز!’’ فحين تكون مسرَّات الاحتياج مَعنيَّة، نميل إلى إصدار تصريحاتٍ عن أنفُسنا بصيغة الماضي. أمَّا حين تكون المسرَّات التقديريَّة مَعنِيَّة، فنميل إلى إصدار تصريحاتٍ عن الغَرَض بصيغة الحاضر. ومن السَّهل إدراكُ السَّبب.
لقد وصفَ شكسپير (Shakespeare) إشباعَ شهوةٍ طاغية باعتباره شيئًا
تجري مطاردتُه بطريقةٍ تتخطَّى المَنطِقَ أصلًا،
وما إن يُمسَكُ طَرَفُه
حتَّى يُبغَضَ بُغضًا يتخطَّى المَنطِقَ فِعلًا!