eKtab
EN ع
المقام العراقي ومبدعوه في القرن العشرين
اقرأ عينة مجانية

المقام العراقي ومبدعوه في القرن العشرين

بقلم حسين إسماعيل الاعظمي

صفحة 1

شكر وثناء

قلت في مرة سابقة , بأنني لم أنجز أي عمل في حياتي دون مساعدة الآخرين .. فلم استطع لوحدي يوماً ما إنجاز أي شيء يذكر على الصعيد التاريخي , سواء أكان ذلك عملاً فنياً او غير فني, وعليه فإني أرغب وبقوة أن أوجه شكري وتقديري وإحترامي ومحبتي لكل الأهل والأقارب والأصدقاء من الذين أعانوني على إنجاز هذا الكتاب، ومدوا لي يد العون بشتى الوسائل..

ولعل من الجدير بي أن أذكر بعضاً من هذه الأسماء عرفاناً بأفضالهم الكثيرة التي تجعلني في وضع أتمنى فيه دائماً أن يمكنني العلي القدير رد كل هذه الافضال والجمائل ردّا جميلا وفاءً لهم ..

فعلى الدوام تكون عائلتي الحبيبة أكثر من يعينني ويتحمل كثرة طلباتي في هذا الشأن, زوجتي الحبيبة وداد خضر عباس الجبوري وفلذات أكبادنا د.وديان وعازف القانون غسان والتوأم د. صبا ود. نوى .. وكذلك أخي وشقيقي الحبيب محمد واثق إسماعيل العبيدي الذي أخذ على عاتقه تنقيح هذا الكتاب لغوياً بمساعدة إبنتي د. وديان, وأشكر ايضاً اخي العزيز (عديلي) الاستاذ الدكتور صباح حسين عقراوي وابنه د. مروان وشقيقته د. نوار ، وخال الابناء السيد ماجد خضر الجبوري، وابنه د. زيد وشقيقته د. هند، حفظهم الله جميعا ..

فضلاً عن عرفاني بجهود الأصدقاء الأعزاء السيد غسان ثمين وقصي جاسم حسين الطائي، والمصور المخضرم آمري سليم الذين تتضح جهودهم في هذا الكتاب وكذلك الاخوة الفنانون التشكيليون الذين اخترت بعضا من لوحات اعمالهم الفنية التشكيلية وهم الفنانون الكبار ليث حسين عقراوي وكريم الوالي والجزائري م , جوريد , واحمد نصيف، واحسان ادهم، وماجد الجبوري، وقادر جرجيس وامير العبيدي، وهاشم الطويل، وعلي الجابري، وماهر السامرائي، وفائق حسن والشعراء الكبار جبار سهم والجزائري سمير سطوف، واللبناني انطوان رعد، واسماعيل الهيتي, وشكر للسيد محمود خليل عزيز العبيدي. الذي زوَّدني بصورتين فوتغرافيتين للجسر الخشبي العتيق .. وأدعو للذين توفاهم الله عزَّ وجل أن يتغمدهم بواسع رحمته وفسيح جناته , منهم المرحوم عبد المعين احمد الموصلي، وأستاذنا الراحل الحاج هاشم محمد الرجب اللذان زوداني بصور فوتغرافية تنشر لاول مرة والله الموفق ..

المؤلف

حسين إسماعيل الاعظمي

الأردن عمـَّان في

الأول من حزيران 2008

صفحة 2

قصيدة الىناظـــم الغــــزالي

الغائب الحاضر..الراحل الحي في بريد قلوبنا....بطاقة وفاء

يا أيها الصوت المسافرُ في الــدُنى

فلئن رحلتَ فقد خلـدت كما المُـنى

(يَمّ العيون السود)([1]) تغرق فيهمـا

تفدي الحياةَ لأجلهــا (والسلطنى)([2])

وطوال عمرك ترتوي من ثغرهــا

فإذا شـدوتَ فسوف يُســكرنا الغِنا

حتى اذا ما أوقدتْ تنـّـــورها

فرغيفُــها السمـراءُ (يكفينا سنى) ([3])

هل ما تزال دموع قلبك في لظى.؟

يا أيها الغِـرِّيدُ تمنــــــحنا الهنا

تشدو رخيماً , كي تثيرَ ودادَنــا

تشدو لنا , حتى تُـــبرعِمَ بِشــرَنا

أتُراك في (جسر المُسيَّبِ) ([4])

لم تزلْتعدو لتنتـــــظر اللقاء المُوهنـا

وتُنير ليلَك من شُعاع خُدودِهــا

فَلَوجهُها أبداً يشــــعُّ به السَّنــا

أَوَ ما تزال تـرومُ (قيمرَ خدِّها) ([5])

والعيدُ([6]) آتٍ كـي تبــوحَ وتُعلـنا

فإذا (المقام) ([7]) ينوحُ ..مَن بعدي له؟

مهلاً..(حسينُ الاعظميُّ) ([8]) له هُــنا

أسفيرَنا الجوّالَ تصـدحُ مُحســناً

عذب(المقام), وإن نأيـتَ فقــد دنا

فالشعرُ خمرُ العاشقـــــينْ

حتى و(ناظمُ) كان شدوَ السـاهرينْ

فله القصائدُ اذ تُعطّرُ جيدها

بين (الرصافةِ)و(الجعيفرِ)..يالها..عينَ المها([9])..!!

ها هم أحبّاءُ المقام .. أتوا هنا

في روض (ناظم) اذ يُؤرَّخُ زهرُنا

لكننا رغم الحرائقِ والعوائقِ.. سوف نصدحُ بالغناءْ

حتى وإنْ راموا لنا سُبُلَ الفناءْ

بدليل هذا (الحفلِ) من نبعِ الوفاءْ

وبرغم كلّ الحاقدين نَظلُّ في وهجِ العناقْ

ولسوف ينتصر (العراق)

ونظلّ نشدو في اشتياقْ

مهلاً ف(ناظمُ) قد أتى , ويروم تقبيلَ العراقْ

يشدو باطياف المقام

ما بين اجنحةِ الحمام

حتى لنســـــمعَهُ يغنّي بيننـا

يشدو مواويلاً لصبر تخـــيلِنا

و(سِهامُ قلبهِ) قد أتت من(بصرةٍ)([10])

حتى يودَّ على اللظى تقبيـــلَنا

إذ ذاك لقيا الرافديْنِ.. الهائميْنِ .. الحالميْنْ

هي (دجلةٌ)اذ تلتقي نهر(الفرات)

ترنو له .. يرنو لها ..عيناً بعين

ولذا ترانا كلّنا عشّاقْ

حتى نغني في احتراق

أبداً يعيش حبيبُنا الوطنُ العراقْ

إذ أنه بين القلوبْ

أبداً تعانقه الطيوب

فعراقُنا أبداً يظلُّ هو العراقْ

الشاعرجبار سهم السوداني

20\10\2003

القيت هذه القصيدة من قبل شاعرها في قاعة الرباط ببغداد يوم الثلاثاء 21\10\2003 بمناسبة احتفالية وزارة الثقافة وهي تكرم فنان القرن العشرين ناظم الغزالي في ذكرى مرور اربعين عاما على رحيله.

صفحة 3

المقدمة

شهد القرن العشرون في العراق ولادة جديدة للموسيقى العراقية عموماً والمقام العراقي خصوصاً، من خلال ظهور الكثير من الإنجازات التكنولوجية وتطورها السريع([11])، التي ما انفكت تزداد تطوراً سريعاً جداً بمرور الزمن ، ولعلَّ أبرز هذه الإنجازات ظهور جهاز التسجيل الصوتي الذي أمسى الانعطافة العظيمة في مسار الحياة البشرية على مدى تأريخها .. فقد استطاع الانسان من خلاله أن يسجل صوته ثم يعيده ليسمعه ويكرر ذلك مرّات ومرّات ..!! وهكذا كان الحظ بالغ السوء لكل المغنين والموسيقيين الذين عاشوا قبل ظهور هذا الابتكار العظيم على مدى التاريخ وذهبت أصواتهم ومخلفاتهم إدراج الرياح ..!! وبالمقابل أمست الحياة بعد هذا الإنجاز الخطير أوفر حظاً بصورة كبيرة لكل الفنــــانين الذين ظهروا منذ بدايات القرن العـشرين حتى حاضرنا ومستقبلنا ..

ومن هذا التاريخ الحديث ولهذه الأسباب، بدأت مرحلة جديدة فعلاً في تاريخ تطور موسيقانا وغنائنا، بل الحياة برمَّتها، وبطبيعة الحال أمسى التفاعل بين الشعوب اكثر قوة وتأثراً وتأثيراً من خلال تطور أجهزة الإعلام في النشر والتوزيع والاتصال والحفظ .. واختزلت المسافات، واختصر الزمن، بحالة أسرع من أي وقت مضى وبصورة مستمرة متزايدة ..

وعليه فقد ظهرت التسجيلات الصوتية لمغنينا وموسيقيينا الى الوجود وأصبح بالإمكان الاستماع إليها في أي وقت نريده ..!!

بصورة موازية، كان الإبداع المقامي قبل القرن العشرين تقريباً، إبداعا يكاد أن يكون محلياً تماماً، أو هو كذلك بالفعل، حيث كان التفاعل الدرامي([12]) منصبا فيما بين المقامات وتفصيلاتها، في الحذف والإضافة والتغيير والتقديم والتأخير بديناميكية([13]) هيكلية محددة الأطر والمعالم .. !! وما أن حلَّ القرن العشرون حتى غدت هذه الديناميكية تزداد تفاعلاً درامياً متصلاً ومتواصلاً مع تطور الاتصال بالبلدان حوالينا والشعوب الاخرى، الامر الذي أدى الى استيقاظ المقام العراقي من غفوة كانت أشبه بالسبات العميق ..!! ليتفاعل هذه المرة بصورة اكثر وضوحا وتأثيرا مع شعوب المنطقة والشعوب البعيدة الأخرى .. فكان من ثمار هذه الظروف الثقافية والواقعية، ظهور اعظم مطرب في تاريخ غناء المقام العراقي على مدى عصوره هو محمد عبد الرزاق القبانجي الذي احدث انعطافة كبيرة في تاريخ هذا الغناء وأمسى رائداً للإبداعات المـــقامية الحديثة .. التي تجـــاوزت حدود المحلية لاول مرة ..!!

إن هذا النوع الفني من التراث الغناسيقي([14]) (المقام العراقي) الذي يستثيره بإلحاح الواقع المحيط وانعكاسات البيئة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ..الخ والواقع الذي نحمله داخل أنفسنا، والذي يتنازعه خلق الخيال والتأملات والأحلام، واستقصاء الواقع، وهو لا يكف عن إنتاج أشكال غناسيقية ثابتة وابتكارات اخرى ممكنة، هذا النوع الغناسيقي التراثي – المقام العراقي – هو على صورة المسارات اللحنية التي تدل عليه، أي انه في تطور وتوسع دائمين ..

هكذا أمسى الإبداع المقامي([15]) في - حقبة التحول - وواقعها الثقافي مع ظهور محمد القبانجي، واقعاً ملموساً ومنحىً حذا حذوه الكثير من المغنين اللاحقين لأستاذهم القبانجي .. ورغم المحاولات الكثيرة من قبل مغنين مقاميين كثيرين في شأن الإبداع والتطوير خلال القرن العشرين، لكننا نستطيع ان نشخص ابرزهم في هذا الشأن، ونقصدُ بهم - الأربعة المبدعون الكبار - حسن خيوكة ويوسف عمر وناظم الغزالي وعبد الرحمن العزاوي ،الذين حذوا حذو أستاذهم الأسطورة محمد القبانجي ونحوا منحاه التجديدي الإبداعي ..

وفضلا عن ذلك فقد كان ظهور الأربعة الكبار في حقبة مناسبة كما يبدو في ظروفها الثقافية والصناعية، وقد استفادوا هم وغيرهم من بوادر هذه الثورة الفنية الإبداعية في هذه الحقبة التجريبية من منتصف القرن العشرين ، فارتقى عدد التسجيلات المقامية الى أرقام كبيرة مع تأكيد توثــيقها وارشفتها([16]) سواء من خلال شركات التسجيل الأجنبية او في دار الإذاعة العراقية ..

صفحة 4

ما هو المقام العراقي ..؟ وما هو جوهره ..!؟

اعتقد ان هذا الموضوع من أعقد موضوعات البحث واصعبها .. وربما أسهلها في نفس الوقت، لانه في الحقيقة لايوجد أي رأي ثابت أو رأي موحَّد يبيّن جوهر هذا الموضوع .. فقد صاحب تعريف المقـام العراقي اجتهاد شخصي ، تأثر بمؤثرات متنوعة، لذا رأى البعض أن ( تعريف المقام العراقي ) يعد موضوعاً معقداً وصعباً .. بينما رأى البعض الآخر، انه سهل يسير ، لاداعى إلى الإيغال في فلسفة لا يحتملها هذا التراث العريق .. ولسنا هنا في معرض استعراض تفاصيل وتعريفات تبيِّن ما كتب وما تحدث به النقاد والمتخصصون .. بل سنحاول فقط أن نعطي تحديداً وتعريفاً شاملاً لهذا التراث الغنائي .. ( إذ يسود الاعتقاد في الأوساط الغناسيقية ، أن المقام العراقي عبارة عن مجموعة أجناس موسيقية وغنائية تتصل ببعضها البعض لتكوين قوانين وعناصر وأصول حُلَّتْ ألغازها .. ! بيْد أن المقام العراقي إضافة إلى وجود هذه الأجناس هنا وهناك في غنائه .. يعتبر نمطاً ([17]) معيناً من النظام الدقيق ذي الاصول الغنائية الرصينة ، وهـو عمل حسي تمتزج مكوناتـه جميعاً للحصول على الوحدة المتكاملة في بنائه وقابل للتطوير .. ([18]) أما تعريفه مـن الناحية الوظيفـــية فهو شكل ( فورم Form ) ([19]) غناسيقي تراثي محلي عراقي … يسرد في صور شاملة ، متعددة الجوانب ، من الاشكال والمضامين الغنائية .. ليعبر عن حياة العراق بكل تاريخه وحضارته وثقافته وظواهره ، فهو يعكس هوية ابنائه وشخصيتهم .. وهو ايضاً يوضح تطور حياة هذا البلد العريق في تفاعله المتبادل بدائرة الحياة الطويلة المعقدة الممتدة لآلاف السنين من التاريخ.

ومن ناحية أخرى تعني شكله ومكوناته وعناصره، فإنه يتكون بصورة عامة من خمسة عناصر أساسية يعتمد عليها كل مقام على حدة في بنائه اللحني والموسيقي وهذه العناصر هي .

1- التحـــرير – يقصد بهذه المفردة، البداية او الاستهلال لغناء احد المقامات، ويأتي هذا الاستهلال غالباً بكلمات او الفاظ خارجة عن النص الشعري المغنى مثل امان .. امان.. او ويلاه .. ويلاه .. الخ ،ويعتبر التحرير نموذجاً لحنياً متكاملاً لروحية وتعابير وثيمة ([20]) المقام المغنى .

2 - القـِطَعْ والاوصال – ويقصد بهاتين المفردتين اصطلاحا، بالتنوع السلَّمي داخل المقام المغنى، أي التحولات السلَّمية او الاجناس الموسيقية ضمن علاقات لحنية متماسكة والعودة دائما الى سلَّم المقام المغنى (السلَّم الاساس _ الميلودي) وهذه التحولات أو القطع ذات أشكال ثابتة ومحدده في مساراتها اللحنية في غالب الأحيان.

3- الجلـــسة – وهي النزول الى الدرجات الموسيقية المنخفضة بأسلوب القرار ، ولكن بمسار لحني محدد ذي شكل معين يكاد ان يكون ثابتاً ،أي ليس أي نزول او أي قرار يعني الجلسة بالضرورة، حيث تشير هذه الجلسة للموسيقيين او توحي للمستمعين ايضا على انه ستأتي طبقات عالية من الغناء أي الجواب او اكثر من الجواب .. مثل - فعل ورد الفعل – أي لابد من حدوث هذه الجوابات التي تأتي ايضا بمسارات لحنية محددة وبشكل معين ليس أي جواب ايضا .. وتسمى هذه الجوابات بـ – الميانة – وهي العنصر الرابع.

4 – الميـــانة – ويأتي غناؤها بطبقة صوتية عالية بعد الجلسة مباشرة ذات شكل ومسار لحني معين ثابت ،على ان هذه الجوابات او هذه الميانات ليس من الضروري دائما تسبقها جلسة من حيث هي عنصر من عناصر شكل المقام العراقي الخمسة، فقد تأتي صيحات غنائية عالية لها مقومات الميانة واهم هذه المقومات ثبات هذه الصيحة في المقام المغنى دون الحاجة الى ان تسبقها جلسة، في حين أن النزول الى الجلسة في العنصر الثالث يجب ان تتبعها ميانة في كل الأحوال ، إضافة الى أن هناك صيحات عالية من الغناء حرة يستسيغها المغني حسب مزاجه الآني لا علاقة لها بموضوع الميانة خلال غنائه للمقام لأنها لا تمتلك مقومات الميانة .

5 - التســليم – وهو نهاية المقام ويأتي غالبا بألفاظ او كلمات غنائية خارج النص الشعري، شأنه في ذلك شأن ما يحدث في العنصر الأول ( التحرير ) ([21])

ومن هذه الناحية يختلف المقام العراقي عن الأغنية المقصودة أو التي نسميها الأغنية الحديثة التي تعكس ثقافة الفرد في المجتمع .. لأنها تجارب محدودة لاتتعدى حدودها الفردية، وفي حيز زمني محدد .. سواء أكان شاعراً للأغنية أم ملحناً أو مؤدياً لها.. فكلهم افراد معلومون في المجتمع .. في حين أن التراث انعكاس لثقافة المجتمع كله وعلى مدى التاريخ وهو ما تعوِّل عليه كل الدراسات الاكاديمية لمعرفة قيمة تراث هذا البلد أو ذاك .. فمهما كانت قيمة الفرد الثقافية فإنها تبقى ضمن حدودها التأثيرية الفردية ويبقى المجتمع صاحب كلمة الحسم في أيه دراسة بحثية أكاديمية] ([22])

هكذا كانت فكرة هذا البحث الذي اصبح كتابا بين يديك عزيزي القارىء، لإلقاء الضوء على الناحية الابداعية في غناء المقام العراقي في القرن العشرين التي كان رائدها ومثيرها الاول محمد القبانجي ومن بعده المغنون الآخرون وابرزهم الاربعة الكبار ..

من ناحية اخرى، فقد راق لي مصطلح الاربعة الكبار بعد اختياري اربعة مغنين يعدون ابرز المبدعين بعد استاذهم القبانجي، الذين كان لهم التأثير الكبير في الاوساط الجماهيرية وفي مسيرة هذا الغناء التراثي الحضاري حتى يوم الناس هذا، حيث نشأ من خلالهم التيار الجمالي الرومانسي([23]) التأملي والخيالات الحالمة في بغداد وامتد الى كل الغناء العراقي في القرن العشرين، وذلك على غرار المصطلح الروسي – الخمسة الكبار – وهم خمسة موسيقيين روس بارزين ،ظهروا عند انتصاف القرن التاسع عشر تقريباً، ونصفه الثاني، الذين نشأ من خلالهم الاتجاه القومي في الموسيقى الروسية وانتشر في كل اوربا، اذ تبلور بعد سنين من فشل حملة أقوى رجل في العالم ذلك الوقت الفرنسي نابليون بونابرت على روسيا مطلع القرن التاسع عشر .. الامر الذي ادى الى تنمية الشعور الوطني والقومي لدى الشعب الروسي وإلتفافهم بقوة حول وحدة وطنية وقومية برزت في كل ظواهر حياتهم وعلى الاخص في نتاجاتهم الموسيقية ..

والخمسة الروس الكبار هم ..

اسكندر بورودين (1834-1887)

سيزار كوي( 1835-1918)

موديست موسورسكي( 1839-1881)

ميلي بالاكيريف( 1837-1910)

نيقولارمسكي كورساكوف (1844-1908) ([24])

بقي أن أقول أنّ هذا الكتاب كنت قد بدأت بكتابته في السنوات العجاف التي تلت العدوان الثلاثيني الإجرامي على بلدي العراق الحضاري في 17 / 1 / 1991 وفرض سنوات الحصار الظالم على العلم والحضارة في هذا البلد العظيم – العراق - وانتهيت منه عام 1999، وقمت بإعداده من جديد خلال هذه الايام لطبعه في البلد العربي الحبيب (المملكة الأردنية الهاشمية) عن طريق دار دجلة الموقرة.

وقد قسَّمتُ الكتاب الى بابين، الباب الاول تضمَّن فصـــــلين هما، [ الفصل الاول ويتضمن المقدمة والمقام العراقي منتصف القرن العشرين اضافة الى العناوين الثانوية الاخرى .. والفصل الثاني تضمَّن تقليدية الاربعة الكبار وبداية كل منهم ..

والباب الثاني: تضَّمن ثلاثة فصول .. الفصل الأول تضَّمن ، مميزات الفنانين، توثيق التسجيلات، اهمية النتاجات المسجلة، والفصل الثاني: تضَّمن جماليات التعبير، مقارنات، قيم فنية، تحولات، اساليب ادائية.. والفصل الثالث تضَّمن، المقام المصنوع، حقبة التجربة، قيمة نتاجات الاربعة الكبار..

هناك ملاحظــــة لابد من ذكرها, هي انني وضعت ابيات معظم القصائد المغناة بعدَدِها الاصلي او أقل من ذلك حسب ما احفظه او ما امتلكه من مصادر كتب الشعر العربي، في حين ان المغني لم يغن كل هذه الابيات بالتأكيد ،وعلى الاخص اتباع الطريقة القندرجية، ولكنني وجدت انه من المناسب تكملة هذه القصائد المغناة لجمال وعمق معانيها، وبالتالي لفائدة القاريء الكريم، ارجو ان اكون مصيباً في ملاحظتي هذه، كما ارجو من القاريء الكريم ان يتعمق فيها ليكتشف كنوز المعاني العظيمة الموجودة في اغلبها..

اضف الى ذلك، ان هناك اوامر ادارية صدرت من بيت المقام العراقي – المركز العام – يوم 12/10/2003 بموافقة دائرة الفنون الموسيقية ووزارة الثقافة في العراق تضمنت الاحتفاء بمنتسبي بيت المقام العراقي ومن خارجه ممن رفدوا هذا التراث بجهودهم المشهودة على مدى تاريخهم الشخصي الابداعي، مع كتاب آخر موحد لمجموعة من كبار مغني المقام العراقي البارزين خلال القرن العشرين تم اختيارهم وصادقت عليها الهيئة الاستشارية لبيت المقام العراقي حيث تضمن منح شهادات تقديرية والقابا فنية اتسمت باهم صفة فنية اتسم بها كل من هؤلاء الفنانين المقاميين، وذلك باقتراح منى شخصيا عندما كنت مديرا لبيوت المقام العراقي في بغداد والمحافظات الاخرى، وبعد ذلك ألحَّ جميع اعضاء الهيئة الاستشارية على منحي لقبا فنيا، فضلا عن الشهادة التقديرية وقد وافقت الدائرة والوزارة وصدر امرا اداريا بهذا الخصوص في دائرة الفنون الموسيقية .. وقد تم توزيع الشهادات والالقاب لمن لايزال على قيد الحياة في احتفال رسمي كبير وتم ايضا تغطية هذه الاخبار من قبل اجهزة وسائل الاعلام المختلفة ..

وِزارةُ الثَّقافة

العدد 12

دائرةُ الفُنون الموسيقية

التاريخ 12/10/2003

بيت المقام العراقي

المركز العام

صفحة 5

أَمرٌ إِداريٌّ

إنطلاقاً من مبدأ إحترام جهود الأَسلاف المجتهدين حتى الوقت الحاضر في خدمة المقام العراقي وفي شتّى الوسائل ، وإستناداً للمادة – 4 – فقرة (ز) من النظام الداخلي لبيت المقام العراقي وموافقة دائرة الفنون الموسيقية ووزارة الثقافة، تقرر ما يلي ..

1 - يُحْتَفى بجميعِ رُوّادِ المقام العراقي أوَّلاً ، ثم باقي الأَجيالِ الأُخرى من مُنتسبي البيت فقط ، ويُمنحُ كلٌّ منهم شهادةً تقديريةً ، إِعترافاً بالجهود الخَيِّرة في خدمة المقام العراقي ، آملين المزيد من العطاء المستمر لتراث الوطن ..

2 - يُنَفَّذُ هذا الأَمر إعتباراً من تاريخه أعلاه ..

نسخة منه إِلى

- دائرة الفنون الموسيقية

- الإِضبارة الشَّخصية لكلِّ منتسب

- الحفظ

التوقيع

حسين اسماعيل الاعظمي

مدير بيت المقام العراقي

المركز العام

وِزارةُ الَّثقافة

العدد 13

دائرةُ الفُنون الموسيقية

التاريخ 12/10/2003

بيت المقام العراقي

أَمرٌ إداريٌّ

إنطلاقاً من مبدأ إحترام جهود كل الذين قدَّموا خدماتٍ طيِّبةٍ للمقام العراقي ، من دارسين ونُقّاد وكُتّاب ومُؤلِّفين ومُطربين وعازفين وغيرها من الوسائل ، وإستناداً للمادة – 4 – فقرة (ز) من النظام الداخلي لبيت المقام العراقي وموافقة دائرة الفنون الموسيقية ووزارة الثقافة ، تقرر ما يلي ..

1 - يُحْتَفى بكُلِّ من قدَّمَ خدمةً للمقام العراقي ، وبشتّى الوسائل من خارج منتسبي البيت ، ويُمْنح كلٌّ منهم شهادةً تقديريةً ، إِعترافاً بالجهود الخَيِّرة في خدمة المقام العراقي ، آملين المزيد من العطاء المستمر لتراث الوطن ..

2 - يُنَفَّذُ هذا الأَمر إعتباراً من تاريخه أعلاه ..

نسخة منه إِلى

- دائرة الفنون الموسيقية

- الإِضبارة الشَّخصية لكلِّ منتسب

- الحفظ

التوقيع

حسين اسماعيل الاعظمي مدير بيت المقام العراقي

المركز العام

وِزارةُ الَّثقافة

العدد 14

دائرةُ الفُنون الموسيقية

التاريخ 12/10/2003

بيت المقام العراقي/المركز العام

أَمرٌ إداريٌّ

إنطلاقاً من مبدأ إحترام جهود الأَسلاف المجتهدين حتى الوقت الحاضر في رفد وخدمة المقام العراقي ، من مطربين وعازفين وخُبَراء ، وإستناداً للمادة – 4 – فقرة (ز) من النظام الداخلي لبيت المقام العراقي ، وموافقة الهيئة الإِستشارية لبيت المقام العراقي ودائرة الفنون الموسيقية ووزارة الثقافة ، تقَرَّرَ إِختيار مجموعة من الفنانين المقاميين الذين يعتبرون أَبرز فناني المقام العراقي في القرن العشرين ، لمنحهم شهادة تقديرية مع لقبٍ فنيٍ إِعترافاً بجهودهم الكبيرة في خدمة المقام العراقي ، وفيما يلي إِسم الفنان الذي تم اختياره واللقب الذي يستحقه ..

- رشيد القندرجي(1886 – 1945م)رائد الغناء المقامي المتقن في ق 20

- نجم الشيخلي(1893 – 1938م)رائد الصوت المقامي الهادر

- محمد القبانجي(1901 – 1989م)مطرب العراق الاول في ق 20

- صدِّيقة الملاية(1900 – 1970م)رائدة الغناء المقامي النسوي في ق 20

- حسقيل قصاب (1899 – 1977م) رائد الكلاسيكية الجديدة في الغناء المقامي

- جميل الأَعظمي(1902 – 1967م) رائد الغناء المقامي الديني الدنيوي

- سليمة مراد (1905 – 1974م)رائدة الأُغنية البغدادية الحديثة

- عبد الهادي البياتي(1911 – 1974م) رائد الغناء المقامي الأُصولي

- حسن خيوكة (1912 – 1962م) رائد الغناء المقامي الرومانسي

- يوسف عمر(1918 – 1986م) رائد الغناء المقامي الجماهيري

- الحاج هاشم محمد الرجب(1920 – 2003م) خبير المقام العراقي الاول في ق 20

- ناظم الغزالي(1921 – 1963م) سفير الغناء العراقي

- زهور حسين (1924 – 1964م) رائدة الأُغنية الشعبية الحديثة

- شعوبي ابراهيم(1925 – 1991م) ملك آلة الجوزة المقامية في ق20

- عبد الرحمن العزاوي(1928 – 1983م) رائد الغناء المقامي الصوفي

- مائدة نزهت(1937 - ...... م) فنانة القرن العشرين

- فريدة محمد علي (1963 - ...... م) رائدة الغناء المقامي النسوي التقني

- ينفذ هذا الامر إِعتبارا من تاريخه أَعلاه

التوقيع

حسين إسماعيل الأعظمي

مدير بيت المقام العراقي

المركز العام

- نسخة منه:

- دائرة الفنون الموسيقية

- بيت المقام العراقي المركز المالي

- الإِضبارة الشَّخصية لكل منتسب

- الحفظ

وِزارةُ الثَّقافة

العدد11015

دائرةُ الفُنون الموسيقية

التاريخ 12/10/2003

أمرٌ إداريٌّ

إنطلاقاً من مبدأ إحترام جهود المجتهدين في رفد المقام العراقي وخدمته وإِنتشاره دوليا ، وإستناداً للمادة – 4 – فقرة (ز) من النظام الداخلي لبيت المقام العراقي وموافقة الهيئة الإِستشارية لبيت المقام العراقي ودائرة الفنون الموسيقية ووزارة الثقافة ، وبعد إِلحاح كل منتسبي البيت تقرر ما يلي ..

1 - يُمنَح الفنان حسين إِسماعيل الأَعظمي ، مدير بيوت المقام العراقي ، شهادةً تقديريةً ولقب (سفيرُ المقام العراقي) لنشاطه الخارجي المُكثَّف طيلة ثلاثين عاماً من التَّجربة الدولية ونشره للمقام العراقي في بقـــاع جغرافية واسعة من العالم ..

2 - يُنَفَّذ هذا الأمر إعتباراً من تاريخه أعلاه ..

التوقيع

حبيب ظاهر العباس

مدير عام دائرة الفنون الموسيقية

- نسخة منه إِلى

- نسخة الدائرة

- الإِضبارة الشَّخصية للفنان حسين الأَعظمي

- إضبارة المنتسبين

- الحفظ

أَرجو أَن أَكونَ قد وُفِّقت في تقديم شيء مفيد للأَجيال القادمة والله من وراء القصد ..

المؤلف
حسين اسماعيل الاعظمي
بغداد وعمان 2006
عنوان المؤلف

الاردن \ عمان \ جبل الحسين \ ص ب 922144

الرمز البريدي 11192

نقال/00962795820112

Email :hussain_alaadhamy @ yahoo.com

[email protected]

صفحة 6

يا ظبية البان

القصيدة الشهيرة للشريف الرضي

يا ظبية البان ترعى فـي خمـــائلـه

ليهْنـِكِ اليوم إن القلـب مرعــــاكِ

المـاء عنـدك مـبـذول لشــاربـه

وليس يرويك إلا مـــدمع الباكـي

هبّت لنا من رياح الغور رائـــحـةٌ

عنـد الرقـــــاد عرفناهـا بريّـاك

تم انتهينا إذا مـا هزّنــــا طـرب

علـى الرحيـــــل تعلّلنـا بذكـراك

حكت لحاظك ما في الرئم مـن ملـح

يوم اللقاءِ وكان الفضـــــل للحاكي

سهـمٌ أصـاب وراميـه بـذي سلـم

من بالعراق لقد أبعـدت مرمـــــاك

وعدٌ لعينيك عندي مــا وفيـت بـه

يـا طالمـا كذبـت عينـي عيـنــاك

كـأنّ طرفك يـوم الجـزع يخبـرنـا

مما انطوى عنك مـن أسمـاء قتــلاك

أنتِ الجحيم لقلبـي والنعيــــم لـه

فمـا أمـرّكِ فــي قلـبـي وأحــلاكِ

عندي رسائل شوق سوف أرسلها

لولا الرقيب لقد بلّغتها فاك

صفحة 7

تمهـيد

حقبة التحول - فكرة عامة

قلت مرة, ان الزمن في الحقيقة , هو الماضي والمستقبل , وان الحاضر لا وجود له , ما دامت عجلة الزمن تسير دون توقف , فالزمن الذي نطلق عليه اسم (الزمن الحاضر) يصبح ماضيا في لحظته باعتباره مستمراً([25])، ولكن اذا ما زاد وعينا بهذا الزمن المستمر (الحاضر) , فان وعينا باهمية التطور والسير قدما نحو مواكبة الحياة الجديدة بكل تفاصيلها يزداد اضطرادا.. شريطة ان يكون اهتمامنا بالماضي وانطلاقنا منه نحو الآفاق المستقبلية في ازدياد مستمر لنضمن اساسا متينا لافكارنا وابداعاتنا وجمالياتنا..وبذلك فاننا حين نعي هذه المدلولات فنحن نسهم بهذا التطور من خلال استنطاقنا للمادة التراثية وجلاء ما حدث في الماضي.. وعليه ينبغي التعمق في مدلولات الماضي وفهمه وادراكه لنبدأ البداية الصحيحة من الزمن والمكان الذي نحدده في تسلسل ماضينا لنكون قادرين ان نعيد تركيب الماضي الغناسيقي المتناثر الشظايا هنا وهناك , ونقوي تماسكه وعلاقته بزمننا المستمر (الحاضر) وآمالنا المستقبلية بكثير من التأمل.. وقد كنا وما نزال بحاجة متجددة دائما ان نعرف تاريخنا كما كان واقعا , دون الاكتفاء بما نتصوره او نستنتجه او كما تشاؤه الاهواء....

في هذه الدراسة التي نحاول ان نتوسع فيها عن المقام العراقي وحال ادائه الابداعي في القرن العشرين وتطوره وتبلوره وكل ما يعنيه خلال مائة عام من تاريخه .. لا اهدف الى معالجة حالة ادائية , غنائية كانت ام موسيقية , بل احاول زيادة الوعي او التنبيه والتذكير الى اهمية التفاعل والعلاقة الجدلية الوثيقة بين الثالوث الزمني الذي يعيشه الانسان في ماضيه ووعيه بالحاضر ونظرته الى المستقبل, وهذا ما يجعلني احتمل , ان هذه الدراسة قد تميل الى المنحى العلمي والاكاديمي في الطرح والتحليل ..لابراز التطور التاريخي للاداء المقامي في حدود مائة عام من تاريخه واعني بهذه المائة عام - القرن العشرين - ...

غياب التوثيق وظهور جهاز الصوت

ظل الغناء المقامي طيلة تاريخه الطويل حتى اواخر القرن التاسع عشر او بداية القرن العشرين , مجهولا على الدارسين والنقاد والكتاب الموسيقيين في قيمه الفنية ومعانيه التعبيرية وعلاقاته اللحنية , لعدم تدوين وتوثيق هذا التراث بصورة تفي لمعرفتنا به , خاصة وان التسجيل الصوتي لم يكن موجودا اصلا حتى ظهوره اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ... وسيبقى جميع المغنين السابقين لهذه الحقبة من التطور التكنولوجي على مدى تاريخ البشرية سيئي الحظ .! اذ لم تسجل اصواتهم وذهب اداؤهم ادراج الرياح ..!! وقد زاد الطين بلـَّة حين لانجد تاريخا مكتوبا بصورة وافية عن حال الغناء المقامي والمؤدين له خلال القرون الكثيرة الماضية , وظل الحال وكأنه في سبات عميق ...

وهكذا استيقظ المقام العراقي بكل قيمه في حقبة توديع القرن التاسع عشر واستقبال القرن العشرين , بعد ان ظهر جليا الى الوجود , الكثير من التطور التكنولوجي , واصبح في الامكان تداولها , الامر الذي افزع الناس واقلقهم لغرابة وسرعة تطور الاشياء , وقد احسوا ان شيئا ما قد حدث .. وبمضي! الوقت تطورت اجهزة التسجيل الصوتي التي اتاحت ولاول مرة في تاريخ البشرية , الفرصة للانسان ان يسجل صوته ثم يعيده ليسمعه ويكرر ذلك مرات ومرات .. !!!

صفحة 8

التسجيلات الصوتية الاولى

وطبيعي انه يمكن العثور على تسجيلات مقامية مؤداة من قبل مؤدين ولدوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وظهروا كمؤدين في اواخره او اوائل القرن العشرين , مثل جميل البغدادي (1876-1953م) ويوسف كربلائي(1879-1960م) ورشيد القندرجي (1886-1945م) وعباس كمبير(1893-1971م) وعبد الفتاح معروف (1881-1989م) ونجم الشيخلي(1893-1938م) وغيرهم .. هذه المقامات المسجلة باصوات هؤلاء المؤدين , ذات موضوعات تاريخية وتقليدية في اصولها وبنائها اللحني القديم والمتعارف عليه توارثا عن القرون الماضية من الآباء والاجداد .. ويستطيع الدارس او الناقد لهذا الشأن من الموسيقى والغناء التراثي , اذا ما احس ميْلاً في نفسه الى ذلك , ان يعتبر تلك التسجيلات الصوتية الاولى كمقامات موروثة تعبر عن الشكل المقامي باصوله التقليدية ومضامينه التعبيرية القديمة التي لا نعرف عنها الكثير كلما توغلنا في اعماق ماضي المقام العراقي مثل مقام الطاهر (سلَّمه جهاركاه) بصوت جميل البغدادي بقصيدة استطعت ان اعرف منها هذين البيتين ..

يا محرقا بالنار وجـــه محـــبه

مهلاً فإن مدامــــعي تطفـــيه

إحرق بها جســـدي وكل جوارحي

وأشفق على قلبــــي لأنك فــيه

ومقام البنجكاه (سلَّمه رست) بصوت يوسف كربلائي بهذين البيتين ..

هتف الصبح في الدجى فاسقنيها

خمرة تترك الحلــيم سفــيها

لست أدري لرقة وصــــفاء

هي في كاسها ام الكـــاس فيها

ومقام السيكاه بصوت رشيد القندرجي بقصيدة ابي نواس ..

نضت عنها القميص لصـب ماء

فورَّد خدها فرط الــــحياء

وقابلت الهواء وقد تــــعرت

بمعتدل ارق من الهــــواء

ومدت راحة كالــــماء منها

الى ماء معد في انـــــاء

ولما أنْ قضت وطرا وهمــت

على عجل لتاخذ بالــــرداء

رأت شخص الرقيب على التداني

فأسبلت الظــلام على الضياء

وغاب الصبح منها تحت لــيل

وظل الماء يجــري فوق ماء

فسبحان الإله وقد بــــراها

كأحسن ما تكون من النســاء

ومقام السيكاه ايضا بصوت عباس كمبير بأبيات من قصيدة منسوبة ليزيد ابن معاوية ..

أراك طروبا ذا شـجى وترنم

تميل الى ذكر المحاسن بالفم

أصابك عشق أم رميت بنظرة

وما هذه إلا ســجيّة مغرم

احسد كاسات خمر تقبل فمِّها

اذا وضعتها موضع اللّثِّ بالفم

ومقام المثنوي (سلَّمه حجاز) بصوت عبدالفتاح معروف بهذه القصيدة ..

فقتَ حسنا وسؤددا وافتـخارا

زادك الله رفعـــة ووقارا

وملكت القــلوب منا جميعا

مات الناس في هواك سكارا

انت نور في الملاحة صـمت

زاده الكون من ثناك استنارا

لو رأى البدر من جديد سبحنا

لاختفى منك خجلة وتـوارى

لو راتك الشمس مخـــتالا

لا ثملت من حينها استــتارا

وابن ياقوت لو رأى لــتقدم

ألفيه نهر النفـــيس وحارا

يا شهيد الملاح رفقا بقــوم

اردفتك لحاظك منــك عارا

صفحة 9

اسطورة القدماء

على الإجمال , يترتب على المرء , عند الحديث عن المستوى الادائي للمقامات بأصوات المؤدين القدامى الذين لم نستمع إليهم بأجهزة التسجيل الصوتي لأنهم لم يدركوها , ان يقطع صلته بالأسطورة التي تمجد بالقدامى رغم ان بعضهم قد يستحقون ذلك , ولكن لا ينبغي أبدا أن نحطّ من إمكانية مؤدي منتصف القرن العشرين وما بعده والموجودين حاليا , هذه الأسطورة الرجعية التي تنكر على عصرنا الراهن أي تطور أو إبداع أدائي .. فللقدامى دورهم المحترم وللموجودين دورهم الكبير .. ولا يلزم المرء إلا أن يتأمل المنجزات الرائعة المتمثلة بالتسجيلات الصوتية المقامية لمحمد القبانجي في مقام القطر بهـذا الزهيري كمثال ..

نار الغضا لوعت مني الضمير ابجاي

والغير منهم شرب كاس الوداد ابجاي

تميت أعالج بروحي كالغريج ابـجاي

وانوح من بلوتي نوح الحمــام ابغرب

ارعى وحوش الفلا هايم صباح اوغرب

ما هي مروة تخــــلونة بدار الغرب

ابجي على شوفكم ما تسمعون ابجاي

وحسن خيوكة في مقام الاوج بقصيدة مطلعها:

هي حزوى ونشرُها الفـــيّاحُ

كلُّ قلبٍ لذكرِها يرتـــــــاح

وناظم الغزالي في مقام الجمال بقصيدة هذا مطلعها..

من زاحم الليث على غابه ظــلما

سيلقى الحتــــــف في نابه

ويوسف عمر في مقام العجم عشيران بقصيدة الرصافي ومطلعها ..

يا شعر انك صورة لضــــميري

يبديك حزني تارة وســـروري

ومقام الراشدي بصوت عبدالرحمن العزاوي بالزهيري الذي مطلعه ..

بهواها شفت العجـــب من يوم خلتني

بفنونها والحـــــسن يا ربي حلتني

وغيرهم ... لنثبت تفاهة هذه الاسطورة ..ويمكننا أن نستمع بصورة اوسع وبالتدريج الزمني للأصوات المقامية التي قدِّر لها أن تسجِّل صوتها في الغناء المقامي منذ بداية القرن العشرين ولحدّ الآن .. لنرى التطور التدريجي للغناء المقامي وقيمة الابداعات المستمرة خلاله , وما يهمنا على أية حال , هو ان نبلور على نحو واضح , واقع التطور المستمر للمستوى الغنائي في نواحيه الفنية والجمالية خلال القرن العشرين , بدراسة تاريخه التطوري لنرى ماهية الأساس الثقافي والذوقي الذي كان عليه الغناء المقامي مستمرا حتى أواخر القرن العشرين .. وفي هذا الصدد .. علينا ان نؤكد بأن توثيق هذا التطور ودراسته , يمكن ان نعتبره تمهيدا ثقافيا للنهضة الإبداعية ..

صفحة 10

أهميّة الحسّ التأريخي

يعمل الابداع الخلاق في معظم الأحيان , باكتشافه عدة حقائق تطورية وعلاقات فنية جديدة لتحويل المجتمع ثقافيا وبمساعدة هذه الحقائق , من مستوى الى مستوى آخر, ولذلك كان الماضي بشتى مستوياته هو اساس كل هذا التطور الذي يحصل للفنون الموسيقية مهما كان عليه من مستوى ثقافي ..

إن الجهل بأهميّة الحسّ الثقافي التاريخي , لغنائنا وموسيقانا الماثلين فعلا في الكثير من الممارسات الابداعية , لاتجعلنا نستطيع أن نميز الموقع الذي تحتله موسيقانا وقيمتها في سلسلة تاريخها الطويل , ويبدو لي, ان كون المقام العراقي تراثا غناسيقيا حضاريا , أي أنه نتاج مدينة , فقد لفت هذا الغناء المقامي انتباه المغنين له وكذلك النقاد والكتاب والمتخصصين في شؤونه الى الاهمية التاريخية في تحديد الموقع الذي يحتله وقيمته في سلسلة التاريخ الممتد منذ آلاف السنين ..

إن النتيجة الحتمية لوضعنا الإبداعي والتطوري , هو تنمية الحس التاريخي والتعمق في دراسته للوصول إلى أدقٌ معلومات تاريخية ممكنة ومفيدة تخدم عملية التطور والابداع ..

لقد كانت التجربة الانسانية في النصف الأول من القرن العشرين , بنشوب الحربين الكونيتين وغيرها من الأحداث الأخرى , وعلى الأخص تجربة البلدان العربية , هي التي جعلت التفكير والاهتمام بالتاريخ لأول مرة اكثر من أي وقت مضى على صعيد المجموع .. وايقظت الشعوب إلى اهمية تاريحها والمحافظة على تراثها بصورة عامة , وأمسى هذا التفكير وهذه النقطة التاريخية , وعيا ذاتيا على صعيد الفرد ايضا اضافة الى المجموع .. خاصة في بلداننا العربية , وربما على وجه التخصيص في بلدنا , وبالاجمال كان هذا الوعي واضحا في البلدان النامية بصورة عامة ايضا , بعد ان مرَّت قرون عديدة من السبات الثقافي والعلمي على هذه البلدان , وعليه فلا بد لهذا الحال ان يعزز تعزيزا هائلا , الشعور أولا , بان هناك شيئاً من الماضي كتاريخ ..وثانيا بأن هذا الماضي يترك أثرا مباشرا في حياة كل فرد وحياة كل مجتمع ..

إن هذا التحول في الوعي بأهمية التراث وأهمية تاريخه لدى الشعوب عموما , من صعيد الفرد الى صعيد المجموع , وانتباه الحكومات الى هذا الامر ودعمها للمؤسسات الثقافية والفنية للحفاظ على موروثاتها , يبدو ايضا خطوة ثقافية صاحبت التطور الصناعي والتكنولوجي , ثم يتبلور الامر ليصبح نهضة جديدة في السياسة والعلوم والثقافة والفنون والاداب بصورة عامة .. فالموسيقى والغناء في العراق في ظروف هذه الحقبة , اضطرا من خلال فنانيها ان يتعاملا مع المجتمع بحذر تدريجي , حتى امست العلاقة بمرور الوقت باكثرية السكان او المجتمع بأكمله , علاقة وطيدة , واعتقد ان مثل هذه الظروف تحدث , ليس فقط في بلدنا, وانما على صعيد الشعوب الاخرى ولو بصورة متفاوتة من حيث ردود الافعال الجماهيرية , الدينية والدنيوية , في الموسيقى والغناء .. وعليه فان حياتنا الداخلية ارتبطت بتطورات هذه النهضة الغناسيقية الجماهيرية الحديثة , خاصة العلاقة الضمنية الموجودة بين الغناسيقى والمتلقي والفنان .. ارتباطا لم يكن ممكنا على هذا النحو لو لم يحدث التطور في الوعي باهمية الغناسيقى والفنون الاخرى في بناء وتطور المجتمعات والدول ..

من ناحية اخرى .. تلعب كثرة الاحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية دورا ضمنيا آخر في تنمية النوعية وظهور مجموعة النخبة من المتلقين بين الجماهير الكبيرة , هذا هو اذن بعض من تفسير الانعطافات التطورية في الثقافة والفنون حسب الامكانات المحسوسة والمتاحة للناس والبلد عموما ..ليستوعبوا تراثهم بوصفه تاريخهم وهويتهم ..اذ يروا فيه شيئا يؤثر بعمق في حياتهم اليومية ويعنيهم على نحو مباشر , ووفقا لهذا التفسير , فان التراث باجمعه ومحتويات كل المـــاضي هو حامل ومحقق التقدم للشعوب والانسانية جمعاء ..