eKtab
EN ع
المختصر في أخبار كنانة مضر
اقرأ عينة مجانية

المختصر في أخبار كنانة مضر

بقلم ساجد جبار الضاحي

صفحة 1
تمهيد
 
قبائل العرب تفاضلت فيما بينها بناءً على معايير أخلاقية كانت قد ارتضتها، فكانت تتفاضل بالمروءة وبكل عناوينها من شجاعة وكرم وحماية جار وحلم وإباء وصدق وما إلى ذلك. هذا التفاضل كان في حقيقته شكلاً من أشكال التحدي، وقد يكون التحدي داخل القبيلة الواحدة فيتبارى أفرادها ليبرزون أنفسهم فيشتهر فرد من أفرادها بخلق يصير هذا الخلق مثالاً يُحتذى في قبيلته، وقد تطير شهرته إلى بقية العرب وربما وجد مثال آخر في قبيلة أخرى بنفس المواصفات أو قريباً منها.
 
وقد يكون التحدي أوسع نطاقاً وأبعد مدى فيكون تحدياً قبلياً، تتنافس به القبائل وكل تحاول أن تعتلي ذروة موضوع التحدي. وتحت هذا المفهوم يمكن أن تفسر الصراعات القبلية التي كانت سائدة قبل الإسلام.
 
هذا التحدي قد ينتج عنه عُرف وقيم جديدة فيكون هذا العُرف وهذه القيم محط احترام لدى العرب عموماً أو غالبيتهم، ومن هذا ما كان يُعرف عند العرب قبل الإسلام بالحمس والنسيء والوصيلة.
 
ولما جاء الإسلام ألقى على العرب مسؤولية حمل الرسالة ومسؤولية تبليغها للأمم الأخرى. فكان العرب مبشَّرين ومبشِّرين. هذا يعني كونهم عرباً قد رتب عليهم مسؤولية لا ينهض بها سواهم. الوحي نزل بلسانهم وعليهم نقل هذه الرسالة وفق قواعد لسانهم للأمم الأخرى التي لها ألسنتها المختلفة والخاصة بها.
 
إن تلقّي الرسالة السماوية كان تحدياً للعرب قريباً مما كان يعرفونه من تحدي قبل الإسلام، فأخلاقهم التي اتسمت بالشجاعة والصدق والأمانة والصبر مكّنتهم من فهم الإسلام، ولو بعد عناد، إذ أنهم لما رجعوا لأنفسهم ولضوابطهم التي ارتضوها وجدوا الإسلام منسجماً مع أخلاقهم، فحملوا الرسالة واستوعبوها وارتضوا تنزيهها لأخلاقهم مما كان يشوبها من عيب.
 
ولكن التبليغ للأمم الأخرى جلب على العرب تحدياً جديداً، أو أنه أعطى التحدي بُعداً أعمق، يختلف عما كان العرب يعرفونه، لا يمكن أن ينهض له الرمح أو السيف ولا إقراء الضيف ولا الصبر. تمثل هذا التحدي في دخول الفرس الإسلام وانضوائهم تحت رايته، إن دخول الفرس للإسلام هدد العرب في لغتهم، وكان تهديداً لهم جميعاً ولعلاقتهم بالدّين، الفرس لهم لسانهم، وهم لم يكونوا يقصدون هذا التهديد ولكنه كان خطراً قاتلاً.
 
أمام هذا التحدي نهض رجل من بني كنانة نيابة عن العرب جميعاً، فاستقرأ لغتهم، واستنبط ضوابطاً لها، فحمى الإسلام بأن رسم نحو العربية، هذا الرجل هو أبو الأسود الدؤلي رأس المدرسة البصرية وأبوها. وليس هذا كل ما فعله أبو الأسود بل إنه رسم علامات الإعراب.
 
وعلى خطى أبي الأسود يخطو نصر بن عاصم الليثي الكناني فيعطي رسم الحرف العربي شكله النهائي وذلك بتنقيط الحروف لتمييزها، فسهّل قراءة الحروف وأزال اللبس.
 
هكذا عبر أبو الأسود الدؤلي ونصر بن عاصم الليثي بالعرب جميعاً بحر الظلمة ومحنة اللسان فكسبت أمة العرب على يديهما أصعب تحدي.
صفحة 2
وإذا كان الفرس الذين دخلوا الإسلام قد هددوا العرب والإسلام بأن كانوا خطراً على لغة الإسلام، من حيث لا يدرون، فإنهم وبعد أن اتسعت دولة الإسلام وتحت مظلة قيمه التي اتسمت بالمساواة بين الجميع. بزغ لهم قرن فراحوا يطعنون على العرب في أنسابهم، وثقافتهم منتقصين من قدرهم وعرف هؤلاء بالشعوبيين، قدح الشعوبيون في العرب فنالوا من شجاعتهم فعابوا رمحهم وحقّروه، وعابوا ثقافتهم وشعرهم بل إنهم هزءوا حتى من عمائم العرب وعصيهم. وكانت الشعوبية قاصدة للإساءة وشكّلت تحدياً قومياً وثقافياً ودينياً. فنهض رجل من بني كنانة وهو عمر بن بحر المعروف بالجاحظ، فتصدى للشعوبية وأخزاها وفتح باباً مشرعاً للآخرين كي يحذون حذوه ويذودون عن وجودهم.
 
ولما كانت العربية تعني اللسان، فإن بني كنانة عرفوا هذا بداهة فراحوا يذبون عن قوميتهم بأن يحفظوا لسان العرب. ولهذا فإن أبا الأسود الدؤلي – لم يكن رجل استقى فكرة النحو من روم أو يونان أو فرس فهو لم يكن عارفاً باللغات هذه، ولم تكن الترجمة عن اللغات الأخرى قد بدأت في زمنه – قد رتب للنحو العربي أبوابه ووضع اللبنة الأولى، وكان أبو الأسود عالِماً بالمفردات العربية محيطاً بها، حتى أنه كان يرى أن كل كلمة غير موجودة في حافظته قذراً يجب دفنه(1).
 
وكذلك كان نصر الليثي، قال عنه الزهري: إنه ليفلق بالعربية تفليقاً.
 
ورجل ثالث ومن قبيلة كنانة أيضاً وهو الليث الجندعي الليثي قيل أنه أتمّ كتاب العين المنسوب للفراهيدي، وقيل إنه هو واضعه.
 
هل هي محض صدفة أن يكون هؤلاء الرجال من قبيلة كنانة وأن يكونوا غيارى سابقين في الذود عن العرب وحفظهم بحفظ لغتهم؟ إن قبيلة هذا شأنها، يحمل رجالها العبء عن كل العرب، إضافة لشرفها في مضر – حق لها أن يحفظ تراثها ولو بمختصر.
 
______________________
 
(1) ورد في البيان والتبيين للجاحظ ص198 ما نصه: ((قال أبو الحسن: كان غلام يقعر في كلامه فأتى أبا الأسود الدؤلي يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود الدؤلي: ما فعل أبوك؟  =
 
= قال: أخذته الحمى فطبخته طبخاً، وفتخته فتخاً، وفضخته فضخاً، فتركته فرخاً. فقال أبو الأسود: فما فعلت امرأته التي كانت تشاره وتمارهْ وتهارهْ وتزاره؟ قال: طلقها وتزوجت غيره، فرضيت وحظيت وبظيت وقال أبو الأسود: قد علمنا رضيت وحظيت، فما بظيت؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك. قال أبو الأسود: يا بني كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما يستر السنور خرءها)) .
صفحة 3
مقدمة
 
كثير من أجداد العرب من كان اسمه كنانة، منهم من هو من عرب الجنوب القحطانيين، ومنهم من هو من عرب الشمال العدنانيين، ومنهم من تكاثر نسله فصارت ذريته تحمل اسمه وتنتسب إليه، فيقال لأحدهم: كناني. وأشهر من عُرف باسم كنانة من القحطانيين:
 
1- كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة.
 
وهم بطن كبير انقسم إلى عدة أفخاذ منها: بنو عدّي، بنو زهير، بنو عليم، وبنو جناب(1). ومن مشاهيرهم قبل الإسلام: عبدالله بن هبل ويُعرف بأبي سالم، كان قد أتى قريشاً حين أرادت بناء الكعبة، وكان معه مال فقال: دعوني أشرككم في بنائها، فأذنوا له وبنى جانبها الأيمن(2) ومنهم زيد بن حارثة مولى رسول الله (ص) (3)، وأسامة بن منقذ صاحب حصن شيزر(4).
 
ولم أجد في العرب القحطانيين من يُلقَّب بكناني غير هؤلاء.
 
2- كنانة بن عذرة بن سعد بن هذيم وهو من قضاعة أيضاً(5).
 
3- كنانة بن مسلمة بن عامر بن عمرو بن علة وهو من مذحج(6).
 
أما من اسمه كنانة من العدنانيين فمنهم:
 
1- كنانة بن شبابة بن سعد بن اللات بن أشيب بن بُرد بن أقصى بن صبح بن الحراث بن أقصى بن دعمي بن إياد بن نزار(7).
 
2- كنانة بطن من تغلب بن وائل(8).
 
3- كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جذيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان(9).
 
ومن مشاهيرهم: الحارث بن حلزة اليشكري صاحب إحدى المعلقات(10)، وسويد بن أبي كاهل بن حارثة بن حُسل بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة(11) وله قصيدة يحبها العرب كثيراً ويقول فيها:
 
يسطتْ رابعةُ الحبلَ لنا
 
فوصَلنا الحبلَ منها ما اتسعْ
 
ومنهم عبدالله بن الكواء(12).
 
3- كنانة بن خزيمة بن مدركة(13) وهو أشهر من حمل اسم كنانة من العدنانيين عموماً، ولُقِّب أولاده بالكنانيين نسبةً إليه، وتفرعوا إلى قبائل كبيرة وبطون جمة، ولم تذكر كتب الأنساب ولا مراجع التاريخ أحداً من العدنانيين سواءً كان من إياد أو ربيعة يُلقب بالكناني إلا أولاد كنانة بن خزيمة هذا. فيقال لأولاد كنانة بن يشكر والذين هم من ربيعة: اليشكري ولا يقال لهم الكناني، فهذا الحارث بن حلزة اليشكري نسبةً إلى يشكر وهو من أبناء كنانة بن يشكر، ولم يُلقَّب سويد بن أبي كاهل بالكناني، وكلا الرجلين شاعر تعتز به قبيلته غاية الاعتزاز وتفخر به.
صفحة 4
نسبهم :
 
هم أولاد كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان(1) وكان خزيمة يُكنى: أبا قيس وقيل أبا النضر. أما مدركة فاسمه عمرو على أغلب الروايات(2) وإنما قيل له مدركة لأن إبلاً لهم نفرت فتفرقت فذهب عمرو هذا في أثرها فأدركها فسمي مدركة. ولعمرو أخ يقال له: عامر ويدعى طابخة، إذ أنه لما ذهب أخوه في أثر الإبل، اصطاد أرنباً فطبخها فسمي طابخة، ولهم أخ ثالث وهو عمير وسمي قمعة لأنه انقمع في البيت. فقال لهم أبوهم إلياس:
 
يا عَمرو قد أدركتَ ما طلبتا
 
وأنت قد أنضجت ما طبختا
 
وأنت قد أسأت فانقمعتا
 
ويقال لمضر: الحمراء، والسبب في هذه التسمية، أن نزاراً لما حضرته الوفاة قسّم أمواله بين أولاده فأعطى مضراً القبة وكانت من أدم حمراء. وقيل أن نزاراً أعطى مضراً ناقته الحمراء وما أشبهنها من الحمرة(3).
 
وأم كنانة هي عوانة بنت سعد بن قيس، وقيل بل هند بنت عمرو بن قيس عيلان، ولا خلاف في كونها ابنة قيس عيلان(4).
 
ولكنانة من الإخوان أسد، أسَدَة، وجذام تنسب إلى أسدَة، عبدالله والهون. أما أعمامه فقد درجوا ولم يعقبوا إلا عمه هذيل بن خزيمة(5).
 
وقد اختلف النسابون كما اختلف المؤرخون في عدد أبناء كنانة، فهم بين مكثّر ومقلّل. فقد ذكر بعضهم أن أبناء كنانة أربعة عشر رجلاً، في حين قال آخرون أنهم ثلاثة رجال(6).
 
إن المصادر التاريخية والأدبية تؤرخ وتترجم لأربعة من أولاد كنانة، وهم: النضر (قريش)، مالك، مْلكان وعبد مناة. وهذا يعني أن ما ذكر من أبناء كنانة غير هؤلاء الأربعة، إما أن يكونوا من صنع الرواة، أو أنهم ماتوا ولم يعقبوا، أو صاروا في قبائل أخرى فانصهروا فيها وعُدّوا منها.
صفحة 5
قبـائـــل كنانـــة
 
بنو النضر (قريش) (7):
 
ولد النضر بن كنانة مالكاً ويخلداً والصلت.
 
وولد مالك فهراً، وولد فهر غالباً، وولد غالب لؤياً، وولد لؤي كعباً، وولد كعب مرة، وولدة مرة كلاباً، وولد كلاب قصياً، وولد قصي عبد مناف، وولد عبد مناف هاشماً، وولد هاشم عبدالمطلب، وولد عبدالملطب عبدالله، وولد عبدالله محمداً  .
 
أما يخلد فإن بنيه في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة. والصلت درج، ويزعم بنو مليح بن خزاعة أنهم من ولده(8).
 
من هو قريش؟ ومتى ظهر؟ ولمن يقال: قرشي؟
 
عني النسابون ببني النظر كثيراً، فقالوا وأطالوا، والسبب الرئيس وراء ذلك هو أن رسول الله  ينتسب إليهم ولكن النسابين والمؤرخين لم يتفقوا على من هو قريش ومتى ظهر.
 
إن لشخص قريش وظهوره أهمية عظيمة لقبائل كنانة، فقد اكتسبت كنانة بُعداً حضارياً وثقافياً واجتماعياً، بل وصار لها ما يشبه النظام السياسي بقريش وبنيه وسنرى ذلك لاحقاً.
 
أما من هم القريشيون فإنه موضوع له أهمية لدى فقهاء المسلمين، إضافة للنسب – إذ إن قريشاً خصّت بأحكام في بعض الأمور. خاصة بها لا يشركها غيرها بها من العرب.
 
أجمل ابن كثير القول في قريش نسباً واشتقاقاً فقال: ((وهم بنو النضر بن كنانة. وأضاف: وقال ابن هشام: النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي، ولمن لم يكن من ولده فليس بقرشي، وقال: ((أي ابن هشام)) ، ويقال: فهر ابن مالك هو قرشي فمن كان من ولده فهو قرشي ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وهذان القولان حكاهم غير واحد من أئمة النسب كالشيخ ابن عمر ابن عبدالبر، والزبير بن بكار ومصعب وغير واحد. قال أبو عبيد وابن عبدالبر: والذي عليه الأكثرون أنه النضر بن كنانة، وهذا ما نص عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وهو جادة مذهب الشافعي  ، ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك، ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير ابن بكار ومصعب الزبيري وعلي بن كيسان.
 
أما الاشتقاق: فقيل من التقرش، وهو التجمع بعد التفرق وذلك زمن قصي بن كلاب، وقال البعض: إنه كان يقال لقصي قريش، وقيل سميت قريش من التقرش وهو التكسّب بالتجارة، وقيل من التفتيش، قال هشام بن الكلبي: كان النضر بن كنانة يسمى قريشاً لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجاتهم فيسدّها بماله، والتقريش هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عند الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم، وقيل قريش: تصغير قرش وهو دابة في البحر لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وقيل سموا بقريش بن الحارث ابن يخلد بن النضير وكان دليل بني النضر وصاحب ميرتهم، فكانت العرب تقول: (جاءت عِير قريش) )) (9) انتهى كلام ابن كثير.
 
لا يمكن الجزم بتحديد تاريخ إطلاق كلمة قريش ولمن قيلت فكل ما أوردناه سابقاً هو افتراضات يعوزها الدليل.
 
إن الشعر العربي قد يلقي بعض الضوء على هذا المضووع والذي يمكن قوله الآن أن المعنيين بالشعر الجاهلي يقولون أن أقدم ما وصلنا من هذا الشعر هو شعر أبي داود الأيادي(10) ويقول أبو داود هذا:
 
ألا أبلغ خزاعة أهل مر
صفحة 6
وأخوتهم كنانة عن إياد(11)
 
وحقيقة ثابتة تاريخياً، أن بني النضر (قريش) أقرب جغرافياً وأكثر التصاقاً بخزاعة من بقية قبائل كنانة، فلو كانت قريش معروفة بهذا الاسم لذكرها الأيادي ولكنه لم يفعل.
 
أما الشعر المنسوب لتبع الثالث والذي يقول فيه:
 
وقريش هي التي تسكن البحر
 
بها سميت قريش قريشا
 
هكذا في البلاد حي قريش
 
يأكلون البلاد أكلاً كشيشا
 
فهو شعر مصنوع وموضوع ولا يمكن الركون إليه وربما قاله أحد القرشيين ونسبه لتبع.
 
أما ما زعم من وجود شعر كان مكتوباً على باب مدينة ظفار، يقول:
 
يوم شيدت ظفار، قيل: لمن أنـ
 
ـت؟ قالت: لحمير الأخبار
 
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت
 
إن ملكي لقريش التجار(12)
 
فهو شعر موضوع أيضاً ويدّعي معرفة الغيب، وهذا يعني أنه كسابقه متأخر النظم. 
 
أما شعر زهير بن أبي سلمى الذي يقول فيه:
 
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
 
رجال بنوه من قريش وجرهم
 
فهو شعر متأخر، إذ إن زهيراً عاش حتى الإسلام أو قريباً منه(13).
 
قد يكون ما قاله رجل من العرب في رثاء المطلب بن عبد مناف أول وأقدم ذكر لقريش، قال:
 
قد ظمئ الحجيج بعد المطلب
صفحة 7
بعد الجفان والشراب المنثغب
 
ليت قريشاً بعده على نصب(14)
 
ولا نستطيع أن نقرر هذا الذي خرجنا به كحقيقة ثابتة ونترك للمعنيين البحث في هذا الموضوع. ولكن يمكن القول وبطمأنينة أن قريشاً كمفردة كانت معروفة في زمن عبدالمطلب بن هاشم، فقد ورد ذكرها في سورة قريش، قال تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) [قريش:1].
 
ويقول المفسرون إن هذه السورة هي امتداد لسورة الفيل من ناحية الموضوع، وسورة الفيل تحكي حدثاً كان أيام عبدالمطلب بن هاشم(15).
 
بل يمكن القول أن مفردة قريش عُرفت أيام المطلب وهاشم أبناء عبد مناف. إذ إن الإيلاف الوارد ذكره في سورة قريش كان من عمل المطلب بن عبد مناف وأخيه هاشم إذ إنه كان يتاجر مع اليمن وحصل على إيلاف من رؤساء القبائل(16).
 
إن ما ذكر من افتراضات عن كيفية تسمية بن النضر باسم قريش يمكن ردّها إلى افتراضين وهما:
 
1- أن قبيلة بني النضر أخذت اسم قريش من رجل من رجالها اسمه قريش، وهذا الرجل مرة يقول عنه المؤرخون والنسّابون أن اسمه قريش بن بدر ابن يخلد بن النضر بن كنانة وأخرى يقولون أنه قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة(17) وليس لاسم أبيه كبير أهمية إذ إنه يُنسب إلى يخلد بن النضر ابن كنانة، ولا يمكن أن يكون قريش اليخلدي هذا هو قريش الذي أخذ بنو النضر اسمه فتسمّوا به وذلك لكونه من بني يخلد، وبنو يخلد هؤلاء لم يذكر النسّابون شيئاً عن عقبهم وكل ما قيل عنهم أنهم صاروا في بني الحارث بن مالك بن كنانة، ولو كان هو قريش الذي صار بنو النضر يحملون اسمه لكان الأولى أن يلحقه بنو أبيه يخلد لا مالك.
 
2- أن قريشاً صفة لحقت رجلاً من بني النضر فدمغتهم جميعاً، والرجال الذين وصفوا بقريش هم: 
 
أ- النضر بن كنانة، كونه كان هو وبنوه يقرشون عن حاجة الناس فيسدوها. وهذا مستبعد إذ لو كان النضر هو قريش لكان كل ولده يحملون لقب قريش، ولكن بني يخلد ليس كذلك.
 
ب- ورواية أخرى تفيد أن فهراً هو قريش، وهي رواية خالية من أي دليل.
 
ج- الرجل الثالث هو قصي، وأعتقد أن قصياً هو الذي وُصف بقريش وذلك لأن تجمع بني النضر كان في زمانه، والتجمع هو التقرش وصار قصي يدعى مجمعاً(18).
 
والملاحظ أن قريشاً كنسب علا حتى صار يشمل كل بني النضر بن كنانة، فصار كل بني النضر قرشيين، أعني بني مالك بن النضر فبنو يخلد لا وجود لهم ولم يُعرف لهم عقب.
 
أما شرفاً ودلالة فليس فوق قريش شيء، فصارت تعرف كنانة بقريش فيقال كنانة قريش(19) فتعرف كنانة بأشرف قبائلها وهم قريش.
صفحة 8
بنو مِلْكان بن كنانة :
 
وَلد ملكان بن كنانة: حراماً، وثعلبةً، وسعداً، وأسيداً، وغِنماً، وذبيان، منهم آل يَنْفعْ بن جثمة بن عامر بن الحارث بن عبد مناة بن علي بن ودمة بن عمرو بن سعد بن حُداد بن غَنمْ وإليهم البيت في بني ملكان بن كنانة، ومن ولده: عبدالله بن يَنْفعْ، كان سليمان بن عبدالملك سماه، الأمين(20).
 
ويضيف ابن حزم الأندلسي ولداً سابعاً لملكان يدعى عتيق، فيقول: ومن مشاهير بني ملكان: الفضل بن عميرة بن راشد بن عبدالله بن سعيد بن شريك ابن عبدالله بن شريك بن عبدالله بن مسلم بن نوفل بن ربيعة بن مالك بن عتيق ابن ملكان ويقول ابن حزم: إنه كان لهم عدد وثروة ووجاهة بمرسية وكانت ديارهم في شذونة والجزيرة في الأندلس(21).
 
وقال مصعب الزبيري: إن لبني ملكان بقية وأنه ليس فيهم شرف بارع وذلك لقلة عددهم(22) وكان لبني ملكان قبل الإسلام صنم يقال له: سعدو وهو صخرة بفلاة من أرضهم طويلة، وحدث أن أحد بني ملكان أقبل بإبل له كثيرة يريد أن يقفها على سعد، التماساً لبركته، فلما رأته الإبل وكانت مرعيةٌ لا تزكب، نفرت منه وتفرقت في كل وجه لأن سعداً كانت تهرق عليه الدماء، فغضب الملكاني ورمى سعداً بحجر وقال: لا بارك الله فيك نفّرت على إبلي، ثم طلبها حتى جمعها، وقال:
 
أتينا إلى سعد، ليجمع شملنا
 
فشتتنا سعد، فلا نحن من سعد
 
وهل سعد إلى صخرة بتنوفةٍ
 
من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد(23)
 
ومن بني ملكان: شريك بن عبدالله، كان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان قد بعثه مع تسعة من أهل الشام إلى عبدالله بن الزبير لما دعى الناس لمبايعته، كان أهل الشام يسمون هؤلاء العشرة بالنفر الركب(24)
 
بنو مالك بن كنانة :
 
ولد مالك بن كنانة: ثعلبة والحارث وحُداداً وشعلاً وسعداً وساعدةً وحساحسة.
 
وولد ثعلبة: غَنْماً.
 
وولد غَنْم: فراسا بطن، والحارث بطن، وعُمراً بطن، والنابغة بطن وبجيلاً وفلاقاً.
 
فولد فرّاس: علقمة، وهو جذل الطعان والحارث(25) وفي رواية أخرى أن جذل الطعان هو عمير بن قيس، وسمي بجذل الطعان لثباته في الحرب كأنه جذل شجرة واقف أو لأنه كان يستشفى برأيه ويستراح إليه كما تستريح البهيمة الجرباء إلى الجذل، وهو عود ينصب للبهم الجرباء لتحتك به(26) وجذل الطعان هو الذي يقول مفتخراً على عموم معد:
صفحة 9
لقد علمت معدّ أن قومي
 
كرام الناس أن لهم كراما
 
فأي الناس فاتوناً بوتر
 
وأي الناس لم نعلك لجاما
 
السنا الناسئين على معدّ
 
شهورَ الحل نجعلها حراما
 
ومن ولد علقمة: جذيمة ومالك وكعب وعامر وفرع.
 
ومن ولد جذل الطعان: عبدالله كان رئيس بني فراس يوم برزه في حربهم مع بني سليم، وهو الذي قتل سيد بني سليم مالكاً وأخاه(27).
 
ومن بني فراس: ربيعة بن مكدم بن حدبان بن جذيمة بن علقمة، فارس العرب(28) وبنو المطلب بن حُدبان سكنوا الكوفة ومنهم آل أبجر(29).
 
وولد الحارث بن فراس بن غنم: جَناداً وحنْطبا ومَشْمَصة(30).
 
وولد الحارث بن غنم: دهماناً وعريجاً ورزاحاً ومرة(31).
 
ومنهم حمله بن جُويَّة بن عبدالله، كان قد شهد اليرموك وكان في ميسرة جيش المسلمين(32) وبعدها كان على بيت المال لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) (33).
 
ومنهم: الصحابي علقمة بن حكيم الفراسي، شهد اليرموك واستعمله الخليفة عمر بن الخطاب  على الرملة ثم صار والياً للخليفة عثمان بن عفان  على فلسطين(34).
 
وولد الحارث بن مالك بن كنانة: ثعلبة وعمرا(35).
 
وولد ثعلبة بن الحارث: عامراً وعوفاً والمُريَم وسُريْرا، وسرير هو جد كلاب بن مرة القرشي لأمه(36).
 
وولد عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة: عدياً ومخدجاً وعبدالله(37).
 
وولد عدي: فقيماً ووحشيشاً وهم قليل(38).
 
ومن بني فقيم: جنادة بن أمية بن عويف بن قلع بن جذيمة بن عبد بن فقيم، وهو أول من نسأ الشهور ثم تلاه ابنه أمية(39).
 
ومن ولد أمية هذا: جَهْوَر بن جندب بن ظرب(40) صاحب لواء معاوية بن أبي سفيان يوم صفين.
 
وولد محدج: رقبة وثوراً وعبداً وعبيداً(41).
 
ومن بني رقبة: صفوان بن أمية بن محرث، جد مروان بن الحكم لأمه وهي آمنة بنت علقمة بن صفوان(42) وكان علقمة بن صفوان بن أمية قد حالف بني عبد شمس الأمويين، وله شأن كبير في مكة حتى أن أهل مكة زعموا أن الجن قد قتلوه وهكذا أخبار لا تصنع إلا لذوي الشأن. فقد قيل: إن علقمة خرج ليلاً يريد مالاً له بمكة فأنهى إلى مكان يُعرف بحائط حرمان، فإذا هو بشق (جني) فقال الشق:
صفحة 10
علقم إني مقتول
 
وإن لحمي مأكول
 
اضربهم بالمسلول
 
ضرب غلام مشمول
 
رحب الذراع بهلول
 
فقال علقمة:
 
شق مالي ولك
 
اغمد عني منصَلَك
 
تقتل من لا يقتلك
 
فقال شق:
 
علقم غنيت لك
 
كيما أبيح مقتلك
 
فاصبر لما قد حم لك
 
فضرب كل منهما صاحبه، فخرا ميتين(43).
 
ومنهم: نافع بن علقمة بن صفوان، والي مكة والمدينة لعبدالملك بن مروان(44) قيل عنه أنه كان أيام ولايته قد شدد في الغناء والمغنين والنبيذ(45)، وأنه كان شاهراً سيفه لا يغمده، بلغه أن فتى من بني سهم القرشيين يذكره بكل قبيح، فلما أتي به، أمر بضرب عنقه فقال له الفتى:
 
- لا تعجل عليّ ودعني أتكلم.
 
قال نافع: أوَ بك كلام؟
 
قال الفتى: نعم وأزيد، يا نافع، وليت الحرمين تحكم في دمائنا وأموالنا، وعندك أربع عقائل من العرب، وبنيت ياقوته بين الصفا والمروة – يعني دار آل علقمة – وأنت نافع بن علقمة بن صفوان، أحسن الناس وجهاً، وأكرمهم حسباً، وليس لنا من ذلك إلا التراب فلم نحسدك على شيء منه ولم ننفسه عليك، ونفست علينا أن نتكلم؟
 
فقال نافع: تكلم حتى ينفك فكاك(46).
 
وولد عوف بن ثعلبة: ضُليعاً ووعوعه وهم بفلسطين(47).
 
وولد عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة: الفاكة والنوّاح وهو نصر والشرخم وعبساً(48).
 
ومنهم: أبو قرصانة، جندرة بن خيشنة بن مرة بن وائلة بن الفاكة. كانت له صحبة، ومات بالشام وقبره قرب عسقلان(49).
 
ومنهم: عبدالعزيز بن الرماحس بن الرسارس بن السكران بن وافد بن وهيب بن هاجر بن عرينة بن وائلة بن الفاكة(50).