eKtab
EN ع
المنفى الشعري العراقي
اقرأ عينة مجانية

المنفى الشعري العراقي

بقلم د. علي ناصر كتانة

صفحة 1

مقدّمة

حيثما وُجِدَ الناس استبدَّ ببعضهم الشعور بالاغتراب في الزحام، أو حاصـرتْ بعضاً آخر فكرةُ الذهاب إلى المنفى. وفي الحالين اغتراب وفي الحالين منفى، أحدهما داخلي والآخر خارجي: تحت خيمة الوطن أو في العراء. وكلاهما وجع. ومنعاً لأي لبس في المفاهيم أجد من الضروري التأكيد على التمييز بين الاغتراب، أي الشعور بالغربة داخل الوطن، وبين المنفى وما يتبعه من شعور بالغربة خارج الوطن.

ويدل مفهوم المنفى في هذا الكتاب، على ارتباط الاضطرار إلى المنفى بالاضطهاد السياسي. ولتحديد المفهوم بشكل أدق يعني المنفى في هذا السياق، وفي أي سياق آخر كما أرى، الإقامة الاضطرارية في بلد آخر بسبب من القمع والملاحقة أو غياب الحريات بشكل عام أو محاولة الحفاظ على الحياة الشخصية من خطرٍ ما محدق بها ناتج عن طبيعة الأوضاع السياسية في الوطن. وتوصّف البروفسورة إلينكا زاريفوبول-جونستون، من جامعة أنديانا، المنفى بأنه "حالة من التشـرد، والانفصال، والاقتلاع"[1] و"من الغريب أن نضطر للتفكير به بل ومن الرهيب أن نعيشه"، كما كتب ادوارد سعيد في مقاله "تأملات في المنفى". بينما يظل الشعور بالاغتراب داخل الوطن أقلّ حدّة من كل هذه التوصيفات بالرغم من ابتلائهِ بمشاكل من نوع آخر.

إلا أن بعض الظروف التاريخية تملي على عدد من مثقفي وكتّاب الأمة البارزين "أن يبحثوا عن حرية شخصية بقدر ما يبحثون عن حرية فنية، كما كانت الحال في ألمانيا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، عندما غادر البلاد العديد من الكتّاب الليبراليين المعادين للنازية احتجاجاً، وخلقوا جسماً موازياً من الأدب الألماني يُكتب خارج ألمانيا خلال تلك الفترة"[2].

ولكن أية إقامة أخرى خارج الوطن مستندة على أسباب ودواعٍ أخرى تعتبر هجرةً وأدبُها أدبَ مهجر. كما هي الحال بالنسبة لجبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي وميخائيل نعيمة. والفرق بين المنفى والمهجر كالفرق بين الوجع والترف. ولكننا، في هذا الكتاب، أدرجنا المضطرّين إلى مغادرة العراق لأسباب اقتصادية خانقة، ناتجة عن وضع سياسي مضطرب، ضمن فئة المنفى لأسباب اعتبارية أو تاريخية أو منهجية.

ولكلِّ بلادٍ أو شعبٍ في العالم تاريخ من المنفى وأدبُ منفى. ويعجُّ هذا التاريخ بأسماء كبيرة أقامت مُدداً متفاوتة في المنفى ولمعتْ في فضاءاته:

أشعيا، أوفيد، دانتي، بترارك، فولتير، بايرون، شـيلي، فيكتور هوغو، هاينريش هاينه، أوسكار وايلد، هنري جيمس، جيمس جويس، جوزيف كونراد، أليوت، عزرا باوند، صمويل بيكيت، جيرترود شتاين، همنغواي، سكوت فيتزجيرالد، توماس مان، هنري ميلر، يوجين يونسكو، غومبروتز، إي أم سيوران، ميلان كونديرا، الكسندر سولجنستين، كونراد، نابوكوف، برودسكي، إدوارد سعيد، نايبول، سلمان رشدي.

صفحة 2

يحاول أدب المنفى تغذية الذاكرة الجماعية وثقافة الأفراد الذين يجدون أنفسهم مشـردين خارج أوطانهم[3]. ففي كتابها (جدليات المنفى: الأمة والزمن واللغة والمكان في آداب اللغة الإسبانية- بوردو 2004)، وهي دراسة مقارنة حول كتابة المنفى، تقدّم صوفيا مكلينين نظرية لكتابة المنفى، وترى أن أدب المنفى يُفهم بشكل أفضل على أنه سلسلة من التوترات الجدلية حول الهوية الثقافية[4].

فنحن نقيم في الذاكرة.. والوطن ذاكرة، ننهل منها لكي تستقيم الحياة ولكي نقاوم الواقع القاسي، واقع الغربة[5]. والمنفى في الأدب ليس مجرد قصة بل أيضاً بنية، كما كتبت سيلوا لوست بولبينا حول آسيا جبار. فعندما احتلت فرنسا الجزائر في القرن التاسع عشـر وحولتها إلى مستعمرة، كان الشعب الجزائري، بمعنى من المعاني، مطروداً من بلاده. أي أن الجزائريين طُردوا من بلادهم بينما بقيت الجزائر في داخلهم حتى نيلهم الاستقلال في عام 1962[6].

أي أن الذاكرة الجزائرية المتوارثة عبر 132 عاماً من الاحتلال هي التي حفظت الوطن حياً في الوجدان الجمعي الجزائري حتى قُيّضَ له أن يستقل من رحم الذاكرة. وقد قال الكاتب فلاديمير نابوكوف ذات مرة: "أعتقد أن كل شـي هو قضية حب: فأكثر ما نحبه هو الذاكرة، فهي الأقوى والأقوى".

* * *

لقد "اجتذبت موضوعة المنفى مخيلة الكثير من الكتاب على مدى التاريخ الأدبي، إما لأنهم عاشوا الاضطرار إلى مغادرة بلدانهم الأصلية لأسباب سياسية، أو لأنهم شعروا بالسخط من مجتمعاتهم، وبوعي اختاروا العيش في أي مكان آخر"[7].

يتضمن هذا الكتاب جهداً تأريخياً شبه توثيقي قمتُ به عام 2006 بغية تحرير أنطولوجيا للشعراء العراقيين في المنفى عبر رموز معروفة، لأن النزوحين الكبيرين خلال فترة الحصار 1991-2002 وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 صعّباً من مهمة حصـر جميع الأسماء.

* * *

عانى الكثير من العراقيين من وطأة الشعور بالغربة في وطنهم من جراء التهميش أو الاضطهاد أو الظلم طوال عمر الدولة العراقية الحديثة. فهناك دائماً ثمّة فئة أو فئات مهمّشة لا دورَ حقيقياً لها في صناعة قرار الحياة في الوطن أو حاضره أو مستقبله. ودائماً هناك ثمّة صـراع سياسي يقيمُ مجدَ جهةٍ سياسية على حساب قمعِ الجهة أو الجهات الأخرى. ونتج عن ذلك أن شعرَ الكثيرون بالغربة (أو الاغتراب) في وطنهم. ولا شكّ أن هذه الظاهرة قامت في العالم كله، في تاريخ أي بلد من البلدان في مرحلة من المراحل. والعراق ليس استثناءً في هذا السياق، ولكن الحالة فيه، كما في حالاته الأخرى، أكثر حدّة ومأساوية.

أما غربة المنفى، فهي وجعٌ شعريٌ عراقيٌ قديم منذ المتنبي حتى الآن، علماً بأن العراقيين لم يألفوا المنفى والهجرة بهذه الكثافة - في العراق الحديث - إلاّ في العقود الخمسة الأخيرة التي اُبتليَ بها بلدُهم بأنظمة حكم لا تجيد سوى القمع. وقبل ذلك كانت هناك حالات هجرة فردية ولكنها ذات أهمية قصوى في سياق الحديث عن غربة الشعراء العراقيين. فقد هاجرَ الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي مبكراً في القرن التاسع عشـر إلى مصـر، وتبعَهُ أحمد الصافي النجفي إلى إيران 1919 ثم إلى سوريا ولبنان عام 1934، ثم جاء بعد ذلك منفى شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في تشـيكوسلوفاكيا في مطلع الستينيات ومن ثم بدر شاكر السيّاب في الكويت وسعدي يوسف في الجزائر، ومظفر النوّاب في لبنان وسوريا، لتبدأ في عقود لاحقة أكبر هجرة جماعية للشعراء العراقيين، سواء اضطرارياً أو اختيارياً، ولا فرق كبير، فالعلّة واحدة، مبكراً أو متأخراً.

وارتأينا أن يكون الاستهلال بالمتنبي الذي ولد في الكوفة ومات على مقربة من الكوت وزخرَ شعره بذكر العراق. والعراق بالنسبة لنا، غير محصور بكيان الدولة الحديثة، كما يروق للبعض القول بهذا التحديد التعسفي، وإنما هو هذه البقعة من الأرض في وادي الرافدين التي قامت فيها الحضارات الكبرى[8]، وكانت عراقاً يفخر أبناؤه بالانتماء إليه. فهي العراق نفسه الذي ذكره قيس بن الملوح في نجواه:

يقولون ليلى في العراق مريضةٌ

ويا ليتني كنتُ الطبيب المداويا

وهو عراق المتنبي:

وقلنا لها أين أرض العراق

فقالت ونحن بتربان: ها

صفحة 3

ويمكن تقسيم هجرة الشعراء العراقيين إلى المنفى إلى عدّة مراحل:

* الهجرات الأولى: أبو الطيب المتنبي إلى مصـر ،وأبو زريق البغدادي إلى أسبانيا.

* هجرات مبكّرة: عبد المحسن الكاظمي إلى القاهرة وأحمد الصافي النجفي إلى دمشق.

* هجرة الستينيات: محمد مهدي الجواهري إلى براغ وسعدي يوسف إلى الجزائر.

* هجرة أواخر السبعينيات: الشعراء اليساريون إلى البلدان الاشتراكية وبعض الدول العربية، وخصوصاً: سوريا واليمن الديمقراطية (عدن) ودول الخليج العربي.

* هجرة الثمانينيات: تداعيات الحرب العراقية الإيرانية: إلى إيران ثم سوريا ثم أوروبا الغربية.

* هجرة التسعينيات: تداعيات حرب الكويت وفترة فرض الحصار على العراق: هجرة إلى جميع أصقاع الأرض.

* هجرة ما بعد 2003: تداعيات مرحلة الاحتلال: هجرة إلى البلدان العربية: خصوصاً الأردن وسوريا والإمارات وبعض الدول الغربية.

ولا شكّ أنّ كل مرحلة من هذه المراحل لها من حيثيات الهجرة ما تفترق به عن الأخرى، ولكن الاضطهاد السياسي وتداعيات الحروب كانا سببين أساسيين في اختيار المنفى.

وخلال المنفى الشعري العراقي حدثت تحولات وأحداث كثيرة، أبرزها ولادة تجارب شعرية جديدة ومختلفة في المنفى والامتداد الزمني للمنفى، خارج أي حساب، وإلى حدٍّ بلغَ فيه السيل الزبى في أنفس الشعراء، فمنهم مَن ماتَ كمداً، ومنهم مَن هجرَ الشعر، وأبرزهم دُفنوا في أرضٍ لم يولدوا فيها: محمد مهدي الجواهري، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، نازك الملائكة. ومنهم مَن ينتظر. ولعلّ ما لا يحدث لأي بلد آخر أنّ غالبية (إن لم نقل كل) الشعراء العراقيين البارزين ومن مختلف الأجيال والتجارب يقيمون في تلك اللحظة السوداء من التاريخ خارج وطنهم ولأسباب مختلفة، تتلاقى جميعها حول فكرة أن هذا الوطن لا يكلُّ عن الإقامة في الجحيم.

صفحة 4

أبو الطيب المتنبي .. حياةٌ ملؤها منفى


على قدر ما بحثتُ في هذا الأمر، يعتبر المتنبي أول شاعر عراقي يختار المنفى بعيداً عن دياره:

تغرّبَ لا مستعظماً غير نفسهِ

ولا قابلاً إلا لخالقهِ أمرا

إنه أعظم شاعر عربي، عبر التاريخ، وقد ملأَ الدنيا وشغلَ الناس:

أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها

ويسهرُ الخلق جرّاها ويختصمُ

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، الملقّب بأبي الطيب المتنبي (915- 965 م) الذي تسامتْ العظمة فيه إلى حدِّ ادعاء النبوة في مجازٍ شعري:

أنا تربُ النوى وربُّ القوافي

وسِمامُ العدا وغيظُ الحسودِ

أنا من أمّةٍ تداركَها اللهُ

غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ

وبعينٍ تصغرُ الحياةُ في أمدائها، لا تهجعُ روحُهُ في مقامٍ لا يليقُ بمقامهِ:

وَدَهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ

وَإِن كانَتْ لَهُم جُثَثٌ ضخامُ

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم

وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

صفحة 5

وبعينٍ أخرى تلامسُ الموتَ بالتمني الفخور:

كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا

وحسْبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا

وفي قصيدةٍ (تعتبر سقطة شعرية) اندّسَ الموتُ يترقّبَ أبا محسّد:

ما أنصفَ القومُ ضبّةْ

وأمَّهُ الطُرُطبّةْ

وخارج أي حساب، تسرّبَ الموتُ أيضاً إلى بيتٍ آخر: كان حجمُهُ بحجم الحياة: فأمّا أن ينهزم ويتنكّر لشعره وأمّا أن يتمسّك به فيصـرعُهُ سيفُ الموت المتربّص:

فالخيلُ والليلُ والبيداء تعرفُني

والرمحُ والسيفُ والقرطاس والقلمُ

وباستثناء هجائهِ لضبّة، كان السيف مُشهَراً، في شعر المتنبي، بوجهِ مَن يماثلونه مقاماً أو لهم من السلطةِ ما لهُ من الشعر:

ووضعُ الندى في موضعِ السيفِ بالعلا

مضـرٌّ كوضعِ السيفِ في موضع الندى

أجل.. هو أبو الطيب المتنبي: شعرٌ لا يماثلهُ شعر، وحياةٌ لا تشابهها حياة شاعر آخر، وموتٌ يليقُ بالكبار: عندما يغتالُ الشعرُ شاعرَهُ.

وربما يكون المتنبي الشاعرَ الوحيد الذي استندتْ هجراتُهُ إلى أسبابٍ سياسية في اللجوء إلى المنافي العربية. فقد ولدَ بالكوفة ودرسَ فيها، ثم انتقلَ إلى بادية الشام، ليواصل الدرسَ هناك. أعلنَ شاعريته بعد عودته إلى الكوفة وبغداد. ومن هناك ذاعَ صيته.

ادّعى النبوة في بادية السماوة فالتفَّ حولَهُ الأتباع، إلاّ أن لؤلؤاً أمير حمص وعامل الإخشـيد تصدّى لمسعى المتنبي فأسرَهُ وسجنَهُ حتى رجعَ عن دعواه، ليواصل ارتياد المنافي. وما أن قُيّضَ له لقاء سيف الدولة الحمداني حتى أصبح شاعره المقرّب دونَ أن يهوّنَ نفسَهُ:

مَن يهنْ يسهل الهوان عليهِ

ما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ

أمضى أبو الطيب في بلاط سيف الدولة بحلب تسع سنوات لم يكن خلالها مدّاحاً ذليلاً، بل كان ندّاً كلّما لاحَ له جفاءٌ من صاحبِهِ:

لِيعلمَ الجمعُ ممن لمَّ مجلسُنا

بأنني خير مَن تسعى به قدمُ

صفحة 6

لم يترك المتنبي لسيف الدولة شـيئاً وقد وصّفَ نفسَهُ بأنه خير مَن تسعى به قدمُ. بَيْدَ أنّ الوشاة من حسّاد المتنبي لم يكلّوا عن محاولاتِهم الإيقاعَ بينه وبين سيف الدولة:

أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً

أنْ تحسبَ الشحمَ في مَن شحمُهُ ورَمُ

وأخذ هاجس الرحيل يمور في روح المتنبي، يسحبُهُ نحو منفى آخر:

إذاترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا

أن لا تفارقهم فالراحلون همُ

شـر البلادِ مكانٌ لا صديقَ بهِ

وشـر ما يكسبُ الإنسانُ ما يصمُ

وهكذا.. توجّهَ المتنبي إلى مصـر لعلّهُ يجد لدى كافور الأخشـيدي ما يلبّي نداءات نفسِهِ التوّاقة إلى الأمجاد:

كُلَّ يَومٍ لَكَ اِحتِمالٌ جَديدُ

وَمَسير لِلمَجدِ فيهِ مُقامُ

وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً

تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ

وقد وعدَهُ الأخشـيدي بالولاية على إحدى الديار، لكنهُ حنث بالوعد، فهجرَهُ المتنبي وهجاه بقصيدةٍ لمّا تزل تردّدُها ألسنة الذاكرة العربية، وقد استهلها بالحنين إلى الوطن، ثم هجا كافور هجاءً قاسياً:

لا تشتري العبدَ إلاّ والعصا معهُ

إن العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ

فاستشاط كافور غضباً وأرسل في أثرهِ جماعةً تتعقبهُ لأسرهِ أو قتلهِ، غير أنهم لم يفلحوا. وكما لمحّنا سابقاً، كان شعر المتنبي يساوي الموت بقدر جدارته بالحياة. فحيث فَشِلَ الأخشـيدي في القضاء عليه ثأراً لدالّيتهِ الهجائية، باغتَهُ ثأر آخر من حيث لا ينتظر، بسيفٍ قديمٍ مسمومٍ بروح الخنجر، وبينما كان عائداً من فارس، بعد أن مكثَ فترةً في ضيافة عضد الدولة ابن بويه الديلمي في شـيراز متوجهاً إلى بغداد، عرضَ له في الطريق فاتك الأسدي (خال ضبّة الأسدي، الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية) ومعه جماعة من أصحابه بالنعمانية غربي بغداد. وتختلف الروايات في سرد رواية قتله والغاية منها ومَن الذي دلَّ خصومَهُ على طريقه.

عندما حميَ وطيس المعركة غير المتكافئة من ناحية عدد الرجال، وبعد أن قُتلَ ولدُه محسّد اختارَ المتنبي الهرب من الموت، فصدمَهُ غلامُهُ بسؤالِ مفاضلةٍ بين التفريط بشعره أو التفريط بالحياة، حين قال له: ألستَ القائل: الخيلُ والليلُ والبيداء تعرفُني... فردَّ عليه المتنبي: "قتلتَني، قتلكَ الله"، ورجعَ كاراً، فقتلَ زعيم الجماعة وقاتلَ حتى قُتِلَ:

وَأَنا الَّذي اِجتَلَبَ المَنيةَ طَرفُهُ

فَمَن المُطالَبُ وَالقَتيلُ القاتِلُ

ماتَ المتنبي في الخمسين من عمره وهو في عز عطائه، وقد عاش حيّاةً أرّقتْها روحُهُ المتمرّدة التي توازنتْ فيها أناه الشعرية العظيمة:

وَما الدَهرُ إلاّ مِن رُواةِ قَلائِدي

إِذا قُلتُ شِعراً أَصبح الدَهرُ مُنشِدا

مع أناه الفردية الطموحة المتطلعة إلى تخوم المجد:

لي منصبُ العَرَبِ البيضِ المصاليتِ

ومنطقٌ صِيغَ من درٍ وياقوتِ

صفحة 7

وقد لاحظنا أن الموتَ ثيمةٌ مركزية في شعر المتنبي، شأنهُ شأن جميع العظماء، يحملّها دلالةً وجودية بارزة كمعادل موضوعي للاغتراب:

ما مقامي بأرضِ نخلةَ إلاّ

كمقام المسيح بين اليهودِ

عشْ عزيزاً أو متْ وأنتَ كريمٌ

بين طعن القنا وخفقِ البنودِ

وغالباً ما يربط المتنبي الكرامةَ والطموحَ والعزّة بالإقدام على مواجهة الموت، أي أنه يضع هذه القيم بمرتبة الحياة:

إذا غامرتَ في شـرفٍ مرومِ

فلا تقنعْ بما دون النجومِ

فطعمُ الموتِ في أمرٍ صغير

كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ

ولا شكَّ أن ذلك كلّه يتجسّد إنسانياً وشعرياً في قيمة الشجاعة التي تفيض في قصائد المتنبي:

وإذا لم يكن من الموتِ بدٌّ

فمن العجزِ أن تكونَ جبانا

وما يدعّم فرضيتنا بأن منفى المتنبي كانَ على الدوام ذا صبغة سياسية، ذاك اضطرارُه، تحت وطأة ظروف تحاولُ استلابَ حريتهِ أو إضعافِ منظومةِ القيم التي يؤمن بها، إلى الإقامة في المنافي:

يقولونَ لي ما أنتَ في كلِّ بلدةٍ

وما تبتغي ما أبتغي جلَّ ما يُسمى

واني لمن قومٍ كأنّ نفوسَنا

بها أنَفٌ أن تسكنَ اللحمَ والعظما

فلا عبرتْ بي ساعةٌ لا تعزني

ولا صَحِبتْني مهجةٌ تقبلُ الذلاّ

ورغم ما يُلحظُ من عروبيةٍ بائنةٍ في شعر المتنبي، بِيْدَ أنه ربما كانَ متفرّداً في تفاعلهِ مع حال الأمة، حيث يوازن بين اعتزازه بالانتماء لها وعدم تردّده في توجيه النقد لما وصلت إليه من حال، عندما يعاني من الاغتراب داخل الوطن وخارجه:

إنّ العراق طويلُ الليلِ مُذ نعيتْ

فكيف ليلُ فتى الفتيانِ في حلبِ

أو قوله:

وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني

إنَّ النفيسَ غريبٌ حيثما كانا

وحين تعصـرهُ الغربة والشعور بالوحدة، رغم ما يحاط به عادةً من حفاوة، ينشدُ لنا ما يقتضي ثباتَ الحال إنشادَنا لهُ بعدَ ألف عامٍ ونيف:

لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ

أَقفَرتِ أَنتِ وَهُنَّ مِنكِ أَواهِلُ

ثم تهدلُ جوانحهُ بنعائية مؤثرة:

بمَ التعلّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ

ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكَنُ

إلاّ أنه سرعان ما يستعيد رباطةَ جأشِهِ ويكرّرُ رسالتَهُ في الحياة:

أريدُ من زمني ذا أنْ يبلّغَني

ما ليسَ يبلغُهُ من نفسهِ الزمنُ

صفحة 8

ابن زريق البغدادي.. كأنما هو في حِلٍّ ومُرتحلٍ

إذا كان أبو الطيب المتنبي هو أول شاعرٌ عراقي يختار منفىً عربياً، فإن أبا الحسن علي (أبو عبد الله) بن زريق الكاتب البغدادي، هو أول شاعر عراقي اختار المنفى خارج حدود البلاد العربية (الأندلس) لأسباب اقتصادية. وقد كان المنفى بيئةً حاضنةً لقصيدته اليتيمة (لا تعذليه). وبالرغم مما يقولهُ بعض الباحثين من أن ابن زريق البغدادي شخصية وهمية اخترعَها شاعر عباسي، إلا أننا هنا نأخذُها بحضورها القوي في الذاكرة الثقافية العربية بعيداً عن ظنونٍ لا دليلَ عليها. ولا نتفق مع القول بالاختراع لأن للرجل نسباً ومهنةً ومقاماً في بغداد وتاريخ وفاة، كما تشـير إلى ذلك كتب التاريخ.

اضطرَّ ضنكُ العيش ابنَ زريق البغدادي إلى الهجرة من بغداد إلى الأندلس بحثاً عن حلٍ لمشكلاته الشخصية:

إنَّ الزمانَ أراهُ في الرحيلِ غِنىً

ولو إلى السدِّ أضحى وهو يُزمعُهُ

وبينما كان يعتزم الرحيل، وهو الذي:

ما آبَ من سفرٍ إلاّ وأزعجَهُ

رأيٌ إلى سفرٍ بالعزمِ يَزمَعُهُ

كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ

مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

تصدّتْ له امرأتُهُ باللوم والعتب أن يتركَها وحدَها، قاطعاً البراري والبحار في رحلةٍ مجهولة، وفي فؤادها قلقٌ أن لا يعود إليها:

قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يحمِلُهُ

فَضُيِّقَت بخطُوبِ الدهرِ أَضلُعُهُ

ولكنه لم يصغِ لملامةِ امرأته ورغبتها الملّحة في بقائهِ إلى جانبها، يقتسمُ معها ما يرزقهما الله به، فالرزق مشـيئةٌ وليس أماكن:

وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ

رزقَاً وَلا دَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ

قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ

لَم يخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ

لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ ترى

مُسترزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ

وَالحِرصُ في الرِزقِ، وَالأَرزاق قَد قُسِمَتْ

بَغِيٌ ألا إِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصـرعُهُ

وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه

إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ

صفحة 9

ورغم تمرّده على لومها إلا أنه كان يظهر التمرّد ويخفي التمسّك:

أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً

بِالكَرْخِ مِن فَلَكِ الأَزرارِ مَطلَعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُني

صَفوَ الحَياةِ وَأَني لا أُودعُهُ

وصلَ ابن زريق الأندلس قاصداً أبا عبد الرحمن الأندلسي و"تقربَ إليه بنسبه، فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره، فأعطاه شـيئاً نزراً، فقال البغدادي: إنا لله وإنا إليه راجعون! سلكت البراري والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر؟ فانكسـرت إليه نفسه" ولم يعد إلى الأندلسـي مرةً أخرى وقد شعرَ بالإهانة:

يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتيتِ أَنَّ لَهُ

مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يروعُهُ

وضاقتْ به الدنيا، يأوي إلى نفسه، يلومها على ما فعلتْ، وقد أضناه ضيق ذات اليد في بلاد المنفى وهو بعيدٌ عن دياره وحبيبته التي صدقتْ فيما لامته عليه:

لا تَعِذلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ

قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ

جاوَزتِ فِي لَومه حَداً أَضَرَّ بِهِ

مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ اللَومَ يَنفَعُهُ

فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنيبِهِ بَدَلاً

مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ

صفحة 10

وشغل الأندلسي عن ابن زريق أياماً، ثم سأل عنه فخرجوا يطلبونه، فانتهوا إلى الخان الذي كان فيه وسألوا الخانية عنه، فقالت: إنه كان في هذا البيت، ومذ أمس لم أره، فصعدوا فدفعوا الباب، فإذا بالرجل ميتاً (420 هجرية)، وعند رأسه رقعة دوّن فيها قصيدةً تعتبر أجمل ما كُتبَ في مناجاة حبيب بعيد، وهو الذي لم يُعرف عنه أنه كان شاعراً من قبل. ويُنقل عن ابن حزم قوله:

"من تختّمَ بالعقيق، وقرأ لأبي عمر، وتفقّه للشافعي، وحفظ قصيدة ابن زريق، فقد استكمل الظرف".

ومن وجهة نظر شخصية أرى أن أعظم ما في هذه القصيدة، ليست جماليتها في المقام الأول، وإنما بُعدها الإنساني ويُتمها وحداثة التناول لموضوع محكوم بمنظومة القيم السائدة آنذاك، وأعني هنا تعبير الرجل عن علاقته بالمرأة، حيث كانت التقاليد توجب عليه أن لا يظهر ضعفه الإنساني أمامها، وأن لا يخطّئ نفسَه حدّ التقريع، ولكن ابن زريق فعلَ ذلك بأروع الصور، ولعلَّ هذا هو ما خلّدَه شاعراً لقصيدة واحدة:

لا أَكُذب اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخرقٌ

عَني بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ

إِني أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ

بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ

رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ

وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يخلَعُهُ

وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا

شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ

اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ

كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ

كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ

الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ

أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ

لَو أَنَّني يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ

إِني لأَقطَعُ أيّامِي وَأنفِدُها

بحسـرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ

بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ

بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلي لَستُ أَهجَعُهُ

لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعٌ وَكَذا

لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدَهرَ يَفجَعُني

بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ

حتى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ

عَسـراءَ تَمنَعُني حَظّي وَتَمنَعُهُ

وربما يكون ابن زريق هو أول شاعر عراقي يموت في المنفى كمداً، وبعد ألف عام من وفاته امتلأت المنافي بالشعراء العراقيين وقبورهم.