صفحة 1
المقدمة
يضم هذا الكتاب خمسة أقسام رئيسية تخص قضية المرأة وحقوقها المدنية والشرعية والسياسية بشكل عام وموضوع التعدد والعلاقة الزوجية بشكل خاص. وقد استلت هذه البحوث في الأصل من مصادر عديدة، وقد قمنا بجمعها وترتيبها في كتاب واحد، للترابط بين مواضيعها، واستكمالاً للفائدة، ومحاولة لإحياء سنة التعدد في الزواج التي باتت متّهمة بنظر المسلمين فضلاً عن خصومهم، فإن التعدد مباح كالإفراد سواء بسواء، كما هو مؤكد في القرآن والسنة، بل ان سنة التعدد أفضل من الإفراد، لأنه منهج النبي وآله وصحبه والقرون الاسلامية الأولى، والرجل هو الذي يقدّر قدرته على التنفيذ واستطاعته في اقامة العدل الشرعي بين نسائه. والطريف أن هؤلاء الباحثين الذي كتبوا في هذا الموضوع والذين اقتبسنا منهم بعض ما كتبوا، من عدة بلدان عربية، مما يؤكد أن منبع الحق في هذه الأمة واحد، مهما اختلف الزمان والمكان.
ورأينا أن نبدأ الكتاب بالقسم الأول الذي يحمل عنوان (الاسلام.. والمرأة) وهو مدخل لملف المرأة في الاسلام، ومناقشة لقضية المرأة وحقوقها بشكل عام بين الإسلام والغرب، وفيه استعراض مقتضب لأهم الشبهات التي أثيرت حول قضية المرأة وحقوقها من قبل الغربيين والمستغربين العلمانيين، ومقارنتها مع ثقافة الغرب وتشريعاته حول المرأة وحقوقها ومبدأ مساواتها بالرجل من النواحي الإنسانية. كما تم استعراض تاريخ المرأة في الشرق والغرب، من خلال تسليط الضوء على تاريخها في أوربا ومعاناتها وصراعها مع الرجل والمجتمع من أجل إنسانيتها وحقوقها، التي أهدرها الغرب وفق منظوره المادي الأناني، الذي تميزت به حضارته في تاريخه الطويل. ويقارن الكتاب بين حال المرأة في أوربا وحالها في الشرق المسلم، فيبين أن المرأة في الإسلام لا تعاني من ظلم أو قهر أو تمييز، وأن الشعارات الغربية لا تنطبق على المرأة المسلمة، لاختلاف الظروف والتشريعات، ثم يستعرض بعض الشبهات والأمثلة حول تلك الأطروحات ويرد عليها. وسلط الضوء أيضاً على الكثير من المفاهيم التي أشتهرت في الاعلام وطبّل لها دعاة التغريب المادي والانسلاخ من الهوية والحضارة والتراث الأصيل، المرتكز بشكل أساس على حضارة القرآن والتاريخ الإسلامي بشكل عام.
صفحة 2
ثم يتبعه القسم الثاني الذي يحمل عنوان (تعدد الزوجات في اطار الضوابط الشرعية) الذي قمنا باقتباسه من مقال السيدة منى عبد الله داود من الخليج العربي وهي تتحدث لأخواتها المسلمات عن تعدد الزوجات وفضله وفوائده للرجل والمرأة والمجتمع، وفق الضوابط الشرعية التي فرضها الله تعالى على المسلمين، نظراً لأن كلام المرأة في هذا المجال أبلغ تأثيراً من الرجل كما تقول الكاتبة نفسها.
ثم يأتي القسم الثالث، تحت عنوان (فضل تعدد الزوجات) ليتكلم عن هذا النوع من الزواج وموقف الشرع منه، باعتباره أفضل من الإفراد، ويذكر فتوى العلماء في ذلك الزواج الكريم، ثم يرد على الشبهات التي أثارها الخصوم على هذا التشريع وتلك السنة المباركة، ويناقش موقف الرافضين والمعارضين ويفند مزاعمهم.
وفي القسم الرابع الذي يحمل عنوان (حكمة الإسلام في تعدد الزوجات)، تم فيه عرض الحكم والفوائد الاجتماعية العديدة وراء هذا التشريع الالهي المنير.
أما القسم الخامس الموسوم (كواكب حول الرسول) فهو مسك الختام، فالرسول أسوتنا الحسنة، وأزواجه أمهاتنا وقدوة لنساء المسلمين، فهو يحتوي على نبذة عن سيرة النبي الأسرية وحياته مع زوجاته، وشيء من ظلال السيرة النبوية الشريفة حول قضايا المرأة والزواج في حياته ، كصور الخطبة العديدة والمهور والعرس وتقاليد الزواج الأخرى، كما وردت في السيرة وحياة الآل والأصحاب، وغيرها من الصور والقصص المأثورة في حياة النبي وصحبه الكرام، وزوجاتهم وفي مقدمتهم أمهات المؤمنين أزواج النبي المصطفى .
وقد قمنا بجمع ونشر هذه البحوث اللطيفة حول المرأة بشيء من التصرف والحذف والإضافة، لاسيما القسمين الثاني والثالث وثبتنا بعض الهوامش والتعقيبات الضرورية توضيحاً للمبهم وبغية الحصول على الوحدة والتناسق بين أقسام الكتاب.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الجهد المتواضع خالصاً لوجهه الكريم، ويكتب له القبول لكي ينتفع به الأخوة والأخوات من أبناء الأمة، وكل من ألقى السمع وهو شهيد.
إنه نعم المولى ونعم النصير.
علاء الدين شمس الدين المدرس
غرة شهر رمضان المبارك
1432هـ
صفحة 3
الإسلام .. والمرأة
قبل أن نبيِّن حقيقة وضع المرأة في الإسلام، يجدر بنا أن نلم إلمامة سريعة بتاريخ قضية المرأة في أوربا، فهي منبع الفتنة التي فتنت الشرق عن طريق التقليد.
كانت المرأة في أوربا وفي العالم كله هملاً لا يحسب له حساب. كان (العلماء والفلاسفة) يتجادلون في أمرها. هل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح فهل هي روح إنسانية أم حيوانية؟! وعلى فرض أنها ذات روح إنسانية، فهل وضعها الاجتماعي و(الإنساني) بالنسبة للرجل هو وضع الرقيق، أم هو شيء أرفع قليلاً من الرقيق؟!.
وحتى في الفترات القليلة التي تمتعت فيها المرأة بمركز (اجتماعي) مرموق سواء كان في اليونان أو في الإمبراطورية الرومانية، لم يكن ذلك مزية للمرأة كجنس وإنما كان لنساء معدودات، بصفتهم الشخصية، أو لنساء العاصمة بوصفهن زينة للمجالس، وأداة من أدوات الترف التي يحرص الأغنياء والمترفون على إبرازها زهواً وعجباً، ولكنها لم تكن قط موضع الاحترام الحقيقي كمخلوق إنساني جدير بذاته أن يكون له كرامة بصرف النظر عن الشهوات الغريزية التي تحببه لنفس الرجل.
وظل الوضع كذلك في عهود الرق والإقطاع في أوربا في جهالتها تدلل حيناً تدليل الترف والشهوة، وتهمل كالحيوانات التي تأكل وتشرب وتحمل وتلد وتعمل ليل نهار. حتى جاءت الثورة الصناعية في أوربا، فكانت الكارثة التي لم تصب المرأة بشرٍ منها في تاريخها الطويل. لقد كانت الطبيعة الأوربية في جميع عهودها كزّة جاحدة لا تسخو ولا ترتفع إلى مستوى التطوع النبيل الذي لا يكلف جهداً ولا يفيد مالاً أو نفعاً قريباً أو غير قريب. ولكن الأوضاع الاقتصادية في عهدي الرق والإقطاع، والتكتل الاجتماعي الذي كانا يستلزمانه في البيئة الزراعية، جعلا تكليف الرجل إعالة المرأة هو الأمر الطبيعي الذي تقتضيه الظروف، فضلاً عن إن المرأة كانت تعمل في المنزل في الصناعات البسيطة التي تتيحها البيئة الزراعية، فكانت تدفع ثمن إعالتها بهذا العمل.
ولكن الثورة الصناعية قلبت الأوضاع كلها في الريف والمدينة على السواء فقد حطمت كيان الأسرة وحلت روابطها بتشغيل النساء والأطفال في المصانع فضلاً عن استدراج العمال من بيئتهم الريفية القائمة على التكافل والتعاون، إلى المدينة التي ليس فيها أحدٌ لأحد، ولا يعول أحدٌ أحداً، وإنما يستقل كل إنسان بعمله ومتعته، وحيث يسهل الحصول على المتعة الجنسية من طريقها المحرم، فتهبط الرغبة في الزواج وكفالة الأسرة، أو تتأخر سنوات طويلة على الأقل. وليس همنا هنا استعراض تاريخ أوربا. ولكنا نستعرض العوامل التي أثرت في حياة المرأة فحسب.
صفحة 4
إن الثورة الصناعية إذن قد شغلت النساء والأطفال. فحطمت روابط الأسرة وحلت كيانها، ولكن المرأة هي التي دفعت أفدح الثمن من جهدها وكرامتها وحاجاتها السيكولوجية والمادية. فقد نكل الرجل عن إعالتها من ناحية، وفرض عليها أن تعمل لتعول نفسها حتى لو كانت زوجة وإماً! واستغلتها المصانع أسوأ استغلال من ناحية أخرى، فشغلتها ساعات طويلة من العمل، وأعطتها أجراً أقل من الرجل الذي يقوم معها بنفس العمل في المصنع.
ولا نسأل لماذا حدث ذلك، فهكذا هي أوربا، جاحدة كزّة كنود، لا تعترف بالكرامة للإنسان من حيث هو إنسان، ولا تتطوع بالخير حيث تستطيع أن تعمل الشر وهي آمنة.
تلك طبيعتها على مدار التاريخ، في الماضي والحاضر والمستقبل إلى أن يشاء الله لها الهداية والارتفاع.
وإذا كان النساء والأطفال ضعافاً، فما الذي يمنع من استغلالها والقسوة عليها إلى أقصى حد؟ إن الذي يمنع شيء واحد فقط، هو الضمير ومتى كان لأوربا ضمير؟ ومع ذلك فقد وجدت قلوب إنسانية حية لا تطيق الظلم. فهبت تدافع عن المستضعفين من الأطفال. نعم الأطفال. فقط! فراح المصلحون الاجتماعيون ينددون بتشغيلهم في سن مبكرة، وتحميلهم من الأعمال ما لا تطيق بنيتهم الغضة التي لم تستكمل نصيبها من النمو، وضآلة أجورهم بالنسبة للجهد العنيف الذي يبذلونه ونجحت الحملات، فرفعت رويداً رويداً سن التشغيل، ورفعت الأجور وخفضت ساعات العمل.
أما المرأة فلم يكن لها نصير. فنصرة المرأة تحتاج إلى قدر من ارتفاع المشاعر لم تكن تطيقه أوربا المادية! لذلك ظلت في محنتها. تنهك نفسها في العمل مضطرة – لإعالة نفسها – وتتناول أجراً أقل من أجر الرجل، مع اتحاد الإنتاج والجهد المبذول وجاءت الحرب العالمية الأولى. وقتل عشرة ملايين من الشباب الأوربيين والأمريكان. وواجهت المرأة قسوة المحنة بكل بشاعة. فقد وجدت ملايين من النساء بلا عائل. إما لأن العائل قد قتل في الحرب، أو شوه، أو فسدت أعصابه من الخوف والذعر والغازات السامة الخانقة، وإما لأنه خارج من حبس السنوات الأربع يريد أن يستمتع ويرفه أعصابه، ولا يريد أن يتزوج ويعول أسرة تكلفه جهداً من المال والأعصاب.
صفحة 5
إن الثورة الصناعية إذن قد شغلت النساء والأطفال. فحطمت روابط الأسرة وحلت كيانها، ولكن المرأة هي التي دفعت أفدح الثمن من جهدها وكرامتها وحاجاتها السيكولوجية والمادية. فقد نكل الرجل عن إعالتها من ناحية، وفرض عليها أن تعمل لتعول نفسها حتى لو كانت زوجة وإماً! واستغلتها المصانع أسوأ استغلال من ناحية أخرى، فشغلتها ساعات طويلة من العمل، وأعطتها أجراً أقل من الرجل الذي يقوم معها بنفس العمل في المصنع.
ولا نسأل لماذا حدث ذلك، فهكذا هي أوربا، جاحدة كزّة كنود، لا تعترف بالكرامة للإنسان من حيث هو إنسان، ولا تتطوع بالخير حيث تستطيع أن تعمل الشر وهي آمنة.
تلك طبيعتها على مدار التاريخ، في الماضي والحاضر والمستقبل إلى أن يشاء الله لها الهداية والارتفاع.
وإذا كان النساء والأطفال ضعافاً، فما الذي يمنع من استغلالها والقسوة عليها إلى أقصى حد؟ إن الذي يمنع شيء واحد فقط، هو الضمير ومتى كان لأوربا ضمير؟ ومع ذلك فقد وجدت قلوب إنسانية حية لا تطيق الظلم. فهبت تدافع عن المستضعفين من الأطفال. نعم الأطفال. فقط! فراح المصلحون الاجتماعيون ينددون بتشغيلهم في سن مبكرة، وتحميلهم من الأعمال ما لا تطيق بنيتهم الغضة التي لم تستكمل نصيبها من النمو، وضآلة أجورهم بالنسبة للجهد العنيف الذي يبذلونه ونجحت الحملات، فرفعت رويداً رويداً سن التشغيل، ورفعت الأجور وخفضت ساعات العمل.
أما المرأة فلم يكن لها نصير. فنصرة المرأة تحتاج إلى قدر من ارتفاع المشاعر لم تكن تطيقه أوربا المادية! لذلك ظلت في محنتها. تنهك نفسها في العمل مضطرة – لإعالة نفسها – وتتناول أجراً أقل من أجر الرجل، مع اتحاد الإنتاج والجهد المبذول وجاءت الحرب العالمية الأولى. وقتل عشرة ملايين من الشباب الأوربيين والأمريكان. وواجهت المرأة قسوة المحنة بكل بشاعة. فقد وجدت ملايين من النساء بلا عائل. إما لأن العائل قد قتل في الحرب، أو شوه، أو فسدت أعصابه من الخوف والذعر والغازات السامة الخانقة، وإما لأنه خارج من حبس السنوات الأربع يريد أن يستمتع ويرفه أعصابه، ولا يريد أن يتزوج ويعول أسرة تكلفه جهداً من المال والأعصاب.
صفحة 6
تلك قصة (كفاح المرأة لنيل حقوقها) في أوربا. قصة مسلسلة، كل خطوة فيها لابد أن تؤدي إلى الخطوة التالية رضي الرجل أو كره، بل رضيت المرأة أو كرهت فهي ذاتها لم تعد تملك أمرها في هذا المجتمع الهابط المنحل الذي أفلت منه الزمام. ومع ذلك كله فقد تعجب حين تعلم أن إنجلترا (أم الديمقراطية) ما تزال إلى هذه اللحظة تمنح المرأة أجراً أقل من أجر الرجل في وظائف الدولة، رغم إن في مجالس العموم نائبات محترمات!.
ونعود إلى وضع المرأة في الإسلام، لنعرف إن كانت ظروفنا التاريخية والجغرافية والاقتصادية والعقيدية والتشريعية، تجعل للمرأة (قضية) تكافح من أجلها، كما كان للمرأة قضية، أم إنها شهوة التقليد الخالصة وعقدة الخواجة، والعبودية الخفية للغرب (التي تجعلنا لا نبصر الأشياء بعيوننا، ولا نراها في حقيقتها) هي التي تملأ الجو بهذا الضجيج الزائف في مؤتمرات النساء.
من البديهيات الإسلامية التي لا تحتاج إلى ذكر ولا إعادة، إن المرأة في عرف الإسلام كائن إنساني، له روح إنسانية من نفس (النوع) الذي منه روح الرجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء فهي إذن الوحدة الكاملة في الأصل والمنشأة والمصير، والمساواة الكاملة في الكيان البشري، تترتب عليها كل الحقوق المتصلة مباشرة بهذا الكيان، لحرمة الدم والعرض والمال، والكرامة التي لا يجوز أن تلمز مواجهة أو تغتاب، ولا يجوز أن يتجسس عليها أو تقتحم الدور... كلها حقوق مشتركة لا تمييز فيها بين جنس وجنس. والأوامر والتشريعات فيها عامة للجميع؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه) رواه الشيخان. والجزاء في الآخرة واحد للجنسين: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ .
وتحقيق الكيان البشري في الأرض متاح للجنسين: الأهلية للملك والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف من رهن وإجارة ووقف وبيع وشراء واستغلال.. الخ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ، لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ .
صفحة 7
ولابد هنا من وقفة عند أمرين بشأن حق الملكية والتصرف والانتفاع. فقد كانت شرائع أوربا تحرم المرأة من كل هذه الحقوق إلى عهد قريب، وتجعل سبيلها الوحيد إليها عن طريق الرجل زوجاً كان أم أباً أم ولي أمر. أي إن المرأة الأوربية ظلت أكثر من اثني عشر قرناً بعد الإسلام لا تملك من الحقوق ما أعطاها الإسلام. ثم هي حين ملكتها لم تأخذها سهلة ولا احتفظت بأخلاقها وعرضها وكرامتها، وإنما احتاجت لأن تبذل كل ذلك، وتتحمل العرق والدماء والدموع، لتحصل على شيء مما منحه الإسلام – كعادته – تطوعاً وإنشاءً، لا خضوعاً لضرورة اقتصادية، ولا إذعاناً للصراع الدائر بين البشر، ولكن إحساساً منه بالحق والعدل الأزليين. وتطبيقاً لهما في واقع الأمر لا في عالم المُثل والأحلام.
والأمر الثاني إن الشيوعية خاصة، والغرب عامة يعتبرون الكيان البشري هو الكيان الاقتصادي. ويقولون صراحة أن المرأة لم يكن لها كيان، لأنها لم تكن تملك، أو لم يكن لها حق التصرف فيما تملك، وإنها صارت مخلوقاً آدمياً فقط حين استقلت أوربا اقتصادياً، أو حين صار لها ملك خاص مستقل عن الرجل تستطيع أن تعيش منه وتتصرف فيه.
وبغض النظر عن إنكارنا لتحديد الكيان البشري بهذه الحدود الضيقة، والهبوط به حتى يصبح عرضاً اقتصادياً لا غير، فإننا نوافقهم (من حيث المبدأ) على إن الاستقلال الاقتصادي له أثره في تكوين المشاعر، وتنمية الشعور بالذات.
وهنا يحق للإسلام أن يفتخر بما أعطى المرأة من كيان اقتصادي مستقل، فصارت تملك وتتصرف وتنتفع بشخصيتها مباشرةً بلا وكالة، وتعامل المجتمع بلا وسيط. ولم يكتف الإسلام بتحقيق كيان المرأة في مسألة الملكية، بل حققه في أخطر المسائل المتعلقة بحياتها وهي مسألة الزواج. فلا يجوز أن تتزوج بغير إذنها ولا يتم العقد حتى تعطي الإذن: (لا تزوج الثيب حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها) ، ويصبح العقد باطلاً إذا لم تبد موافقتها عليه.
وقد كانت المرأة (في غير الإسلام) تحتاج إلى سلوك طرق ملتوية لتهرب من زواج لا تريده، لأنها لا تملك شرعاً ولا عرفاً أن ترفض. ولكن الإسلام أعطاها هذا الحق الصريح تستخدمه متى أرادت بل أعطاها أن تخطب لنفسها ، وهو آخر ما وصلت إليه أوربا في القرن العشرين، وحسبته انتصاراً هائلاً على التقاليد البالية!.
صفحة 8
ويبلغ من تقدير الإسلام لمقومات الكيان البشري (في عصور كان يغشاها الجهل والظلام) أن اعتبر العلم والتعلم ضرورة بشرية، ضرورة لازمة لكل فرد لا لطائفة محدودة من الناس، فقرر للملايين حق التعلم، بل جعله فريضة وركناً من الإيمان بالله على طريقة الإسلام. وهنا كذلك يحق له أن يفخر بأنه أول نظام في التاريخ نظر إلى المرأة على إنها كائن بشري، لا يستكمل مقومات بشريته حتى يتعلم، شأنها شأن الرجل سواء بسواء، فجعل العلم فريضة عليها كما هو فريضة على الرجل، ودعاها أن ترتفع بعقلها، كما ترتفع بجسدها وروحها عن مستوى الحيوان، بينما ظلت أوربا تنكر هذا الحق على عهد قريب. ولم تستجب إليه إلا خضوعاً للضرورات.
إلى هذا الحد وصل تكريم الإسلام للمرأة. ولا يستطيع أحد مهما أوتي القدرة على التبجح، أن يقول إن فكرة الإسلام في كل هذه الأمور قائمة على إن المرأة مخلوق ثانوي، أو تابع في وجوده لمخلوق آخر، أو دورها في الحياة دور ضئيل لا يؤبه له. فلو كان الأمر كذلك ما عني بتعليمها، والتعليم بالذات مسألة لها دلالة خاصة، وتكفي وحدها (دون حاجة إلى المسائل الأخرى) لتقرير الوضع الحقيقي للمرأة في الإسلام، وهو وضع كريم عند الله وعند الناس.
ولكن الإسلام بعد هذا – بعد تقرير المساواة الكاملة في الإنسانية، والمساواة في جميع الحقوق التي تتصل مباشرة بالكيان البشري المشترك بين الجميع يفرق بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق وبعض الواجبات. وهنا الضجة الكبرى التي تثيرها نساء المؤتمرات، ويثيرها معهن كتاب و((مصلحون)) وشباب، نعلم إلى كم يريدون بدعوتهم وجه الإصلاح، وكم يريدون بها أن يجدوا المرأة سهلة التناول في المجتمع وفي الطريق!.
وقبل الدخول في تفاصيل هذه المواضع التي يفرق فيها الإسلام بين الرجل والمرأة، ينبغي أولاً أن نرد المسألة إلى جوهرها الحقيقي إلى أصولها الفسيولوجية والبيولوجية والسيكولوجية: ثم نستعرض بعد ذلك رأي الإسلام.
هل هما جنس واحد أو جنسان؟ وهل هي وظيفة واحدة أم وظيفتان؟ تلك عقدة الموضوع. فإن أرادت نساء المؤتمرات وكتابهن ومصلحوهن وشبابهن أن يقولوا: ليس بين المرأة والرجل خلاف في التكوين الجسدي والكيان الوجداني ووظائف الحياة البيولوجية، فما عسى أن يرد به عليهم!؟ وإن أقروا بوجود هذا الخلاف فهنالك إذن أساس صالح لمناقشة الموضوع.
صفحة 9
(وتبعاً لهذا الاختلاف الحاسم في المهمة والأهداف اختلفت طبيعة الرجل والمرأة، ليواجه كل منهما مطالبه الأساسية، وقد زودته الحياة بكل التيسيرات الممكنة، ومنحته التكيف الملائم لوظيفته).
(لذلك لا أرى كيف تستساغ هذه الثرثرة الفارغة عن المساواة الآلية بين الجنسين! إن المساواة في الإنسانية أمر طبيعي ومطلب معقول. فالمرأة والرجل هما شقا الإنسانية، وشقا النفس الواحدة: أما المساواة في وظائف الحياة وطرائقها فكيف يمكن تنفيذها، لو أرادتها كل نساء الأرض وعقدت من أجلها المؤتمرات وأصدرت القرارات). (هل في وسع هذه المؤتمرات وقراراتها الخطيرة أن تبدل طبائع الأشياء فتجعل الرجل يشارك المرأة في الحمل والولادة والرضاعة؟).
(وهل يمكن أن تكون هناك وظيفة بيولوجية من غير تكيف نفسي وجسدي خاص؟، هل اختصاص أحد الجنسين بالحمل والرضاعة لا يستتبعه أن تكون مشاعر هذا الجنس وعواطفه وأفكاره مهيأة بطريقة خاصة لاستقبال هذا الحدث الضخم، والتمشي مع مطالبه الدائمة).
(إن الأمومة بكل ما تحتويه من مشاعر نبيلة، وأعمال رفيعة، وصبر على الجهد المتواصل، ودقة متناهية في الملاحظة وفي الأداء... هي التكيف النفسي والعصبي والفكري الذي يقابل التكيف الجسدي للحمل والإرضاع. كلاهما متمم للآخر متناسق معه، بحيث يكون شذوذاً عجيباً أن يوجد أحدهما في غيبة الآخر).
(وهذه الرقة اللطيفة في العاطفة، والانفعال السريع في الوجدان، والثورة القوية في المشاعر، التي تجعل الجانب العاطفي، لا الفكري، هو النبع المستعد أبداً بالفيض، المستجاش أبداً بأول لمسة، كل ذلك من مستلزمات الأمومة، لأن مطالب الطفولة لا تحتاج إلى التفكير، الذي قد يسرع أو يبطئ وقد يستجيب أو لا يستجيب، وإنما تحتاج إلى عاطفة مشبوبة لا تفكر، بل تلبي الداعي بلا تراخي ولا إبطاء). (فهذا كله هو الوضع الصحيح للمرأة حيث تلبي وظيفتها الأصلية وهدفها المرسوم) (والرجل إلى جانب آخر مكلف بوظيفة أخرى، ومهيأ لها على طريقة أخرى) (مكلف بصراع الحياة في الخارج. سواء كان الصراع هو مجابهة لوحوش في الغابة، أو قوى الطبيعة في السماء والأرض. أو نظام الحكومة وقوانين الاقتصاد... كل ذلك لاستخلاص القوت، ولحماية ذاته وزوجه وأولاده من العدوان).
(هذه الوظيفة لا تحتاج أن تكون العاطفة هي المنبع المستجاش. بل ذلك يضرها ولا ينفعها، فالعاطفة تتقلب في لحظات من النقيض إلى النقيض.
صفحة 10
ولا تصير على اتجاه واحد إلا فترة، تتجه بعدها إلى هدف جديد وهذا يصلح لمطالب الأمومة المتغير المتقلبة، ولكنه لا يصلح لعمل خطة مرسومة تحتاج في تنفيذها إلى الثبات على وضع واحد لفترة طويلة من الوقت، وإن ما يصلح لذلك الفكر فهو بطبيعته أقدر على التدبير وحساب المقدمات والنتائج قبل التنفيذ وهو أبطأ عملاً من العاطفة الجياشة المتفجّرة، وليس المطلوب منه هو السرعة بقدر ما هو تقدير الاحتمالات والعواقب، وتهيئة أحسن الأساليب للوصول إلى الهدف المنشود وسواء كان المقصود هو صيد فريسة، أو اختراع آلة، أو وضع خطة اقتصادية، أو سياسة حكم، أو إشعال حرب، أو تدبير سلم، فكلها تحتاج إلى إعمال الفكر، ويفسدها تقلب العاطفة). (ولذلك فالرجل في وضعه الصحيح حين يؤدي هدفه الصحيح).
(وهذا يفسر كثيراً من أوجه الخلاف بين الرجل والمرأة. فهو يفسر مثلاً لماذا يستقر الرجل في عمله، ويمنحه الجانب الأكبر من نفسه وتفكيره بينما هو في الميدان العاطفي متنقل كالأطفال. في حين أن المرأة تستقر في علاقاتها العاطفية تجاه الرجل، وحينما تتجه إليه فكأنما كيانها كله يتحرك ويتدبر الخطط ويرتب الملابسات، وهي في هذا الشأن أبعد ما تكون دقة. ترسم أهدافها لمسافات بعيدة وتعمل دائبة على تحقيق أغراضها. بينما هي لا تستقر في العمل، إلا أن يكون فيه ما يلبي جزءاً من طبيعتها الأنثوية كالتمريض أو التدريس أو الحضانة. أما حين تعمل في المتجر فهي تلبي كذلك جزءاً من عاطفتها بحثاً عن الرجل هناك. ولكن هذه الأعمال كلها بديل لا يغني عن الأصل، وهو الحصول على رجل وبيت وأسرة وأولاد. وما أن تعرض الفرصة للوظيفة الأولى حتى تترك المرأة عملها لتهب نفسها لبيتها. إلا أن يحول دون ذلك عائق قهري كحاجتها إلى المال).
(ولكن هذا ليس معناه الفصل الحاسم القاطع بين الجنسين: ولا معناه أن كلاً منهم لا يصلح أية صلاحية لعمل الآخر).
(فالجنسان إذن خليط، وعلى نسب متفاوتة. فإذا وجدت امرأة تصلح للحكم أو القضاء أو حمل الأثقال أو الحرب والقتال... وإذا وجد رجل يصلح للطهي وإدارة البيوت أو الإشراف الدقيق على الأطفال أو الحنان الأنثوي، أو كان سريع التقلب بعواطفه ينتقل في لحظة من النقيض للنقيض: فكل ذلك أمر طبيعي، ونتيجة صحيحة لاختلاط الجنسين في كل جنس. ولكنه خلو من الدلالة المزيفة التي يريد أن يلصقها به شذاذ الآفاق في الغرب المنحل والشرق المتفكك سواء، فالمسألة في وضعها الصحيح ينبغي أن توضع على هذه الصورة، وهل كل هذه الأعمال التي تصلح لها المرأة زائدة على وظيفتها الطبيعية، تغنيها عن طلب البيت والأولاد والأسرة؟ وتغنيها عن طلب الرجل قبل هذا وبعد ذلك ليكون في البيت رجل! بصرف النظر عن شهوة الجنس وجوعة الجسد ؟.
والآن وقد استعرضنا حقيقة الخلاف بين طبيعة الرجل والمرأة، نعود إلى مواضع التفرقة بينهما في الإسلام.