صفحة 1
فَبِما رحمة من الله لِنْتَ هم ولو كنت فظاً غليظ القلبِ لانفضوا من حولك
فأعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر
فإذا عزمتَ فتوكل على الله إن الله يحبُّ المتوكلين
سورة آل عمران: 159
إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملّتهم
ولن تفلحوا إذاً أبدا
سورة الكهف: 20
وَلنْ ترضى عنك اليهودُ ولا النصارى حتى تتّبعَ مِلّتهم
قُلْ إن هدى الله هو الهدى ولئِنْ اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم
مالك من الله من وليّ ولا نصير
سورة البقرة: 120
صفحة 2
الإهداء
إلى الذين استمسكوا بالعروة الوثقى واعتصموا بحبل الله واستلهموا تعاليم القرآن الكريم وهدي المصطفى ومحبة أهل البيت والصحابة.
وإلى دعاة القرآنية والمحبة والأخوة والتقريب.
وإلى من غشيتهم الخصومة والطائفية، وأصابهم الغلو والتعصب، فباتوا أداة بيد الأعداء من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ليعرفوا خطر الفرقة ودور الأعداء، لكي لا يقعوا في حبائلهم ويستمرئوا دسّهم وسمومهم تحت أي ستار…
وإلى والدتي العزيزة –-رحمها الله- التي ألهمتني حب الناس جميعاً..
أهدي هذه الصفحات..
شكر وتقدير
لا يسعني، وأنا أقف على نهاية هذا البحث المتواضع، بعد جهد وانشغال غير يسير، أن اعبّر عن شكري وتقديري لكل من أسهم معي وشاركني هذا العمل، وذلل لي الصعاب والعقبات من خلال التدقيق والتنقيح والإرشاد، فضلاً عن توفير المصادر والتسهيلات الأخرى، واخص بالذكر أساتذتي: الدكتور حسام ألنعيمي والأستاذ وليد الاعظمي والدكتور إبراهيم العبيدي والدكتور بهجت الحديثي وغيرهم من الأساتذة الأفاضل، الذين لم تثنهم كثرة مشاغلهم ومسؤولياتهم عن تقديم يد العون والمساعدة لي، لإخراج هذا البحث بشكله الحالي، ولا أنسى دور زوجتي البارة في الوقوف إلى جانبي في المراجعة والتدقيق والبحث في المصادر وغير ذلك مما يتطلبه البحث، كما اشكر الأخوة القائمين على مكتبة حمدي الاعظمي لما أبدوه من تسهيلات لإتمام البحث..
سائلاً المولى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى..
انه نعم المولى ونعم النصير
المؤلف
صفحة 3
لم يكن اغتيال ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة وقتلهم غيلة وغدراً مصادفة أو حادثاً عرضياً طبيعياً -كما قد يتوهم البعض- والإسلام في أوج قوته وشدة سطوعه على العالم القديم، مع انتشار تعاليم القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف في معظم أرجاء المعمورة بعد وفاة الرسول الكريم بعقد من الزمن أو يزيد قليلاً.. وذلك حينما زلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة، فبات العالم يحلم بنور اللّه يضيء القلوب والأصقاع وراية الحق تخفق في المشرق والمغرب، والخليفة الراشد يسجد لله شاكراً نعمة النصر وانتشار الإسلام، حتى قال عنه ذلك الغريب الذي دخل المدينة المنورة، ووجد الخليفة عمر نائماً على الأرض تحت شجرة دونما حراسة أو حجاب: عدلت فأمنت فنمت.. ولكن ما أن هدأ النور الساطع حتى بدأت الحشرات والأفاعي والوحوش بالظهور، لتبث السم من جديد، ولتقف أمام ذلك النور، محاولة كتم مصدره والقضاء على الراعي الذي يمده ويغذيه، لإيقاف زحفه، محاولين إعادة بناء ذلك المجد الزائف والبنيان الذي تصدع وانهار بمولد النور وانطلاقه منذ مبعث المصطفى وبدء رسالة الإسلام، حين قاد الصحابة هذا الفتح المبين ووصلوا إلى الصين شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً. فتنادت فلول من المجوس في المشرق، والروم في المغرب معهم حفنة من اليهود المندسين بين هؤلاء وهؤلاء، يوسوسون لبعض أهل النفاق والفجور والمصالح من البلاد المفتوحة حديثاً للعمل في الخفاء، لتقويض دولة الإسلام المتعاظمة، أو على الأقل لإيقاف زحفه وإضعافه، وحرف أهله عن رسالته المجيدة لتحرير العالم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
وقد أثمرت هذه المؤامرة الكبرى في صدر الإسلام، أول ثمرة شوهاء، باغتيال عمر الفاروق، ثم تلا ذلك العديد من الثمر المسموم، في ساحة الإسلام العظيم، فكان هذا التحالف الخفي، هو السبب الرئيس للمحنة السياسية التي حدثت في عهد عثمان ، وانتهت بمقتله، ثم استمر هذا التآمر في عهد علي ، حتى قام الغلاة باغتياله، ثم توالت المحن وتأصل التشتت والتشرذم والفرقة بعد مقتل الحسين وابن الزبير، فلم تجتمع كلمة المسلمين إلى اليوم، ولا يزال هذا التحالف قائماً في وجه الإسلام، يقوده اليوم الغرب المستعمر والصهيونية البغيضة والشعوبية الحاقدة ومطيتهم في داخل المجتمع المسلم أهل الغلو والتطرف والنفاق ويمكرون ويمكر اللّه واللّه خير الماكرين( ).
إن هذا التحالف نفسه -كما سنرى- كان وراء الفتن والمحن المعروفة في التاريخ الإسلامي وعلى رأسها اغتيال الخلفاء والعديد من عظماء الإسلام، وحريٌّ بنا أن نعرف عدوّنا ونشخصه بغية مجابهته ومنعه من المزيد من التآمر، وتوحيد الصفوف وترصين الأمة لبناء مجد الإسلام من جديد، وفسح المجال لتعاليم القرآن وهدي المصطفى لتفعل فعلها في الحياة وفي الواقع المعاصر لنحيا في ظل القرآن، ولكي ترفرف راية القرآن في الآفاق من جديد رغم انف الأعداء والمتجبّرين.
قال تعالى: واعدّوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو اللّه وعدّوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم اللّه يعلمهم( ).
واللّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل
1 رمضان 1419هـ
علاء الدين شمس الدين المدرس الـكيـلانــي
صفحة 4
نبــذة تاريخيــة
العالم القـديم وصراع القطبين
لقد شهد العالم القديم في حياة النبي (570-632 م) آخر وأعنف حربين دارت رحاهما بين الروم البيزنطينيين والفرس الساسانيين وذلك في السنوات 572-591 و 601-628 م.
ففي سنة 572 م نشبت حرب بين الفرس بقيادة كسرى الأول (انو شروان) والروم بقيادة الملك جستنيان، وهي الحرب التي استمرت حتى سنة 592 م، وانتهت بخلع ابن كسرى وخليفته هرمز الرابع واغتياله، وقد أتاحت النقمة الشعبية للحرب، الفرصة أمام النبلاء الفرس للعودة إلى النفوذ، واغتصب العرش نبيل ثائر، ولـكن موريس إمبراطور الروم أعاد كسرى الثاني، وهو ابن هرمز الرابع إلى عرش آبائه. وقد كافأه كسرى على ذلك بأن عقد صلحاً مع موريس (591 م) وتنازل له عن النصف الغربي من أرمينية الفارسية، وعندها تمكن موريس من نقل جيش الإمبراطورية إلى أوربا، وشن حرباً هجومية على السلاف والافار، وقد نجحت حملته الهجومية بحيث أن الرومان عادوا، في سنة 602 م إلى الضفة الشمالية للدانوب الأدنى.. وبعد هذا الانتصار الروماني في الغرب أمر موريس الجنود بأن يشتوا فيما وراء الدانوب، فأدى ذلك إلى عصيان دفع موريس ثمنه عرشه وحياته، ورمى الإمبراطورية في أحضان الفوضى( ).
وفي سنة 604 م هاجم كسرى الثاني دولة الروم بحجة الانتقام لموريس، الذي كان كسرى مديناً له بالكثير. والحرب التي تلت ذلك كانت أشرس الحروب التي دارت رحاها بين الرومان والفرس، وقد احتل الفرس سورية وفلسطين ومصر وبرقة.. ولما قام الروم بالهجوم المضاد وصلوا شرقاً إلى أبعد مما وصل إليه أي جيش روماني منذ سنة 117 م، وفي سنة 628 م كاد الحاكم الروماني هرقل (تولى العرش 610 م) أن يصل إلى أسوار المدائن (طيسفون) ثم انتهت الحرب، كما توقفت الحرب السابقة لها (572-591)، بخلع الإمبراطور الساساني ووفاته.
وعقدت الدولتان صلحاً سنة 628 م على أساس الوضع السابق للحرب، وأخذت الفوضى العنيفة برقاب الإمبراطورية الساسانية، على نحو ما أصاب الإمبراطورية الرومانية بين سنة (602 و 610) إلا أن الإمبراطورية الفارسية، على عكس الرومانية، لم تنهض من كبوتها.
كانت الدولتان الرومية والفارسية، في سنة 628 م، قد بلغ منهما الجهد غايته، وكانت الدولة الثالثة الفتية هي الدولة الإسلامية التي أنشأها النبي في المدينة المنورة سنة (622 م). وكان لظهورها بشكل مذهل وتوسعها اثر بالغ في انهيار دولتي الفرس والروم.
ففي سنة (633 م) أرسل الخليفة الأول أبو بكر الصديق الجيوش نحو دولتي فارس والروم الواقعتين إلى الشمال الشرقي والشمال الغربي في وقت واحد، وقد سقطت الإمبراطورية الفارسية في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، أما دولة الروم فقد استمر وجودها، إلا أن أملاكها كانت قد تقلصت تدريجياً، بحيث اقتصرت في النهاية على آسيا الصغرى والقسطنطينية وبعض الجزر وجسور برية على الساحل الآسيوي الشمالي للبحر المتوسط.
صفحة 5
القـرآن وغلبــة الـروم
لقد اخبر القرآن الـكريم عن انتصار الروم على الفرس. والمسلمون في مكة قلة مستضعفون في مواجهة طغيان المشركين من قريش، فحينما دارت الحرب بينهما سنة 604 م حتى سنة 616 م كان انتصار الفرس على الروم ساحقاً، وفي تلك الأثناء نزلت الآيات الأولى من سورة الروم التي تبشر بانتصار الروم على الفرس الوثنيين بعد بضع سنين. قال تعالى: ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون
من هذه الآيات نرى أن القرآن الـكريم أخبر بأن الروم غُلبوا، ثم أخبر أنهم سيغلبون في بضع سنين – والبضع في لغة العرب من الثلاثة إلى التسعة - وان المؤمنين سيفرحون بهذا النصر، ثم قال: وهذا وعد قاطع لا يتخلف. وقد تم ذلك.
فبعد بضع سنين من نزول هذه الآيات انتصر الروم على الفرس، كما أخبر القرآن وقطع به، بالرغم من أن كل الدلائل كانت لا تشير إلى ذلك، حيث يروي التاريخ الفوضى السياسية التي كانت تعيشها دولة الروم، فضلا عن محاصرة عاصمتها القسطنطينية من قبل الفرس.
وقد ذكر المؤرخ الغربي (أدورد جين) في كتابه (تاريخ سقوط واندحار الإمبراطورية الرومانية) في الجزء الخامس من الوقائع المتعلقة بهذا الحادث فقال:
كان ملك الروم (موريس) في أواخر القرن السابع الميلادي ملكاً ضعيفاً، ولذلك قاد جيشه ثورة ضده، بقيادة (فوكاس) وأصبح فوكاس ملك الروم بعد نجاح الثورة والقضاء على العائلة الملكية بطريقة وحشية، وأرسل سفيراً له إلى كسرى (ابرويز الثاني) وهو ابن (انو شروان) المعروف. وكان كسرى هذا مخلصاً للملك (موريس)، إذ كان قد لجأ إليه عام 590 م، بسبب مؤامرة داخلية في الدولة الفارسية، وقد عاونه (موريس) بجنوده لاستعادة العرش، ويروى أن كسرى تزوج بنت (موريس) أثناء إقامته ببلاد الروم ولذلك كان يدعوه (الأب).
صفحة 6
وأغار كسرى (ابرويز) على بلاد الروم، وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات إلى الشام، ولم يتمكن (فوكاس) من مقاومة جيوش الفرس التي استولت على مدينتي (أنطاكيا والقدس) فاتسعت حدود الإمبراطورية الفارسية فجأة إلى وادي النيل، وكانت بعض الفرق المسيحية -كالنسطورية واليعقوبية- حاقدة على النظام الجديد في روما، فناصرت الفاتحين الجدد، وتبعها اليهود، مما سهل غلبة الفرس، وأرسل بعض أعيان الروم، رسالة سرية إلى الحاكم الرومي في شمال أفريقية (قرطاجة) يناشدونه إنقاذ الإمبراطورية، فأرسل الحاكم جيشاً كبيراً بقيادة ابنه الشاب (هرقل)، فسار بجيشه في الطريق البحرية بسرية تامة، حتى ان (فوكاس) لم يشعر بهم إلا بعد وصول الأساطيل وهي تقترب من السواحل الرومانية. واستطاع (هرقل) -دون مقاومة تذكر- أن يستولي على الإمبراطورية، وقتل (فوكاس) المتآمر. بيد أن هرقل لم يتمكن من إيقاف طوفان الفرس.. فضاع من الروم كل ما ملـكوا في البلاد في شرقي العاصمة وجنوبها، ولم يعد العلم الصليبي يرفرف على الشام وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى، بل علتها راية الفرس، وتقلصت الإمبراطورية الرومانية في عاصمتها، وسدت عليها جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس، وعم القحط، وتفشت الأمراض الوبائية، ولم يبق من الإمبراطورية غير جذور شجرها العملاق، وكان الشعب في العاصمة خائفاً يترقب ضرب الفرس للعاصمة ودخولهم فيها، وترتب على ذلك أن أغلقت جميع الأسواق وكسدت التجارة، وتحولت معاهد العلم والثقافة إلى مقابر موحشة مهجورة.
وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء على المسيحية.. فبدأوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة، ودمروا الـكنائس وأراقوا دماء غزيرة من المسيحيين المسالمين، وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان، وأرغموا الناس على عبادة الشمس والنار، واغتصبوا الصليب وأرسلوه إلى المدائن عاصمة الدولة الفارسية.
ويعلق المؤرخ (جين) على حقيقة نوايا الفرس فيقول: ولو كانت نوايا (كسرى) طيبة في حقيقة الأمر لكان اصطلح مع الروم، بعد قتلهم (فوكاس) ولاستقبل (هرقل) كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته (موريس) بأحسن طريقة، لـكنه أبان عن حقيقة نواياه، حينما قرر مواصلة الحرب، ويمكن قياس الهوة الـكبرى التي حدثت بين الروم والفرس من خطاب وجهه (كسرى) إلى (هرقل) من بيت المقدس، قائلاً: (من لدن الإله كسرى، الذي هو أكبر الآلهة، وملك الأرض كلها، إلى عبده اللئيم الغافل (هرقل): انك تقول، انك تثق في إلهك! فلماذا لا ينقذ إلهك (القدس) من يدي ؟!.
صفحة 7
واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة، وقرر العودة إلى قصره الواقع على الساحل الأفريقي في (قرطاجة).. وأُرسلت السفن الملكية إلى البحر وخرج هرقل في طريقه ليستقل إحدى هذه السفن إلى منفاه الاختياري. وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير أساقفة الروم باسم الدين والمسيح، ونجح في إقناع هرقل بالبقاء، وذهب مع الأسقف إلى كنيسة (سانت صوفيا) يعاهد اللّه تعالى على أنه لن يعيش أو يموت إلا مع الشعب الذي اختاره اللّه له.
أرسل هرقل سفيراً إلى كسرى طالباً منه الصلح، فرفض كسرى الطلب بشدة، وقال: لن أصالح (الرومي) حتى يهجر إلهه ويعبد الشمس آلهتنا.
وبعد مضي ستة أعوام على الحرب (616 م) وافق كسرى أن يصالح هرقل على شروط صعبة، ويصف جين هذه الشروط بأنها مخزية دون شك، وكان من الممكن أن يقبلها هرقل، لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفع الأموال المطلوبة لها من المملكة المنهوبة، والمحدودة الأرجاء، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثروة كمحاولة أخيرة ضد أعدائه.
وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسية والرومية هذه الأحداث، فقد سيطرت على شعب العاصمة المركزية في جزيرة العرب، مكة المكرمة، مشكلة مماثلة! كان الفرس مجوساً من عباد الشمس والنار، وكان الروم من المؤمنين بالمسيح، وبالوحي وبالرسالة، وباللّه تعالى، وكان المسلمون مع الروم -نفسياً- يرجون غلبتهم على الـكفار والمشركين، كما كان كفار مكة مع الفرس، لـكونهم من عباد المظاهر المادية، وأصبح الصراع بين الفرس والروم، رمزاً خارجياً للصراع الذي يدور بين أهل الإسلام وأهل الشرك في مكة، وكأنه كان كل من الفريقين يشعر بأن نتيجة هذا الصراع الخارجي هو نفس مآل صراعهما الداخلي، فلما انتصر الفرس على الروم عام 616م واستولوا على جميع المناطق الشرقية والجنوبية من دولة الروم، انتهزها المشركون مراصد للسخرية من المسلمين قائلين: لقد غلب (الفرس) إخواننا على إخوانكم، وكذلك سوف نقضي عليكم، اذا لم تصطلحوا معنا تاركين دينكم الجديد.. وكان المسلمون بمكة في أضعف وأسوأ أحوالهم المادية، وفي تلك الحالة من الضيق، نزلت تلك الآيات الـكريمة من سورة الروم.
ويذكر (جين) تعليقاً على هذه النبوءة فيقول: في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعاً، لأن السنين ألاثنتي عشرة الأولى من حكم (هرقل) كانت تؤذن بانتهاء الإمبراطورية الرومانية( ).
صفحة 8
وبعد بضع سنين فقط لم تتجاوز السبعة من هذه البشرى التي نزل بها الأمين جبريل على قلب النبي ، تغيّر الحال على الساحة بين الروم والفرس، وأخذ انقلاب يظهر على ساحة الإمبراطورية الرومانية ! فيذكر المؤرخ (جين) عن ذلك فيقول: إنها من أبرز البطولات التاريخية تلك التي نراها في (هرقل)، فقد ظهر هذا الإمبراطور غاية في الـكسل والتمتع بالملذات وعبادة الأوهام في بداية حكمه، كان يبدو كما لو كان متفرجاً أبله، استسلم لمصائب شعبه، ثم تحول في النصف الثاني من حكمه من (ارقاديوس القصور) إلى (قيصر ميدان حرب) فجأة، واستطاع أن يستعيد مجد الروم خلال ستة حروب شجاعة شنها ضد الفرس، ولم تكن هناك دوافع سياسية وراء هذه البطولة، بل كانت نتيجة غريزة هرقل الذاتية، فقد انقطع عن كافة الملذات، حتى انه هجر (مارتينا) (ابنة أخته التي تزوجها لشدة هيامه بها خلافاً للتشريع المسيحي)، هرقل هذا وضع خطة عظيمة لقهر الفرس، وعندما خرج مع جنوده، بدا للكثير من سكان (القسطنطينية) أنهم يرون آخر جيش في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية. وكان هرقل يعرف أن قوة الفرس البحرية ضعيفة، ولذلك أعدّ بحريته للإغارة على الفرس من الخلف، وسار بجيوشه عن طريق البحر الأسود إلى (أرمينيا)، وشن هجوماً مفاجئاً، ولم يستطع الفرس مقاومة هذه الغارة المفاجئة، فلاذوا بالفرار.
وكان الفرس يملكون جيشاً كبيراً في (آسيا الصغرى) ولكن هرقل فاجأهم بأساطيله مرة أخرى، وأنزل بهم هزيمة فادحة، وبعد إحراز هذا النصر الكبير عاد هرقل إلى عاصمته عن طريق البحر، وعقد معاهدة مع الآفار واستطاع بنصرتهم أن يسد سيل الفرس عن الشمال. وبعد هذين الحربين، شن هرقل ثلاثة حروب أخرى ضد الفرس في السنوات 623،624،625 واستطاع أن ينفذ إلى أراضي العراق القديم عن طريق البحر الأسود واضطر الفرس إلى الانسحاب من جميع الأراضي تحت السيطرة الرومية نتيجة هذه الحروب. وأصبح هرقل في وضع يسمح له بالتوغل في قلب الإمبراطورية الفارسية، وكانت آخر هذه الحروب المصيرية، تلك الحرب التي خاضها الفريقان في (نينوى) على ضفاف دجلة في أيلول عام 627م.
صفحة 9
وساءت الأحوال السياسية داخل العاصمة الفارسية، مما أدى إلى مقتل كسرى (ابرويز) بعد سجنه من قبل ابنه (شيرويه) وقتل معه ثمانية عشر من أبناء أبيه أمام عينيه، وحاول شيرويه أن يتصالح مع هرقل، ولكنه قتل أيضاً على يد أحد أشقائه، وهكذا بدأ القتال داخل البيت الملكي، وتولى تسعة ملوك زمام الحكم في غضون أربعة أعوام، ونتيجة لهذا الوضع المتدهور، أرسل (قياد الثاني) ابن (ابرويز الثاني) يرجو الصلح، وأعلن تنازله عن الأراضي الرومية..، ورجع هرقل إلى عاصمته (القسطنطينية) في آذار سنة 628م بعد أن ظل يحارب ست سنوات كاملة دون انقطاع، واستقبلته الجماهير وهم يحملون أغصان الآس، وجرت له احتفالات واسعة خارج العاصمة.. وهكذا صدق ما اخبر به القرآن الكريم عن غلبة الروم بعد اندحارهم أمام الفرس، في مدته المقررة، بضع سنين، أي في أقل من عشر سنوات!. وهرقل هذا هو الذي أرسل له الرسول الكريم رسالة يدعوه فيها للإسلام في عاصمته (القسطنطينية).
من خلال هذه النبوءة القرآنية، وهذه المتابعة التاريخية للصراع والحروب التي دارت رحاها بين الروم والفرس بعد البعثة النبوية، وقبيل ظهور الإسلام وانتشاره في الأرض، أردنا أن نعطي صورة مجملة عن الوضع الدولي للعالم القديم في عصر الرسالة، وعن هاتين الدولتين اللتين كانتا أعظم دولتين على الأرض آنذاك، دولة فارس في الشرق والتي كانت تسيطر على مساحة واسعة تمتد من حدود جزيرة العرب وبلاد الشام من الشمال الغربي والخليج واليمن من الجنوب الغربي، وتتوغل في الشرق حتى حدود الصين والهند، وكانت تدين بالمجوسية الوثنية، وكان أشهر مذاهبها ومدارسها الدينية الزرادشتية والمانوية والمزدكية. وكانت دولة الروم في الغرب، والتي تضم فضلاً عن أجزاء من أوربا، بلاد الشام ومصر وبقية الشمال الأفريقي. وتدين بالنصرانية بمذاهبها المعروفة آنذاك، الـكاثوليكية والآريوسية والنسطورية وغيرها، وكان اليهود بعد حرب السبعين (70م) وقمع الرومان لهم قد تفرقوا في بعض أنحاء الدولتين العظيمتين النائية، وفي الحبشة واليمن، ونزحوا إلى بعض مناطق جزيرة العرب الشمالية، مثل تيماء وخيبر ويثرب.
صفحة 10
انتصار الإسلام في ظل الدولة الإسلامية العظمى
إذا جاء نصر اللّه والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، فسبّح بحمد ربك واستغفره، انه كان توابا .
يؤكد المؤرخ الغربي أرنولد توينبي: إن سرعة الفتوح التي تمت في عصر الخلافة الراشدة وصدر الإسلام، ومداها، أمران يدعوان إلى الإعجاب، فقد انتزع المسلمون من الإمبراطورية البيزنطية سورية والجزيرة الفراتية وفلسطين ومصر إلى سنة (20 هـ)، وكان المسلمون قد فتحوا العراق (16 هـ) في عهد الخليفة عمر وبلاد فارس بكاملها حتى مرو سنة (70 هـ(.
وقد انتهى أمر الإمبراطورية الساسانية في سنة (30 هـ). وفي سنة (32هـ) فتح المسلمون بلاد الأرمن وجورجيا التي كانت تمثل المناطق الشمالية المشتركة لدولتي الروم وفارس، وبين سنتي 26 هـ و 77 هـ حرر المسلمون شمال غرب أفريقية من البيزنطيين، وفي السنوات 89-91 هـ اجتازوا البحر إلى شبه جزيرة ايبريا (الأندلس) وقضوا على مملكة القوط، واحتلوا أملاكها حتى الواقعة في جنوب غرب بلاد الغال، ولم يبق خارج سلطانهم سوى الزاوية الشمالية الغربية من أسبانية، وفي الوقت نفسه كان المسلمون يفتحون (سنة 90 هـ) حوض السند ومنطقة البنجاب الجنوبية في أقصى الشرق( ).
وبين سنتي (40-50 هـ) فتح المسلمون شمال غرب أفغانستان (طخارستان) التي كانت جزءً من الإمبراطورية الساسانية، مما مهد للدولة الإسلامية أن تسيطر على الطريق البري الواصل بين الهند والصين عبر حـوض نهري سـيحون وجيحون، وحاول المسلمون فتح ما وراء النهر مرتـين، إلا أنهم فشلوا في الأولى (إلى سنة 94 هـ) ونجحوا في الأخرى (118-120 هـ)، إذ فتحوها بأكملها نهائياً. وبعد هذه الشحنة الروحية الهائلة، وهذا الفتح المبين، الذي جعل الخلفاء المسلمون يجلسون على عرش أكبر دولة عرفها التاريخ، لقي العرب والمسلمون من أوقفهم عن استمرار الفتح على جبهات أربع، فقد توقفت الفتوح الإسلامية في الشمال الشرقي سنة (120 هـ) عند جبال أمانوس. وقد كان المردة سكان أمانوس خصوم المسلمين، يعتبرون موالين في نظر البيزنطيين، والجبهة الثانية، أنهم لم يستطيعوا احتلال القسطنطينية( ) رغم قربها من قلب الدولة الإسلامية، إلا بعد قرون طويلة (في زمن محمد الفاتح العثماني)، وكان معاوية (40-60 هـ) قد تنبّه إلى أن القضاء على الإمبراطورية البيزنطية يقتضي احتلال العاصمة، وان سبيل ذلك هو انتزاع القوة البحرية في البحر المتوسط من أيدي البيزنطيين. فأنشأ أسطولاً (48 هـ) وحاصرت قواته القسطنطينية بحراً وبراً (53-57 هـ) إلا أن الحصار لم يؤدِ إلى شيء، لأن الأسطول الرومي كان مزوداً بالنار اليونانية وبالآلة اللازمة لرميها (المنجنيق)، وقد حاصر المسلمون القسطنطينية ثانية (96-97 هـ) ولم يفلحوا أيضاً. والجبهة الثالثة كانت في الأندلس وبلاد الغال (فرنسا) ففي سنة (111 هـ) ردّوا في معركة بلاط الشهداء، إذ نكب المسلمون بأكثر من سبعين ألف شهيد، على رأسهم قائدهم عبد الرحمن الغافقي، والجبهة الرابعة كانت عجزهم عن فتح إمبراطورية الخزر بين نهري الفولغا والدون (في روسيا الحالية) في سنة 117 هـ( ).