eKtab
EN ع
الموروث الثقافي في الأدب العربي الحديث - الروائي حنا مينة نموذجا
اقرأ عينة مجانية

الموروث الثقافي في الأدب العربي الحديث - الروائي حنا مينة نموذجا

بقلم د. ميلود قيدوم

صفحة 1
المقدمة
قد لا نبالغ حين نذهب إلى أن عصرنا هذا هو عصر الرواية، كونها مثلت منذ زمن بعيد صوت المبدعين، وكانت إلى أمد بعيد وسيلة لترجمة أحاسيسهم، ونقل تصوراتهم وأفكارهم ومن هنا حظيت بالاهتمام الكبير من لدن النقاد والدارسين على حد سواء.
ولقد تنوعت هذه الدراسات، فشملت جميع الجوانب الموضوعية والفنية، والتاريخية والإبداعية... الخ.
لقد مثلت الرواية في العالم العربي إحدى سمات الفكر والتصور العربيين، إذ مثلها مثل الروايات العالمية، ساهمت في نقل التجربة العربية الإنسانية إلى العقل الإنساني رغم حداثتها مقارنة مع العالمية، ولقد أرجع النقاد تاريخ ميلادها إلى فترة1914 حيث ظهرت أول تجربة تمثلت في رواية "زينب" للأديب "حسين هيكل"، ولم تكن الرواية في سوريا بعيدة عن هذا، إذ ساهم مبدعوها بإنتاجهم في حقل الرواية عن طريق المد الفكري وعملية التأثير والتأثر. ولقد أرجع الدارسون ملامح الرواية إلى رواية "نجائع البائسين" "العسلي شكري"، التي صدرت عن مجلة المقتبس "القاهرة"(1)
وقد كانت البداية التي حملت بذور الرواية، لتتلوها أعمال روائية أخرى بدت أكثر نضجا وإحاطة بالجوانب الفنية مع الروائي السوري الكبير "حنا مينا" في رواية "المصابيح الزرق" الصادرة عام1954 عن الكتاب العربي- القاهرة هذا الكاتب الذي عمل على تطوير أدواته الفنية , بغية الخروج بالرواية من النفق الضيق الذي وضعت فيه, و قد كان له ذلك حينما أصدر جملة من الأعمال الروائية أبرزها "الشمس في يوم غائم" و"الباطر" هاتان الروايتان اللتان شهد لهما النقاد بالتفوق من حيث الطرح والبناء الفني لا سيما الأولى التي عبئت بقوة بالآثار الجليلة التي مكنتها من وضع نفسها على مصاطب الروايات القلائل.
ولولا استثناءات قليلة-نجيب محفوظ قمتها-لكانت الرواية ككل شيء في حياتنا، هامشية، مرهقة، تقليدية، لم تتعلم بعد كيف تنهض على قدميها، ورواية "الشمس في يوم غائم"من تلك الإستثناءات بغير شك، على تميز هو طموحها وربما شموخها(2)
"إن حنا مينا" أحد هؤلاء القلائل الذين بذلوا جهدا لا يضاهى في سبيل جعل الرواية تقف على قدميها، وكانت في جميع وجوهها ملتزمة بقضايا الأمة.
إن الروايتين محاولتان جادتان في العمل الروائي تحملان أسئلة شتى تبحث عن أجوبة يفترض أن تكون لدى المتلقي بصفة عامة، وقد كانتا حاملتين صورا لمدن وقرى المجتمع السوري، ساعيتين إلى سبر مضامينهما الاجتماعية، ومناقشتين الأوضاع المتباينة.
ولقد جسدتا معا موروثا هاما، تجلى بين السطور، إذ وأنت تقرأ تصادفك عوامل التأثير الحية والباردة في الكاتب، وقد هيمنت بقوة على عقله حتى أصبحت موجهة للعمل الروائي ككل، وهذا كله ألهمني الرغبة في تتبع أثره واقتفائه بغية الوصول إلى الأسباب التي دفعته إلى تمثلها في كل خطواته، ولقد عملت على أن ألتزم بالنص الروائي الذي بين يدي مستبعدا التأثر بتصريحات الدارسين عن دلالات العملين الروائيين، إذ قدمت تفسيري الخاص لجزئيات النص الروائي، وجهدت في تبيان الصورة الكلية له، ولم أطلب من الروايتين ما أريده منهما، بل حرصت على تقديم ما تتضمنه الروايتان تبعا لما وجدته فيهما، بما يسمح بوجود تأويلات أخرى للنصوص نفسها.
لقد كنت أقرأ الروايتين باستمرار محاولا إقامة علاقة شخصية بيني وبينهما، حتى أتمكن من معرفة كل جزيئاتهما الدقيقة والكاملة ولقد حاولت أن أجسد مسوغات كافية لمختلف الأشياء التي جسدها الروائي في العملين، معتمدا على خيالي ووجداني في الوصول إلى القاموس الخاص بهما، ولهذا لا أدعي أني وصلت إلى حقائق نهائية بشأنهما لأنه ليس هناك حقيقة نهائية في الدراسات النقدية، وإنما هناك تأويل للعمل الروائي، بمعنى الكشف عن وجه من وجوه الروايتين كما هو مبثوث فيهما.
وقد التزمت بتحليل الروايتين أولا، ثم حاولت قياس مدى تعبير الشكل الفني عنهما، ولم يكن لدي فصل بين الشكل والمضمون لسبب وحيد هو وجود تلك العلاقة المتينة بينهما، والشكل مرتبط بمدى الوظيفة المؤداة فيهما، وبمدى تأثيره في القارئ تبعا لعناصر الانسجام والوحدة والاتساق الموجود فيه، التي حملت المضمون وبينت خلله، والملاحظة التي يمكن للقارئ أن يخرج بها من الدراسة، هي أنني اعتمدت المنهج التكاملي في دراستي لأنه كان الأفضل لها، ولأنه كذلك يدرس العمل انطلاقا من عدم الخضوع لمنهج معين، فهو المنهج الذي لا يتأثر بالمناهج، فهو كل المناهج النفسية والاجتماعية والتاريخية والجمالية معا.
ولقد رأيت أنه الأفضل من حيث الرؤية التكاملية للعملين الروائيين. وكما قسمت بحثي إلى ثلاثة فصول، كانت تباعا كالآتي:
الفصل الأول (أثر الثقافة الذاتية في عالم حنا مينة الروائي). فقد مهدت له بتقديم نظري حول الموروث الثقافي الفاعل في ذاتيته من منطلق التأثر والتأثير، وسعيت إلى توضيح الأسباب العاملة في ذات الروائي ململما شتاتها بكل أبعادها ابتداء بالبيئة فالبحر فالغابة. هذه التي كان لها حضور قوي في العملين، فالطبيعة بمفهومها الواسع كانت مشاركة في صنع الحدث، وحفلت بالوصف الطويل لمختلف المشاهد.
اثر ذلك انتقلت إلى الفصل الثاني، وركزت فيه على الثقافة المنقولة، الأمثال والمعتقدات والأسطورة التي عملت في نفسية الروائي، وتجذرت بقوة في نفسه حتى أصبح حضورها يملأ عليه فكره ويوجهه .
وكانت دراستي في العملين مزيجا بين النظري والتطبيقي، وفي كل ذلك مكنت للتطبيق من الحضور، بنقل جل الصور التي دبج بها الروائي عمله في مختلف المشاهد، بنقل الثقافة النظرية كموروث فاعل، وفي الفصل الثالث ركزت على الخصائص الفنية بصورة عامة، التي طبعت العملين، وسعيت في كل ذلك إلى إبرازها انطلاقا من مقاربتها بغيرها من الأعمال الفنية الأخرى.
وقد كللت بحثي بخاتمة حاولت أن أرصد فيها النتائج المتواضعة التي أحسب أنني وصلت إليها، ثم ذيلت بحثي بقائمة المراجع التي كانت قليلة للأسف نظرا لانعدامها في السوق من جهة، وقلة الدراسات المكتوبة حول الروائي، والتي عدت بتسعة وعشرين كتابا كما رصدها محمد البردي في كتابه:حنا مينا كاتب الكفاح والفرح.
وأشير هنا إلى اعتمادي الكلي في دراستي على كتاب"عالم حنا مينة الروائي"لعبد الرزاق وكامل الخطيب، في وضع منهجية البحث لا سيما وقد عدت هذه الدراسة من الأعمال النقدية المفردة لحنا مينة.
ولا يسعنا هنا إلا أن أقدم شكري إلى أستاذي الكريم"بوجمعة بوبعيو"الذي أخذ بيدي، وجنبني الكثير من الصعاب . كما أشكر كل من أمدني بمساعدته لإنجاز هذا العمل فإليهم جميعا أوجه كامل الاعتراف والتقدير والاحترام.
صفحة 2

الفصل الأول

أثر الثقافة المحلية في عالم حنا مينة الروائي

إن لكل روائي سماته التي يتميز بها عن غيره، ويبدو أن "حنا مينة" واحد من هؤلاء الذين بنوا لأنفسهم عالما مميزا بكل حيثياته، انصهرت فيه تجاربه، فكان حضورها واضحا في كتابه إذ يتحسس قارئ روايته تراثا ضخما بنى عليه الروائي عمله" إن لعملية التذكر وقعا خاصا في نفسي، وإنني أحن إلى الماضي، وقد يكون هذا الحنين صحيحا، فالمرء نسيج من خيوط حياته التي يعرفها ويحبها، ويتذكرها، لكنني لست ماضوي التفكير" وتظهر ذاتية الكاتب من أول خيط في روايته إذ يفتتحها على لسان الفتى:"حين كنت في الثانية عشر من عمري، كانت لي هوايات تناسب ذاك العمر.. من هذه الهوايات محاولة العزف على أي آلة موسيقية تطولها يدي:عود، كمان بزق، أو شبابة، كتلك التي يعزف عليها شباب يمرون تحت النوافذ في منتصف الليل، كنت أرغب في أن أصبح موسيقيا لاستخراج شيء أحسه، ولا أستطيع التعبير عته بالكلمات.. "
مثله مثل جميع الكتاب لا تغيب عنه طفولته، أو تمحى من الذاكرة كونها لازمة تبطن فيها أفكاره، وتطفو إلى عالم الكتابة كلما وجدت إلى ذلك سبيلا، ولذا يظل التراث بزخمه حاضرا مستمرا يتدفق من بين أنامله وفي جميع اللحظات، فمهما حاول التملص منه، نجده بارزا يتحرك هنا وهناك فيصلب الرواية"لقد استوعب التراث وأحياه في أشكال قصصية وروائية حديثة تمزج بين الأصالة والحداثة، وبين الذات والموضوع، فيدخل التراث في صميم الشكل والبنية والمعمار الفني كما يشارك في المضمون والمحتوى الثوري لأدب المقاومة".
وبين هذا وذاك تظل ذاتية الكاتب تترصد خطاه ومسيرته فتظهر بوضوح في كامل الرواية. لقد سايرته ذاته فكان إسقاطا لها على بطل الرواية(الشمس في يوم غائم)"ومع الأيام، وإلى جانب العيبين اللذين اكتشفهما معلم الموسيقى في شخصيتي، اكتشفت أن لذاتي جملة عيوب، أبرزها أنني ابن غير عاقل لعائلة عاقلة جدا، وأنني جامع النزوات، شديد الانفعال، أكره ما يحبه أهلي، أريد شيئا أجهل ما هو، وأنني في نظر والدي لا أصلح لعمل مجيد ونافع، مثل إدارة الأملاك وتنميتها، وهي المهمة التي يعدني لها، ويعلق آمالا عليها".
لقد كان حنا مينة حاضر الذهن تتشابك ماضوية الأحداث وتتآلف مع ذاته لتشكل نسيجا متلاحما لا تنفصم عراه، "إن الماضي له قابلية حياة دائمة في حياتي، في ذاتي ينضج ويتصفى، ويشف كقطرات الماء الصافي، ومع كل العمق الذي أعيش به الحاضر، وكل الحلم الذي يسبق المستقبل، ويبني لي مستقبلا أحياه، يندر أن أتناول مادتي إلا من تلك القطرات، من ذلك الشيء الذي تخمر وتكرر، وصار كحولا قابلا للاشتعال والتوهج في نفسي ما أن تمسه ومضة الاسترجاع الكبريتية".
لقد جثم تاريخ حياته بكل ثقله على صدره، فكان لا يفتأ يوجه حاضره، ويهيب به أن يلتمسه زادا يستعين به على تجاوز توجهات أبطال الرواية، ودفعهم نحو مستقبل يلتمس من خلاله رؤاه الخاصة جدا، ولقد نراه يعبر عن مكنونه على لسان بطل من أبطال الرواية (الخياط) بعفوية نادرة لكنها موجهة من لا شعوره : " فشهادة الروائي أو حديثه عن تجربته في كتابة الرواية يدخلان ضمن نصوص الكاتب، وإن كانت لها طبيعة مغايرة".
ومن ثمة نلاحظ هذا التمازج والذوبان في الكتابة بذات الأديب، إننا نعايش ذاته.
وهي تبوح بتطلعاتها، ونفورها ورغبتها، وتحديها لما هو كائن "أفهمك، أفهمك، أنت زهرة في حقل من الشوك" وردد بخفوت للمرة الثالثة " أنت زهرة في حقل من الشوك، وشعرت من تقطيبة وجهه المفاجئة، أنه يحمل حقدا مريرا على هذا الشوك، وواصلنا التدريب والأحاديث حتى كان يوم عيد، فقال لي قبل حلوله بأيام أحضر يوم العيد خنجرا وسترقص به لأول مرة".
فالروائي يعيش حالة تمرد على ذاته الراكدة التي تعيش حالة من الفقر والسكينة اليائسة على لسان شخوصه، فيزفرون غيظه، ويبدون تطلعه، إنهم بيادق تتحرك بناء على رغبات ساكنة نائمة في اللاشعور، إنه أشبه بقربة مليئة لابد من تفريغها" إن المبدع لكي ينتج (نصا) عليه أن يمتلئ (بنصوص) غيره بغض النظر عن جنسها ونوعها ونمطها، ويبرز ذلك في ضرورة اتساع حافظته لشعر فحول الشعراء ورسائل وخطب البلغاء، وأن يتمثل القرآن الكربم، ويحيط علما بجوامع الكلم، وأخبار العرب والفرس والهند وتواريخ الأمم وأمثال العرب، وحكم الفصحاء والنبهاء .. وكل ما يرتبط بعلوم العربية وغيرها من علوم عصره، كما أن عليه على صعيد الأداة، وهي خاصة أن يحيط معرفة ودراية بعلوم الجنس الذي ينجز كلامه ضمنه".
لا شك أن حنا مينا يدرك ذلك، بل إنه لا يمكن له الانفصال عن ماضيه، وأعني بذلك ذاته التي يتمثلها في جل خطواته التي يخطوها، وهو ينتقل من نقطة إلى أخرى، وعبرها ينحسر ماضيه بكل دقائقه ليرتسم علائم تهديه إلى طريقه المقصود، فهو يرهن حكاية ماضوية لكنها حية رغما عنه في ذاته.
صفحة 3

"تسكعت قليلا وكأنني أبحث عن ظلي في يوم غائم، الحلاق العجوز مثل والدي المتزمت، وخطيب أختي (رئيس القلم) وبنت عمي بعويناتها الطيبة . لا أحد يفهمني ولا يريد أن يصغي إلي . أنا لن أكون موسيقيا . لا أصلح للعزف، ولا صبر لي على تعلمه، لقد أغرمت بالموسيقى مصادفة، فقد كنت أسير في الشارع الممتد من السراي إلى المستشفى، ومررت بكنيسة لاتينية هناك، فسمعت الأرغن كانت نغماته رخيمة، عميقة، كحمحمة الموج على الحصى، تنداح من النوافذ العليا لواجهة الكنيسة القوطية"(9) .
إن مظاهر الاحتفالية الماضوية قائمة بكل زخمها، تحدث الأديب وتنقل عنه هواجسه، وتفرض عليه إرادتها بقوة حتى إننا نراه مستسلما لها تتجاذبه نشوة الذكرى، وحب القديم، فالكنائس لما لها من أثر في نفس الصبي، تظل بكينونتها قائمة تحدثه صورتها، ويملي عليه لونها بشتى بهارجه حضارة القوطيين بتمازج وتداخل في احتفالية مبهرة، فكان الحكي الماضوي مجسدا بكل دقائقه، مرتبطا بذات الأديب التي نهلت منه نهلا كبيرا، وتمكنت من رصد واقعه واقتفاء أثره، حتى ونحن نتتبع هذه الآثار تتسامى دقائق مفصلة لطفولته، حية طرية فكان إذا هذا التداخل المتصلف الذي أوحى بقدرة فائقة، يمتلكها الكاتب ويحسن توظيفها في جميع الحالات، إننا لا نقدر على فصم عرى النص عن بعضها، أو ندعي القدرة على ذلك، فهو أشبه ببناء متكامل ترادفت أجزاؤه، فكانت الذات روحه والكتابة أداته.
"إن كيفية توظيف النص السابق، وطريقة ممارسته في نص لاحق تجعلنا نعاين كون العرب القدامى كانوا ينظرون إلى الاقتباس والتضمين والاستشهاد نظرة إيجابية، وضرورة أيضا.
وهذا ملاحظ في النقطة الأولى حول المادة الأداة، بل إن السرقة نفسها نظر إليها نظرة خاصة ودقيقة مع الجرجاني"(10) إذا اعتبرنا أن المكان المفتوح أو المغلق نصوصا حية مليئة بتراث زخم هكذا نلمس التضمين الذي مرده إلى تأثر الذات، ومعايشتها لواقعها وارتسام هذا الواقع بكل حيثياته حتى إنه يظهر جليا في جميع سطور الرواية لاسيما(الشمس في يوم غائم)، إن السرد الذي تضمنته الرواية عبارة عن هواجس عاشها الكاتب، وتملاها، وغالبها وصارعها، ولكنها تمكنت من الرسوخ أمام عينات الواقع المتكررة "لقد عشت الحياة بكل طاقتي، بكل طاقة في كياني، جمعت تجارب كثيرة من الكتب والناس، ومابقي هو أن أرتب بيتي الداخلي، أن أربط في جدلية خلاقة بين أشيائه بعد أن أكون قد قلبتها على كافة وجوهها، ورأيت ما تحتها كأحجار مركومة في حقل، كي أتبين لا نظافتها من الخارج فقط، بل ما علق بها من أوساخ في جانبها المتصل بالأرض، وما يقبع تحتها من ديدان أو حشرات، وأكون على مسافة بصرية من كل صفحاتها، فأستطيع بعدئذ أن أقول باطمئنان أنني أعرف هذا الشيء أو هذا الشيء أو هذا الحجر"(11). تتشابك في ذات الأديب خيوط عديدة لماضيه الحزين، فهو ابن عائلة فقيرة عاجزة مثلها مثل الكثير من الأسر السورية التي تملك، ولا تقدر على الامتلاك، فكانت الرواية الباب الذي ولج منه"حنا مينة" إلى نقل كل هذه التجارب، بشتى صنوفها "إن الرواية تحتاج خبرة علمية في الحياة، إلى جانب تجارب وممارسات كثيرة، إلى (دولاب محفوظات)تصنع فيه كل أصناف المعلبات إلى وقت الحاجة والضرورة، ولا يقتصر هذا على أيام الشباب ولا على المعرفة المقصورة على حيينا وبلدنا، أعني بيتنا، بل نحتاج إلى معرفة الأحياء والمدن الأخرى ومعرفة الجغرافيا والتاريخ والفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع وقبل ذلك إلى معرفة جيدة بالتراث، وإلى قراءات لا تنتهي"(12).
إن كل هدا حاضر في الكتابة الروائية حضورا اعتياديا جسد معاناة الأديب، ونقل إلينا توجهاته وأحلامه كما يراها ويتصورها، فكان انعكاسها في شخوص الرواية انعكاسا آليا. "أدخلت للمعالجة ولم تكن بي علة ظاهرة، الطبيب قال إن لدي فقر دم عالجوني ببعض المقويات ونصحوني بالإكثار من الرياضة والتنزه وقراءة القصص المسلية، أخيرا أرسلت إلى أحد المصحات وهناك تابعوا تقويتي وتركوا لي حرية التجوال في حدائق المصح، لأن مرضي لا يستدعي البقاء في السرير"(13).
إن بطل القصة من عائلة ثرية جدا تملك القصور والضياع، ولها خدم وحشم، وهذا ما يجعلنا نستلمح ذات الأديب كعلامة بارزة بصفته من عائلة فقيرة تقتات مما تقوم به من جهد، ومن ثمة كان مرض فقر الدم وكانت المعاناة، وهذا ما جعلها تطفو إلى عقل الأديب وهو يقتفي أثر أبطاله، يقول ك. غ. يونغ:"لاشيء يمنع العقل المتفكر من اعتبار النفس ظاهرة كيماوية حيوية تسرح في قاعها الكهارب من ناحية ومن ناحية أخرى اعتبار المسلك الذي تسلكه الكهارب ولا يتأتى لنا التنبؤ به علامة على حياة عقلية في داخلها بالذات، من ناحية ثانية"(14). فالذاتية كونها تتبلور وتتمازج، وعلى حد قول(يونغ) عنصر كيماوي كفيل بأن نراه ونترقبها في كل العمل الروائي، مجسدة لنا حالة الأديب وهو يعطي أدوار شخوصه، ويوجههم سواء بتلقائية أو بإرادة ورغبة، فالأديب كائن كجميع البشر له نفس وثابة متطلعة تسعى لسبر أغوار المجاهل الكونية، فطالما زجت به نفسه في هذه المغاليق، وحثته على دك أبوابها، وها نحن نراها تتسلط بكل عنجهية دافعة إياه إلى المعرفة، "تصورت عالم القبو في لوحتي يشكل الحمار الذي رأيته جزءا منها، ويشكل الأطفال، بكل ما في الأحياء الفقيرة من فقر، جزءا آخر...
وبينهم أمهم، وطفل رضيع يحبو في التراب، ودجاجات وكلب، وكان تصوري هذا ناشئا عن لوحة أخرى رأيتها أو قرأتها في كتاب ما"(15).
صفحة 4

فالمتتبع للرواية لا يمكنه أن يصدر أحكامه ما لم يتمكن من معايشة تغلغل العمل الإبداعي نفسه كما لوكان هو الكاتب لا المتلقي، فشخوص الرواية إذن هم القارئ والمبدع، ولعلنا لا نذهب بعيدا إن قلنا إنهم الذين سيكونون مستقبلا"مبحث صور الذات يرتبط بشخص الآخر، وذلك يهدف على إعطاء صورة عنه وبالتالي عن الحاضر علما بأنه حاضر قد ضم إليه الماضي واحتواه"(16) فالحاضر بكل مواصفاته متلون في ذات الإبداع بذات المبدع، متلاصقان، وكلاهما ينم عن حركية في العمل، يهدف إليها العمل الروائي، والشخص المستهدف من الرواية هو عينه ذات الأديب حين تتلاحم، وحين تنصهر بكل خلفيات الماضي الذي تشبعت به، وعانقته بعفوية وإرادة أحيانا، "في البيت كان والدي قد تصدر مائدة الغداء والتهم طبقه الأول. (رئيس القلم) كان إلى جانب أختي ومن جناح الدجاجة المطبوخة انتزع عظمة رفيعة ذات فرعين فاقتسماها وتراهنا... "(17). نلاحظ أن العامل النفسي له بالغ الأثر في العمل الإبداعي إذ نرى الأديب يعيش غربة جعلته يتحول عن الداخل إلى الخارج، لكن الحنين إلى الماضي يظل حاضرا لا يبارح مكانه، ولا يتبدل رغم الأعراض المتعددة والعوامل الخارجية المتنوعة، ولذا تكون ذاته دائمة الوجود، دائمة الامتلاء والتوجيه مهما تحول عنها، أو سعى إلى تبديل ماضيه بحاضره" إن التحول عن الداخل نحو الخارج سيعمق هذه العزلة، ولئن كان الهدف المرسوم في حياة البطل مضاعفة الجانب المعرفي... لكان الإحساس الموجود والراهن يشي بعدم الاكتفاء. وهذا يدفعنا لمعايشة أجواء غربة ثانية بعد الأولى، وهي الغربة التي يتولد إليها آنا فآنا علما بأن الغربة الأولى قد تحققت في المنشأ والفصل. لذا فإن استبدال المنشأ بالخارج، والخارج بالمنشأ وهكذا في عملية تجلو عن عدم الرضا بالموجود والسائد،
فتغدو السياحة والتهيام ونشدان المعرفة أقصى درجات متعة الذات وسكناها... "(18) .
هذا ما نعيشه كذات أفرزتها عوامل الخوف والتنكر في رواية "الياطر" حين ينسلخ البطل "زكرياء المرسنلي" عن جميع أصلائه ويتبنى الوحدة والانعزال في طريق العودة أجفلت، وضحكت من جنبي، وقلت في نفسي :" أي رجل أنا ؟ ضخامتي الجاموسية، ورأسي الكبير الملبد، ولحيتي الطويلة، وحقل الشعر في صدري قمينة بإخافة ضبع، ثم أخاف من عصفور، يرف فجأة في الدغل، يطير هازئاً أو خائفا مني ؟ انسابت قبل قليل أفعى أمامي فذعرت وتراجعت إلى الوراء أحسست أن قلبي صار في معدتي، واكتشفت أن للأفعى تأثيراً مرعبا علي " (19)
إن الذات لا تفتأ تتكرر مأساتها وأفراحها، ولكن ظل الحزن يبقى له أثره الشديد الذي لا يريم، يحدث المبدع، وينفلت من عقاله بين فينة وأخرى ليحرك لواعجه ويحسسه بكينونة مستمرة خالدة لا تموت، وإن نامت طويلا مكفلة بالتلهي أو ما يشبه الغيبوبة الكاذبة، والأديب - كما أشرنا- يعايش واقعه بدقة، بما أوتي من قدرة على الإحساس وبعد النظر، وحنا مينة واحد من هؤلاء الكتاب القلائل الذين مروا بتجارب حية ضايقتهم في الحياة وآذتهم بصنوفها المتعبة لذا نراه في موقف المدافع الذي لا تلين له قناة أمام الأغنياء، قال والدي: "سأرى قائد الدرك اليوم في الكازينو، وأقول له إن رجاله ينامون بينما كرومنا تنهب، وأن وكيلنا ضبط فلاحة تمرش الزيتون في طرف الكرم فضربها وحبسها، ثم سلمها إلى الدرك، وبعد أيام أطلقوا سراحها ... هذا تهاون"
- قالت أختي مستنكرة : "ضربها؟ "
- قال رئيس القلم : "والضرب لم يعد يكفي" .
- قال والدي :"اقطع يد الفلاح اليوم تفرغ غداً "
- أكد رئيس القلم : "نعم تفرغ .. "
تساءلت أختي : " ولكن لماذا ؟ لأجل حفنة زيتون ؟... "
يادست، صاح رئيس القلم.
نحن أطعمنا الفلاحين، قال والدي.
هذا صحيح، قالت أمي (20)
حينما نتتبع هذا الحوار نحس بذاتية المبدع حضوراً وفعالية، إنه ينقل إلينا الآخر كفكر، كنمط وصيرورة، يحيا في ظلها المغبونون من الفلاحين، فكان رد فعله على لسان أفراد لم يتشبعوا بالفكر الحاقد المليء بالكراهية، إنهم باختصار إنسانيون لا يحلو لهم أن يعايشوا ألم الفلاحين أو قطع أياديهم كونهم مرشوا الزيتون أو أخذوا حفنة حبوب إن ذاته تتكلم عن ذاته من خلال شخوصه، ولكنها ترفض استسلامهم وتقهقرهم وانزواءهم خلف آلامهم يجترونها بمرارة . "محال أن يكون جميع الناس من طينة واحدة، هذه النمطية مرفوضة، غير موجودة، ومخالفة للواقع الحياتي، للطبيعة البشرية، فالخط البياني لا يمكن أن يصعد عند الجميع إلى أعلى، ولكنه بالمقابل لا يمكن أن ينزل إلى أسفل عند الجميع، كما تريد الرومانسية المأساوية، أو الواقعية غير الثورية أن تقول ... "(21).
إنه يرفض إخفاق الطبقة العاملة، يرفض استسلامها لأنها تمثل ذاته، ولأنه أحد هؤلاء الذين تكدست في حلوقهم أتعاب أزمنة برمتها، إنه يبحث باستمرار عن ذاته وهو يختار شخوصه، " مبحث صورة الذات يرتبط بشخص الآخر وذلك بهدف إعطاء صورة عنه، وبالتالي عن الحاضر علماً بأنه حاضر قد ضم إليه الماضي واحتواه.
صفحة 5

ولا ريب أن المبدع لا ينفلت من ذاتيته، إن هناك همّا يحمله ويسعى إلى تبليغه كلما حانت الفرصة، وهذا الهم لا يشعر به الآخرون مهما تفهموا العمل الروائي إلا بعد معرفتهم لواقع حياة المبدع في مختلف وجوهها، ويعمل الكاتب على نقله في جملة سطور، فنقرأها ونتجاوزها ولكنها قائمة تتماشى مع العمل الروائي: "هناك همٌّ لا يشعر به الآخرون أحياناً، وهو همٌّ مركزيٌ يؤثر في نوع الشخصية وفي نوع الحدث اللذين تملأ بهما الرواية وهو: همٌّ البنية (البنية الروائية) كلما كتبت رواية شعرت أن هناك أشياءً أردت، منذ الطفولة ربما، أن أقولها.. فأقولها مرة.. ثم أعيد الكرة فأقولها بشكل ثالث.. وفي كل مرة أحاول تطويراً لنوع الشخصيات، ولنوع الحدث، فهي من ناحية متميزة وهي من ناحية أخرى متصلة بما سبقها، لكن في كل مرة يساورني بقوة الهم البنيوي" . (23)
فلقد تتجلى حياة الماضي في كل خطى الروائي بتناقضاتها وهمومها، لأن مرارة الحزن الذي يتجرعه باستمرار الأديب، تتناسل بكل دقائقها لتسيل مع الحبر فنتوجع لوجعه، ونفرح لفرحه. إنه يحيا مع شخوصه حياته المليئة بالنكبات والاهتزازات، لا ضوابط لها، إنما تنساق انسياقاًُ أرادته هي فيسمعها المبدع ويتشبع بها، ويحيلها حية لدنة تنطق بالألم الذي سايره منذ طفولته، وها نحن نراه ينطق أمام زوجة الخياط بما خبأته نفسه :"كلنا ساقطون .. في قاع البئر نحن ... " صار حزينا لم ينفعل ولكن صار حزيناً. " في قاع البئر نحن" .. وعزف .. ترك أنامله تداعب الأوتار قليلاً، قال لي: "هذا عجم عشيران" ومن قاع البئر تصاعدت أهات الاستغاثة .. الأجسام تتلوى، تختلج، تتسلق، تسقط، تتسلق تسارع الضرب، تباطأ، خف، خف، تلاشى .. ظلمة .. وجه كئيب .. ليل ... ثم انبثق ضوء .. حي على الصلاة الفجر، وقال لي : "هيا .. نصعد من البئر إلى الرقص "(24)
إن الكاتب يقهر الألم بجعل الشخوص يثورون، يخرجون عن المألوف، يتحدون أقدارهم فهو حينما نقل إلينا البطل الذي هو من عائلة ليبيرالية ورمى به وسط كوكبة من الرعاع على قول الوالد إنما أراد أن يجعله يشاهد المأساة، فتألم ويؤلم أهله، فتكون لذة الكاتب هي الانتصار لهم، للمقهورين، ومن تعبير عن حقد دفين نشأ مع الطفولة ونما مع شخص الكاتب، وهو يرفض أن يعيشها بالسماع والنقل، بل بالتجربة الحية والعميقة أيضا، إنه يؤكد بما لا يجعل مجالا للشك هذه التجربة وهذا التمازج الغريب مع رواياته، ويرفض اللون الذي لا ينقل إليه شيئا مما يزيده معرفة وإلهاما" ولعل فيما أفعله تعويضا عن حياتي الراكدة المملة في دمشق حيث أقضي وقتي في مكتبي بوزارة الثقافة أستقبل نوعا معينا من الأصدقاء والزوار لا يضيف إلى معلوماتي عن الحياة شيئا ذا قيمة، لأن المثقفين الذين ألقاهم لا تجارب لهم، أو لهم تجارب ميدانية قليلة، فهم يراوحون بين المقهى والبيت، وتبقى حياة الناس عالما موصدا عليهم ويبقى المجتمع الدمشقي مغلقا على الغرباء ليس من السهل أن يخترقه إنسان ليس من أبنائه، وهذا هو السبب في أن كتاب البرجوازية الصغيرة ذوي المنشأ الريفي يكتبون قصصا وروايات تفتقر إلى حلاوة البيئة، إلى النكهة الشعبية، إلى دسامة الحياة الشامية الأصيلة، وأغلبهم يتخيل هذه الحياة تخيلا لا أثر فيه للمعايشة الواقعية"(25). إنه يؤكد حضور ذاته في العمل من خلال معايشته للواقع، والواقع مرصود يظل مخبوءا في الذاكرة، محفورا أبدا، مستمرا جارفا، ينقل لا سيما للمبدعين جميع الأوجه، وتكون الشخصية الرئيسية هي الصورة الأصل لطموحات الأديب وآلامه، وتكون بذلك لسان حاله تنطق بما يعتلج في ذاته وتخترق عوالم الأفراح والأحزان، إنها حاضرة ولا مجال لإخفائها "إن الذاتية تعرف انطلاقتها التعبيرية فعلا حيث تستحوذ الشخصية الرئيسية على التعبير ويحظى موقعها الخاص بالمنظور السردي المعتمد، وتشكل أفكارها مجالاً قصصياً موازيا لمتابعة الحدث، فيما يسمى"تيار الوعي"(26)
تظهر وأنت تقتفي أثر الرواية ملامح العقلانية التي تعمل على إظهار فعل العقل ودفعه إلى الرجحان، فالذاتية في مراحلها الأولى معبرة عن صراع نفسي عميق لاشك ولكن العقلانية التي تلتها ووجهت هذا الصراع نحو أفق فكري واجتماعي مضى متحررة أكثر فأكثر من الوازع الكبتي، "متجرئاً أكثر فأكثر على القانون القمعي، دون أن يلغي ذلك الصراع نهائيا، ودون أن يعدل في بنية اللاوعي التي تنتجه"(27).
إن الكاتب يحاول فعلا أن يوجه أفكاره توجيها اجتماعيا حتى لا ينحصر في ذاته فينكفيء ويموت، إنه وهو ينقل جميع آماله وأحلامه على لسان بطله، يجعلنا نتدافع مع خطاه لنرى الهمّ وقد زال، وهاهو على لسان بطله يصور لنا جانبا اجتماعيا فيه إحساس بالراحة، بل بقهر الجبن، والتطلع إلى التحرر"وهذا الصيف عندما عدت إلى المدينة كانت حالة من الهياج تسودها، وكره شديد لفرنسا على كل وجه، وفي كل مكان إلا في البيوت التي هي قلاع كبتنا، وفي الكازينو حيث يلتقي المستشار بأرباب هذه البيوت يلعبون البريدج، ويرقصون (الطانغو).. كأن شيئا لا يحدث، وأمرا لن يطرأ، والوضع باق كما كان منذ الأبد، وكما سيستمر إلى الأبد.. ووالدي سكرتير المستشار، وصهري رئيس القلم والفلاحون من الصباح على الباب، والفقراء بأسمالهم وأحيائهم، يثيرون القرف، وحفيظة الأب، وهزء الصهر.. والعائلة تنظر إليهم باحتقار وتعتبرهم نوعا من الحشرات، يكفي أن ترفع قدما لتسحق عشرات منها(28) .
فحنا مينا يرتب لتعبيره، ناقلا أحاسيسه دفَّاقة لكنها ملفوفة بآيات الحزن والتحدي، فبيوتات القصور اهتزت بفعل تسرب العقل الحناميني حينما أسكن ألمه بطل القصة فأصبح المتكلم عنه، الذائد عن آلامه وطموحاته، وأصبحت ذاتيته مرتاحة لجميع ردود أفعاله، إنه ينتقم من أولئك الذين لم يسووهم بأنفسهم، فكانت البذرة التي أنتجها عامل ألم لكن ليس فيه، بل فيهم، أولئك الذين شردوا الفقراء، وأخذوا المهماز وضربوهم على قفاهم وعلى وجوههم، إن الذات المبدعة، لا شك، بإمكانها أن تبرز مدى تأثيرها في العمل الإبداعي، ولذا نتحدث عن تجاربها من خلال شخوص الرواية.
"إن الذات التي تمر بهول التجارب، لا تردد، ولا تخشى أن تتحدث عن تجاربها وكلما كانت معاناة الإنسان سحيقة الغور كانت قوته سحيقة الغور أيضا"(29).
لقد عاش تجارب شتى، وتقلب على نار الحزن في كثير من الأحيان، وكان لهذه التجارب أثرها العميق في بناء رواياته وتأسيس عمل شخوصه، ولا عجب إن رأينا البحر المديد بعنفوانه يصرخ أبدا في وجهه كي يسافر ويشق طرقه، وكان امتداده الأبدي الذي يستسقي منه، ويغامر فيه، فلم يضن عليه، بالتجارب، فأدركت نفسه على نعومتها الأولى ما للبحر من سحر، وما له من جمال، وما فيه من أسرار، فانكب عليه يغمره بالأوصاف، ويشد الحال نحوه كلما كبا به زمن المآسي، آه يقول ويصرخ:"غامروا صوب البحر، واجهوا الخطر"(30).
صفحة 6
إنه يتأوه البحر ويخاطر فيه، وينافسه في نواحه كلما التقاه أو استأنس إليه" لم أدخل الخيمة، قرفصت على الشاطئ، جاءت الأمواج من الأعماق صوتها لم يصنع لي بهجة. أنا خنتها اليوم.. تمنيت لو يكف الموج، وتنقطع الشكاة. رحت عبر الظلمة المسدلة إلى امتداد مخيف، أرقب بزوغ ضوء على صفحة البحر"(31). يعرف كل شيء عن البحر، تلاعب أمواجه، هديرها، كلها عايشها بتجارب. إنه ضرورة لعيش الكائن الحي أو الميت، تغني الروائي المبدع وتجعله بثري قاموسه باستمرار، ثم يجب إغراق ما اكتسب في الأحلام، ولعلها أحلام طاردتنا منذ الصبا ونمت معنا ولم تتحقق. إنها بدايات مستمرة لنهايات لا نعرفها، إنها المتعة التي يعيشها تظل تتكرر في حياته، وقد يخبو أوارها إلاَّ تستمر حية هادئة،، حتى إذا حان أوانها خرجت لتعبر بصدق عن كل التجارب لكن في أسلوب جميل خلاق. "ولست أخشى على عذرية المتعة، ودهشة الاكتشاف، وبكارة الجدة، وبراءة التخيل في المطالعة وحدها، بل في الكتابة أيضا وقبلها في الحياة، هذه التي فقدنا طفولتنا إزاءها كفت عن إعطائنا نفسها، وصار النظر إليها بعيني كهل مأساة في التلقي والأداء وفاجعة في العيش نفسه، من أجل ذلك أسعى إلى التجدد دائما في التعامل مع الطبيعة والحياة والحب، ومعاشرة الناس وأجهد للحفاظ على الحلم حيا، إشفاقا عليه من أن يصير حلما ملغى، فإذا صار ملغى أجرب أن أحييه في حلم جديد، أو التقاط توق جديد يضرم في ذاتي النار المقدسة للحب والسفر والدهشة والانفعال. وبعبارة واحدة: للإندغام في الكون مرة أخرى"(32).
لم يعد خفيا مطلقا أن الذات تتبلور عند المبدع وتتسامق ولكنها تخفت أحيانا إلا أنه يحضرها لتلهمه، لتدفع بأفكاره إلى معاشرة أفكار الآخرين، ومن ثم تحيا فيه أنماط متعددة لحياة سالفة كان له فيها حضور الفقير الذي يرى أهله وذويه يتناوبون على التماس القوت، وطلب الرخاء، وأنى يتأتى لهم ذلك؟، ولذا تتجدد هذه المأساة في" زكريا المرسنلي" حين تفاجأ في ذاته، ويُتخلى عنه، أو إنه إحساس بالتخلي، فينأى بآلامه وأحزانه، وتعاوده التجربة فيقوم ليبعث الحياة في أوصالها متمسكا بالأمل، "بفتور تحركت أجمع الحطب، أشعلت النار وشويت السمك، التهمته بدون خبز، واستشعرت تقززا فرميت ماتبقى منه في الدغل، خطر لي أن أحمل السمكة الكبيرة إلى الغابة، وخطر لي أن أذهب بها إلى حارس المنارة"(33).
إن الرجل عايش بيوت القش وعايش صيد السمك، وعرف خطورة البحر مثلما سخاؤه وبهاؤه، وقد كان لصورة الصبي في الذات المبدعة وجود لم يتغير، ساير الكاتب وآنسه، ومضى معه في رحلته الطويلة حتى كان الانعكاس مصبوبا على الشخوص الذين رأى الأديب فيهم نفسه وهي تكبر، وتناضل، وتفرز آراء واتجاهات هي خلاصة ونتيجة لآلام الأديب.
وقد نحيد على الصواب إذا فصلنا بين الكتابة والكاتب بهؤلاء الذين يتحركون على ساحة الإبداع، "حيث إن الجامع بين الشخصيات المذكورة فيها اتصالها بالراوي أساسا وتتفاوت علاقاتها ببعضها بعد ذلك، فتتقاطع، وتتواصل بناء لتلك الصفة الأساسية، وكأنها إذ تأتي في خضم الهموم على ما تأتي مبالغة في الذاتية كإعلان للتحرر والانطلاق .. بيد أن ما تقبض عليه هذه الذات هنا هو الاجترار تحديدا"(34) تبقى طفولة المبدع مجسدة في ذاكرته، تفتعل المواقف كي تثبت وجودها، وتحيا في رحلة الكتابة، ومن ثم يحس القارئ بمفاجآت حيث نراه ينتقل عبر مسارات ملتوية خارج الرواية إلا أنها من صميم العمل الإبداعي، ومن ضرورياته التي تلح إلحاحا على وجودها خارج النص، تلك هي المجالات التي تظل محتكرة من طرف المؤلف فضاءً لتدخلاته "أنا لا أفعل لا يمكن أن أفعل.. لا أجرؤ، لا أقوى.. أمامهم.. والدك والآغاوات، وهنا .. ما رأيك بقتل زوجة المحامي(... )؟ وماذا فعلوا للقاتل ؟قف في النافذة تراه في طريقه إلى البيت كأن شيئا لم يكن ... وفي كل مكان يقفون له احتراما وينادونه عزت بيك.. وهو أيضا قاتل.. وماذا يفعل أولاده؟ يكرهونه، وماذا فعلت زوجة المحامي؟ قتلت خطأً ؟ نعم، كان يريد قتل زوجها، ولماذا؟لأنه وقف في المحاكم ضده في قضية إرث. والورثة من أقربائه ومن الفقراء.. تأمل.. لسنا وحدنا(35).
إنه مجال آخر، هامش آخر، تكرر فيه الذكريات ذاتها، تهرب من سلطة التوجه الممارسة على شخوص الرواية، تستنفر بين فينة وأخرى مكوناتها، وتطفو على السطح، لتحكي عن الظلم والقهر، وعن عهد ليس بعيدا عاينه المبدع واكتوى بناره، وبذلك نحس ونحن متمسكون بخيط الرواية أنها أفلتت، أو أنها حادت بنا عن السبيل الذي سرنا فيه معا، "وتفاجئ الرواية القارئ من حين لآخر بهوامش خارج النص متفاوتة، يحتكرها المؤلف لنفسه، فضاء لتدخلاته المتكررة، وتتميز هذه التدخلات بتخلي الراوي عن حياده"(36).
ولأننا متابعون للعمل الإبداعي، ومتذوقون، وساعون لاستيعابه، فإن هذا العمل يجعلنا ننطلق من واقع لاواقعية المبدع، حتى نتمكن من رصد ظاهرة تفاوت البطل وجميع الشخوص المشاركة له، علَّنا بذلك نتمكن من الوقوف على حيثيات الرواية ونصل إلى أبعادها، إلا أن الأفكار الجاهزة تظل حاجزا قائما يهيب بنا أن نتملص من تدخلات الراوي(المبدع)، فهو يعذبنا بحُضوره كما صورته مستمرة، "فكل كاتب كيفما كان نوعه أو جنس الخطاب الذي يكتب فيه، له تصور معين عن الواقع والأشياء والموضوعات التي تحيط به، كما أن لكل مبدع رؤية محددة. (بعض النظر عن أي حكم أو نعت )للعالم وانطلاقا منها يمارس عمله ووظيفته الكتابية أو الإبداعية"(37). ذلك هو إحساس بالزمن الذي انطلق معه، منذ التفكير في الكتابة، وبذلك تتملك الكاتب روح سلطوية تعاين جميع شخوصه وتظهرهم انطلاقا من رؤيته الخلفية "أن لا أبرر شيئا .. ولن أحزن إذا قتل أحد الفلاحين الآغا الذي يضربه، وأعدك إذا شنقوا آغا قتل فلاحة أفرح، لكن الفلاحين لا يقتلون، لا يفعلون شيئا غير الوشاية ببعضهم والنكاية، أحدهم بالآخر والجميع يخافون وخاضعون لأسيادهم كالغنم .. ووكيلنا، حتى وكيلنا، يضربهم رأيته الصيف الماضي يضرب فلاحا لأنه سرق الزيتون ليلا .. كنت في القرية ولم أتمالك نفسي، وأوقفت الضرب بعد أن أوثق الفلاح العجوز وحبسه ليسلمه إلى الدرك .. ثم كلمني على انفراد . قال لي :"أرجوك يا سيدتي الصغيرة، لا تتدخلي بعد الآن .. إذا رفعنا العصا عنهم رفعوها علينا "(38).
صفحة 7

هل يمكن أن ينسى المبدع، وقد ظلت طفولته حاضرة ؟، ها هو يصور وبمرارة وجوه الفلاحين وهم يكدحون ويضربون، إنه أحد أبناء هؤلاء الجوعى الذين حملوا على مر الأيام همّ الفقر ومأساة التنكر، لقد كانت الأرض للأسياد، وكان للفلاحين التعب والشقاء ما فتئوا يلملمون إحباطاتهم وينكفئون على ذواتهم يجترونها، والأدهى أنه يصور حالة مزرية، ولكنها قائمة لا تتبدل في نفوس هؤلاء الفلاحين . إنهم لا يفتأون وبسخرية لاذعة ينقلها المبدع _يوشون ببعضهم البعض، أي أنهم يزيدون همومهم هموما بهذا العمل الحقير، وكأني بالكاتب _و هو الذي يحرك شخوصه كما يحرك لاعب الشطرنج
بيادقه_يقول لهم :حسبكم همكم الذي أنتم فيه .. إنه بلا شك يحمل معاناة كبيرة وهي دلالة واضحة على القلق الذي يركد فيه هؤلاء الضعفاء، ومع ذلك فالحقد واضح بجلاء على هؤلاء البرجوازيين، والبديل غير موجود، ولكنه مؤجل الحصول من خلال بعث الروح في الناس كي يناضلوا وينصفوا أنفسهم، إن هذه البنت التي هي أخت للبطل ذكية، فيها نفس الإنسان حركها الكاتب وجعلها تتعاطف وتثور، فانتقلت من سلبية الإنسان إلى إيجابية الإنسان، ورفضت أن تهان كرامة عجوز من عمال والدها . كل ذلك ومثله تذكر وقائعه الكاتب بجميع أحداثه التي عاينها في صباه وانطوى عليه وأخرجه العمل الروائي "إن لعملية التذكر وقعا خاصا في نفسي وإنني أحن إلى الماضي . وقد يكون هذا الحنين صحيحا، فالمرء نسيج من خيوط حياته التي يعرفها ويحبها ويتذكرها "(39).
ومع ذلك يمكننا أن نقول إن المبدع تمكن أن يحقق لذاته وفي نفس الوقت لذتنا وأن يحرر المسألة من التجرد والتحقيق "(40).
إن نظرة حنا مينة للمجتمع تظهر من خلال الوجوه التي تتزاحم يوميا على طلب القوت، متصارعة مع سلطة القهر الممارسة من طرف الملاكين، ويتجلى ذلك في كلتا الروايتين، ففي الياطر يصور الكاتب صراع الفقراء على لقمة خبزهم، صراعا يتجاوز حدود المأساة، إذ ينقل لنا محاولاتهم الدائبة للإيقاع ببعضهم في فخاخ الملاكين بدلا من التعاون، وتلك قمة المأساة متولدة عن الجهل والخوف .
_لا .. هذا كله لا قيمة له .. كان في جوفه ذهب وماس..
قال لي الصيادون فيما بعد:
"أنت مجنون يا زكريا .. أعطيت زخريادس كل ماكان في جوف الحوت .
_ وماذا في جوف الحوت يا إخوتي ؟
_أشياء كثيرة!
_السمك ؟البطرخ؟الأمعاء؟.
_ذهب وماس؟.
_وخواتم وأساور وعقود..
_حذرتهم :
إياكم إياكم لا تتلاعبوا بي .. لا تخدعوني، من أين للحوت الذهب والماس والخواتم والعقود؟.
قال عجوز فيهم: الحوت يا زكرياء يقطع المحيطات.. يتبع البواخر، يهاجم الأحياء، يأكل الغرقى، وتأمل.. الذين يسافرون غالبا من الأثرياء .. والذهب في جيوبهم والحلي في أعناقهم وسواعدهم
و معدة الحوت لا تطحن المعدن، تفرزه في كيس خاص، وعن هذا الكيس كان يبحث زخريادس، فهمت لقد خدعك اللعين، ضحك عليك"(41).
إن حنا مينة يذهب بنا بعيدا في تتبع الأثر حتى يترك للقارئ فرصة تجعله يشكك في مصدر الخبر أو انقطاعه، إنه دقيق جدا، حريص أن يجعلك مقتنعا بما طرحه كأنه حقيقة ماثلة لا تحتاج إلى تأويل، وتتسرب في كل ذلك الذات لتفرز قراراتها بالتهكم تارة واليقين أخرى، فهؤلاء الصيادون حريصون مثلهم مثل الفلاحين في رواية الشمس في غائم، كلاهما غارق في أوهامه، والكاتب يريد منهم أن ينهضوا "إننا نرى في النجربة عوامل القطع الذاتية المتصلة بالبطل، أو بامرأة القبو، والموضوعية المتصلة بحقيقة الآخر والوطن.
صفحة 8

إن غلالة الرومانسية التي يلف فلاحية أو جنسية أو عاطفية البطل لا تقدم ولا تؤخر في جوهر رؤيته السلبية للعالم، فالحقيقة الفردية هنا أطبقت على (النحن)و على (العالم)، البيوغرافية حدت العالم الخارجي، وقد ترتب انغلاق زمانها منذ البداية، فإذا ما عدنا ثانية إلى الزمن الموضوعي الذي حدده الكاتب أمكننا أن نقرأ في مكانها وزمانها إرهاصا بما سيأتي "(42).
لا أعتقد أن الكاتب في طرحه أراد أن ينقل مجرد النقل جملة تصورات عن واقع مر به، وتألم لحاله، إنما هدف إلى تحريك النفوس الراكدة، النائمة، وقد أبرز يأسه من حاضره، وتطلعه إلى الجديد الذي تنكشف فيه أحزان هذه الجموع المناسبة بالوراثة وراء عويلها وآلامها، كأنما خلقت لتكون بقايا بشر لبشر أسوياء هم فقط قوادهم وأسيادهم، في حين يكتفون هم فقط بالتقاط الفتات، أنها تجربة واقعية تنازعت الذات، وتعرشت فيها كما يتعرش اللبلاب أجدرة المنازل "إن الذات تتنازعها عوامل خارجية ونفسية داخلية .. فاليأس من الحاضر وهو بالذات حاضر لم يتغير فيه شيء، إنه نفسه إن لم يكن الماضي ما يزال يبسط ظلاله وهيمنته .. مما نتج عنه الشعور بالضياع والتيه وانفصام العلاقات
.. مثل هذه العوامل تجر إلى الإنسياق للرقص، وبيان اللاجدوى , ومن ثم الإخلاص لسُكنى اللغة والمعرفة "(43). ذلك ما عاشه الكاتب وفرض علينا أن نعيشه بدورنا، حالة السلب التي تخبط فيها شخوص الرواية إذ أظهرهم أشبه بآلات غير عاقلة لأنهم لا يتحركون، إنهممجتمع متقبل توجهه كيفما تشاء يمنة ويسرة تدفعه أماما وخلفا، ويبقى تابعا منقادا "أن ثمة آلات غير عاقلة (فقدت شعورها الإنساني)"(44).
ويساير الكاتب واقعه من خلال شخوصه أحيانا فيشرب من كؤوسهم ويخطو معهم خطواتهم ولكن بشيء من التحفظ والتريث. يقول حافظ إبراهيم عن البؤساء : "و لولا أني أشرب بالكأس التي يشرب ذلك الرجل العظيم، لما وصل مبلغ علمي إلى مبلغ علمه، ولما سبح يراعي في قطرة من سيول قلمه ولو أن لي قلما من أعواد أشجار الجنة، وصحيفة من صحف إبراهيم وموسى وقد تلقتني البلاغة من كل جهة بفضلها، فسموت إلى لباب مصاصها، وأخذت منها حاجتي، لما حدثتني النفس بتعريب ذلك الكتاب، لولا اتحادنا في الألم وتشابهنا في الشقاء(45). هذا كاتب يعلن مدى تأثير الحالة النفسية "الذاتية" في العمل الإبداعي إن "حافظا" واحد من المسحوقين البسطاء في المجتمع حركته رواية "البؤساء" لما لها من ارتباط بوضعه كإنسان هو "المحصلة الأخيرة لتاريخ البشرية إلا أن الغد سوف يتجاوزه، صحيح أنه الخاتمة النهائية لما سبقه من تطور"(46). إلا أنه في ذات الوقت يسعى إلى أن يكون محاميا للبؤر الخفية التي تشبثت به، وجعلته يقوم بعمل المحاماة، تكبر معه معاناته، وتثمر العمل الإبداعي الذي يخلد زمنا أبديا، كون الحديث يستمر عاملا في الخفاء حتى يحس أوان ولادته، حيث تتبلورانفعالاته وردود أفعاله، وتمتزج بكثير من ألوان الذاتية "في الحب أو الكره، في التذوق أو الفهم، وفي عملية استخلاص الجوهر التي هي كل هدف الكاتب في نهاية المطاف "(47).
لهذا تتماسك جزئياته وتتلاحم لتخلق منعطف البوح، "لماذا نهرب من الواقع حين يصبح قدرا لنا ؟، أنا لست بهلوانا أسير على حبل مشدود حافظا بتوتر باهظ الجهد، التوازن الذي لا يمكن الحفاظ عليه "(48). إنه خاضع مشدود إلى واقعه المكبل بالفقر والتشرد والعياء، إنه مؤمن بقدره، مستسلم له، فكانت نقمته عليه لأنه لم يتبدل، لم يشأ أن يتبدل، وكل الأبواب بمزاليجها مغلقة، فقط كوى صغيرة من الأمل تتبدى، كما تظهر ثقوب في ثوب أسود مديد . وها هو على لسان معلمه الخياط في رواية "الشمس في يوم غائم "يذوب في ماضيه وتنضح ذاتيته" أن نلعن الشر، قال الخياط، فهذا فضيلة عاجزة. لنفعل الخير وندع الشر يلعننا. لنفعل ما نعتقد أنه حق لنخسر بسببه سمعتنا الحسنة... مصيبة الناس يا ولدي أنهم يخافون على سمعتهم الحسنة، ومن أجل ذلك يصبح حسن المعاملة رَسَنًا مزوقا في رقاب حمير تلبس ثياب بني آدم. إننا نحن الفقراء والأشراف والطيبون من جميع الأصناف، نخاف على السمعة الحسنة، على هذا الرسن الذي صنعه الأقوياء والأشرار من جميع الأصناف، وأعطوه لنا لنضعه في رقابنا ونتمسك به مزهوين. القيد ليس من حديد فقط. السمعة الحسنة قيد أيضا ترجمتها الطاعة، التسليم بالواقع، بالظلم بالجوع، حتى نهبط لك من السماء سلة فيها طعام، ليس فيها مقصات لقص الأغلال، السمعة الحسنة غل.. أنا رفضت السمعة الحسنة، انتصر في معركة، يبرر لك النصر سمعتك. أخسر تسلبك الهزيمة كل سمعتك. أرقص يابني أرقص _اضرب الأرض، أيقظها، ابنة الكلب هذه، أيقظها"(49).
صفحة 9
إنه يلبس وبعمق شخصية الخياط المعلم، يحيلها نافخا تنفخ فيه روح القوة، والتحدي، هكذا يحلم، وهكذا يحكي، إنها سيرته عبر مراحل متعددة، والسيرة"حكي استعادي نثري، يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته"(50) .
إنه يقرر البدء، ويقرر أيضا إعلان تحديه على لسان الخياط وتنساب المتعة الكتابية، فيكشف لذتها، ويمارسها بعنفوان، وتمهد له طرق التخيل، ونراه يقول ذلك صراحة"ولست أخشى على عذرية المتعة ودهشة الاكتشاف، وبكارة الجدة، وبراءة التخيل في المطالعة حدها في الكتابة أيضا، وقبلها في الحياة، هذه التي فقدنا طفولتنا إزاءها كفت عن إعطائنا نفسها، وصار النظر إليها بعيني كهل مأساة في التلقي والأداء"(51).
هذا هو"حنا" في مسيرته الإبداعية يمضي إلى أمام لكن قلبه وجميع حواسه راسية في ميناء طفولته، وهو يستنفرها في كل عملية مخاض أو ولادة. فالتخيل والانسياق وراءه لا ينفيان قطْعاً وجود تلك الصلة الحميمية بين الشخوص والذات المؤلفة، إنه حي، حاضر غائب، على حد قول فيليب لوغون:"ليس المؤلف مجرد شخص، إنه شخص يكتب وينشر، ولأنه متواجد خارج النص وفي النص، فإنه يعتبر صلة بين الاثنين، ويتجدد باعتباره شخصا واقعيا مسؤولا اجتماعيا، منتجا لخطاب في نفس الوقت"(52).
هو كذلك فعلا، شخص ينتج الآخر وينتج ذاته"يا ربي كم صارت نفسي الجبانة بغيضة إلي في تلك اللحظة! حقدت عليها لا على شكيبة، قهرتني شكيبة هزمتني. هزمني زوجها لكن هزمني قبله زخريادس ابن اليونانية، والكلب الذي نبح في الليل، هزمتني الدنيا قبل أن تهزمني شكيبة"(53).
إن العنصر الفاعل الذي يتكلم ويركز على المحور الذي يحرك النفس يزج بها في عالم الإبداع، يقحمها كي تتحلل من كيانها، فتثور سنوات الحياء مزهرة، وينتابه شعور الحسرة القاتل، لأنه ضعف في لحظة ما، لا لأنه جبان في قوته وشراسته، بل لأنه في أعماقه طفل حيا بخلق اتسم باحترام الناس حتى وهم غرباء.
هذا الذي يحيله حنا مينة، ويتمادى في رسمه في جميع اللوحات التي يصبغها بريشته كفنان متمرس، حاذق متطلع، راغب في التخلص من كل السلبيات والأوجاع المؤلمة التي تكررت في حياته، ومع ذلك ظل حريصا على الالتصاق بها متمسكا بدقائقها رغم ازورارها عنه، "لقد تعلمت منذ صغري أن أزداد التصاقا بالحياة كلما ازورت عني، أدخل فيها كلما أرادت وضعي على هامشها وأن أعيش بين الناس، فهناك يتبدد كل شعور بالأسى، وتنفتح لتقحم سبلٌ لم يكن يحسب حسابها"(54).
إننا إزاء هذين العملين حاولنا رصد بعض تأوهاته وأوجاعه، وقرأنا بعض ما كتب عنه، وفي ظلال السطور تخيم روحه، وتحدثنا، وتسمعنا أتعابه ولكن بلذة المنتصر الذي تخطى عقباته الكديدة الممتدة عبر مسافات طويلة لا يقهرها إلاّ صاحب نفس راغبة طموحة ترفض الانكسار، وتتخذ من الألم سبيلا للوصول إلى أعلى، حيث ترى نفسها.
هذا هو حنا مينة المبدع المتطلع، المتكرر في ثنايا إبداعاته، وكيف لا وهو الحلاق والبحار والكاتب والمدرس... إلخ، وفوق هذا الرحل الذي ترك نعيم أوربا ليصلى على جحيم البلد.
صفحة 10
أثر البيئة في الروايتين
إن المكان لا يكون منعزلا عن باقي عناصر السرد، وإنما يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد كالشخصيات والأحداث والرؤيات السردية...
وعدم النظر إليه ضمن هذه العلاقات والصلات التي يقيمها يجعل من العسير فهم الدور النصي الذي ينهض به الفضاء الروائي داخل السرد. ولقد قام المنظرون الألمان بعد "روبير بيتش"R . PETCSH(1934) بالتمييز بين مكانين متعارضين هما Lokal و Rouni أما الأول فقد عنى به المكان المحدد الذي تضبطه الإشارات الاختيارية كالمقدسات والأعداد ومشاعر الشخصيات في الرواية . وانطلاقا من هذه التميزات ومدعما إياها بالأمثلة الملموسة، قام هيرمان مييرH. MEYER بإبراز كيف أن الفضاء يلعب دورا مهما وأساسيا في التخيلالروائي"(55).
أما الفرنسيان جورج بولي وجيلر دوران (56) فقد درسا الفضاء الروائي لذاته ولم يقوما بتحليل الروابط التي تجمع بين الفضاء الروائي والأنساق الطوبولوجية الأخرى في العمل، والحال أن المكان لا يعيش بعيدا عن باقي العناصر السردية، بل ضمن أنساقها يحيا، وبه يمتد وينمو. والرواية الحديثة جعلت من المكان عنصرا حكائيا بالمعنى الدقيق للكلمة. وأصبح الفضاء الروائي مكونا أساسيا في الآلة الحكائية. ولم تخرج روايتا الكاتب عن ذلك المعنى إذ تعددت أماكن الروايتين وتنوعت، واتضحت ملامح الشخوص المرتادة لها من خلال نمو الأحداث، ومن خلال انتماءاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية، وبالطريقة نفسها تتحول أفكار هذه الشخوص بناء على تكوينها الاجتماعي والسياسي والفكري وارتباطها بالمكان، بالمنهج نفسه تلاحمت به، وتشكلت رؤى وصورا حسية تفاعلت مع واقعها السالف الذكر. وتغذى الحدث بذلك، وازدادت الخيوط الروائية عمقا، وأواصرها شدا، وجميع الأمكنة فضاءات. فالقصر مكان انتقال خصوصي يجتمع فيه الأغنياء"وأصحاب الجمع والمنع"على حد قول الجاحظ، هؤلاء متمردون على الإنسانية لأنهم يبحثون عن الزعامة، بل يرون الزعامة حكرا عليهم دون سواهم.
إن الحيز المكاني الذي جرت فيه الأحداث، وبني فيه البيت (القصر) وبيوتات الطبقة الشعبية، أو حتى المتخيلة منها كلها تمثل بناءا متكاملا يشارك بعضه بعضا في تحقيق مكانية الحدث عن طريق الخطاب الروائي.
فالقصر، وبيت الخياط مثلا، جزءان من البيئة، وكلاهما مكان منغلق لأنه ينفرد بخصوصيته. ولأن فيه تتم الخلوة الخاصة بالبطل، فيطلق العنان لخلوته، لمخيلته كي تستريح بعيدا تستحضر الذكريات وتصنع التصورات، والصور ذات المشاهد الحالمة، ويأتي شرب الخمر في هذا الحيز(الكازينو) كعامل مساعد لبروز التداعيات والكشف عن نشاط من نوع خاص سما به أصحابه عن باقي الفئات الفقيرة، إنه الفاصل بين فئة غنية تمتص جهود المتعبين، وأخرى فقيرة منهكة مستخدمة ولا ترقى إلى مستوى هؤلاء لأن البطل وهو ابن عائلة راقية غنية، شارك رغم انغلاق المكان الطرف الآخر مأساته، ولملم بعضا من آلامها إلى داخل القصر، إلى هذا المكان الذي سماه القلعة، وهذا المكان"لا يخلو من النمذجة والتنميط، فهو مكان يتكرر في أغلب الروايات، وهو كذلك مكان محدد ومفعم بالدلالات"(57).
لقد بات المكان قلعة، موصوما بهذا النعت لما يحسه الداخل إليه من جمود وتواتر الألوان، وكثرة الأروقة، فهو أشبه بمتحف، بل بقلعة"فهو يحلم أن يتنفس قليلا من هذه القلعة"(58).
فلها سمتها دفعت به إلى معرفة نمطية الحياة بها، فأراد أن يتنفسها.. إن ذلك النظام المرتب الذي سار عليه البيت جعله فعلا أشبه بثكنة عسكرية، فأوقات الطعام واحدة وشرب الشاي واحد والخروج إلى الكازينو ليلا واحد، إنها دقة أصحاب القلعة في الحفاظ على مواعيدهم، وحين يجلسون إلى المائدة يكون النظام نفسه"في البيت كان والدي قد تصدر مائدة الغداء والتهم طبقه الأول". رئيس القلم"كان إلى جانب شقيقتي، ومن جنح الدجاجة انتزع عظمة رفيعة ذات فرعين فاقتسماها وتراهنا في لعبة التذكر"(59).. ويدور الحديث معبرا عن حالتهم كأفرادميزتهم بيئتهم عن غيرهم من الطرف الآخر"كان الحديث الدائر حول موسم الزيتون، وخبث الفلاحين، وسرقاتهم، قال والدي:"سأرى قائد الدرك اليوم في الكازينو، وأقول له إن رجاله ينامون، بينما كرومنا تنهب"(60).
ويتمادون في حديثهم معبرين عن نمط حياتهم المرتكزة إلى بيئة استغلالية، تعمل على إذلال أفراد الحي الآخر، إنهم مدعومون من قبل فرنسا أبا عن جد ليحافظوا على هذه الثروة، وليكونوا خداما وهم حاملون تسمية من التسميات الباهتة التي يتباهون بها على غيرهم من الناس. وليست القلعة إلا مكانا واحدا مغلقا لذا أصبحت الأفكار فيه ذات اتجاه واحد هو الاستغلال . وفي هذه الأمكنة عمل الكاتب على إعطائها نوعا من المرجعية التاريخية حتى يجعلنا نحسها، ونتمازج بها وإلا انعدمت هذه المرجعية ودفعتنا إلى الإحساس بأنها خرافية... "و الأمكنة التي ذكرها البطل كشاهد، أمكنة صنعها الواقع، وحفرت في الذاكرة "، كان جدك . اسمع .. انظر إليه .. كان قنصلا فخريا تعرف ما هو القنصل الفخري ؟ كان لا يمشي على الأرض، وعلى درج السراي يتقدمه قواص لينفتح له الطريق، الوالي بنفسه كان يقف له دائما، وجدتك لا تدخل فراشه إلا من أسفل السرير، كان يفك مشنوقا، وعلى بابه، على بابنا هذا، يقيل الناس، كالغنم في الظهيرة، بانتظار أن يخرج ويحظوا منه بلفتة، أو يصغي، وهو يسير إلى شكواهم .. ثم هذا أنا .. وهذه الأملاك . وسمعة هذا البيت، ومكانتي في المدينة .. أتقدر ما هي المكانة ؟ما أظن .. إلى النار "فولتير "و"روسو" و"مونتسكيو" أرسلتك للحصول على شهادة لا تقرأ هؤلاء الأوغاد.. أنت حفيد هذا الجد.. أسمع أنظر إليه.. إكراما لذكراه.. أقول لك إكراما لذكراه.. لا تعذب روحه، لا تلوثها، لا تجعلني أخجل بك أمامه يوم القيامة، لا تدعني أحني رأسي وأنا أمر أمام صورته"(61). لقد تمكن الكاتب أن يأخذ بأطراف البيئة، وأن يجعلها زادا استزادت منه روايته، إنه خبير بصنوفها، توغل في نفوس هؤلاء الذين لا يحلمون بغير المجد على جماجم الفقراء، واندس إلى أسرارهم فنقلها إلينا، وجعلنا نشاركه تبرمه فنمقت هذا التصرف المشين، بل جعلنا مرتاحين لذلك التمرد الذي جاء على يد الفتى البطل .