eKtab
EN ع
الموساد العمليات الكبرى
اقرأ عينة مجانية

الموساد العمليات الكبرى

بقلم ميخائيل بار زوهر

صفحة 1

مقدمــــة:

كثيرة هي الكتب الإسرائيلية التي صدرت وكتبت عن جهاز الأمن الإسرائيلي الخارجي "الموساد"، ومنها ما ترجم الى اللغة العربية والى لغات أخرى، غير أن الكتاب الذي نحن بصدده، والذي يحمل عنوان "الموساد.. العمليات الكبرى"، مختلف تماماً عن سابقيه على أربعة أصعدة هي:

- مؤلفا الكتاب يتميزان باطلاعات واسعة بالشأن الإسرائيلي، السياسي والأمني، الأول.. البروفيسور ميخائيل بار زوهر، وهو أديب ومؤرخ وكاتب سيرة دافيد بن غوريون وشمعون بيرس، وهو نائب كنيست سابق ومن مؤلفاته كتاب عن تاريخ إسرائيل والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، أما شريكه في تأليف هذا الكتاب فهو صحفي ومدير عام التلفزيون وراديو إسرائيل سابقاً، واشتهر بتقديمه برنامج "مشعل ساخن"، و"بوبو لتيكه"، وقد سبق ان عمل مندوباً للتلفزيون الإسرائيلي في واشنطن وكان ضمن اهتماماته العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

- الهامش الزمني: يتناول الكتاب هامشاً زمنياً طويلاً يرجع الى الستينات كبداية، بيد أنه يركز بصورة خاصة على السنوات الأخيرة، حيث يصل توثيقه لعمليات الموساد حتى أواخر عام 2010، بما فيها عملية اغتيال القائد الحمساوي في دبي محمود المبحوح، واغتيال المسؤول العسكري في حزب الله في دمشق عماد مغنية، وقصف ما تدعي إسرائيل بأنه مفاعل نووي في منطقة دير الزور في سوريا، إضافة الى تناوله أكثر من ثلاثين قصة من قصص وعمليات الموساد.

- وبطبيعة الحال فإن الكتاب يتناول قضايا هامة، منها المشروع النووي الإيراني، وعرقلة الموساد له عبر عمليات التخريب والاغتيالات والاختطاف وتجنيد العملاء، ومن بينها ما لم تتطرق إليه وسائل الإعلام.

- لقد توخى الكاتبان إيراد القضايا بدقة وصورة منطقية بعيدة عن الخيال الروائي.. البوليسي المألوف في قصص التجسس، مما يدلل على دقة الاطلاع والمعرفة بالمعلومات، مع إيراد الكثير من التفاصيل الدقيقة غير المعروفة من قبل، وهي أهم ميزة يتحلى بها هذا الكتاب.

ففي الفصل الأول يتناول الكتاب الحرب التي شنها "الموساد" على المشروع النووي الإيراني، ما بين تخريب التجهيزات التي ابتاعتها إيران من الداخل والخارج لهذا المشروع، الى قتل وتجنيد عملاء منهم: أمير شيرازي، شهارم أميري، علي رضا عسكري، كما يتناول الكتاب العمليات التي مني فيها "الموساد" بالفشل، مثل محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان، واغتيال علي حسن سلامة قائد أيلول الأسود في بيروت، وغيرهما.

ويركز الكتاب على العمليات التي قام بها "الموساد" في الدول العربية، منها: زرع الجاسوس ايلي كوهن في دمشق، وتهريب الفتيات والشبان اليهود من سورية الى إسرائيل، واغتيال الجنرال السوري محمد سليمان، وتهريب طائرة ميغ-21 مع طيارها من العراق الى إسرائيل، والتغلغل في المناطق الكردية، واغتيال العالم جيرالد بول الذي جنده الرئيس العراقي صدام حسين لبناء المدفع العملاق.

كما يتطرق الكتاب الى قصة العلماء الألمان الذين بنوا صاروخيّ "القاهر" و"الظافر" في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، كذلك قصة تجنيد الموساد لأشرف مروان أحد كبار رجال الأعمال المصريين.

إن جهاز "الموساد" الذي يعمل بصورة سرية تحت أجنحة الظلام، بعيداً عن الأضواء، وخارج اطر الرقابة القانونية والقضائية، لا يتم الإعلان عن حجم ميزانيته، ويعتبر هذا الكتاب واحداً من المؤلفات القليلة التي لا تقدم فقط رؤيا إسرائيلية لعمل هذه المؤسسة الأمنية الاستخبارية، بل في كونه يتناول تركيبة جهاز الموساد، أدواره وعملياته، كما يتطرق الى استخلاص العبر من المهام التي يقوم بها هو أو أجهزة استخبارية عالمية.

وللتنويه علينا عدم أخذ ما جاء في مضمون هذا الكتاب كمسلمات، بل هو يعبر عن وجهات نظر إسرائيلية.

"أسرة دار الجليل"

صفحة 2

مدخل:

ولدت أجهزة الأمن الإسرائيلية في ظل احتدام القتال خلال حرب عام 1948. و كانت منظمة "هشاي" –خدمة المعلومات- التابعة لمنظمة الهجناه الإسرائيلية حتى اندلاع حرب 1948 بمثابة الجهاز الأساسي لجمع المعلومات الاستخبارية. وكان رجالها يتجسسون على البريطانيين، وقد تمكنوا من التسلل جيدا إلى بؤر الحسم العربية، وراقبوا الأجانب واليهود المشبوهين بكونهم عملاء مدسوسين من قبل الانتداب البريطاني. لقد حُفظت المستندات والأوراق في عدة مخازن سرية تم إعدادها في المدن الكبيرة وفي عدة كيبوتسات.

لقد كان واضحا للجميع حينما أقيمت الدولة أن المخابرات ستكون بمثابة أحدى الدعائم الهامة التي يرتكز عليها الأمن الإسرائيلي، وأن إسرائيل ستكون مرتبطة بالمعلومات الاستخبارية الموثوقة أكثر من أية دولة أخرى في العالم: بالمعلومات المفصلة عن جيوش العدو ونواياها، وبالإنذار المبكر والدقيق من الهجمات التي تخطط لها كي يتمكن الجيش الإسرائيلي من اتخاذ الاستعدادات اللازمة لصدها.

لقد ألقي على عاتق المخابرات وشعبة الاستخبارات في هيئة الأركان العامة، وعلى الموساد الذي نشأ فيما بعد، مهام جسيمة لا مثيل لها في أجهزة المخابرات الأخرى.

وعندما اندلعت معارك 1948، طرأت على أجهزة الأمن تغييرات، بيد أن هذه التغييرات لم تكن باتجاه الأفضل. فقد تحول جهاز "هشاي" إلى شعبة الاستخبارات العسكرية والتي شقت خطواتها الأولى وسط دوامة من الفضائح، والقتل وانتهاك حقوق الإنسان. إن الدور الذي قامت به الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية خلال حرب 1948 سيدخل التاريخ ليس بسبب الإنجازات التي حققتها، بل بسبب الفضائح والأعمال الشريرة التي تركتها خلفها. لقد ولدت كل هذه الأعمال والتشوهات بسبب شخصية رئيس المخابرات العسكرية آنذاك المقدم إيسر باري "بيرنتسفيج".

كان إيسر باري –رئيس منظمة هشاي التابعة للهجناه وقائد المخابرات العسكرية الأول- وطنيا إسرائيليا شديد التحمس، زاهدا ومتفانيا، ورغم ذلك كان يكن في أعماق قلبه حقدا أسود، ويتبنى مسلكيات خطرة لا تمارسها سوى الأنظمة المشبوهة. وقد أطلق عليه اسم "إيسر الكبير"، بسبب جسده الضخم لتمييزه عن إيسر الصغير – إيسر هرئيل "هلفرين"، قصير القامة، والقزم، والذي كان هو أيضا من كبار رجال المخابرات الإسرائيليين، ومسؤولا عن الشعبة اليهودية.

لقد استهل إيسر الكبير أول مؤامراته بتسديد حسابات شخصية مع رئيس بلدية حيفا الأسطوري أبا حوشي. وقد قرر أن يثبت بأي ثمن أن أبا حوشي كان مخبرا للبريطانيين على عهد الانتداب البريطاني، وأنه سلم لضباط اتصاله تفاصيل حول عملية سرية للغاية كانت منظمة البلماح – كتائب الانقضاض- تخطط للقيام بها في خليج حيفا. وإضافة إلى كراهيته الشديدة لأبا حوشي، كان هناك عامل سياسي واضح يدفعه لفعل ذلك، فقد كان أبا حوشي من حزب (مباي) – حزب عمال أرض إسرائيل- في حين كان باري مقربا إلى حزب "أحدوت هعفوداه".

توجه باري إلى مسؤولي الدولة وقدم إليهم برقيات مرسلة إلى المخابرات البريطانية وتعتمد على معلومات من عميل رمز له بالأحرف الأولى من اسمه A.H - وقال إنه عثر عليها في ملفات البريد في حيفا في أعقاب استيلاء القوات الإسرائيلية عليه- وهي تحمل أنباء حول العمليات التي يخطط لها البلماح وعن موعد التنفيذ.

صفحة 3

لقد كانت تلك البرقيات والأحرف الأولى بمثابة دليل قاطع على أن مرسلها هو "أبا حوشي"، وأنه خائن. أضف إلى ذلك أن باري اعتقل تحت جنح الظلام أحد سكان حيفا "جول أمسطر" - المقرب إلى أبا حوشي- وقام رجاله بنقله إلى مكان منعزل في عتليت، حبسوه في بئر ملح، وضربوه، وعذبوه، وحطموا أسنانه وأطفأوا سجائرهم في جسمه طيلة عدة أسابيع كي يعترف أمامهم أن أبا حوشي خائن. وفي النهاية اضطر باري للإفراج عن أمستر الذي أصبح شبه إنسان. ومن الجدير بالذكر إن الدولة اضطرت بعد سنوات لدفع تعويضات لهذا الرجل البائس.

لقد بقيت البرقيات التي جلبها باري، والتي كانت دليلا دامغا ضد أبا حوشي قائمة. ولا شك أنه كان من الصعب معرفة كيف ستنتهي هذه القضية لولا مثول مزور تلك البرقيات – وهو أحد العاملين في هشاي" أمام الجهات المسؤولة في الدولة وإعلامها بالقصة المذهلة. وقد قال لهم: إن ضميره لا يدعه ينام بسلام لأنه قام بتزوير البرقيات بناء على أوامر صريحة من إيسر الكبير. لقد أدى هذا الاعتراف إلى انهيار المؤامرة المدبرة ضد أبا حوشي.

لم تكن هذه المؤامرة الوحيدة من بنات أفكار باري، فبعد بضعة أشهر، وفي أوج القتال، تم اكتشاف جثة عربي يدعى علي قاسم، وهو رجل ثري، ويعمل مخبرا مع منظمة الهجناه. كانت الجثة نصف محترقة وفيها الكثير من الثقوب التي أحدثتها العيارات النارية التي أطلقت عليها، وقد ألقيت في إحدى الغابات القريبة من بلدة زخرون يعقوب. وقد اتضح أن علي قاسم قتل دون محاكمة بناء على أوامر إيسر باري نظرا للاشتباه بأنه عميل مزدوج.

ومن الجدير بالذكر أن باري قدم إلى محكمة عسكرية سرية بسبب هذه العملية، وخفضت رتبته إلى جندي وطرد من الجيش الإسرائيلي.

ولم تكن تلك نهاية مكائد باري، فقد اكتشفت اللجنة التي قدمها رئيس الحكومة بن جوريون أن باري وأحد مساعديه المدعو بنيامين جيبلي ارتكبا جريمة أخرى في الأيام الأولى من حرب 1948، فقد اشتبه الاثنان بأن ضابطا في الجيش برتبة نقيب يدعى مائير طوبيانسكي قد نقل معلومات سرية إلى البريطانيين والى الجيش الأردني إبان الحصار على القدس. وبناء على أمر من باري تم اعتقاله خلال فترة الهدنة الأولى، وقام الاثنان بنقله إلى قرية عربية مهجورة تدعى بيت جيز ومعهما اثنان من المخابرات ديفيد قيرن، وإبراهام قدرون وقام الأربعة بإجراء محاكمة ميدانية له، ولم يسمحوا له أبدا بالدفاع عن نفسه وإثبات براءته، وأدانوه، ثم أصدر إيسر الكبير أمرا بإعدامه رميا بالرصاص على أيدي فرقة إعدام.

وبعد أشهر طويلة وصلت رسالة محزنة من أرملته "لانا" إلى ديفيد بن جوريون الذي كان يتولى أيضا منصب وزير الدفاع، فأمر بإجراء تحقيق، حيث أثبتت نتائجه أن طوبيانسكي لم يتجسس ولم يخن. وقد أعيد دفنه وسط مراسم عسكرية كاملة، وقدم باري مرة أخرى إلى المحكمة التي أدانته، بيد أن خدمته للدولة جعلت المحكمة تحكم عليه فقط بغرامة قدرها ليرة واحدة وبالسجن لمدة يوم واحد، لكن رئيس الدولة حاييم وايزمن عفا عنه فورا.

صفحة 4

لقد هزت قضايا إيسر الكبير قيادة الدولة، لكنها أسفرت عن نتائج إيجابية على المدى الطويل، فقد جاءت أساليبه – والتي بدا أنها مستقاة من أساليب المخابرات السوفييتية- بمثابة تحذير لمسؤولي الدولة، الذين كانوا يدركون أنه لا يتوجب على أجهزة أمن الدولة اليهودية الديمقراطية أن تعمل على هذا النحو، لا يجب أن يكون التعذيب، والتزوير والإعدام السري جزءا من أساليب عمل أجهزة الأمن الإسرائيلية. بل ويجب أيضا على أجهزة الأمن التي يقتضي عملها منها أن تعمل بصورة طبيعية خارج القانون وأحيانا بصورة مخالفة للقانون، أن تحترم القواعد الأخلاقية الأساسية. ومنذ تلك اللحظة أصبحت أخلاقية الشخص بمثابة إحدى التقديرات الأساسية في تعيين رئيس أية شعبة استخبارية.

أدت كل تلك الأحداث إلى تمخضات وتغييرات واسعة في أجهزة الأمن. وقد تم تعيين إيسر هرئيل رئيسا لأجهزة الأمن. وفي كانون الأول عام 1949 أمر بن جوريون مستشاره روبن شيلوح بتشكيل "الموساد لتركيز وتنسيق عمليات المخابرات"، وهكذا ولدت فكرة إنشاء وكالة تجسس قومية على غرار وكالات المخابرات في الولايات المتحدة. وفي الأول من نيسان 1951 أُنشئ الموساد عمليا حينما نُقلت إليه جميع مهام "الشعبة السياسية" التابعة لوزارة الخارجية، والتي كانت بمثابة شعبة التجسس الرسمية لدولة إسرائيل.

كان شيلوح رجلا مثقفا، ذكيا، ولطيفا، وكان يتمتع بخبرة جيدة على الصعيد الاستخباري والسياسي، ووضع أسس العلاقة بين هشاي ووكالة oss – المخابرات الأميركية ما قبل تشكيل وكالة المخابرات cia - وقد مَنح شيلوح للموساد مهمة خاصة تتمثل في الدفاع عن اليهود في كل مكان في العالم، والعمل على تهجير اليهود من جميع أنحاء العالم إلى إسرائيل.

كان شيلوح دبلوماسيا رفيع المستوى ورجل استخبارات جديا، بيد أنه كان يفتقر إلى الخيال الخصب ومقدرة القيادة، ولم يبد أن إيسر هرئيل كان متحمسا له، الأمر الذي جعله يفتش عن طرق يصل فيها إلى بن جوريون.

كان الموساد على عهد شيلوح لا زال يحبو في بداية الطريق، وقد مُني بالعديد من الهزات، أولها كان حينما تم حل "الشعبة السياسية" التابعة لوزارة الخارجية التي كان يديرها بوريس جوريئيل. لقد كانت هذه الشعبة بمثابة الجهة الاستخبارية الإسرائيلية الأساسية، بيد أن رسلها في أوروبا أثاروا غضب المخابرات وشعبة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش بأسلوب حياتهم المرفه والمبذر مقارنة بإنجازاتهم الطفيفة، وعندما قام شيلوح بحل الشعبة السياسية، وأنشأ الموساد على أنقاضها، تمرد أولئك الرسل وهددوا بالاستقالة، بل وقاموا بتدمير وثائق، الأمر الذي تطلب إنشاء الموساد من لا شيء.

استقال شيلوح من الموساد بعد حوالي سنة إثر حادثة طرق خطيرة – وهناك من يقول أن استقالته جاءت على أرضية الخلافات الشخصية بينه وبين إيسر هرئيل، والذي تغلب فيها الأخير عليه. وحال استقالته تم تعيين هرئيل رئيسا للموساد وفي نفس الوقت بقي محتفظا في يده بقيادة أجهزة الأمن، ومن ثم أصبح مسؤولا عن جميع أجهزة الأمن، وهي الوظيفة التي ظل متمسكا بها إحدى عشرة سنة.

لقد ترك هرئيل بصماته على الأجهزة الأمنية. كان رجلا قويا، مركزيا، متمسكا بالأهداف ويتمتع بحس مذهل، ورغم ذلك أدار عمليات استخبارية سياسية، وأعلم بن جوريون بكل ما يدور داخل الأحزاب المختلفة. لقد كان هذا الاتجاه غير مرغوب فيه، لذا قام ورثته في قيادة الأجهزة الأمنية بإلغائه.

كان على هرئيل خلال السنوات الأولى لتوليه منصبه الجديد أن يحارب التجسس السوفييتي على إسرائيل، والذي كان دبلوماسيون سوفييت يقومون بإدارته، وإن كان يمارس بصورة رئيسية من قبل يهود ممن كان بعضهم عملاء زرعهم السوفييت إبان هجرتهم إلى إسرائيل، والبعض الآخر لديهم أسر في الاتحاد السوفييتي وقد استغلت المخابرات السوفييتية هذه الفرصة كورقة ضغط عليهم، لقد أجبرهم ضباط المخابرات السوفييتية الـ "كي.جيه.بيه" على التجسس لصالحهم بتهديدهم بالإساءة إلى أقاربهم في أوروبا الشرقية، وكان بعضهم الآخر من اليساريين الإسرائيليين الأبرياء والأغبياء الذين ربطوا أنفسهم بخدمة السوفييت انصياعا للأيديولوجية اليسارية المتطرفة ومن خلال التقدير الكبير للاتحاد السوفييتي ولستالين الملقب "شمس الشعوب".

لقد أدار هرئيل المعركة المذكورة بنجاح كبير بفضل الحس المرهف الذي كان يتمتع به. لقد اعتاد أصدقاؤه ومعجبوه ترديد روايات مذهلة حول المقدرة التي كان يتمتع بها على هذا الصعيد، ومن ضمنها قضية زئيف إفني. وإفني كان دبلوماسيا إسرائيليا محنكا وساحرا، وقد عمل سنوات طويلة في أوروبا وحظي بتقدير جميع المسؤولين عنه. وبدأ إفني يتقرب من الموساد بصورة تدريجية، مما حدا بمسؤولي الموساد لتكليفه بالعديد من المهام رغم أنه لم يضم إلى الموساد بصورة رسمية. لقد وصلت الأمور إلى حد أن هرئيل نفسه كان يقدر الدور الذي يقوم به تقديرا كبيرا، رغم أنه امتنع عن ضمه إلى الموساد رسميا نظرا لأنه كان يعمل في وزارة الخارجية.

صفحة 5

قدم إفني إلى إسرائيل لقضاء إجازة والتقى بهرئيل، وخلال هذا اللقاء شعر هرئيل أن ضوءا أحمر قد أضيء أمام ناظريه، فسبب زيارته لإسرائيل لم يرق لهرئيل، حيث قال إن السبب في الزيارة يتعلق بمشاكل شعور ابنته التي تناهز الثامنة بالوحدة، كما أنه أبدى رغبة جامحة في الانضمام إلى الموساد وإقامة مكتب له في يوغسلافيا.

قام هرئيل بدعوة إفني للقاء ثان، وفجأة ودون أي إنذار سابق، ضرب الطاولة بقبضة يده، وانفجر صارخا: " أنت جاسوس سوفييتي، أنت ضابط سوفييتي، اعترف، اعترف". لقد أذهل الغضب المفاجئ إفني، والذي بدا شديد الضيق، وفي النهاية اعترف. وقال أنه شيوعي متطرف، وأنه يعمل منذ عام 1952 في خدمة الاتحاد السوفييتي.

لم يكن لدى هرئيل أية أدلة يمكنها أن تدينه، ولو أن إفني نفى التهمة الموجهة إليه بشدة لتخلى هرئيل عنها، بيد أن إفني خاف واعتقد أنه إذا لم يعترف فسوف يعدمه هرئيل بوصفه خائنا. وقد حوكم وحكم عليه بالسجن لمدة أربع عشرة سنة. لقد كان إفني الجاسوس السوفييتي الوحيد الذي نجح في التغلغل إلى صفوف الموساد.

لم يحقق الموساد في سنواته الأولى نجاحا كبيرا، فقد كانت تلك السنوات سنوات دراسة وتعلم وتنظيم. كانت إسرائيل معزولة في تلك السنوات، ولم تتمكن من الحصول على تعاون وتوجيه من قبل أجهزة أمن أكثر منها خبرة، وكان عليها أن تتعلم نظريات وأساليب الاستخبارات والأمن وحدها، لكنها كانت في نفس الوقت تتمتع بمزايا لا يتمتع بها أي جهاز مخابرات آخر، فقد كانت الدولة الوحيدة القادرة على تجنيد عملاء يهود للموساد من أوساط الجاليات اليهودية في شتى أنحاء العالم، ويتحدثون بجميع اللغات، ويبدون كأبناء لأوطانهم في روسيا، أوكرانيا، اسكندنافية، الدول العربية، أميركا الجنوبية وغيره. كما عمل الموساد بوحي من عملاء يهود كانوا يعتبرون من أشهر الجواسيس في القرن العشرين مثل: لئوبولد ترفر كبير الجواسيس السوفييت خلال الحرب العالمية الثانية، وماركوس وولف الأسطوري الذي ترأس المخابرات الألمانية الشرقية. كما أن القوى البشرية التي التحقت بالموساد كانت قوى متميزة من خريجي دوريات الاستطلاع العسكرية الإسرائيلية، وممن يتمتعون بكفاءات جسمانية كبيرة، وعقول خلاقة وشجاعة، ومن خريجي سلاح الاستخبارات العسكرية والذين تعلموا منذ سنوات العشرين لحياتهم كيف يتنفسون العمل الاستخباري.

صفحة 6

ورغم ذلك ارتكبت إسرائيل الكثير من الأخطاء، ففي سنة 1951 ألقي القبض على شبكة تجسس ودفاع ذاتي إسرائيلية في بغداد، وقامت السلطات العراقية بشنق اثنين من كبار مسؤوليها هما: شلوم صالح ويوسف بصري، في حين نجح أحد أعضائها الآخرين المدعو مردخاي بن بورات – الذي أصبح فيما بعد عضو كنيست- في الفرار، أما البقية وعلى رأسهم ضابط إسرائيلي يدعى يهودا تيجر فقد عذبوا وسجنوا لسنوات طويلة. وقد نجح هرئيل بعد سنوات في تخليص تيجر من السجن العراقي، فقد علم هرئيل أن متآمرين عراقيين يخططون لقتل الرئيس العراقي الجنرال عبد الكريم قاسم، فاتصل به هرئيل سرا وأبرم معه صفقة يقوم خلالها هرئيل بتسليمه معلومات حول المؤامرة مقابل الإفراج عن تيجر. وفي نهاية 1959 عاد تيجر إلى إسرائيل.

أما القضية الاستخبارية التي هزت إسرائيل كلها فقد وقعت خلال السنتين 1954-1955، والتي أطلق عليها اسم "قضية لافون". وبنحاس لافون كان وزيرا للدفاع ورئيسا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وقد قام بالتعاون مع بنيامين جيبلي بالتخطيط لعملية غبية وخطرة في مصر.

كان الجيش البريطاني على وشك إخلاء قواعده من مصر، الأمر الذي سيمكن المصريين من الحصول على مطارات ومخازن أسلحة وبنية عسكرية متميزة. وقد أثار هذا الانسحاب البريطاني مخاوف لدى إسرائيل نظرا لأن الانسحاب سينهي التأثير البريطاني الرادع على المصريين، الأمر الذي قد يقودهم إلى مغامرة عسكرية ضد إسرائيل. وبناء على هذا الوضع قرر لافون وجيبلي القيام بسلسلة من الأعمال التخريبية في مصر لدفع البريطانيين للتفكير من جديد والعدول عن خطتهم الخاصة بالانسحاب من مصر.

لقد اعتقد الاثنان أنه إذا انفجرت عدة قنابل في مؤسسات ثقافية وفي قنصليتي بريطانيا والولايات المتحدة، فسوف يثبت ذلك للبريطانيين أنه لا يمكن الاعتماد على المصريين.

لقد فكر لافون وجيبلي تفكيرا طفوليا يقول: إن البريطانيين سيقتنعون بأن النظام المصري غير مستقر وغير مؤهل لمنع الأعمال التخريبية، ومن ثم يجب على بريطانيا عدم إخلاء مصر.

كان منطق لافون وجيبلي لا أساس له من الصحة، فقد كانت عملية إخلاء مصر جزءا من السياسة البريطانية التي جرى التخطيط لها زمنا طويلا، ولا يمكن لحملة تخريب ضعيفة وهامشية أن تغير القرار الخاص بذلك.

وكي يزيد الاثنان الطين بله، كلفا بهذه المهمة مجموعة من الشبان اليهود الصهاينة المتحمسين وفي نفس الوقت عديمي الخبرة في هذا المجال، هذا عداك عن عدم إعدادهم لتنفيذ المهمة، بل تم تدريبهم سرا للقيام بمهمة أخرى: الدفاع عن الجالية اليهودية في مصر في حالة تعرضها للخطر.

لم يكن بالإمكان نجاح العملية، ولم تكد تمضي بضعة أيام من صدور الأمر بالتنفيذ حتى حدثت الكارثة. لقد نفذ الشبان اليهود عدة عمليات باستخدام قنابل مرتجلة في القاهرة والإسكندرية، ثم تم القبض عليهم، وتعذيبهم وتقديمهم للمحاكمة، وقام المصريون بإعدام اثنين منهم: شموئيل عزار، والدكتور موشيه مرزوق، وحكم على البقية بالسجن لفترات طويلة. وقد قام ماكس بنط – وهو ضابط إسرائيلي بالانتحار في السجن.

صفحة 7

لقد أحدثت العملية والفشل الذريع الذي باءت به هزة شديدة في إسرائيل، مما اضطر لافون للاستقالة من منصبه. ومن الجدير بالذكر إن الموساد لم يتدخل في هذه القضية، وقد شجبها إيسر هرئيل بشدة.

لقد تبلور الموساد وشعبه بمرور السنين على النحو التالي:

قيساريه: والتي كان يطلق عليها في السابق اسم "متساده"، هي شعبة العمليات، والتي تضم وحدة العمليات المسماة "كيدون" الرمح، والتي تقوم بغالبية العمليات الخارجية.

تسومت: تقوم بأعمال جمع المعلومات في الخارج عبر ضباط جمع المعلومات، الذين يعمل قسم منهم تحت غطاء دبلوماسي، وقسم آخر تحت غطاء أعمق. وقد أقيمت القيادة الأمامية لهذه الشعبة لسنوات طويلة في باريس، لكن حينما ضعفت العلاقات مع فرنسا على عهد ديجول انتقلت القيادة إلى بروكسل.

تيفل: تقوم بتوطيد العلاقات مع منظمات التجسس الأجنبية ومع الدول التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل .

نفيعوت: تعمل في مجال الحصول على المعلومات من المصادر التقنية.

تسفرير: تعمل في مجال الدفاع عن اليهود أينما كانوا، وتهجيرهم إلى إسرائيل.

هذا إضافة إلى : شعب توثيق، إدارة، تجهيزات، أبحاث، توجيه لإعداد عملاء الموساد.

وقد حدد اسم الموساد بصورة نهائية كي يصبح: مؤسسة الاستخبارات والعمليات الخاصة.

صفحة 8

الفصل الأول

* البروفيسور محمدي اغتاله الموساد باستخدام مواد ناسفة تم زرعها في دراجة نارية كانت تقف بالقرب من سيارته.

* محمدي كان خبيرا في فيزياء الطاقة والف كتبا وكتب العديد من المقالات حول الطاقة النووية وكان يقدم المشورة للبرنامج النووي الإيراني

*بهله: أهم الوسائل الدرامية التي استخدمها الموساد في حربه ضد المشروع النووي الإيراني هي الاغتيالات للشخصيات المركزية وبشكل خاص العلماء المرتبطون بالمشروع.

* إيران انفقت مبالغ مالية طائلة وجندت علماء وبنت قواعد سرية وأجرت تجارب ذكية دون أن يكون لدى إسرائيل علم بذلك.

* كان يجب على الإسرائيليين أن يدركوا أن المفاعل في بوشهر هو مفاعل عادي يعمل بقضبان اليورانيوم والمياه الثقيلة، ولن يزود إيران بالبلوتونيوم الذي تحتاجه لبناء قنبلة نووية.

* الدكتور عبد القدير خان باع أجهزة طرد مركزية لإيران والتي قامت بعد فترة بشراء أجهزة طرد مركزية من أماكن أخرى في العالم.

صفحة 9

الموساد وحربه ضد المشروع النووي الإيراني عملاء مزدوجون.. وحدات اغتيال وتفجير

خرج البروفيسور مسعود علي محمدي من بيته في شارع شرياطي في حي جيطريه الواقع شمالي طهران في الساعة السابعة وخمس دقائق في الثاني عشر من كانون الثاني 2010، في طريقه إلى جامعة شريف للتكنولوجيا حيث كان يعمل محاضرا في الشعبة العلمية. عندما حاول فتح سيارته والدخول إليها سُمع صوت انفجار هائل هز الحي الهادئ والذي كان لا يزال يغط في نصف نوم.

وعندما وصلت قوات الأمن إلى المكان، اكتشفت أن سيارة البروفيسور محمدي تحطمت تماما من شدة الانفجار وقد تناثرت أجزاء من جثته حولها. وقد أصيب في الانفجار عدد من المارة، كما أصيبت المنازل المجاورة بأضرار.

كان تحقيق الشرطة قصيرا: لقد اغتيل البروفيسور محمدي باستخدام مواد ناسفة تم زرعها في دراجة نارية كانت تقف بالقرب من سيارته. وقد فجرت العبوة الناسفة باستخدام جهاز تفجير عن بعد في اللحظة التي همّ فيها بفتح باب السيارة. وأفادت وسائل الإعلام نقلا عن جهات حكومية قولها: "إن عملاء الموساد يقفون وراء العملية". أما الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد فبرر العملية بالقول: "إن الأسلوب المستخدم في اغتيال محمدي يذكرنا بأساليب التصفية الصهيونية".

يناهز البروفيسور محمدي الخمسين من العمر، وقد كان خبيرا في فيزياء الطاقة، وقد ألف كتبا وكتب العديد من المقالات حول الطاقة النووية وكان يقدم المشورة للبرنامج النووي الإيراني.

وقد أفادت وسائل إعلام المعسكر الإيراني المحافظ أنه كان في السابق عضوا في حرس الثورة. وفي أعقاب وفاته نشرت صحيفة واشنطن بوست نبأ أفادت فيه أن البروفيسور محمدي شارك في مشروع أبحاث دولي يشارك فيه فيزيائيون من الكثير من دول الشرق الأوسط ومن ضمنهم إيران، باكستان، إسرائيل، الأردن ودول أخرى.

إن حياة البروفيسور محمدي مثلها كمثل اغتياله لا زالت لغزا خفيا، ويقول بعض أصدقائه أنه كان يعمل في مجال الأبحاث النظرية فقط ولم تكن له أية علاقة بأية برامج عسكرية. وهناك من يقول أنه كان ينتمي إلى معسكر المعارضين للنظام الإيراني، وأنه شارك في مظاهرات جماهيرية ضده. وفي نفس الوقت هناك من يؤكد على الدور الخفي الذي قام به البروفيسور محمدي في المشروع النووي الإيراني.

وفيما يتعلق بانتمائه السياسي، فقد كان نصف المشاركين في جنازته من العاملين في حرس الثورة التابع للنظام، وقد حُمل نعشه على أكتاف ضباط من حرس الثورة. ولا شك أن هذا هو دليل قاطع على مشاركته في البرنامج السري للنظام الإيراني.

وتقول جهات أوروبية: "إن محمدي لم يكن أول عالم إيراني يتم اغتياله على أيدي الموساد الإسرائيلي".

وتفيد صحيفة الساندي تايمز اللندنية أن عملاء الموساد نجحوا في كانون الثاني 2007 في قتل العالم الإيراني البروفيسور أردشير حوسينفور الذي يناهز الرابعة والأربعين، وهو باحث ذائع الصيت وذو سمعة عالمية في مجال الألكترونيات. وقد اتضح أنه هو أيضا لم يغتل بسبب أبحاثه النظرية. لقد عمل في منشأة في أصفهان تعمل على تحويل اليورانيوم الخام إلى غاز، والذي يتم إدخاله بعد ذلك إلى أجهزة الطرد المركزي "سنتريفوجه" لتخصيب اليورانيوم في منشأة بعيدة ومحصنة في بلدة "نتناز".

وفي عام 2006 نال حوسينفور أرفع جائزة للعلوم والتكنولوجيا في إيران. وكان قبل سنتين قد حظي بأهم جائزة في بلاده في مجال العلوم العسكرية.

لقد توفى حوسينفور في منتصف كانون الثاني 2007، لكن الإيرانيين لم يعلنوا عن وفاته إلا بعد أسبوع من تسممه ولم يدلوا بأية تفاصيل حول كيفية تسممه، وما نوع السم الذي حقن به. لكن في مطلع شهر شباط نشرت شركة الاستشارات الأميركية للشؤون الاستخبارية والأمنية "ستراتفور"- التي تقيم مقرها في تكساس- نبأ مفاده أن الموساد يقف وراء تصفية حوسينفور بتسميمه بسم مشع. وقد سخرت جهات رسمية إيرانية من النبأ قائلة: "إن الموساد غير مؤهل للقيام بمثل هذه العملية داخل إيران، وأن البروفيسور حوسينفور توفى جراء استنشاقه الدخان إثر الحريق الذي نشب في بيته إبان نومه".

صفحة 10

وتفيد صحيفة ديلي تلجراف أن الموساد لم يكتف بتصفية العالمين المذكورين، بل إن الموساد حارب المشروع النووي الإيراني باستخدام عملاء مزدوجين، ووحدة اغتيالات، وانفجارات، وشركات وهمية وتصفية شخصيات مركزية في المشروع النووي الإيراني.

ونسبت الصحيفة إلى "ربيه بهله" – المحللة في شركة المعلومات الاستخبارية الإيرانية قولها: "إن أهم الوسائل الدرامية التي استخدمها الموساد في حربه ضد المشروع النووي الإيراني هي الاغتيالات للشخصيات المركزية وبشكل خاص العلماء المرتبطون بالمشروع. "إن الحرب السرية التي خاضتها إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة تتمحور حول تصفية الشخصيات الرئيسية والقيام بعمليات تخريب في سلسلة التجهز بالأجهزة الخاصة بالمنشآت النووية".

وتقول: "إن إسرائيل عملت على هذا النحو في العراق أيضا في مطلع الثمانينات عندما اغتالت ثلاثة علماء نوويين عراقيين وعرقلت بذلك عملية إنشاء المفاعل بالقرب من بغداد.

إن هذه المعلومات الجزئية التي تناولتها وسائل الإعلام الغربية، ألقت الضوء على حرب اللاخيار السرية والقاسية التي يديرها الموساد الإسرائيلي منذ سنوات طويلة من أجل القضاء على أشد الأخطار التي تهدد وجود إسرائيل منذ قيامها، هذه الأخطار التي ستتحول إلى حقيقية إذا ما نجحت إيران في حيازة أسلحة نووية، وجسدت تهديداتها المتكررة الداعية إلى محو إسرائيل من الخارطة.

إن الصراع السري الخطر الذي يخوضه الموساد لا يمكنه أن يكفر عن أخطر قصور ارتكبه في تاريخه، والمتمثل في فشله في اكتشاف المخطط السري الإيراني للتجهز بأسلحة نووية.

لقد عملت إيران بصورة سرية سنوات طويلة من أجل الحصول على سلاح نووي دون أن تعرف إسرائيل شيئا عن ذلك. وأنفقت إيران مبالغ مالية طائلة، وجندت علماء،وبنت قواعد سرية، وأجرت تجارب ذكية دون أن يكون لدى إسرائيل علم بذلك.

لقد عمد الإيرانيون منذ اللحظة التي قرروا فيها ضرورة التجهز بأسلحة نووية إلى القيام بخطوات ذكية والعديد من الحيل التي أبدت أجهزة المخابرات الغربية كأجهزة ضعيفة وفارغة المحتوى، بما فيها الموساد نفسه. لقد تمكنت إيران من خداعهم وإيقاعهم في المصيدة التي نصبتها لهم.

بدأ الإيرانيون مسيرتهم النووية منذ عهد الشاه رضا بهلوي، الذي شرع بإنشاء مفاعلين نوويين في بلاده للأغراض السلمية والعسكرية، وقد أشرفت شركة "سيمنز" الألمانية على بناء المفاعلين، بيد أن خطة الشاه لم تثر قلق إسرائيل نظرا لأنها كانت حليفته المقربة. وقد استضاف عيرز وايزمن - الذي كان في تلك الآونة وزيرا للدفاع في إسرائيل- الجنرال الإيراني حسان طوفينيان الذي كان يعمل في مجال تسليح جيش بلاده. وفي الرواية التي قالها طوفينيان لوكالة المخابرات المركزية الأميركية أفاد: أن وايزمن حاول إقناعه بمقدرة إسرائيل على تزويد إيران بصواريخ أرض - أرض محسنة، بل وأمر وزارته بالتوقيع مع الإيرانيين على اتفاقية لتطوير صواريخ من هذا النوع لصالح إيران – خطة تسور- أما مدير مكتبه الدكتور بنحاس زوسمان، فقد فاخر أمام الإيرانيين بالقول: من الجائز أن يتم تجهيز الصواريخ الإسرائيلية برؤوس نووية. ولحسن الحظ فإن هذه الخطة لم تخرج إلى حيز التنفيذ بسبب الثورة الإيرانية، والتي فر الشاه في أعقابها من بلاده، وسقطت إيران ثمرة ناضجة في أيدي رجال الدين برئاسة آية الله الخميني.

أمر الخميني بوقف التطوير النووي فورا، معتبرا إياه "غير إسلامي" على غرار الكثير من التكنولوجيا الغربية الأخرى. وجرى إغلاق المفاعلات وحل تجهيزاتها. وفي تلك الآونة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استخدم فيها صدام حسين الغازات السامة ضد إيران. لقد أحدث استخدام العراق - الذي يعتبر العدو الأكبر لايران- الأسلحة غير التقليدية ضد طهران تحولا جذريا في تفكير آيات الله. وقبل وفاة الخميني جلب وريثه علي خامنئي بشارة جديدة إلى المؤسسة العسكرية الإيرانية، وأعلن أنه ومقابل أسلحة الدمار الشامل التي يستخدمها أعداء إيران، فإنه يتوجب على إيران تطوير أسلحة للدفاع عن نفسها.

لقد كان هذا القرار بمثابة ضوء أخضر لإيران لتطوير أسلحة كيميائية وبيولوجية، وبصورة أساسية أسلحة نووية بمرور الزمن. وقد عثر خامنئي فورا على رجال دين على استعداد لإلغاء التحريم الذي فرضه الخميني على السلاح "غير الإسلامي"، وقالوا: "إن من المسموح به بناء أسلحة نووية". وإننا نعتقد أنه يتوجب على كل من لا زال يعتقد حتى الآن أن إيران تسعى لتطوير أسلحة نووية للأغراض السلمية، أن يراجع الخطابات والتصريحات التي أدلى بها خامنئي في حينه.

كان التطوير النووي السريع نتيجة مباشرة للحرب الإيرانية العراقية، وقد أعد منذ اللحظة الأولى للأغراض العسكرية وليس لأي شيء آخر غير ذلك.

واصل وريث علي خامنئي– هاشمي رفسنجاني – المشروع النووي، بل وعمد إلى توسيعه حال تسلمه السلطة عام 1989. لقد سمع العالم في تلك الآونة الكثير عن الجهود الإيرانية الرامية للحصول على أسلحة نووية. وحينما انهار الاتحاد السوفييتي انتشرت الكثير من الشائعات في أوروبا حول الجهود الهائلة التي بذلها الإيرانيون من أجل شراء قنبلة أو رؤوس صاروخية نووية بملايين الدولارات من قبل ضباط أو علماء جائعين، من مخزون السوفييت النووي.

وغصت وسائل الإعلام الغربية بالمقالات حول العلماء النوويين السوفييت الذين اختفوا من منازلهم ومن اماكن عملهم بعد أن اشتراهم الإيرانيون.

وأشار المراسلون ذوو الخيال الخصب إلى سيارات مغلقة كانت تشق طريقها في شوارع أوروبا بعد أن تختار الطرق الالتفافية من أجل تجاوز الحواجز الحدودية والوصول إلى الشرق الأوسط. وقد علم في نفس الوقت بأن هناك مفاوضات متقدمة تجري بين إيران والصين وروسيا لشراء معلومات وتجهيزات نووية. ووقعت طهران على اتفاقية مع موسكو لبناء مفاعل نووي في بوشهر الواقعة على ساحل الخليج، ووقعت على اتفاقية أخرى لبناء مفاعلين أصغر مع الصين.