صفحة 1
I
حلا لحلمي في يوم ماطر قارس البرد، كما في شتاءات باريس، أن يقفز كعادته من فوق بوابة الميترو· يدعي - مغالياً - أن شراء بطاقة مثل الآخرين ضد مبادئه الفوضوية، وإن كان ذلك في الواقع بسبب إفلاسه الدائم·
لم يكن حلمي يعرف من الفوضوية التي يجاهر إيمانه بها سوى ما يخدمه، وإن كان أي حوار معه عن الفوضوية كمبدأ فلسفي يكشف جهله المطلق بها لدرجة يصدق به القول الشعبي ( من كثر معرفته بالصحابة بصلي على عنتر)، لكن للإنصاف ينبغي الاعتراف أن معطفه الواسع لشدة نحوله، المائل إلى خضرة المعاطف العسكرية وشعره الأشعث الطويل الذي لا يقصه في السنة إلا مرتين، لأن ذلك في باريس مكلف، علاوة على ذقنه الذي لا يحلقه إلا مرة كل أسبوعين، كل ذلك يذكر بفوضويي نهاية القرن التاسع عشر كما درج على تصويره في الأفلام السينمائية·
في دفء المحطة الأرضية الذي راق له مرَّ قطار، اثنان دون أن يكترث أو يحرك ساقيه اللتين مدهما على طولهما بعد أن بدأت الحرارة تسري فيهما، وفي جسده غير المهيأ لمواجهة برد كهذا لنقص في ثيابه وقلة في زاد مغذ حار· علاوة لم يكن قد قرر وجهته بعد· كما لم ينظر إلى خريطة الخطوط خلفه عندما نهض بتثاقل ليدلف مقطورة القطار الواقف قدامه· كان فعل هذا، في نظره، بعد عشر سنوات من الإقامة في المدينة والتنقل يومياً في قطاراتها وحافلاتها،، أمراً مشيناً·
في دفء القطار كان قد غفا قليلاً ورأى مناماً·
حائط أسود تعلوه كوة يصب عبرها ضوء ساطع في خط مستقيم يسقط على أرض الحجرة العارية تماماً من الأثاث باستثناء منضدة بيضاء على طرفها فنجان قهوة ومنفضة رماد سجائر فيها لفافة ينبعث منها دخان متعرج·
ثمة صوت طائرة مروحية آت من بعيد، يزداد ارتفاعاً كلما ازداد اقتراب حلمي من المنضدة· عندما دنا منها أصبح الصوت ضجيجاً يصم الآذان· فجأة توقف الصوت تماماً دون سابق إنذار وانفجر ضوء الكوة كأنه فلاش آلة تصوير·
رفع يده عن عينيه فلم يجد المنضدة وما عليها· أصبحت الحجرة بيضاء بياض ثلج ناصع· كموجة سرت في جسده رعشة خوف لا قشعريرة، فلقد هاله بياض الحجرة، نظافتها وخلوها من الأثاث·
أيقظه صوت انفتاح أبواب القاطرة· تلكأ في هبوط الدرج المرتفع عن الشارع في محطة لاموت بيكيه نصف المكشوفة التي كان قد بَلَّ أطراف منصتها المطر قبل أن يهبط عليها من القطار·
يحب هذه المحطة، لا لأنه ينزل درجاً على عكس معظم المحطات الأخرى، بل لأن مفاجآت مراقبي التذاكر هنا أصعب، كما يمكنه التراجع بسهولة إذا رآهم· وقف متظاهراً بأنه يبحث عن شيء في جيب معطفه، حتى يرى حركة انسياب هبوط الركاب، مؤشر وجود المراقبين، الانسياب الطبيعي السريع يعني عدم وجودهم، وهذا ما لا يحدث الآن· عاد ليجلس على مقعد وكأنه ينتظر أحداً· شاهد السماء الملبدة بالغيوم وحماماً يبني عشه على حافة ما يغطي المنصتين من ستار حديدي ثقيل·
حين طال انتظاره وبدا أن المراقبين لم يذهبوا، راح يذرع منصة المحطة الصغيرة من طرف لآخر، وأحياناً يقف متظاهراً أنه يقرأ إعلانَ مُلْصَقٍ على الجدار· حين لم يلحظ أي تغير في حركة هبوط الركاب للدرج، لم يجد مناصاً من الفرار إلى المحطة التالية ويعود سيراً على الأقدام، وكأن جسده النحيل بحاجة لهذه الرياضة المتعبة، في نظره·
شارل ميشيل ليست إحدى محطاته المفضلة، رغم كل مواصفاتها الشبيهة بالمحطة السابقة، ذلك أن يَدَ التجديد قد وصلت منصتها، وبلَّطتها ببلاط أبيض، بياض الحجرة التي رآها في المنام من لحظات·
التجديد لم يقلق حلمي، فهذا آخر مشاكله، بل البلاط النظيف الذي تمنى لو يسكن في بيت بلاطه أبيض نظيف كبلاط المحطة·
هذه المرة لم يتلكأ، لم يتظاهر أنه يبحث عن شيء، غير موجود أصلاً، في جيوبه الخاوية، ليرى حركة انسياب الركاب· هبط الدرج بسرعة وأمان· علمته التجربة أن المراقبين لا يتواجدون في محطتين متتاليتين· هبط الدرج إلى الشارع العريض، ذهب إلى الرصيف المقابل للمحطة ليشاهد كيف ينحني القطار القادم من محطة بير حكيم على الجسر المعلق، منظر يروق له كثيراً، ثم عاد تحت الجسر الحديدي الذي يفصل الشارع إلى قسمين وسار تحته، تذكر ما قاله صديق يوماً إن من يجد نفسه تحت جسر معلق صدفة حين مرور قطار تتحقق أي أمنية يطلبها وكيف أثبت له أنه مخطئ، حين مَرّا صدفة تحت الجسر مرة، لأنه تمنى أن يسقط عليهما الجسر ولم يحدث ذلك·
صفحة 2
بعد مسير بضع دقائق من المحطة، دلف جادة كوميرس التي تعجبه لا لكثرة المارة والمحلات التجارية على جانبي الطريق الضيق نسبياً، بل لوجود محل خضار كبير مزدحم يعرض بعض فاكهته وخضاره في الشارع مما يسهل عليه سرقة تفاحة أثناء مروره دون أن ينتبه له أحد·
هذا ما فعله دون أن يلتفت أو ينظر حوله، دس التفاحة في جيب معطفه، بقي قابضاً عليها بقوة ليس خشية أن تطير من يده، بل ليبعث فيها بعض الدفء· مسحها بقماش جيبه الداخلي، قبل أن يشرع في التهامها بنهم جائع في شتاءات باريس المروعة، مُفْلِسٍ مثله·
في آخر الشارع بدت له واجهة كنيسة جادة كوميرس كبرج شاهق أو هرم صغير، فلم يفكر في سرقته أم الخطايا من محل الخضار قبل لحظات، بل في الجمع الخارج منها ليودع عريسين دلفا سيارة فخمة، مستأجرة طبعاً، قال في سره، تمنى لو يعرف لماذا يرش الأرز على العريسين أثناء خروجهما من الكنيسة، رغم أن الأرز لا يزرع في هذه البلاد، ثم تذكر إلحاح أمه بأن يتزوج كلما اتصل بها·
أما كيف يتصل بها وهو المفلس دوماً فهذه قصة أخرى·
يزور أحد معارفه يوم عطلة· يفضل من يسكن في أحد الأحياء الهادئة أو حتى في الضواحي· يدعي أن عليه أن يجري مكالمة مهمة، لكن محلات بيع بطاقات الهاتف مقفلة· رغم علمه أن طلبه لا يروق لهم، ويمكن لكفيف أن يرى الاستياء على وجوههم، ولأصم أن يدرك من نبرات أصواتهم أنهم موافقون على مضض، لكنه يجد لنفسه عذراً بأنه مفلس ودون عمل، والناس للناس
تقول له أمه باكية :
- متى ستأتي لزيارتنا ؟
- لا أدري·
لا يعترف لها أنه دون أوراق، وإقامته في البلاد غير شرعية· عشر سنوات مرت ولم يرها· يعدها - كاذباً - بزيارة قريبة وقلبه يتفطر ألماً·
قالت له مرة :
- قاربت الأربعين، متى ستتزوج ؟
ضحك لمبالغتها وإضافتها ما لا يقل عن خمس أو ست سنوات إلى عمره وسأل بعصبية حاول جاهداً إخفاءها :
- لماذا ؟
- لتنجب ولداً يحفظ اسمك بعد عمر طويل·
- وهل من ينجب ولداً يحفظ اسمه ؟
- طبعاً·
- حسناً قال ضاحكاً بحق هذه المرة ما اسم جدك ؟
بعد أن عبرت له عن دهشتها، وبسبب إلحاحه أجابت·
- واسم أبيه ؟
صفحة 3
- ترددت واعترفت أنها لم تعد تذكر، فأعقب منتصراً :
- كما ترين يا أمي الحبيبة، حتى من ينجب أولاداً ينساه أقرب الناس إليه بعد ثلاثة أو أربعة أجيال !
لم يسقط في يدها كما حسب، بل أصرت على موقفها قائلة والله لم أعد أفهم كلامك· ما الذي فعلته الغربة بك ؟
في خداعه لنفسه لم يود حلمي الاعتراف أن عدم زواجه يعود لسوء حالته المادية المزرية وجوعه المزمن الذي خلفه هيكلاً عظمياً محدودب الظهر جاحظ العينين لا تحفل به النساء، لكن كيف لعربي حالم بالفتوحات النسائية في أرض الفرنجة أن يعترف بواقعه الأليم وأنه يعيش على هامش مجتمع لا يقبله بسهولة حتى لو حاول الذوبان والانصهار فيه ؟!
لم يود أن يواجه نفسه خوفاً من أن تطرح عليه أسئلة محرجة من أمثال··· ما جدوى العيش في مدينة النور والجمال إن كان محروماً من كل ما فيها···، ناهيك عن العيش عالة على الآخرين ؟
كعادته في خلق الأعذار وتخدير الذات قال بينه وبين نفسه الناس للناس
قول شعبي آخر يطرب أذنيه حماتك بتحبك ذلك عندما يحل ضيفاً دون سابق إنذار أو اتصال كمفاجأة غير سارة على عائلة على وشك تناول الطعام، كما فعل الآن، حيث ملأ بطنه ولم يجد غضاضة في سؤاله:
- عندكم سيجارة ؟
لم يحصل إلا على كوب شاي·
أثار منام حلمي في القطار اهتمام الزوجة، الطبيبة النفسية، خاصة الحجرة البيضاء· دونت بعض الملاحظات في دفتر صغير، ثم ناولت كلاً من زوجها وحلمي ورقة بيضاء، وطلبت منهما كتابة ثلاثة نعوت من كلمة واحدة فقط في وصف الحجرة· بعد أن انتهيا أخذت الورقتين وقرأت :
وصف حلمي يقول : باردة، فارغة، لا حياة·
التفتت إلى زوجها وقالت :
وصفك مختلف : حمامة، سحابة، لا نهاية·
أقرُّ أنهما لم يفهما شيئاً، فأردفت :
- هذه نظرة كل منكما للموت·
ارتعب حلمي من إجابته، في حين غمرت الآخر نشوة فرح عارمة·
لا يمكث حلمي في بيوت الناس طويلاً بعد أن يملأ بطنه، اللهم إلا إذا كان يخطط لتناول العشاء أيضاً، وإن كان نادراً ما يفعل ذلك، لا خجلاً من مضيفه، بل كي لا يعتاد على تناول أكثر من وجبتين كبيرتين في يوم واحد·
وبما أن غداء اليوم كان وليمة دسمة لم يتناول مثلها منذ وقت ليس بالقصير، آثر المغادرة، فلم يبد مضيفاه أي حماس لاستقباله ولا حتى من باب اللياقة العربية المعهودة·
كان المطر يهطل حين غادر منتصراً في غزوته المفاجئة، تمنى لو أن هناك من يبيع السجائر بالواحدة كما تفعل بعض عجائز بلاده· في النهارات الماطرة لا يحبذ ركوب الميترو، بل حافلة كهربائية مزدوجة العربات يمكنه صعودها من بابها الوسطي، فلا تضطره لشراء تذكرة أو عرض بطاقة المواصلات الشهرية على السائق·
قد يتبادر للذهن أنه لا يحفل بتوصيات منظمات الدفاع عن المهاجرين التي توصي بصريح العبارة من ليس عنده أوراق إقامة قانونية في البلاد بعدم استخدام الميترو والحافلات دون تذكرة، لأن أول سؤال سيكون عند توقيفه طلب أوراقه وهويته، لكن للضرورة أحكام كما يقال ويقول·
صفحة 4
انتظر حافلة من تلك لتجوب فيه الشوارع التي يحب رؤيتها من خلف زجاج مبلول، خاصة التي تعبر جسراً قديماً· من داخل حافلة طويلة وهو قابع في مقعد خلفي بمحاذاة نافذة مبتلة كان يصغي لصوت قطرات المطر المدرار ويفكر في حلمه وتفسير الطبيبة· هل الموت، حقاً، كالحجرة التي رآها ووصفها، بارداً وفارغاً بلا حياة· ألا يمكن أن يكون تفسيرها خاطئاً ؟
توقف هطول المطر، فهبط من الحافلة في المحطة التالية ليهيم في أجمل ما في المدينة، أزقتها القديمة المبلطة، ولكي يقصي عن ذهنه التفكير بحجرة حلمه ناصعة البياض والتفسير المزعج المثير للأعصاب· كان حرياً به أن يسأل نفسه كيف وصل إلى هذه الحالة عوض التفكير في الموت وحجرة حلم خيالية· لكن اسمه حلمي، أليس كذلك ؟
رغم أن والديه قد اتفقا على تسميته، بعد جدل طويل، حلمي وعاش حالماً أكثر مما تخيل، وربما مما يجب، فإن ذلك لا يمنعنا من البوح ببعض خصوصياته·
عاش حلمي طفولة سعيدة في دمشق· كان والده ميسور الحال ولا يزال ووالدته سليلة أسرة عريقة، فلم يعرف الحاجة يوماً· كان تلميذاً مجتهداً، درس المحاماة بعد تخرجه بتفوق من المدرسة الثانوية، ثم قدم إلى باريس ليكمل دراسته ويعود يوماً وأمام اسمه حرف د· لكن شتاءات باريس علمته الكسل والنوم الطويل في الصباح، فلم يداوم على دراسته حتى لفظته الجامعة خارج أبوابها مطروداً·
بطبيعة الحال، لم يخبر أهله شيئاً عمّا طرأ على دراسته وما آلت إليه مؤخراً، وعاش سنة أخرى يتلقى المساعدة من والده الذي علم بالصدفة عن طريق أحد زملائه في الدراسة، كان في زيارة لأهله وبزلة لسان أخبر أفراد عائلته في أمسية سألوه فيها عن صديقه، ورغم توسله أن لا يخبر أحداً منهم والد حلمي بما حصل، كي لا يصبح واشياً، إلا أن الأب لم يقطع على نفسه أي عهد، على النقيض تماماً شعر بذنب إن لم يطلعه على ما حصل ليجد له حلاً· وعليه، كان أول ما فعله حين صادفه أن أخبره بكل ما يعلم·
من جهته، رفض حلمي العودة إلى أهله دون الحرف الذي جاء من أجله، كما يدعي، وهم بدورهم توقفوا عن مده بالمساعدة المالية التي كانت تصله بانتظام كل شهر·
لعل والد حلمي كان محقاً حين أجاب بمرارة على من لامه لترك ابنه مفلساً في بلد غريب أرسلت إلى فرنسا طالباً لا سائحاً
أما حلمي الذي لم يعرف العمل من بين أشياء كثيرة، فلقد علق باسماً:
رزق الحالمين على المجانين
ويعتقد أنه محق، فها هو في منتصف العقد الثالث من عمره أو أكثر، ويعيش في واحدة من أغلى مدن العالم دون عمل· تسأله كيف يدبر أموره، فلا تتلقى منه إجابة شافية !
كثيراً ما تراه يطوف المقاهي، يجلس دون استئذان إن شاهد شبه معرفة· يتصنع الضحك، يحاول المشاركة في الحديث، يتفوه بأشياء لا تزيده والحاضرين إلا حرجاً، ويتعرف على من لا يعرفه قبل أن ينسحب تاركاً أحدهم يدفع ثمن شرابه·
في اليوم التالي، لا تدري من أين ولا كيف يحصل على أرقام هواتفهم ويبدأ الاتصال بهم طالباً سلفة·
تعلم حلمي من محاولاته العديدة في طلب السلف أن المكالمات الهاتفية نادراً ما تثمر، إذ كثيراً ما يقطع محدثه المكالمة بحجة أن أحداً على الباب أو أنه ترك شيئاً على نار الموقد وعليه أن يدركه قبل أن يحترق أو حتى أن صابون الحلاقة لا يزال على وجهه، ويعده بالاتصال بعد حين ولا يفعل· لذا صار يتصل ويحدد موعداً ومقابلة الضحية في مقهى لأمر ملح·
آخر مقابلاته جرت على النحو التالي :
بعد أن اعتذر عن الإزعاج وشرح أن الحالة ليست على ما يرام، طلب ألفي فرنك كدين يرد سرعان ما يفرجها ربك
الآخر : آسف، حالي في الغربة مثل حالك، ربما أسوأ·
حلمي : ( دون استسلام أو دهشة، فلقد اعتاد على توقع أجوبة أسوأ) حسناً، ألف وخمس مئة تكفي الآن·
الآخر : والله ما معي·
حلمي : بسيطة، أعطني ألفاً·
الآخر : ( محاولاً أن لا يفقد أعصابه) أتمنى لو كان معي·
حلمي : ( وقد غير جلسته وحك ذقنه بخنصره) معقول ما معك خمس مئة !
الآخر : ( انزعاج ظاهر) اسمعني جيداً، ما معي·
حلمي : ( ضحكة مفتعلة، عصبية قليلاً) خلص يا سيدي مئتان تكفي الآن·
الآخر : ( بنفاذ صبر وعصبية) كيف يمكن أن أفهمك !! يا أخي والله ما معي·
حلمي : ( مقاطعاً) خلص، فهمنا·
قبل أن تبدو علامات الارتياح والانفراج على الآخر المسكين، أكمل، هات خمسين·
الآخر : ( حدة) الظاهر إنه جلدك بنمنم على بهدلة· يا بني آدم أنا محتاج ومديون أكثر منك·
حلمي : ( حدة مماثلة) حرقت سماك، هات عشر فرنكات لأشتري سندويشة، والله ما عرفت طعم الأكل من يومين·
صفحة 5
II
منذ شهرين ونيف وحلمي يقطن في شقة رجل ذهب في إجازة وسمح له بالنزول فيها، إشفاقاً عليه من ناحية، وكي يحرسها من ناحية أخرى، فَتَرْكُ بيت في باريس مدة طويلة قد يغري اللصوص باقتحامه· حلمي الذي استطاب المقام والدفء لم يظهر رغبة في المغادرة بعد عودة صاحب الشقة، الذي لم يوفر مناسبة للتلميح له بأن الضيافة قد انتهت، لكن مزامير داود كانت تقرأ على أصم !!
في أحد الأيام عندما كان حلمي في طريق عودته إلى الشقة لاحظ أن خلف الستارة البيضاء الشفافة لنافذتها رجلاً يشق طرف الستارة برؤوس أنامله، يراقبه وهو يقطع الشارع· لم يكترث وإن كان التصرف قد أثار استغرابه، طبعاً إذا كان هو المقصود، ومن المرجح أنه كذلك إذ كان الشارع شبه مقفر· غير أن ما حدث بعد أن دلف العمارة كان أسرع مما تخيل، ما أن صعد بالمصعد وغادره حتى أذهله ما رأى، حقيبته أمام باب الشقة، لم يحاول طرق الباب أو قرع الجرس· حملها أو جرها، لا فرق، خرج دون أن ينظر للخلف، أو يرى إن كان صاحب الشقة ينظر إليه من عين الباب السحرية، بعد أن بصق مكانها تحية لمن سمح له بالسكن في شقته شهرين مجاناً·
قال حلمي وكما ترون دون سؤال أو جواب، أو حتى وداع وجدت نفسي في الشارع في محل صيانة ودهان يملكه ثلاثة من الشباب العرب في المنطقة الحادية عشرة التي تسكنها مجموعة كبيرة من الجالية العربية في المدينة·
لابد أنك لم تدفع الإيجار، أو عملت عملة سوداء علق طارق·
وهل طُلِبَ مني إيجا ر؟ أصلاً من أين لي كي أدفع، وماذا يمكن أن أفعل؟ رد حلمي محرجاً·
أنت أدرى عقب طارق باقتضاب·
مَسَّ نبيل شاربه الأسود الكثيف الطويل بخفة وقال بلهجته الدمشقية العتيقة الموسيقية محاولاً تغيير الموضوع ما بدكم تتغدوا ؟
رفع بشير الخجول رأسه من وراء شاشة الكومبيوتر الكبيرة التي كانت تخفي نصف وجهه البشوش تقريباً وقال مبتسماً مقلداً لهجة نبيل العصية على المحاكاة ما بصير يوم بلا غدا ؟ نهض طارق المائل للسمنة قليلاً، رفع سرواله الواسع الهابط تحت بوادر كرش قادم لا محالة، وقال كمن يحسم الموضوع في صيغة سؤال نذهب لمطعم التركي ؟
تمتم نبيل بصوت أعلى مما حسب كل يوم عند التركي
عدل طارق سرواله مرة أخرى، وحين بدا جاهزاً للخروج، وأعقب قائلاً: أكل رخيص وطيب
تدخل حلمي وقد وجد فرصته في ما ظنه خلافاً في الرأي إذا أردتم أذهب للسوق القريب وأشتري بعض الأجبان والخضار
دع هذا ليوم نكون فيه مفلسين حسم طارق الأمر بسرعة·
لم يجب حلمي، الساعي لطلب رضاهم جميعاً الآن· صمت، إذ كيف له أن يختلف مع أي منهم في هذه اللحظات·
وقف الرجال الثلاثة وقد استعدوا للخروج، بقي حلمي جالساً كأنه في حيرة من أمره لا يدري ما عليه عمله· بادره طارق بكلمة بديهية كان يتوقعها ويخشاها تفضل
لم يملك سوى الإجابة الكاذبة بصوت يشبه الهمس شكراً، تناولت الغداء قبل وصولي لاحظ علامات الاستغراب على الوجوه وأنَّ إجابته غير مقنعة، فأردف اذهبوا، عندي مشوار صغير، سأعود فيما بعد·
أقفلوا المحل، ساروا في اتجاه، وحلمي الذي ترك حقيبته في المحل دون استئذان، في اتجاه آخر·
المطعم التركي الشعبي الصغير، أو بالأحرى محل بيع الأطعمة السريعة، كائن على ركن زقاق ضيق، واجهتاه الزجاجيتان الكبيرتان تشرفان على شارعين، ولابد أن مصممه عوض الطاولات والكراسي المألوفة في المطاعم بلوح خشبي طويل مرتفع وسط الفراغ المتبقي من الحجرة الصغيرة، التي يحتل نصفها مكان تحضير الطعام، ليستخدم كمنضدة كبيرة ضيقة، بالإضافة إلى آخر ثبت على طول أحد الجدران ووضعت أمامه مقاعد مرتفعة دون مسند ظهر كالتي توجد في البارات·
كان الرجال الثلاثة يتناولون لحماً بالعجين أو بيتزا تركية كما يقولون تندُّراً، حين شاهدوا حلمي يتكئ على عامود كهرباء في رصيف الشارع المقابل، أشاروا له بالقدوم وقد عجبوا لماذا يقف هناك في البرد القارس· لم يتردد لحظة، قدماه المتجمدتان وجسمه النحيل الذي لم يعتد على مقاومة صقيع الشمال بعد كل هذه السنوات كانت بانتظار هذه الإشارة· عبر الشارع مسرعاً· لم يحاول الجلوس، وقف بجانبهم مبتسماً يحرك قدميه ليبعث الدفء فيهما ويرمق الطعام الساخن الذي لم يجد اليوم إلى معدته سبيلاً بعد·
صفحة 6
قال بشير تفضل
كما قلت تناولت الغداء أجاب حلمي بصوت خافت متمنياً أن لا يسمع ويضيع في ضجيج جمع الأطباق وانهماك الفكوك القارضة·
وصرت مخلص المشوار ! استفسر نبيل ساخراً بموسيقية لهجته المطربة·
حافظ حلمي على ابتسامته وإن بدا الحرج على وجنتيه اللتين، لولا آثار صقيع الخارج لصارتا حمراوتين أكثر من أحمر شفاه فتيات ستراسبورج سان ديني ومساحيق وجوههن الصارخة· لم يجب ولم ترتفع عيناه عن البخار المتصاعد من طبق لحم بالعجين تحمله النادلة الكردية إلى زبون خلفه·لاحظ بشير ذلك، رق قلبه الرقيق فقال خذ واحدة
لم يكن هناك مجال للمناورة، التردد أو التظاهر بما لا تخفيه النفوس، مد يده ليلتقط قطعة وهو يتمتم واحدة من أجل خاطرك
كان يود التأني في أكلها ليستطب طعمها، ينعش وجهه بسخونتها، يستنشق رائحتها الطيبة التي كانت بالنسبة له أفضل من كل عطور نساء باريس، غير أن جوعه كان كافراً، فالتهمها بنهم ذئب جائع·
راح نبيل، بعدما عاد للمحل، يهز قارورة زجاجية مدورة مليئة بكرات صغيرة ملونة مرقمة تهبط منها واحدة بين حين وآخر، يقرأ الرقم بصوت مرتفع قبل أن يملأ به ورقة يانصيب لوتو أمامه· راقبه حلمي برهة، سأل بتودد اختراع جديد ؟
لم يرفع نبيل عينيه عن القارورة، أجاب وكل اهتمامه منصب على هبوط الكرة التالية هدية من حماتي حتى أكسب اللوتو
التفت حلمي إلى بشير المنهمك في لعبة على جهاز كومبيوتر كبير الشاشة، واستفسر بود وأنت تلعب أيضاً !
مبتسماً عقب بشير بصوت منخفض قلة الشغل بتعلم التطريز ثم أردف ساخراً من حال العمل وإلا أقول كثر الشغل
أما طارق فقد كان يقلب صحيفة سباق خيل بكسل· علق حلمي وكأنه مجبـــر علـى الكلام أو كسر جدار صمت كان لا يريحه كيف ! راح نربح اليـــوم ؟
ألقى طارق بالصحيفة جانباً وقال يرثي حظاً لم يبتسم له منذ أمد بعيد راضي بمئة فرنك
قال نبيل مزهواً أنا مرة ربحت ألفين فرنك
وقبلها خسرت ثلاثة آلاف عقب بشير ضاحكاً·
قال نبيل أستاذ، البارحة رحت لأجيب علبة دخان· أعطيت البياعة عشرين فرنك واشتريت ورقة بانكو بالخمسة الباقية· كسبت خمسين فرنك· الدنيا ما وسعتني من الفرحة
حظك، أنا بلعب من سنتين وما ربحت شي قال حلمي يندب حظه التعيس·
دخل شاب ملتح يميل إلى السمنة ألقى السلام على طريقة أئمة المساجد، ثم أشار إلى حقيبة حلمي سائلاً بعربية فصحى متعمدة من المسافر إن شاء الله ؟
هادي شنتة أخوك أبو الأحلام أجاب نبيل·
عاد الملتحي إلى لهجة نصف محكية موجهاً كلامه إلى حلمي خير إلى أين ؟
ارتاح حلمي للسؤال لأنه قد يفتح الموضوع الذي جاء من أجله ولم يجد للآن لا مناسبة ولا جرأة لفتحه لا وحياتك، مطرود من البيت أجاب بحزن ممثل مسلسل تلفزيوني عربي، وإن كان من الصعب القول إنه ليس صادقاً· تجاهل الرجل الإجابة، يبدو أن طول إقامته في فرنسا علمته أن لا يكثر من التدخل في ما لا يعنيه، حاول تغيير الموضوع مازحاً:
قلت يمكن تكونوا عاملين شاي !
وثب حلمي من مقعده عارضاً القيام بذلك· هبط الدرج الخشبي الضيق إلى حجرة صغيرة شبه مظلمة تفتقر للنظافة وتتراكم فيها صناديق مليئة بكل ما هب ودب من فراشي دهان مستعملة وأنابيب بلاستيكية من مختلف الأحجام والأشكال، وتنتشر في زواياها أدوات الصيانة والدهان القديمة برائحتها القوية النافذة· على طاولة قديمة سخانة كهربائية وإبريق لتسخين الماء وكؤوس زجاجية رخيصة وعلبة شاي· ولها كوة صغيرة يتسرب نور الشمس، هي في الواقع جزء من رصيف الشارع·
صفحة 7
زنزانة حقيقية، لكن من حسن الحظ أن هناك نوراً كهربائياً قال حلمي في سره وأضاءه·
أخذ الغلاية ليملأها بالماء، وجد فيها بقايا شاي قديم· بحث عن مغسلة، وجد واحدة أمام باب المرحاض لا تكفي لغسل فأر· نظف الغلاية جيداً بالصابون، عمل الشاي، حمله مع بعض الكؤوس على طبق وصعد به سعيداً· تركه قليلاً ليتخمر، سكب قليلاً منه في كأس وأعاده للإبريق·
بادره بشير إذا بتريد، أنا بحبه خفيف
صَبَّ حلمي الشاي بطريقة استعراضية وقدمه له مصحوباً بابتسامة وطبعاً تفضل
تناول بشير الكوب وشكره يسلموا، إن شاء الله في عرسك
ما كان لحلمي أن يفوت هذه الفرصة الذهبية هلا وقت العرس ! المهم وين أنام الليلة !
لا تعليق، خيم صمت ثقيل، أضاف حلمي إذا ما عندكم مانع، ممكن أنام الليلة تحت ؟
علق نبيل بتموت من البرد والرطوبة
أحسن من الشارع عقب حلمي محقاً·
زي ما بدك، ما عندي مانع
أومأ بشير برأسه وكذلك طارق بعد تردد موافقين· ابتسم حلمي ووثب إلى إبريق الشاي ليصب منه مزيداً للرجال الأربعة كلما فرغ كوب أحدهم، حتى كاد أن ينسى نفسه من فرحته·
عند المساء، بعدما استعد أصحاب المحل للذهاب، أعطوه مفتاح الباب الجانبي وأقفلوا الباب الحديدي الثقيل الرئيس· كان لصوت إنزاله المدوي وقع مؤلم على نفسه، أحس والباب يسحب للأسفل وتختفي معالم الشارع المبلل بقطرات مطر المساء الناعم وانعكاس أضواء نيونات المحلات الملونة عليها وعلى الرصيف المغسول بها كما لو أن باب سجن كبير قد أقفل عليه· بقي وهلة متسمراً في مكانه ينظر إلى حديد الباب المقفل· حين استوعب صدمته فتح حقيبته وأخرج منها معطفاً ثقيلاً طويلاً· جلس على الأريكة الوحيدة الموجودة في المحل، مد رجليه على طولهما، غطى نفسه بالمعطف بعد أن وضع قدميه فوق حافة المدفأة المتنقلة التي بعثت بعض الدفء فيهما، غير أن الوضع لم يكن مريحاً· جلب كرسياً، وضعه أمام الأريكة، مد قدميه عليه، جر المدفأة قربه وغطى نفسه بالمعطف ثانية·
كان حلمي لا يزال نائماً في صباح اليوم التالي عندما سمع حركة الباب الحديدي وصوته المزعج· نهض بسرعة، أعاد الكرسي إلى مكانه وكذلك المدفأة· فرك عينيه وجلس على الأريكة كما لو كان مستيقظاً منذ مدة· رفع الباب الحديدي، عم المحل نور النهار· كان نبيل أول القادمين·
سأل بعد التحية كيف كانت النومة ؟
زي السلطان أجاب حلمي·
هز نبيل رأسه وقد لاحظ أنه كان نائماً على الأريكة·
كيف، ما بردت ؟ قال وهو يهز صندوق الكرات المرقمة·
لا كل شي تمام ثم أردف شو رأيك بكاسة شاي ؟
ابتسم نبيل وأجاب أنت كريم ونحن نستاهل
هبط حلمي إلى الطابق السفلي· دخل طارق، قال وهو يخلع معطفه ويهز عنه قطرات المطر المحل دافي اليوم
رد نبيل ما هو طول الليل مشغل المدفأة
وين أبو الأحلام ؟ استفسر بشير حين جاء·
صفحة 8
رد طارق تحت بعمل شاي
عاد حلمي يحمل الشاي والكؤوس المغسولة· قبل أن يبدأ في صب الشاي دخل الشاب الملتحي محتضناً غطاءين صوفيين· وضعهما على كرسي، خاطب حلمي فكرت فيك ليلة أمس··· ثم صمت بعد تردد ولم يتفوه بما كان متوقعاً ولا حاجة لقوله·
يسلموا قال حلمي وذكريات آثار نوم ليلة الأمس غير المريحة لا تزال ماثلة في ضلوعه المتعبة·
احتسى الشاب الشاي وأعرب عن شكره لحلمي بعرض أطرب مسامعه عندي اليوم شغل خفيف· يمكن تساعدني مقابل مئة فرنك
لم يسأل حلمي عن نوع العمل، كان الرقم الذي سمعه فوق تصوره وثقيلاً على جيب لم يعرف حملاً كهذا منذ دهر طويل·
أنا جاهز أجاب بسرور لم تبد هناك محاولة لإخفائه·
على خيرة الله قال الشاب بعد أن أعاد كوب الشاي إلى الطبق، ثم أردف سأعود بعد قليل
ذلك المساء، لم ينتظر حلمي داخل المحل ليقفل عليه الباب· خرج مع أصحاب المحل وودعهم أمام بقالة عربية اشترى منها عشاءه وإفطاره وأرخص زجاجة نبيذ وجدها في البقالة·
بعث العشاء والنبيذ دفئاً في أوصاله· خرج إلى الشارع ليكتشف المنطقة في الليل· كانت الشوارع تتأهب للنوم مثل ساكنيها· محلات الحلوى العربية أقفلت أبوابها، ووارت الأطباق الكبيرة وقطع الحلوى المركبة على بعضها بعضاً كالأهرامات· دكان الجزار أقفل على العبارة العربية المخطوطة بخط أحمر كبيرالإسلام هو الحل وكأنه لا يرفع شعاره إلا في النهار· المنطقة الفاصلة بين جانبي البولفار الكبير التي تستخدم حتى المغيب كسوق خضار مفتوح كانت قد نظفت تماماً بخراطيم ماء قوية، وبدت مقفرة كما لم تكن تعج بالعشرات في الصباح، ولا ببعض الفقراء الذين يستصلحون من الخضار والفواكه الملقية في صناديق القمامة قوتهم اليومي بين ما ألقى به الباعة وجمعها مجاناً·
كان السوق كجثة هامدة بلا حراك· عادت المنطقة حياً باريسياً وقد فارقتها جموع المهاجرين من عرب وأفارقة وصينيين وغيرهم من الأجناس والألوان· لم يكن ينقص بعض شوارعها المقفرة من المارة سوى كرات قش جافة تذروها الرياح العاصفة كما في أفلام رعاة البقر، كان حلمي يفكر، وخواء داخلي يطغى عليه، يقلقه ويشعره بوحدة ثقيلة، فقفل عائداً·
عند رجوعه وجد أمام المحل صناديق ورق مقوى مربوطة بحبل متين· تمعن بها، نظر إلى يمنه وشماله، رأى فتاة وشاباً قادمين صوبه· كانت الفتاة تضم ذراع الشاب قرب إبطه طلباً للدفء أو تعبيراً عن عشق، أو كليهما· كان وقع كعب حذائها العالي يطرق الرصيف بانتظام· يسيران على الطرف المقابل له، لمح ساقي الفتاة الطويلين حيث إن ثوبها كان بالغ القصر· لم يتساءل كيف تتحمل الفتيات البرد القارس بهذه الملابس، لأن هذا في الواقع لا يقلقه بل يسره· انتظر حتى تواريا في شارع جانبي· جر الورق المقوى إلى داخل المحل· هبط به إلى الطابق السفلي بصعوبة، أخلى مكاناً في الحجرة الصغيرة· قطع الحبل، فرش الورق المقوى على الأرض فوق قطن أصفر يستعمل كمادة عازلة وجد منه لفة كبيرة في الحجرة، ثم فرش منه كمية فوق الورق أيضاً· اختار أخف الغطائين الصوفيين سمكاً وفرشه فوق ما بدا كسرير الآن· حسب أنه سينام تلك الليلة نوماً هنيئاً· غطى نفسه بالغطاء الآخر والمعطف الثقيل دون أن يخلع مما يرتديه شيئاً سوى الحذاء·
لم تكد عيناه تغمضان حتى سمع صوت قفز عصافير نبيل سجينة قفص معلق قرب الكوة العليا· من حسن حظه أنها لم تغرد· كان يتقلب في سريره حين سمع خشخشة في الحجرة· أضاء النور، رأى فأراً يفر خلف سطل دهان·
وأنت جائع أم لسعك البرد أيها المسكين ! خاطبه حلمي في سره مبتسماً، وعاد يغط في نوم عميق، إذ إن جسمه النحيل لم يكن معتاداً على أعمال الصيانة المرهقة·
تعاقبت الفصول وحلمي لا زال في جحره· لم يكن أصحاب المحل راضين عن طول إقامته غير الشرعية عندهم، لكن قبلوه مرغمين كمرض قلب لا علاج له سوى الحيطة·
لعله في وضع أفضل منا، لا أجرة بيت، لا ضرائب، لا فواتير كهرباء، ماء وهاتف··· على الأقل أعلم أنه في وضع أفضل مني· قال أحدهم يوماً·
من طرفه كان حلمي يعلم أنهم لن يطلبوا منه المغادرة· يعلم أنهم طيبون عاطفيون وقيمهم لم تغيرها الغربة، فلم يشغل تفكيره بما لا حاجة للتفكير به، وربما لإدراكه الخاطئ أو الصحيح أن العربي يطنب في الحديث عن الاحتلال ولا يفعل كثيراً للتخلص منه·
صفحة 9
وضع لنفسه مقعداً قرب مدخل المحل وجده بسهولة بين قطع الأثاث التي تلقى في شوارع المدينة بكثرة، كما وجد من قبل جهاز تلفزيون قديماً يضربه براحة يده حين يتوقف عن العمل فيعود للبث سريعاً كما لو كان يخشى تلقي ضربة أشد· صار يجلس على مقعده المريح، يمد رجليه على طولهما ويرقب حركة الشارع في الخارج·
مرت في أحد الأيام من أمام باب المحل هيفاء نحيلة ترتدي تنورة قصيرة، قفز حلمي من مقعده، أطل برأسه خارجاً ثم عاد للداخل ليعرب للشباب عن إعجابه بالفتاة وجمالها الفتان· دون أن يرفع رأسه من الصحيفه أخبره طارق أنها من عارضات الأزياء اللاتي يأتين لوكالة الإعلانات والتصوير الكائنة في آخر الشارع·
عند سماع ذلك عاد حلمي إلى مقعده متظاهراً بخيبة الأمل إذا كانت عارضة أزياء، الله معها ! أشاح بيده دلالة عدم الاكتراث· أردف بعدما سأله طارق إن كانت عارضات الأزياء لا يرقن له
طلعت روحي منهن رمقه الثلاثة بنظرة لا تخلو من التهكم، وكان نبيل أول المعلقين على الإجابة الغريبة كم عارضة أزياء عرفت في حياتك ؟
ابتسم حلمي وعيناه لا تزالان ترمقان الفتاة شو بدك تعد لتعد ! كنت ساكن عند واحد مصور والعارضات عنا كل يوم ثم أشار إلى بشير وقال اسأله هو يعرف
لــــم يكــن أحد يتوقع إجابة الرجل الخجول الذي يبالغ في مراعاة مشاعر الآخرين بتطرف حين قال إنه لا يعلم عن ذلك شيئاً، ولا تبجح رد حلمي أكثر تطرفاً صرت ما بتعرف المانيكان اللي عرضت علي سيارة وأنا رفضـــت !
لم يصدق الحاضرون آذانهم· هل يمكن أن يشت به الحلم إلى هذا الحد· تمتم بشير متهكماً لا ما بعرف· بتألف علي قصص وأنا حي أرزق !
تدخل طارق ليحسم النزاع قائلاً صحيح إنك أبو الأحلام من سنة ما شفناك مع بنت
كان حرياً بحلمي أن يصمت وينهي النقاش، لو كان يدري إلى أين سيقود، لكنه مثل لاعب شطرنج أساء تقدير خطواته القادمة قال : وأين آتي بها ؟
رد نبيل في بنت في باريس ما عندها بيت
بعجلة ندم عليها لاحقاً أجاب حلمي أنا ما بروح على بيوت الناس أدرك الخطأ الجسيم الذي وقع فيه فأردف آه لو كان عندي بيت !
رد طارق وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة منذ شهور من سنة وأنت محتل المحل· يا سيدي جيب بنت وتعال احتل بيتي
صفحة 10
IV
مر عام··· عاد الشتاء قاسياً، قارساً، مظلماً وحلمي لم يزل نزيل قبوه لم يتغير من حاله سوى أنه اعتاد حياته الجديدة··· والحياة كثيراً ما تكون قبعة ساحر مليئة بالمفاجآت، إن لم يكن دوماً، ففي مساء يوم جاء إلى محل الصيانة شاب يرتدي ما يشبه معطفاً من بلاستيك أزرق شفاف فوق ملابسه الشتوية الثقيلة، ليقيه رذاذ مطر خفيف متراقص كندف ثلج أواخر الخريف· أوقف دراجته الهوائية بمحاذاة الرصيف الذي اصطفت عليه بعضٌ من صناديق قمامة باريس الخضراء حتى كادت أن تسده تماماً· دلف المحل وأصحابه يستعدون للمغادرة· لا بد أنه كان عزيزاً عليهم إذ ما أن رأوه حتى تركوا ما بأيديهم ليرحبوا به بحرارة ويخبروه أن يكبح عجلات دراجته بقفل الأمان لأن حيهم ليس آمناً· رد الشاب الذي ينم صوته عن سكينة داخلية لا تعكسها هيأته المتواضعة إنه سيراقبها بطرف عينه، لكنه سرعان ما أدرك أنه بحاجة لأكثر من ذلك عندما شاهد لفيفاً من أبناء المهاجرين، أمثاله، يلتفون حولها·
استفسروا بعد عودته إن كان عمله يسير بيسر كدراجته فحمد الله ولم يزد مفصحاً· من جهتهم، رد بشير على سؤاله المماثل وابتسامته اللغز لا تكشف كعادتها كثيراً من سرها اللعوب شغلنا زي دراجتك، عليه قفل، لكن ليس للأمان ثم أردف كي لا يبدو قوله تذمراً أو شكوى أو عدم رضا بتهون !
ردد الشاب كلمة التفاؤل الأخيرة، وإن كان في سره يتساءل عن معناها الحقيقي المهم نبقى في حركة وبعد صمت قصير أضاف كأنه كان يبحث في مؤخرة رأسه عن قول مأثور استعصى على ذاكرته راكب الدراجة إذا وقف يقع
أشعل نبيل سيجارة ولم ينظر إلى دخانها حين يطلق تعليقاً ساخراً ليأخذ الحديث في مسار آخر كل الحكي عن الدراجات· متى سنتكلم عن السيارات ! المهم، كيف توزيع الإعلانات ؟
وجع رأس أجاب الشاب باقتضاب، ليس هرباً من الإجابة، لا لأنه قليل الكلام، بل لأن ذلك بالنسبة له عمل وليس موضوع حديث·
عمل صعب ؟ ! سأل طارق مشككاً أكثر منه مستفسراً، وقبل أن يجيب الشاب أكمل تمر على البيوت وتضع الإعلانات في صندوق البريد أو على زجاج السيارات الأمامي· والسلام ختام
صحيح، لما يكون في حقيبتك عشر إعلانات
تدخل حلمي الذي لم يكن يعرف الشاب، ويقابله للمرة الأولى طيب، ومن يدري لو رميت نصفها في صندوق القمامة·
صاحب المصلحة، عنده أساليبه ولما لم يجد الشاب أن حجته مقنعة أضاف من يفعل هذا لا يبقى في السوق يومين
كم ساعة تعملون في اليوم ؟ سأل حلمي بتودد وكأنه يعتذر عن سؤاله السابق من جهة ولأن المهنة بدأت تروقه من جهة أخرى·
لا نعمل بالساعة· من ينهي التوزيع، الله معه
تعاظم اهتمام حلمي فلم يجد غضاضة ليسأل ما يعتبر سؤالاً غير مقبول في تلك البلاد وكم يدفعون لك ؟
ابتسم الشاب بخجل ورد بما يشبه الهمس أنا من يدفع!
يعني هو المدير سارع نبيل مفسراً ليوفر على حلمي عناء سؤال بديهي·
كاد حلمي أن يقفز طرباً لسماع ذلك، ولم يتمالك نفسه حين قال بدهشة قريبة من صيحة تحف بها ابتسامة عريضة المدير !!
مدير بلا إدارة علق الشاب ضاحكاً بسخرية ملوحاً بيده في الهواء دلالة عدم الاكتراث في محاولة لتغيير الموضوع فلم يعد هناك أكثر لأن يقال سوى إضافته كلنا قردين··· وقرد صغير قال الكلمة الأخيرة وهو يشير إلى صدره· لم يكن حلمي من النوع الذي يكترث لأعراف الحديث، فلقد حل الشتاء وزمهريره بحاجة لمزيد من الطعام· قال كمن يضع كل أوراقه على الطاولة مرة واحدة إذا احتجت إلى عمال أنا جاهز
لم يكن أحد يتوقع سرعة رد الشاب وحسمه واقتضابه أهلاً وسهلاً كان كل ما قال وعناه·
وهكذا أصبح حلمي موزع إعلانات·