صفحة 1
المقدمــة:
النساء شقائق الرجال والرجال أشقّاء النساء . وقد خاطبهما المولى – سبحانه- بوصف كلّ واحدٍ منهما إنساناً ،فقال :{ يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم }{ سورة الانفطار آية 6 } وقال : { بل الإنسان على نفسه بصيرة } { سورة القيامة آية 14} وقــال : { يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى {سورة الحجرات آية 13 }.
فالله – سبحانه – خاطب الإنسان وجعله موضع الخطاب والتكليف ، وأنزل إليه الشرائع لهدايته سواء السبيل، ويحاسبه يوم القيامة بوصفه إنساناً بصرف النظر عن كونه امرأة أو رجلاً ، فالمرأة إنسان كامل الإنسانية ،والرجل إنسان كامل الإنسانية ،ولا يختلف أو يمتاز احدهما عن الآخر في الإنسانية ، وهما بطبيعة فطرتهما التي فطرهما الله عليها مهيّئان للعيش معاً ، وخوض معترك الحياة، حفاظاً على بقاء النوع الإنساني المتوقف على اجتماعهما معاً في كل موقع أو مجتمع، ولا بدّ من اجتماعهما وتعاونهما في الحياة العامة، غير أن هذا الاجتماع وذاك التعاون وإن كان ضرورياً للمجتمع إلا أنه لا يمكن أن يتمّ إلاّ وفق نظام معيّن ينظم طبيعة العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة ، هذا النظام تكون الناحية الروحية أساسه والأحكام الشرعية مقياسه لتحقيق القيم الخلقية التي يجب أن تسود النظام الاجتماعي في المجتمع ،فأهلية المرأة بالنسبة للأحكام الشرعية كأهلية الرجل سواء بسواء ،وهذه الأهلية محلٌّ للخطاب والتكليف والاستجابة ، قال تعالى : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلخيينّه حياة طيبة ولنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانون يعملون}{سورة النحل 97}, والمرأة في المجتمع تشكل حجر الزاوية فيه ،ومسؤوليتها في بناء المجتمع وتغييره والارتقاء به ،وتأثيرها في سلوكه وتوجّهاته مسؤولية جسيمة ، منذ أن يتخلّق وليدها في رحمها إلى أن تضعه، فتسكب في سمعه هدهدات التربية وأبجديات المعرفة ، حتى إذا شبّ عن الطوق وصار طفلاً شكّلته بتوجيهاتها وممارساتها السلوكية ،وقيمها المبدئية.
وعليه، فالمرأة إنسان كالرجل تماماً، وأنها مكلفة كالرجل أمام الله، والآيات في ذلك كثيرة ، وميزان التفاضل بين الرجل والمرأة هو التقوى، ولها شخصيتها المستقلة في التملك والبيع والشراء والزواج، والميراث ،ولها حق العلم، وحق العمل، فلا تمنع من عمل شريف تقدر عليه بيعاً وشراءً ،وكتابة ووظيفة ضمن الحدود التي شرعها الله والتي تناسب طبيعتها الأنثوية.
صفحة 2
مهاد تاريخي
المرأة في العصر الجاهلي
من أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في الحديث عن المرأة في الجاهلية، ما اثر عن العرب من شعر ووصايا وأمثال، ومن يتتبع أشعار العرب وأمثالهم في الجاهلية يجزم بان المرأة كانت تتمتع بقسط وافر من الحرية، فكانت تستشار في مهام الأمور ، وتشارك الرجل في كثير من أعماله ،وكانت علاقتها بزوجها على درجة من الرقيّ، يدلّك على ذلك افتخار الرجل بنسبة لأمّه كما يفخر بنسبة لأبيه ، وفي أمثال العرب قولهم: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا(1) ،وابن دارة سالم أحد بني عبدالله بن غطفان ،ودارة أمّه، وقولهم عن الوفاء: أو فى من خماعة(2)، وخماعة هذه هي بنت عوف بن محلّم الشيباني وقد أجارت مروان القرظ ،وقولهم: أو في من فكيهة (3)وفكيهة بنت قتادة بن مشنوء خالة طرفة بن العبد، استجار بها السليك بن السلكة فأجارته وفيها يقول:
لعمر أبيكِ والأبناء تنمـــي لنعم الجار أخت بني عــوارا
عنيت بها فكيهة حين قامـت كنصل السيف فانتزعوا الخمارا
من الخفرات لم تفضح أخاها ولم ترفع لوالدها شنــــارا
وأما عن مشاركة المرأة الرجل في مهام الأمور قولهم: ما يوم حليمة بسرّ(4)وكان المنذر بن ماء السماء قد غزا الحارث بن جبلة الأكبر ، فأمر الحارث ابنته حليمة أن تعطّر مائة فارس من فرسانه بخلوق، ثم أمرهم بالذهاب إلى المنذر وإظهار الطاعة له، حتى إذا غفل عنه رجاله قتلوه، فقيل: ما يوم حليمة بسرّ ، أما شعر الشعراء ومطالع قصائدهم فإنها غالباً ما تبدأ بالوقوف على إطلال الحبيبة، ومساءلتها عنها، وربما بدأت بالنسيب ، ثم يعرّج الشاعر على الفخر بمحامده وعظيم فعاله، من نحو قول البعيث بن حريث الحنفي وهو شاعر جاهلي(5):
خيال لأم السلسبيل ودونهــا مسيرة شهر للبريد المذبذب
فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباً فردّت بتأهيل وسهل ومرحبِ
وهذا حجر بن خالد وهو شاعر جاهلي ،كان معاصراً لعمرو بن كلثوم يقول:
كلبية علق الفؤاد بذكرهـا ما إن تزال ترى لها أهـوالاً
فاقني حياءك لا أبالَك إنني في أرض فارس موثق أحوالا(1)
ونظام العرب في الجاهلية في الزواج نظام ثابت، فكان جمهورهم يقترن بالزوجة بعد رضاء أهلها ، كما كان الكثيرون يستشيرون البنات في أمر زواجهن ، كما فعل والد الخنساء مع الخنساء حين تقدّم لخطبتها دريد بن الصمّة ، فرفضته وقدّمت عليه أبناء عمومتها، ومع ملاحظة أن هناك أنماطاً أخرى للزواج عرفت عند العرب، ولكنها لم تكن مستحسنة عندهم على أن الزواج عند العرب هو الأصل ، ويسمّى زواج البعولة، وينشأ بالخطبة والمهر والعقد ،وقد أقرّه الإسلام ، ودعاه الزواج الشرعي ، وبه يحلّ النكاح ، وتتحقق غاية الزواج، أما أنماط الزواج أو أشكال الانكحة الأخرى التي عرفت عند العرب فخير من يحدّثنا عنه السيدة عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه ، فقد أورد البخاري عنها قولها: "كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء ، فنكاح منها نكاح الناس اليوم،يخطب الرجل وليّته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر ويسمى الاستبضاع ، ونكاح المضامدة، ونكاح المخادنة، وأخيرا نكاح البغاء وهو زنى المرأة لقاء أجر ونكاح الشِّغار ونكاح البدل ونكاح المقت(2)ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هدم نكاح الجاهلية كلّه إلا نكاح الناس اليوم.
صفحة 3
كان الكثيرون من العرب يتأبّون منها ، لما عرف عنهم من الغيرة على الشرف وكان من النادر عندهم أن يرى الإنسان بنتاً بالغة قد أدركت سن الزواج أو أرملة صغيرة في سن الزواج ولم تتزوّج ، كما كانوا يطلّقون ،والطلاق بيد الرجل ولا أدل على ذلك من طلاق الفاكه بن المغيرة المخزومي لهند بن عتبه بقوله لها : إلحقي بأبيك ولما برأها الكاهن مما رماها به الفاكه أراد أن يسترجعها فأبت عليه ذلك(3) وإذا كان الطلاق في الجاهلية بيد الرجل فان بعض النساء آنذاك كن يشترطن أن يكون أمرهن بأيديهن ، ولا ينكر أهلوهن عليهن ذلك ، فكانت الواحدة منهن يأتيها الخاطب فتجلس إليه ، وتظهر أمامه على طبيعتها دون تكلف أو تصنّع ، روي أن هند قالت لأبيها عتبة بن ربيعة إني امرأة قد ملكت أمري فلا تزوجني رجلاً حتى تعرضه عليّ ، قال : لك ذلك، فقال لها ذات يوم انه قد خطبك رجلان من قومك ولست مسميأً لك واحداً منهما حتى أصفه لك، أما الأول ففي الشرف الصميم والحسب الكريم تخالين به هَوَجاً من غفلته وذلك اسجاح من شيمته ،حسن الصحابة ،سريع الإجابة،إن تابعته تبعك ،وان ملت كان معك، تقضين عليه في ماله، وتكتفين برأيك عن مشورته، وأما الآخر ففي الحسب الحسيب، والرأي الأريب بدر أرومته ، وعزّ عشيرته ، يؤدب أهله ولا يؤدبونه ،إن تبعوه أسهل بهم ، وإن جانبوه توعر عليهم،شديد الغيرة ، سريع الطيرة، صعب حجاب القبّة ، إن حاجّ فغير منزور ، وإن نوزع فغير مقهور، وقد بينّته لك كليهما، قالت أما الأول فسيّد مضياع لكريمته، مواتٍ لها فيما عسى أن تعتصّ أن تلين بعد ابائها ، وتضيع تحت خبائها إن جاءته بولد أحمقت وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت، اطوِ ذكر هذا عنّي ولا تسمه لي،وأما الآخر فبعل الحرة الكريمة ، إني لأخلاق هذه لوامعَة، واني لأخذة بأدب البعل مع لزومي قبّتي، وقلّة تلفّتي..... قال ذاك أبو سفيان بن حرب قالت: فزوّجه ولا تلق إلقاء السلس، ولا تسمه سَوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء(1).
والعربي لا يزوّج بناته إلا من الأكفاء، وذلك بعد مشورتهن ،وإذا ما وافقت إحداهن على الزواج من هذا الكفء، رفضت أن يمسّها قبل أن يصلح بين الأحياء المتخاصمة لئلا يقال عنه انه تفرغ لشأن ذاته، فشغل بأمر امرأة عن إصلاح ذات البين، فقد كانت الحرب قائمة بين عبس وذبيان، فأصلح بينهم ، وحمل ديات القتلى وكانت ثلاثة آلاف بعير، وانصرف بأجمل ذكر ، ورجع إلى أهله ، ولم يفته شيء مما كان يستعجله فيهم، هذه قصة هذا المصلح وهو الحارث بن عوف بن أبي حارثة حين خطب بهيسة بنت أوس بن لأم الطائي(2).
وقد كانت بعض نساء العرب في الجاهلية ولاسيما من كان أمرها بيدها أن يوافق خاطبها هواها،والصفات التي تراها مثلى في نظرها كالكرم مثلاً ،فقد روى صاحب العقد الفريد أن امرأة من العرب تدعى ماوية ذات جمال وكمال وحسن ومال آلت إلا تتزوج إلا كريماً ، ولئن خطبها لئيم لتجدعن أنفه، فتحاماها الرجال ، فتقدم لخطبتها ثلاثة رؤوس من طيء وهم زيد الخيل وحاتم بن عبد الله ، وأوس بن حارثة ، فارتحلوا إليها " ، فلما دخلوا عليها قالت: مرحباً بكم ما كنتم زوّاراً ، فما الذي جاء بكم؟ قالوا : جئنا زوّاراً وخطاباً، قالت: أكفاء كرام ، فانزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى وزادت فيه، فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زيّ سائلة تتعرض لهم، فدفع لها زيد وأوس شطر ما حمل كل واحد منهما ، فلما صارت إلى حاتم دفع إليها جميع ما حمل، فلما كان في اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت : ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره ، فابتدر زيد وأنشأ يقول:
هلاّ سألت بني نبهان ما حسبي عند الطعان إذا ما احمرّت الحّدّق
وجاءت الخيل محمرّاً بوادرهـا بالماء يسفح عن لبّاتها العَلَــق
والخيل تعلم أني كنت فارسهـا يوم الأكسّ به مـن نجـده روق
والجار يعلم أني لست خاذلــه إن ناب دهر معظـم الجار معترق
هذا الثناء فان ترضى فراضيـه أو تسخطي فإلى من يعطف العّنّق
وقال أوس : انك لتعلمين أنا أكرم أحساباً وأشهر أفعالاً من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بـــن لأم يقضي حاجتي فيمن قضاهـا
فما وطئ الحصى مثل ابن سعدي ولا لبس النعال ولا احتذاهـا
صفحة 4
وانشأ يقول:
فان تنكحي ماويّة الخير حاتماً فما مثله فينا ولا في الأعاجـم
فتي لا يزال اكبر همّــــه فكاك أسير أو معونة غــارم
وإن تنكحي زيداً ففارس قومه إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم
........
وإن تنكحيني تنكحي غير فاجرٍ ولا جارف جرف العشيرة هادم
........
فأي فتى اهدي لك الله فاقبلي فإنا كرام من رؤوس الاكـارم
وأنشأ حاتم يقول:
أماويّ قد طال التجنّب والهجـر وقد عذرتني في طلابكــم العـــذر
أماويّ إما مانـع فمبيّــــن وإما عطــــاء لا ينهنهـه الزجـر
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصــدر
.........
فقالت : أما أنت يا زيد ، فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرّة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والصبر عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضيّ الخلائق، محمود الشيم ، كريم النفس ، وقد زوّجتك نفسي"(1).
وقد تردّ المرأة خاطبها إذا عرفت من صفاته ما لا يرضيها، فقد رّوي أن رجلاً تقدم لخطبة امرأة من عجل يقال لها خليعة، فأبت أن تتزوجه ،وقالت له أنت صعلوك فقير، لا تحفظ مالك ،ولا تلفي شيئاً إلا أنفقته في الخمر، فقال أبو جلده في ذلك:
لما خطبت إلى خليعة نفسهـا قالت خليعة ما أرى لك مالا
أودى بمالي يا خليع تكرّمـي وتخرّقي وتحملّي الأثقـالا
إني وجدّك لو شهدت مواقفي بالسفح يوم أجلل الأبطـالا
سيفي لسرّك أن تكوني خادمي عندي إذا كره الكماة نـزالا(2)
ومما يجدر ذكره انه كان في الجاهلية نوعان من النساء :حرائر وإماء، والإماء كثيرات ، مارس بعضهن العهر، واتخاذ الأخدان ، ومنهن من يضربن على المزهر والدفوف في حوانيت الخمارين، ومنهن جوارٍ يخدمن الشريفات، وقد يقمن برعي الإبل والأغنام، وعلى وجه الإجمال وكانت الإماء في منزلة متدنية ، وإذا ما استولد عربي واحدة منهن، لم يلحقه بنسبة إلا إذا اظهر بطولة تشرّف أباه على نحو ما عرف عن عنترة بن شدّاد وشجاعته التي أظهرها ، فردّت إليه حريته واعتباره.
صفحة 5
أما الحرائر فكانت الواحدة منهن تقوم بطهو الطعام، ونسج الثياب، وإصلاح الخباء إلا إذا كانت شريفة مخدومة، فان جواريها يقمن مقامها في هذا العمل، على أن كثيراً من بنات الإشراف والسادة تمتعن بمنزلة سامية، لدرجة أنهن كنّ يملكن الحرية في اختيار أزواجهن على ضوء ما مرّ معنا، وقد يتركنهم إذا لم يحسنوا عشرتهن(3) وبلغ من منزلــة بعض الشريفات من نساء العرب أنهن كنّ يجرن ويحمين من يستجير بهنّ، ويرددن للمستجير حريته إذا استشفع بإحداهن ، على نحو ما فعلت فكيهة إلى السليك بن السلكــة حين وقع أسيراً في يد عشيرتها من بني عوار(1)، وكانوا يعدّونها جزءاً من عرضهم، ولم يكن شيء يثير الحمية في نفوسهم أكثر من سبي نسائهم وهم بعيدون عن أحيائهم، فكانوا يركبون الصعاب حتى يلحقوا بالمغيرين، ويستنقذوهن منهم ، ويغسلوا عار سبيهن، وهو عار ما بعده عار(2) ،وقد كانت المرأة العربية تمثّل واحة يفيء إلى روحها العربي، يستظل بظلّها ، ويرتمي في أحضانها ، ويصحبها معه في السلم وفي الحرب، أما في الحرب فكن يشددن من عزائم المحاربين بما ينشدن من اشعار حماسية ، حتى إذا قتل فارس من فرسانهم ندبنه ندباً موجعاً، حاضّات فرسان العشيرة على الأخذ بثأره والانتقام من قبيلة القاتل، والخنساء ومراثيها في أخويها صخر ومعاوية مثال حيّ على ذلك ، تقول الخنساء:
هريقي من دموعّك أو أفيقي وصبراً إن أطقت ولم تطيقي
وقولي إن خير بني سليــم وفارسهم بصحراء العقيـق
واني والبكا من بعد صخـر كسالكة سوى قصد الطريق
...........
وإذ يتحاكم الســادات طـرّاً إلى أبياتنا وذو والحقــوق
وإذ فينا فوارس كلّ هيجــا إذا فزعوا وفتيان الخـروق
إذا ما الحرب صلصل ناجذاها وفاجأها الكماة لدى البـروق
وإذ فينا معاوية بن صخــر على أدماء كالجمل الفنيــق
فبكيّه فقد وليّ حميــــداً أصيل الرأي محمود الصديق(3)
وكن يستشطن غضبا إذا رضيت العشيرة بأخذ الديه، حقناً للدماء ، على نحو ما تصوّر ذلك كبشة أخت عمرو بن معدي كرب وقد قتل أخ لها :
أرسل عبد الله اذحان يومــه إلى قومه لا تعقلوا لهم دمــي
ولا تأخذوا منهم أفالا وأبكـرا وأترك في بيت بصعدة مظلــم
ودع عنك عمراً إنّ عمراً سالم وهل بطن عمر غير شبر لمطعم
فان أنتــم لم تثأروا واتّديتم فمشّوا بآذان النعام المصلَّــم
ولا تردوا إلا فضول نسائكـم إذا ارتملت أعقابهن من الــدم(4)
فهي تصوّر أخاها يخاطب قومه وقد قتل بالاّ يأخذوا ديته من قاتليه ، سواء أكانت ديته من صغار الإبل أو من أبكارها ، وان عمراً أخاها الذي كان يعدّ بألف فارس رجل مسالم همّه الأكل ، تريد بذلك إثارته لطلب الثأر من قاتلي أخيه ، وترى أن عشيرتها إن قبلت دية أخيها أعطت عن يد وهي صاغرة صغار الأسرى الذين تجدع آذانهم ، بل صغار النعام المصلّم المقطوعة آذانه . وها هي أم عمرو بنت وقدان تقول في أخ لها قتل وقد فكّرت عشيرتها بأخذ ديته:
صفحة 6
إن انتم لم تطلبــوا بأخيكـــم فذروا السلاح ووحّشوا بالابرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا نقب النساء فبئس رهط المرهق
ألهاكم أن تطلبـــوا بأخيكــم أكل الخزير ولعق أجرد امحـق
تقول : أن ضيعتم دم أخيكم وقعدتم عن الانتقام له ، لتقصيركم في طلب ثأره ، فضعوا السلاح واطّرحوه بالابرق ، واجعلوا بدل السلاح آلات النساء من مكاحل ومجاسد، لان الذي لا يثأر لقتيله من الأعداء ، عليه أن يتزيّا بزيّ النساء، وفي هذا بعث وتحضيض على طلب الثأر من القاتل وعشيرته(1).
وقد يفرّ رجال العشيرة من المعركة إذا حمي وطيسها إذا لم يكن من الفرار بدّ ، إلا أن تكون النساء معهم يروهن فارّات وقد حسرن عن وجوهن، حينئذٍ يثبتون في المعركة ويقاتلون حتى الذماء الأخيرة (2)،يروي ابن هشام أن قريشاً في معركة أحد اصطحبت معها النسوة وقامت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها فأخذن الدّفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما تقول:
ويها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضرباً بكلّ بتّار
وتقول : إن تقبلوا نعانــق ونفرش النمـارق
أو تدبروا نفـارق فراق غيرّ وامـق(3)
على أن بعض القبائل العربية من مثل مضر وخزاعة كانت تئد البنت في التراب وهي ما زالت حيّة خوفاً من القهر أو العار أو طمع غير الأكفاء ، أو مخافة الإملاق، فكانت ولادة البنت لأحدهم مجلبة للغم والغيظ والكرب والتأسف، وربما استشاط غضباً فهجر البيت الذي ولدت فيه ابنته، قالت إحداهن وقد وضعت أنثى :
ما لأبي حمزة لا ياتينا يظلّ في البيت الذي يلينـا
غضبان ألاّ نلد البنينـا وليس لنا من أمرنا ماشينا
وإنما نأخذ ما أعطينا(1)
وقد صوّر القرآن مواقف القبائل التي كانت تئد بناتها في جملة آيات كريمات منها قوله تعالى { وإذا بشّر احدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّاً وهو كضيم* يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به، ايمسكه على هون أم يدسّه في التراب الاساء ما يحكمون } { سورة النحل أية 58 }.
وهذا عقيل ابن علّفه يقول حين خطبت ابنته الجرباء:
إني وإن سيق إليّ المهر ألف وعبدان وخور عشر
أحبّ اصهاري إليّ القبر
وبالمقابل فان بعض من كان يعزّ عليه أن تدفن الوليدة في التراب كصعصعة جدّ الفرزدق الشاعر إذا احسّ بشيء من ذلك، وجّه إلى والد البنت إبلاً يستحييها بذلك ، فقال الفرزدق يفتخر بذلك : وجدّي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأدِ(2)
وإذا كان بعض العرب يكره البنت فان بعضهم أحبها وتكنّى باسمها، فهذا قيس بن مسعود الشيباني يكنّى أبا الخنساء، وحذيفة بن المغيرة يكنّى أبا أمية ، وربيعة بن رباح يكنّى أبا سلمى،ووالد حنظلة يكنّى أبا أمامه ، وجدّ أعشى باهلة يكنّى أبا باهلة ، ومالك بن عمرو بن ثابت يكنّى أبا حنّة ، وجابر ابن أسامة الجهني يكنّى أبا سعاد، وعمرو بن عبد الله الجمحي يكنّى أبا عزّة، وحاتم الطائي يكنّى أبا سفانة ، وهناك أبو ريطة، وأبو آمنة وأبو جميلة وأبو أسماء وأبو كدراء العجلي وأبو نائلة وأبو لبابة وأبو زينب وأبو هند(3).
صفحة 7
وهذه أم خارجة عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قدار البجلية، من شريفات النساء في الجاهلية ،يضرب بها المثل في سرعة الزواج، فقد تزوجت نيّفاً وأربعين زوجاً، ذكرها ابن حبيب في باب النسوة اللواتي كانت إحداهن إذا أصبحت عند زوجها كان أمرها إليها ، إن شاءت أقامت وإن شاءت تركته وذلك لشرفهن وقدرهن(1).
وإذا كانت الأمثال العربية قد أفصحت عن ضرب العرب المثل بوفاء المرأة فإنهم اعتزوا بنسبهم إلى أمهاتهم من نحو: المنذر بن ماء السماء ، وعمرو بن هند، وشرحبيل بن حسنة ، ومعاذ بن عفراء.
وعنترة بن زبيبة الذي يقول في أمّه:
أنا ابن سوداء الجبين كأنّها ذئب ترعرع في جوار المنزل
الساق منها مثل ساق نعامةٍ والشعر منها مثل حبّ الفلفل
كما أن بعض القبائل تسمى بأسماء مؤنثة مثل :جديلة ،وعفراء ، ومزينة، وباهلة وبجيلة ، وخندف ،وكان خوف بعض العرب على بناتهم أن يصبن بالفقر بعد موتهم، أو يعاملها عمّها أو خالها أو أخوها بفظاظة بعد موت أبيها ، كان خوفهم يدفعهم إلى تمنّي موتها شفقة عليها ، يقول إسحاق بن خلف ( شاعر جاهلي ).
لولا اميمة لم اجزع من العـــدم ولم أقاسي الدّجى فــي حنـدس الظّلم
أحاذر الفقر يوماً أن يلـــمّ بهـا فيهتـك الستر عن لحم على وَضـــم
تهوى حياتها وأهوى موتها شفقـاً والموت أكرم نزّال على الحـــــرم
أخشى فظاظة عـمّ أو جفــاء أخ وكنت أبقي عليها من أذى الكلــــم(2)
وبعضهم أعلن انه يحبّ الحياة لان له بنات قاصرات ضعيفات يتمنى أن تطول حياته ليوفر لهن الحماية والحياة الحرّة الكريمة ، فلا يجعن ولا يعرين ، يقول أبو خالد القناني:
لقد زاد الحياة إلــيّ حبــّاً بناتـي انهــن من الضعافِ
أحاذر أن يرين الفقر بعــدي وان يشربن رنقاً بعد صـافِ
وأن يعرين إن كسي الجواري فتبنو العين عن كرم عجافِ(3)
ولا يظنن احد أن المرأة في الجاهلية لم تكن على علم بما يتعلق بأدق ملامح الجمال الحسيّ المتعلق بملامح الجسم من الملامح التي تتعلق بالصفات المعنوية، فهذا عمرو بن حجر يرسل امرأة اسمها عصام تخطب له ابنة عوف بن محلّم الشيباني الذي يقال فيه: " لا حرّ بوادي عوف – لإفراط عزّه ، وابنته هذه اسمها أم إياس، وكانت ذات جمال وكمال، فوجّه إليها عصام لتنظر إليها، وتمتحن ما بلغه عنها، فدخلت على أمها أمامة بنت الحرث فأعلمتها ما قدمت له، فأرسلت إلى ابنتها فقالت: أيّ بنية ، هذه خالتك أتت لتنظر إلى بعض شأنك ؛ فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه ، من وجه وخلق ، وناطقيها فيما استنطقتك فيه، فدخلت عصام عليها ، فنظرت إلى ما لم ترعينها مثله قطّ، بهجة وحسناً وجمالاً ، وإذا هي أكمل الناس عقلاً ، وأفصحهم لساناً، فخرجت من عندها وهي تقول : "ترك الخداع من كشف القناع" فذهبت مثلاً ، ثم أقبلت إلى عمرو، فقال لها: ما وراءك يا عصام " فأرسلها مثلاً ، قالت صرّح المخض عن الزبد" فذهبت مثلاً ،قال: اخبريني : قالت: أخبرك صدقاً وحقاً:
رأيت جبهة كالمرأة الصقيلة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة، إن أرسلته خلته السلاسل،وان مشطتّه قلت عنا قيد كرم جلاها الوابل، ومع ذلك حاجبان كأنهما خطّا بقلم أو سوّدا بحمم ، قد تقوّسا على مثل عين العبهرة التي لم يرعها قانص ،ولم يذرعها قسورة، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول ، لم يخنس به قصر ولم يمعن به طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان ، شق فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم ، فيه ثنايا غرّ ، ذوات اثر ، وأسنان تبدو كالدّر ، وريق كالخمر، له نشر الروض بالسّحر، يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان، يقلبّه به عقل وافر،وجواب حاضر ، تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد، يجلبان ريقاً كالشهد، تحت ذاك عنق كإبريق الفضة، ركّب في صدر تمثال دمية ، يتصل به عضدان ممتلئان لحماً، مكتنزان شحماً، وذراعان ليس فيهما عظم يحسّ ولا عرق يجسّ، ركبت فيهما كفّأن دقيق قصبهما ، لين عصَبهما تعقد إن شئت منهما الأنامل،وتركّب الفصوص في حفر المفاصل ، وقد تربع في صدرها حقان كأنهما رمّانتان، يخرقان عليها ثيابها، من تحته بطن طوي كطيّ الطباطيّ المدمجة،كسي عكناً كالقراطيس المدرجة، تحيط تلك بسرّة كمدهن العاج المجلوّ خلف ذلك ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة الله لا نخزل، تحته كفَل يقعدها إذا نهضت وينهضها إذا قعدتً، كأنه دعص رمل، لبدّة سقوط الطلّ ، يحمله فخذان لفاوان ،كأنهما نضيد الجمان، تحملها ساقان خدلجتان كالبردى وشّيتا بشعر اسود، كأنه حلق الزّرد ويحمل ذلك قدمان كحذو اللسان، تبارك الله، مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما ،فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه غير انه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر" فأرسل إلى أبيها يخطبها.(1)
صفحة 8
هذا الوصف الذي فصّلت الحديث فيه عصام، وتحدثت عن صفات أم إياس بنت عوف من محلم الشيباني، يدل على أن الخاطبة امرأة ذات عقل وفهم وخبرة، بدقائق الجمال الحسيّ والمعنوي، وأنها فصيحة غاية الفصاحة، وبليغة مقتدرة غاية البلاغة والاقتدار، دلّ على ذلك ما فصلت الحديث فيه.
وإذا كان هناك صفات للجمال يتسامع فيها الناس، ويرغب فيها الأزواج ، فان هناك صفات للقبح، بعضها يتعلق بالملامح الحسية والآخر يتعلق بالملامح المعنوية، والعقلاء يحذرون الرجال من الزواج بها: قال محمد بن عبد السلام الخشني : إياك وكلّ امرأة منكرة، حديدة العرقوب ،بادية الظّنبوب ، منتفخة الوريد ، كلامها وعيد وصوتها شديد، تدفن الحسنات ، وتفشي السيئات ، تعين الزمان على بعلها، ولا تعين بعلها على الزمان ليس في قلبها له رأفة ولا عليها منه مخافة، إن دخل خرجت ، وإن خرج دخلت، وإن ضحك بكت، وإن بكى ضحكت، وإن طلقها كانت حرفته، وإن أمسكها كانت مصيبته ،سفعاء، ورهاء، كثيرة الدعاء قليلة الإرعاء، تأكل لماً، وتوسع ذماً صخوب، غضوب، بذيّة، دنيةّ ليس تطفأ نارها ولا يهدأ اعصارها ضيقة الباع، مهتوكة القناع، صبيّها مهزول، وبيتها مزبول،وإذا حدثت تشير بالأصابع وتبكي في المجامع، بادية من حجابها نبّاحة على بابها، تبكي وهي ظالمة وتشهد وهي غائبة، قد دلّي لسانها بالزور، وسال دمعها بالفجور(2).
المرأة عند اليونان
أول عهد اليونان بالحضارة كانت المرأة عندهم محصنة وعفيفة، لا تغادر البيت، وتقوم بكل ما يحتاج إليه من عناية ورعاية، غير أنها كانت محرومة من الثقافة والتعليم والإسهام في الحياة العامة، وينظر إليها على أنها مخلوق حقير ، حتى سمّوها رجساً ، أما المرأة في البيوتات الشريفة فقد فرض عليها الحجاب: أما غيرها من النساء فقد كانت سلعة تباع وتشترى في الأسواق ، مسلوبة الحرية والمكانة ،وليس لها حقّ الميراث، وجعلوها تحت سلطة الرجل في الزواج والطلاق والإشراف على ما مالها إن وجد، وفي أوج الحضارة اليونانية تبذلت المرأة ، واختلطت بالرجال، وأصبحت الرذيلة مباحة ومبتذلة ،حتى إنّ ديانتهم اعترفت بالعلاقة الآثمة بين الرجل والمرأة(1)، غير أن نظرة سقراط للمرأة تختلف عما هي عليه في التشريعات اليونانية، فالمرأة عند هذا الفيلسوف هي الأم الصالحة في إدارة بيتها،وهي التي تفرض سلطانها عليه، فتعتني بالخدم، وتربي النسل، وتهز السرير لأطفالها، وتغذّيهم، وسقراط خصم للمساواة الشاقة بين الجنسين فهو يرى إذا كانت هناك مساواة ، فلتكن مساواة أدبية مع الرجل.
وفي جمهورية أفلاطون، ومن خلال الأسئلة والأجوبة التي دارت على موائد حكماء اليونان حول منزلة المرأة ،وما يليق بها من الأعمال وما لا يليق ، يمكن تلخيصها في قول سقراط: إنا إذا أردنا أن نشرك النساء في الأعمال الرجالية، فالواجب أن نقوم بتعليمهن كالرجال وان يتدربن التدريب العسكري نفسه، ومعاملتهن معاملة الرجال، فليس في الأعمال المتعلقة بإدارة الدولة ما يختصّ بالمرأة كامرأة أو بالرجل كرجل، ولكنها مواهب موزّعة على أفراد الجنسين سواء بسواء، فالمرأة باعتبار جبلّتها صالحة لكل عمل كالرجل، مع أنها اضعف منه بوجه عام في الأعمال على كل حال.(2)
المرأة عند الرومان
كان الرومان يعدّون المرأة أداة إغواء يستخدمها الشيطان لإفساد القلوب، ومن اجل ذلك كانت تنزل بهم العقوبات البدنية القاسية، وقد انعقد مجمع علمي كبير، وبحث في شؤون المرأة، وكانت النتيجة أن قرّروا أن المرأة كائن لا نفس له ومن أجل ذلك فهي لا ترث الحياة الأخروية ، وأنها رجس يجب ألا تأكل اللحم ولا تضحك ولا تتكلم، وعليها أن تقضي جميع أوقاتها في العبادة والخدمة والصلاة، وحتى لا تتكلم ألجموا فمها، فكانت تغدو وتروح وهي ملجمة(1).
وربّ الأسرة هو المالك لأفراد العائلة ، وما تملك ، وله الحق بالبيع والشراء، والسلطة على الزوجة والبنات والأبناء وزوجاتهم، وله الحق ببيعهم متى شاء ، ويتصرف بهم ، وسلطته مع البنات حتى الممات، وعلى أموالهن الموروثة من أمهاتهن ، وله الحق بالتصرف بثلث المال، إلى أن عدّل وضع الأب والرجل بشأن المرأة، فأصبح ينظر للزواج على انه شركة حياة بين الرجل والمرأة ، ثم اخذ سلطان الزوج وقيوده بالتلاشي شيئاً فشيئاً، حتى أصبح وليس له سلطة على امرأته ثم أصبح لها بعد ذلك مقام رفيع في أسرتها وحاشيتها، فكانت الحاكمة المطلقة في بيتها(4)،وتتساوى مع زوجها في تقديم الذبائح في العبادات وتشاركه في الاهتمام بالأملاك ،وبعد عام 209م بدأت المرأة الرومانية تتبوّأ المراكز التي تعدّ في الدرجة الأولى من الأهمية، فامرأة الإمبراطور أغسطس شريكة له في آرائه ،وامرأة " كلوديوس" متسلطة عليه، وأنطونيوس يلقّب امرأته أم السلطة والشعب، وكان للنساء بعد ذلك جمعيات أدبية من مثل : جمعية حفظ الحشمة وجمعية الأمهات ، وجمعية رفع الأمية،وجمعية الحضانة، وجمعية الحنان، ونحو ذلك من الجمعيات التي طال عهدها إلى آخر السلطة الرومانية(3).
صفحة 9
المرأة عند الهنود
أباحت تشريعات الهنود للرجل أن يعدّد في زوجاته تكثيراً للنسل ولاسيما الذكور، وكانت منزلة الأم عندهم عظيمة،وطاعتها واجبة، واشترطوا على من يتزوج بناتهم أن يكون ابنها الذكر ابناً لوالدها، فان لم تكن له بنت غيرها بالغة، وزوجته لا تلد إلا البنات يبيح هذا الرجل لزوجته أن تستنكح احد إخوانه أو احد أقاربه، لتلد له ذكراً على نحو نكاح الاستبضاع عند العرب، فيدخل عليها من تختاره ليواقعها، وليس لها أن تمتنع عن الاستجابة إليه، كما أوجبوا على أبنائهم أن يتزوجوا وهم في سن الثالثة عشرة، وإلا كان عيباً وعاراً وأوجبوا على البنت أن تتزوج بمن تحب إذا بلغت سن التاسعة من عمرها ،ولا يحقّ لأبيها أن يمنعها من ذلك .
وإذا ماتت الزوجة فعلى الزوج أن يبادر إلى الزواج بأخرى ، أما إذا مات الزوج فعلى الزوجة أن تتأيم مدى الحياة، ويحلّ لها أن تحرق نفسها وَجْداً عليه، لتكسب الطهارة من الأدناس، أما إذا لم تحرق نفسها، فإنها تحرم من الزواج والزينة ورغد العيش مدى الحياة، فانظر الظلم الذي تمارسه التشريعات البشرية، وقارنها بشرع ربّ العالمين.
وإذا وضعت المرأة جنينها فهي في نظر الهنود ومن يسكن معها غير طاهرين لمدة عشرة أيام ، فلا احد يدخل عليها وعليهم، ولا يخالطهم ،وإذا دخل عليهم الخدم فباللثام يدخلون، وأخيراً فالمرأة الهندية مجردة من التملّك ، فهي وما تملك لزوجها، وله الحقّ في أن يتسرّى عليها بمن شاء من الجواري والإماء(1).
المرأة في الصين
لم يكن للمرأة في المجتمع الصيني أية قيمة، ولا يجوز للرجال أن يجلسوا إلى النساء ولا أن يتداولوا متاعاً من أمتعة البيت الذي فيه النساء ، لئلا تتلامس الأيدي ، وإذا أرادت المرأة أن تناول الرجل شيئاً فعليها أن تضعه في سلّة وتناوله إيّاه، وهو بالمقابل يفعل الشيء نفسه.
كما لا يحلّ لمن تقدّم لخطبة بنت أن يجلس معها على حصير واحد، ولا يأكل من قصعة أكلت منها ،وعلى البنت طاعة أبويها وأخيها الأكبر ،وبعد الزواج طاعة زوجها، وبعد أن تترمّل عليها طاعة ولدها ،وإذا بلغت عشرين سنة من عمرها وجب أن تتزوج ولو بمساعدة سمسار ،ومتى دخلت في بيت الزوجية وجب عليها أن تخدم والدّي زوجها، كما أجازت الشرائع الصينية تعدّد الزوجات ،وسمحت للزوج بالتسرّي بأربع سرارٍ زيادة على زوجته التي لا يسمح له بالاقتران بسواها، وأولاد السراري ينسبون للزوجة الشرعية، ويتساوون مع أولادها ، ونظام التسرّي عند الصينيين يسمح ببيع البنات كالأنعام والحيوانات وانتشر بين الصينيين وأد البنات بعد الولادة لرواج الفقر.
والمرأة الصينية تعيش في عزلة، فالبنت منذ الصباح تعزل عن شقائقها ، ولاسيما إذا كانت من الطبقة الممتازة، والنساء لا يخرجن من بيوتهن، ولا يستقبلن رجلاً ، ولذلك كانت البيوت تقسم إلى دور للرجال وحرم للنساء منعاً من الاختلاط(1)
المرأة عند اليهود
تقتضي النظم اليهودية أن تخضع المرأة للرجل رغبة في النسل، وسمحت نظمهم أن تسبى النساء وتباع وتورث، كما سمحت للآباء أن يبيعوا بناتهم بيع الرقيق، وان يقتلوهن ففي سفر الأمثال(1): امرأة فاضلة من يجدها ؟ لأن ثمنها يفوق اللآلئ ، بها يثق قلب زوجها، فلا يحتاج إلى غنيمة، تصنع له خيراً لا شراً كل أيام حياتها... أعطوها من ثمر يديها ،ولتمدحها أعمالها في الأبواب .
وفي سفر الجامعة(2)" فوجدت أحرّ من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها إشراك ويداها قيود،الصالح قدّام الله ينجو منها، أما الخاطئ فيؤخذ بها، رجلاً واحداً بين ألف وجدت أما امرأة بين كل أولئك لم أجد " والبنت في الشرائع اليهودية لا ترث إذا لم يكن لأبيها ذرية من البنين ،وإذا ما أعطيت شيئاً فهذا آت على سبيل التبرع، فقد ورد في سفر أيوب في الإصحاح الثاني والأربعين قوله : ولم توجد نساء جميلات كبنات أيوب في كل الأرض ، وأعطاهن أبوهن ميراثاً بين أخوتهن "وبعض طوائف اليهود تعتبر البنت في مرتبة الخدم،ويحقّ لأبيها أن يبيعها وهي قاصرة، ولا ترث أباها إذا لم يكن لها إخوة.
أما المهر بالنسبة للبنت اليهودية فيدفع لأبيها أو لأخيها على انه ثمن لها ،وبعدها تصبح مملوكة لزوجها ، فإذا مات زوجها ورثها وارثه، لأنها جزء من تركته وله أن يبيعها والزواج من الأخت مباح عند اليهود، كما أباحت شرائعهم تعدد الزوجات، وأحلّوا زواج المتعة ، وأباحت قوانينهم الطلاق للزوج ثم للزوجة، وكانون ينسبون الأبناء لأمهاتهم، فيقرن اسم الرجل باسم أمّه لا باسم أبيه لاحتمال أن يدعى لغير أبيه (3).
صفحة 10
الباب الأول
أ- واقع المرأة في صدر الإسلام
تبوأت المرأة في ظل الإسلام السمح مكانة اجتماعية راقية، فقد اهتم الإسلام بالمرأة من حيث كونها عرضاً يجب أن يصان،وشرع لها من التشريعات ما يكفل ذلك ويحاسب عليه فالمرأة هي الأم في المجتمع، وهي الأخت، وهي البنت، وهي الزوجة، وهي العمة، وهي الخالة، وهي الطبيبة،وهي الممرضة، وهي المعلمة...وهذا الاهتمام تجلّى في جملة آيات وردت فيها كلمة أم (33) مرة،وكلمة أخت (13) مرة وكلمة بنت (22 )مرة وكلمة زوجة (19) مرة وكلمة النساء(60 ) مرة،ولفظة أنثى (24) مرة ، هذا وقد كفل الإسلام للمرأة حقوقها في الزواج والتملّك والبيع والشراء،والعمل وطلب العلم، ورعاها رعاية تحسد عليها فلها حق التصرف في مالها وفق ما حدّده الشرع،ولها حق البيع والشراء والهبة والوصية وحق الاتجار بمالها ومباشرته، والإشراف عليه.
فالإسلام إلى جانب كونه ديناً سماوياً دعا إلى التوحيد والقضاء على الشرك، فإنه إلى جانب ذلك دعا إلى القضاء على التقاليد والعادات الاجتماعية المشينة التي وجدت في المجتمع الجاهلي وارتبطت بعبادة الأوثان والعصبية القبلية، فأرسى بدلاً منها مبادئ اجتماعية وأخلاقية واقتصادية ،وسياسية تصلح لكل زمان ومكان(1)،فحرّر المرأة من قيودها وعبوديتها وجهالتها ،وخصّ النساء بسورة تسمّى "سورة النساء " لتعالج حقوق المرأة وواجباتها وما لها وما عليها في حياتها العائلية والزوجية والاجتماعية والاقتصادية، وقد تفاعلت المرأة مع الدعوة الإسلامية ، وقامت بدور فاعل فائق الأهمية ، فالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم كأول امرأة آمنت به إذ كفر به الناس،وصدّقته إذ كذّبه الناس، وأعطته ما لها إذ حرمه الناس ،ووقفت إلى جانبه في تحمل مسؤوليات الدعوة بتشجيعها له،ووفرت له كلّ ما يحتاج كزوج وربّ أسرة ونبيّ مرسل، وقاسمته أصعب الأيام وِأشدّها في أثناء مقاطعة قريش لبني هاشم، وكان إلى جانب السيدة خديجة رضي الله عنها نساء أخريات قمن بأدوار هامة في تاريخ الدعوة الإسلامية،وقدّمن أنفسهن على مذبح التضحية والشهادة والفداء كسميّة أم عمار بن ياسر ، التي ضربت المثل الأروع في الشهادة في سبيل المبدأ والعقيدة، وعّذبت حتى الموت... وكانت تضحيتها المثل الأعلى لحضور النساء الفاعل في الإسلام، ومساهمتهن في التغيّر والتغيير الحاسمين الذين غيرّا وجه الجزيرة العربية آنذاك ،كما كان للسيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حضور واضح في الدعوة إلى الإسلام قبل الهجرة إلى المدينة المنورة فقد كانت تزيح الأذى عن رسول الله وتردّ على المشركين ، كما شاركت المرأة المسلمة زوجها في تحملّ مشقّات الهجرة إلى الحبشة فراراً بدينها ، كسهلة بنت سهيل بن عمرو، ورقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأم سلمة وليلى بنت حثمة، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت صفوان، وأمينة بنت خلف، وحبيبة بنت أبي سفيان،وبركة بنت يسار وأم حرملة، ورملة بنت أبي سفيان، وريطة بنت الحارث ، وعائشة بنت الحارث وفاطمة بنت الحارث ،وفكيهة بنت يسار وحسنة زوجة سفيان بن معمر(1)وإذا كانت بيعة العقبة الثانية من الأهمية بمكان في مستقبل الدعوة الإسلامية، فقد بايع من النساء أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية ،وأم منيع أسماء بنت عمرو من بني سلمة.
وبرزت شخصية المرأة المسلمة في العهد النبوي الشريف والراشدي في مجال الدعوى الإسلامية ،فقد أسهمت فيها المرأة ،وشاركت بإيمان واندفاع فيها ، فتلألأت فيها أم عمارة- رضي الله عنها – الصحابية الأنصارية ، التي عد من أبطال المعارك، فقد شهدت بيعة العقبة واحداً، والحديبية، وحنيناً، وسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث وكانت تخرج إلى القتال ، فتسقي الجرحى ،وتقاتل،وأبلت يوم احد بلاء حسناً ، وجرحت اثنى عشر جرحاً ما بين طعنة رمح، وضربة سيف ،وكانت ممّن ثبت مع رسول الله حين تراجع الناس ،وقد رؤيت ذلك اليوم تقاتل اشد القتال وأمّها معها تعصب جراحها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدّث عن يوم أحد وذكر أم عمارة يقول : ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا رأيتها تقاتل دوني، وحضرت حرب اليمامة، وقاتلت قتال الأبطال ، وجرحت فانصرفت إلى المدينة ، تداوي جراحها ، وكان أبو بكر – رضي الله عنه – وهو خليفة يعودها ويسأل عنها(2)،كما شاركت أم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي في معركة اليمامة أيضا (3) كما شاركت أم عطية الأنصارية في سبع غزوات بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تخلف الغزاة في رحالهم ،وتصنع لهم الطعام وتداوي الجرحى، وتقوم على الزمني وتحمل المتاع وتنقل الماء وتسقي المجاهدين، كما لمع اسم الصحابية الربيّع بنت معوّذ في الجهاد والغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.وفي العهد النبوي أيضا كانت المرأة المسلمة تتمثل الحديث النبوي الشريف : المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم،وهم يدٌ على من سواهم، وذلك حين أجارت زينب بنت رسول الله زوجها المشرك الذي استجار بها حين أسره المسلمون وصادروا ماله وهو عائد من تجارته، فآجرته زينب ورضي رسول الله وجماعة المسلمين بهذه الإجارة تحقيقاً لقوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنة }{ سورة التوبة 6} كما مارست المسلمة حقها في الاعتراض على الزوج إذا لم يكن لها كفؤاً ، على نحو ما فعلت الجارية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكت له قصة زواجها ممن تكرهه ،لأن أباها أراد أن يرفع بهذا الزواج خسيسة ، فخيّرها الرسول بين إنفاذ الزواج أو تعطيله، فانفذته بعد أن تأكدت من انه يحقّ لها الاعتراض على الزوج وعدم القبول به ولو وافق عليه وليّها، والمرأة المسلمة ما كانت ولم تكن لتأنف من خدمة زوجها ورعاية دوّابه والقيام على شؤون بيتها من حمل المتاع ،ونقل الماء ،وطحن الحبّ ،وهي راضية محتسبة وأسماء ذات النطاقين أنموذج لربة البيت المسلمة ، وقد حملت المرأة المسلمة رسالة الإسلام والتزمت بتكاليفها ، ولو عارضها أهلوها وحاولوا ثنيها عن دينها، أو منعها من الهجرة من مكة إلى المدينة، فكانت تفرّ بدينها من أهلها إن لم يكن لها زوج، أو كان لها زوج تتركه وتلحق بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنوّرة ،فيستقبلها رسول الله وصحبه بكل حفاوة وتقدير وإكرام ، ويردّون عنها من أتى في طلبها ، كما كان العلم مشرع الأبواب للرجال والنساء ممن تلمذوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسبيعه بنت الحرث الاسلمية تلمذت للرسول وروت عنه اثنى عشر حديثاً، وروى عنها فقهاء المدينة والكوفة من التابعين(1)، وهذه لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية الشهيرة بأم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ،والتي كانت من نبيلات النساء ومنجباتهن ، روت ثلاثين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولبابة هذه هي التي غارت على دينها فضربت أبا لهب بعمود فشجّته حين رأته يضرب أبا رافع مولى رسول الله بسب إسلامه(2)، وهذه أم سلمة هند بنت سهيل الذي يكنّى بأبي أميّة ويعرف بزاد الركب، هذه المرأة تزوجّها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة ، وكانت من أكمل النساء عقلاً وخلقاً، وأسلمت في مستهلّ الدعوة الإسلامية ، وهاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة، ورجعت إلى المدينة ومات أبو سلمة ،فخطبها أبو بكر رضي الله عنه ، فاعتذرت ،وخطبها رسول الله فقالت: مثلي لا يصلح للزواج، فاني تجاوزت السن، فلا يولد لي ، وأنا امرأة غيور، فقال لها الرسول: أما السنّ فانا اكبر منك، وأما الغيرة فيّذهبها الله ، وأما العيال فالى الله ورسوله وتزوجها ، وكان لها يوم الحديبية رأي سديد أشارت به على النبي صلى الله عليه وسلم فاخذ به ،ودلّ رأيها على وفور عقلها(1)،وهذه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، صحابية قرشية وأم الخليفة معاوية بن أبي سفيان ، كانت صاحبة رأي وحزم، ونفس أبيه رثت قتلى بدر ، ومثّلت مع نسوة معها بقتلى المسلمين في أحد، وكانت ممن أهدر الرسول دماءهم ، وأمر بقتلهم يوم فتح مكة، ثم جاءت وأعلنت إسلامها ، وشهدت اليرموك وحرّضت على قتال الروم(2).