eKtab
EN ع
المرأة في المثل الشعبي في الأردن وفلسطين
اقرأ عينة مجانية

المرأة في المثل الشعبي في الأردن وفلسطين

بقلم حسين نشوان

صفحة 1

المقدمة

تناولَت الكثير من الدراسات واقع المرأة وصورتها في المثَل الشعبي، غير أن هذه المؤلفات لم تتجاوز الدراسة المعجمية والمتنية التوثيقية، التي أصبح معها الأمر يتطلب رصد هذه النصوص لتلمس واقع المرأة وأدوارها وتجليات صورتها في واقع المثل. وقد حاولَت هذه الدراسة -بناءً على القراءة المسْحية لنصوص الأمثال بوصفها مرجعية ثقافية- استقراء محرّكات النظرة للمرأة، وهي دراسة لعلائق المجتمع وشروطه وبُناه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجمالية والسلوكية، من خلال أداة التعبير الأدبية الأكثر انتشاراً ووضوحاً وملامسة للمفردة اليومية والتداول الواسع، وقد اتسعت هذه الدراسة جغرافياً لمساحة الأردن وفلسطين بوصفهما مجالين متداخلَين في بناهما الاجتماعية انعكست على أداة تعبيرهما لدرجة لا يمكن الفصل بينهما.

وقد عمَدَت الدراسة إلى تلمّس مصادر المثَل بوصفها مرجعيات مهمّة لبناء المثَل شكلاً ومضموناً، منوّهة إلى أهمية هذه المرجعيات التاريخية والدينية والفكرية في النظرة التي انطوى عليها المثل. وحاولَت الدراسة مقاربة واقع المثل مع تطور التشريعات والقوانين وواقع المرأة التعليمي والعملي لتبيّن مثل هذه التحوّلات وأثرها على المثَل.

وقد اشتمل الكتاب على ثمانية فصول.

تناوَل الأوّل إطاراً نظرياً حول مفهوم المثل وأهميته وخصائصه ووظيفته.

فيما تناول الفصل الثاني واقع المرأة في المثل الذي يتأسّس على موقفٍ اجتماعيٍ كان معه المثل أداة تغيير أُحاديةٍ تصدُر عن المجتمع الذي يشكّل فيه الرجل مصدر القوّة.

واشتمل الفصل الثالث على صفات المرأة الإيجابية والسلبية وفق توصيف المجتمع.

وتضمّن الفصل الرابع حقوق المرأة في المثل.

فيما قارب الفصل الخامس حاجات المرأة على أنها عضو في المجتمع الإنساني، ومدى تمظهرها في المثل.

ودرَس الفصل السادس واقع المرأة في المثل.

وجاء الفصل السابع ليكمّل السابق في الكشف عن القوانين التي تتحكّم في هذا الواقع.

ويختتم الفصل الثامن بقراءات مختلفة لصورة المرأة وتشبيهاتها في المثل، ثم التناقضات التي يقع فيها المثل وفق خصائصه، وتحوّلات هذه الصور تاريخياً.

ويضمّ الكتاب مُلْحَقاً بالأمثال التي قيلت في المرأة، ومصنّفاً للأمثال المتعلّقة بالمرأة بحسب مكانتها وواقعها ووظيفتها.

وخلاصة القول أن المثَل كأداة تعبير أدبية وثقافية يصدر عن الشرط الاجتماعي والثقافي للبنية الاجتماعية وقِيَمها وعلاقاتها، وتالياً فإن المثل يبقى أداةً للكشف عن هذه التجلّيات، وأداةً لرصْد تحوّلاتها.

صفحة 2

الفصل الأول

· أهمية دراسة المثل

· مفهومه، خصائصه، وظيفته

· المرأة في المثل

· مصادر صورة المرأة في المثل

أهمية دراسة المثل

يُعدّ المثل من أقدم الأشكال الأدبية -إن لم يكن أقدمها على الإطلاق-، فقد تميّز بسعة انتشاره بين جميع الفئات الاجتماعية بالنظر إلى سهولة عبارته، ووضوح معناه، ومباشرته، وسهولة حفظه، ومطابقته للواقع والحالة المراد وصفها، وتناوله الأحداث والمناسبات بكلّ تفاصيلها، ويقول المثل: «المثل ما خلّى إشي وما قاله».

وهو بهذا استطاع أن يعبّر عن الملامح الاجتماعية والثقافية للمجتمعات التي قيل فيها، ويصوّر ظواهرها وبواطنها بدقّة. ومن هنا فإنّ المثل الشعبي بمقدار ما شكّل الذخيرة المعرفية والأخلاقية للمجتمع، فإنه من خلال حفظه كوثيقةٍ برَز كأداةٍ لدراسة المجتمع وقِيَمه وعلاقاته الاجتماعية وتجلّياتها، ولعلّ هذا هو هدف الدراسة، ومن هنا تكمُن أهمّيتها.

صفحة 3

مفهوم المثل

يقول ابن عبد ربه: «الأمثال هي وَشْي الكلام([1])، وجوهر اللّفظ، وحَلْي المعاني([2])، والتي تَخَـيَّرَتْها العربُ، وقدَّمَتْها العجمُ، ونُطِق بها في كل زمان، وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يَسِر شيء مَسِيرها، ولا عَمَّ عُمومها، حتى قيل أسْيَر مِن مثَل»([3]).

وبهذا المعنى يُعدّ المثل -بصياغته الفصيحة أو الدارجة- أحد أشكال الأدب، وأصناف الثقافة، التي تتميّز باتساعها وانتشارها، وتناوَلها كثير من الكتاب والمراجع، أمثال: الجرجاني، العساكري، المعجم الوسيط، ابن رشيق، الثعالبي، وكذلك تناوَل القرآن الكريم الأمثال تذْكِرةً للناس وَعِظَةً، ومنبّهات للتفكير في الحياة والخلق والإنسان في وفير من الآيات.

يصف الباحث «أحمد رشدي»([4]) الأدبَ الشعبيّ بأنه شفَهي، وغير مطبوع، يعبّر عن ذاتية الشعب والمجتمع، وهو يرتبط بخبرة المجتمع وعلاقاته. وبغض النظر عن عوامل شكل اللهجة الشعبية وخصائصها فإن المثل الشعبي، هو الخبرة الاجتماعية المختزلة باللهجة المحلية، وهو بهذا -أو وهو هنا- لا يختلف عن المثل الفصيح.

إن المثل الشعبي يعتمد في مرجعيّته على المثل الفصيح، ولا يختلف إلا باختلاف اللهجة عن اللغة في تحرّرها من الإعراب، ومخارج الحروف والأصوات. إن بعض المفردات تتشابه في أغراضها التربوية والقيمية، فالمثل الشعبي مجاز مركّب، يتوسّل اللهجة الشعبية العامة التي تختلف باختلاف البيئات الثقافية التي يمكن أن تَرِد فصيحة على ألسنة العامة أو بتحريف يسير.

خصائص المثل

أخذ المثل الشعبي خصائصه من المثل الفصيح -إن لم يكن تزامن معه- وقد وصفه ابن عبد ربه بأنه «قول سائر...»([5]) غير أن المثل الشعبي استمر أكثر، قرباً لوجدان الجمهور، ومرونة مع مخارج الأصوات، وانسجاماً مع اللهجات المتنوّعة والمختلفة، وبهذا كانت سهولة حفظه وتداوله بما يتمتع (به) من روح النكتة وارتباطه بالنمط (الجماهيري الزراعي) وسهولة اللفظ والبناء وقِصَر الجُمَل، واشتماله على جماليّة البناء واللّغة والسبك مثل السجع والبيان، غير أنه أيضاً يتّسم بالمبالغة الواقعية، والتعميم، والشمول، والاختزال، والشعرية، وأحياناً المباشرة (الكلمات الثابتة)، ويقوم على المفارقة، والتناقض، وهو دون قائل، والمثل هو وجدان الجماعة إذ يقول لسان الحال «إذا انجنّوا ربعك، عقلك ما بنفعك»، أو «إذا لقيت ناس بعبدو العجل حش واطعمه».

وظيفة المثل

للمثل وظائف متعدّدة، منها:

الوظيفة التربوية، والنصيحة، والوظيفة النقدية، ووظيفة الحكمة، وأخذ العبرة من الأحداث، وتلخيص قصة، والوظيفة التشريعية والقانونية في غياب القانون المكتوب والاعتماد على العرف والعادة، وهي أكثر الوظائف أهمية ولا سيما أن المثل يُدرج في المجتمع كالقانون «فالمثل ما خلّى إشي وما قاله» ولأن المثل ابن «الماضي» فهو يؤكد الخبرة الزمانية فيقول: «أكبر منك بسنة أفهم منك بدهر».

المرأة في المثل

يربط ابن عبد ربه في «العقد الفريد» بين المثل والمرأة، حيث يذكر أن أول ما وُظّف في الأمثال هو المرأة فقيل: «المرأة من المرء، وكل أدماء من أدم»، وباختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كانت الثقافة دائرة تتسع وتضيق بعوامل مختلفة تحددها خبرات الفرد والجماعة وعلاقاته ومصالحه.

صفحة 4

مصادر المرأة في المثل الشعبي

تشكّل المصادر التاريخية والدينية والفكرية مرجعيات أساسية لبناء المثل الشعبي ودلالاته والاستناد على النسق الاجتماعي الذي يبيّن واقع المرأة ومكانتها وأدوارها، من هنا تصبح دراسة المصدر ضرورية لفهم صورة المرأة في المثل الشعبي، وتنقسم هذه المصادر إلى: مصادر تاريخية، ومصادر دينية، ومصادر فكرية وثقافية.

أولاً: المصادر التاريخية

ترسم المراجع التاريخية صورة مشرقة للمرأة في الحضارات القديمة، التي ارتبطت بدورها الإنتاجي ومكانتها في الأسرة (أُمّاً)، والمجتمع الذي ارتبط بالخصب مما قرّبها ووضَعها بمكانة الآلهة، إلّا أنّ صورة المرأة في المجتمع العربي القديم تراجعت عبْر عدد من التحوّلات وتوزيع الأدوار المتعلّقة بالعمل (قبل الإسلام) إذ أنها كانت تفتقد لأدنى الحقوق الإنسانية وهو حقّها في الحياة، حيث كانت تتعرّض (للوأد) فور ولادتها([6]) وبغضّ النظر عن حجم هذه الممارسة ومسوّغاتها إلا أنها كانت تستند لمسوّغات مشروعة اجتماعياً وثقافياً، فيقول العربي القديم للتهنئة في الفتاة: «أمّنكم عارَها، وكفاكُم مؤْنها، وصاهَرَكُم قبْرها».

وكانت المرأة تُملَك وتُورَث كالمتاع، حيث تُنقَل ملكية المرأة بعد وفاة زوجها لابنه الأكبر كما يُنقَل المتاع، ولهذا فقد كان العربي يُظهِر تشاؤمه من قدوم الفتاة. وبالرغم من إنصاف الإسلام للمرأة في مجالَي الملكية والحقوق وإكرام إنسانيتها، إلّا أن المراحل اللاحقة أعادت الصورة الروتينية للمرأة خلال مرحلة الحكم الأموي والعباسي والمملوكي، وأخيراً العثماني الذي تفشّت فيه صورة (الحريم) حيث حظر على المرأة الخروج من منزلها ومشاركتها في أنشطة المجتمع. وجاء الاستعمار الغربي ليؤكّد ويضاعف معاناة المرأة لتصبح معاناة اجتماعية وسياسية واقتصادية، فهي تعاني من اضطهاد الأسرة والمجتمع والمستعمر، «بالإضافة لمعاناتها من الاضطهاد القومي والاقتصادي تعاني من الاضطهاد الاجتماعي الممثل في التقاليد»([7]).

ثانياً: المصادر الدينية

مع أن الديانات بعامة -والإسلام على وجه الخصوص- جاءت لرفع مكانة الإنسان وآدميته -الرجل والمرأة- إلا أن إساءة فهْم بعض الإشارات والنماذج والنصوص خارج سياقاتها التاريخية وبعض المواقف العدَمية ومرور بعض العصور الظلامية قد عمل باتجاه معاكس لتلك الغايات.

ثالثاً: المصادر الثقافية

للنصوص الثقافية من شعر وقصص وآراء العلماء أثَر في تعزيز بعض الصور السلبية وتسرّبها للمثل الشعبي، آخذة في ذلك مشروعية ثقافية، ومن أمثلة ذلك قول الشاعر:

كلّ أنثى وإن بدا لك منها
إن مـن غـره النـساء بود

 

آية الـود حبها خيتـعور([8])
بعد هذا جاهل ومغرور([9])

وأدّت مثل هذه المرجعيات إلى ترسيخ وعي اجتماعي يقلل من شأن المرأة ويهملها ويتهمها. فهذه هند بنت المهلّب من عقلاء النساء تقول:

«شيئان لا تؤمن عليهما المرأة: الرجال والطيب»([10]).

وتمثّلت العقلية الاتهامية للدرجة الاحترازية من النظرة، حيث قيل:

لا تأمنن على النساء ولو أخـاً
كل الرجال وإن تعفف جهده

 

ما في الرجال على النساء أمين
لا بـد أن بنظـرة سـيخـــون

وقال الشاعر طفيل الغنوي:

إن النساء لأشجار تبين لنا
إن النساء متى ينهين عن خلق

 

منهن مر وبعض المر مأكول
فإنه واقع لا بد مفعول

ورأى الغزالي في «أدب المرأة»: «أن القول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في بيتها، لازمة لمنزلها، ولا يكثر صعودها واطّلاعها، فإن خرجت فمتخفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محاذرة أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها»([11]) ولعل في مثل هذه الصورة ما يلخص دور المرأة ومكانتها في الثقافة العربية والتي تشكّل مصدراً من مصادر المثل والخبرة الشعبية التي نتناولها بالدراسة.

صفحة 5

مقاربة مع صورة المرأة في الثقافة العالمية

السؤال: هل تختلف صورة المرأة في الثقافة والأدب العالمي عنها عند العرب؟

إن دراسة سريعة لتلك الصورة ستؤكّد دون أدنى شك تشابه الموقف من المرأة عالمياً، حيث يقوم المثل على سيادة الذكورة ودونية المرأة وهامشيتها وهو موقف يسلب المرأة إنسانيتها وفرص مشاركتها الاجتماعية والإبداعية.

ومن الصور التي يسجّلها المثل الصيني: «أنصت لزوجتك ولا تصدقها».

فيما يقول المثل الإيطالي: «المهماز للفرس والجواد والفرس الجموح».

والإسباني يقول: «احذر المرأة الفاسدة ولا تركن إلى المرأة الفاضلة».

والروس يقولون: «المرأة مثل البساط بين الحين والآخر تحتاج للنفض».

والألماني يقول: «ما لا يقدر عليه الشيطان تقدر عليه المرأة»، وفي المثل العربي: «لا تثق بالمرأة ولا تفشِ سرّك لأَمَة».

ولا تختلف الصور الثقافية والفكرية، حيث جاء في الأدبيات الهندية على لسان «مانو» -وهو معبودهم- أنّ النساء فُرض عليهنّ حُبّ الفراش والمقاعد والزينة والشهوات الدنسة والغضب والتجرّد من الشرف وسوء السلوك ...، ولهذا لا ترى الحكماء في صحبة النساء إلا شديدي الاحتراس، ويجيب بوذا -أحد تلامذته- حول المرأة: «كن منهن على حذر تام». ونجد الصورة نفسها في المثل العربي: «احذر المرأة لو صلّت والخيل إذا طلّت»، «شاوروهن وخالفوا رأيهن»، وهي صورة تأسست على نمط يقوم على سيطرة الذكورة وتهميش دور المرأة، التي استمرت لاحقاً بمسوّغات الخصائص البيولوجية والنفسية، لتعكس نفسها على المنظومة القديمة والفكرية والثقافية في المجتمع، لإنتاج ثقافة تقوم على محاصرة المرأة وعزلها وتهميشها.

صفحة 6

الفصل الثاني : صورة المرأة في المثل الشعبي

صورة المرأة في المثل الشعبي: علاقات غير متكافئة

المرأة والأُسْرة

تقوم الأُسْرة على تقسيم هرمي يقف الأب على رأسه «ربّ الأُسْرة» الذي له الرأي الأول والأخير في كل ما يخص العائلة والبيت والملكية، ويليه في المسؤولية الابن الأكبر، الذي يعتمد عليه الأب في جميع أعماله، ويرافقه في حله وترحاله، فهو سنده «وذراعه اليمنى» دون أن يقلّل ذلك من مكانة بقية الأبناء الذكور الذين يشكّلون العزّة ومصدر القوّة «بيت رجال ولا بيت مال» وهو كذلك عنوان هيبة للقبيلة أو العائلة في إطار علاقات الإنتاج المرتبطة بالعزوة «عدّ رجالك وارد الماء»، «شيخ بلا عزوته قلّت مراجيله».

وإذا كان المثل يمكن أن يُطلَق على الكبير بشكل عام في الأسرة أو الكبير بعقله وحكمته فإن المثل لا يخلو من إطراء للرجل لتفرد مكانته وتعزيز هيبته «اللي ما إله كبير ما إله تقدير». أما المرأة وبغضّ النظر عن موقعها ونوع علاقتها مع الرجال وترتيبها وسنّها، سواء أكانت زوجاً أم أمّاً أم أختاً فإنّ وجودها لا يرتبط بحاجات القوّة والهيبة والإنتاج بل -على العكس- قد يكون وجودها محل خوف وتوجّس دائم لأسباب تتعلّق بذاكرة التشكيل الجماعي للقبيلة، القائم على فكرة الغزو أو السبي، حيث تولَد الفتاة غير مرحّبٍ بها، فيقال: «فال الحية ولا فال البنية» ثم تعيش طفولتها بشكل شبه مهمل، وتابعٍ للبيت، وما أن تصل إلى سن البلوغ حتى تتركّز عليها الأضواء فجأة، وتختلف معاملة عائلتها لها كلّياً، حيث تبدأ الممنوعات «فالبنات همهن للممات»، و«البنت بتجيب العار والمعيار والعدو لباب الدار».

وتصل صورة المرأة إلى أقصى مراتب التقليل من شأنها عند مقارنتها بالصغار، هذه المقارنة لا تتوقّف عند حدود قدراتها، وإنما أيضاً بسلوكها وتصرفاتها «المرة والصغير بفكروا الزلمة على كل شيء قدير».

ويعرف المثل بأن المرأة لا تجيد سوى دور واحد هو «دورها أنثى» «ودورها زوجة» الذي تُعَدّ له الفتاة منذ ولادتها (بيت الزوجية) «المرة يا سترها يا قبرها» وتستمر سلطة الأب على المرأة حتى في بيت الزوجية، وبصورة أكثر دقّة فإنّ مسؤولية المرأة تتعلّق بأهلها -خاصة في القضايا العشائرية-، وكما يقول المثل الدارج فإن أعمال المرأة الحسنة لزوجها أما الأعمال غير الحسنة فإن أهلها يتحملون مسؤوليتها بمعنى أن المرأة بعد زواجها لا تستطيع أن تستقل بذاتها «شر المرأة لأهلها وخيرها لزوجها».

وقبل ذلك فإن اختيار المرأة لمستقبلها يرتبط بقرار الأب والأخوة فيما يتعلق بالزواج «البنت يا جبرها يا قبرها»، «إذا انتركت البنت على خارطها يا بتوخذ طبال يا زمار».

إلا أن المثل الشعبي بالرغم من تهميش دور المرأة الإنتاجي ووضعها في أسفل التراتب الاجتماعي والهرمي للأسرة فإنه يتعامل بحس وسلوك «أرستقراطي» نحو المرأة الضعيفة التي هي «ضلع قصير» تحتاج للأمن والرعاية والشفقة فيقول «النسوان وداعة الأجاويد».

وهذا يأتي في إطار قِيَم الرجولة والمروءة التي يعتزّ بها العربي إزاء الضعيف، وهذه القِيَم تتضح في لحظة المقدرة والقوة مقابل الضعف والمسكنة «العفو عند المقدرة»، «ما يكرم المرة غير الكريم وما يهينها غير اللئيم»، إلا أن الواقع لا يعترف بكون المرأة تشكّل النواة الأساسية للأسرة «العاقلة والمجنونة في بيت جوزها بالمونة»، فالمرأة في بيت زوجها لا تملك شيئاً، بلْ هي جزء من أملاكه وما لها سوى رعاية البيت وراحة زوجها.

وفي هذا الإطار تختلف صور المرأة التي رسمها المثل بين الأم والأخت والزوجة والحماة...

صفحة 7

المرأة في إطار علاقات الأُسرة

تنقسم العلاقات الاجتماعية في الإسلام وعند العرب إلى أصول وفروع، ويتعلّق وفق هذا التقسيم حقوق وواجبات تنظّمها التشريعات الدينية والمدنية والأعراف والتقاليد العربية.

ومن الأصول: الابن، الابنة، وزوجة الابن، وزوج الابنة، والعمّات، والخالات.

وهناك حرمة مؤقتة مرتبطة بالمصاهرة، زوج الأخت ثم الفروع وهي ابنة العم وابنة العمة.

وفي إطار تقسيم الأسرة عُرف نمطان من الأُسَر:

الأسرة النووية: الزوج والزوجة والأبناء.

الأسرة الممتدّة: الزوج، الزوجة والأبناء والعمّات، الجدّ والجدّة وأبناء الأبناء.

الزوجة

وهي شريكة الرجل في بناء الأسرة، والزواج بالنسبة للعربي له وظيفة اجتماعية مهمة لتعزيز العلاقات مع العشائر الأخرى «النسب يا عز يا موكله»، «كون نسيب ولا تكون قرابة» أو «كون نسيب ولا تكون ابن عم»، ثم الإنجاب والاستقرار -فضلاً عن كونه فرضاً دينياً-، فيقال: «بده يكمل دينه» أو «بده يكمل نص دينه»، وكذلك «الزواج نصف الدين» (وهو رابطة تقوم بين الرجل والمرأة وينظّمها الشرع ويحلّ بموجبها للرجل (الزوج) أن يطأ المرأة ليستولدها، وينشأ عن هذه الرابطة أسرة، تترتّب فيها حقوق وواجبات تتعلّق بالزوجين والأولاد. والغاية من الزواج استمرار الحياة)([12])، ومن هنا يهتمّ الرجل بصفات المرأة لاعتبارات النسل والسمعة، وهو يحرص على اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين التي يتوافر فيها جمال العقل والحسب والنسب، والأصلُ الدينُ، كما في الموروث: «اظفر بذات الدين تربت يداك»([13])، فـ«المال بروح وبيجي» و«يا ميخذ القرد على ماله بروح المال وبظل القرد على حاله»، و«الجمال جمال العقل والعمل»، «الجمال جمال الثنا»، ويحرص الرجل على اختيار الزوجة بنت الأصل والفصل فـ«العِرق دسّاس» ويقال «جوّد أولادك» أي اختر النسب الذي يعطي أبناءك الصفات والعادات الحسَنة، لذلك فإن حُسْن الاختيار يصبح ضرورياً ومهمّاً للرجل وخاصة العربي الذي يرى في الزواج وظيفة اجتماعية لتعزيز هيبته وعِزّه، وهذا الحرص يتمثّل في القول: «قبل ما تختار لإلك اختار لابنك خال»، وكذلك: «عليك بخال الخال يا طالب النقا»، «وكل تجارة تابعة رأس مالها» و«ثلثين الولد لخاله».

وهذا الحرص يتبدّى في اهتمام العربي بالإنسان، ويرتبط ذلك بوعيه الاجتماعي «تكاد الأَمَة أن تلد أخاها»، وحتى عقود قريبة كان يتمّ اختيار الزوجة دون رؤية الرجل لشريكة حياته وإنما بواسطة أمه أو أخته أو نساء من الأقارب أو نساء متخصّصات في هذا المجال تُدعى (الخطّابة)، والفتاة في إطار هذه العلاقة لا تملك الموافقة أو الرفض ولا رأي لها، بل هي جزء من أملاك الرجل وفي أحسن الأحوال أمينة على أملاكه، فإذا كانت الفكرة السائدة حسب المفهوم التقليدي لمكانة المرأة ووظيفتها الاجتماعية أنها وُجدت لتكون زوجة وأمّاً، فإن أوّل ما نلاحظه هو انعدام حرّيتها في اختيار شريك حياتها «عروس في مجلاها ما بتعرف مين يتولاها».

الأم

صورة الأم في المثل الشعبي تتعدّد وتختلف بحسب اللحظة والحدث والموقف، ولكنها على الأغلب صورة إيجابية بحكم ارتباطها بالأمومة، وتاريخياً الأم الآلهة في الديانات القديمة، وفي الواقع فإن قيمة المرأة (الأم) في المثل الشعبي كما يتّضح تأتي من مقدرتها على الإنجاب لا بحكم صفاتها العقلية والذهنية، فقيمة المرأة أنّها خلّفت الولد «قيمة أم زيد أنها خلّفت زيد»، ولذلك فلا قيمة للمرأة العاقر (التي لا تلد) وهي كالشجرة غير المثمرة يحلّ قطعها «الشجرة المش مثمرة حلال قطعها».

وكون مجتمع المثل هو مجتمع «ذكوري» وزراعي، فإن مكانة المرأة تقاس بعدد أبنائها فيقال: «أم ثمانية عروس ثانية».

ويتحوّل إلحاح المرأة على الإنجاب كأزمة مرَضيّة يصورها المثل بطريقة كاريكاتورية «حامل ومرضعة وقدامها أربعة وطالعة الجبل تدوّر دّوا حبَل».

ومع ذلك فإن المرأة لا يهدأ لها بال ولا تَعُدّ نفسها «ست بيت» إلا بعد مجيء الصبي، وإذا بُشِّرَت به انسند ظهرها وإلا فالشؤم إذا كانت المولودة فتاة.

«لما قالوا صبي انسند ظهري وقام، ولما قالوا ابنية انهدت الحيطة عليّه»، وتصف الأم معاناتها فتقول: «شافهم قلبي قبل عيني».

ويقدّر المجتمع مكانة الأم بالنسبة للأولاد «إذا ماتت أمك مات كل من يحبك»، وليس أكثر مما كرّمها الإسلام الذي تناقلته العامة مثلاً دارجاً فقيل «الجنة تحت أقدام الأمهات».

صفحة 8

الابنة

تأخذ الفتاة (الابنة) توصيفها في المثل من واقع كونها أنثى ويتحدّد الموقف منذ ولادتها فيقال: «صباح الحية ولا صباح البنية»، «تكبر حية ولا تكبر ابنية»، ويقول لسان حال الأم أو الأب: «لما قالوا ابنية انهدت حيطة عليّه» لأن البنات -كما يقول المثل- مصائب «الولايا رزايا»، «هم البنات للممات».

ويوجّه المثل خيارات مجتمَعِهِ تجاه أفضل الخيارات للفتاة هو زواجها «شو عملت الحرة؟ تزوجت»، ويذهب المثل بطريقة تحذيرية إلى أن زواج الفتاة أيضاً لن يريح الأهل، فالزواج لا يعفي الأهل من المسؤولية ولا يريح من الهم! «زوجت بنتي لارتاح منها ومن بلاها أجت وأربعة وراها»، وهذا نابع من أن الفتاة (الابنة) إذا ما تزوجت فإنها تصبح لزوجها الغريب فهو يأخذ خيرها ويرميها «عظم بلا لحم» ومن هنا يقول المثل: «خير البنت لزوجها وشرها لأهلها»، وفي عرض المثل فإنّ الأبناء هم أبناء الأب «ابن ابنك الك، ابن بنتك لا».

وربما يكون الابن عدوّاً لأقاربه من جهة أمه «ابن الأخت عدو الخال»، وغالباً ما يخضع زواج الفتاة للصدفة ولا يجوز لها أن تقول رأيها، أو أن تؤسس لهذا الزواج بعلاقات خارج قنوات العادة والعرف والأسرة.

ويجبر الأب ابنته على الزواج ممن يريد هو بحسب قناعاته وأحياناً لمصلحته البحتة، فقد تتزوج الفتاة من يكبرها بعشرات السنين وهي ليست مخيّرة، بل يتعمّد الرجل (الأب) مخالفتها.

«شاوروهن واخلفوا رأيهن»، «البنت يا جبرها يا قبرها».

لأن الفتاة –حسب المفهوم الشعبي الذي يشكّل قناعة المجتمع وثقافته- لا تستطيع أن تختار فهي «ناقصة عقل ودين»([14])، ولو تُركت على رأيها يمكن أن تسيء الاختيار، إلا أن المثل -في مواقف أخرى- يجعل مجيء البنت فأْل خير، فهي مصدر البركة والرزق وخاصة للأم التي تساعدها في شؤون البيت وأعماله. وهنّ المحنّنات والملطّفات لجوّ الأُسرة والبيت حيث يكون وجودهنّ غالباً مقروناً بالبركة والحنان.

«بيت البنات بيت البركات»، «رزق البنات أكثر من رزق الصبيان»، «إذا كان سعدك قوي بكري بالبنت وثني بالصبي».

الأخت

تتشكّل الأسرة من الأب والأم والأبناء والأخوات وربما الجدّ والجدّة والعمّات والأعمام غير المتزوجين في الأُسرة الممتدّة، ويشكّل الأبناء (الذكور) في عرف المثل العزوة (القوة)، ومن هنا يبدأ التمييز بين الفتى والفتاة. وفي الوقت الذي تقول فيه الأخت: «ابن أمي ذهب بكمي»، وهذه العزوة هي التي تعطيها الشرف والأصل والسمعة الحسنة «ما يعز الغيد إلا ارجالها»، فإن موقف الأخ يميل للعرف الاجتماعي فيقول لسان حاله: «ماتت أختي يا سعادة بختي»، «إذا ماتت أختك انستر عرضك»، لكنه يدرك أيضاً مكانة الأخت، ويقول لسان حال المثل: «الأم ورضاها والأخت ودعاها».

وفي هذا الإطار وهذه المنظومة الاجتماعية فإنّ الأخت تبقى على هامش تركيبة العلاقات الأُسرية والقبلية بكل امتيازاتها وينطبق عليها ما ينطبق على المرأة بشكل عام.

العمّة، الخالة

العمّة هي أخت الأب والخالة هي أخت الأم، ومن هنا فإن المثل يشكّل منظومة للعلاقات الاجتماعية وهيكلها التي تأتي على لسان الأبناء لأخت أبيهم أو أخت أمهم، وترتبط بالمثل تبعاً للمناسبة والحادثة التي يقال فيها، فإذا كانت المناسبة تتعلق بطلب الزواج فإن النصيحة المقدمة أن يقاس على العمّات فهن مؤشّر لسلوك الفتاة مع زوجها «خذو البنات من صدور العمّات»، وفي الحالة التي تبحث العمة أو الخالة لابنها عن عروس فإنها غالباً ما تبحث عن القريبة التي تنفعها في (مكْبرها) تقدمها في السن، وتهتم بشؤونها وترعاها، ولن تجد أفضل من ابنة أختها أو أخيها، ولكن لسان حال المثل يقول: إن الخالة والعمة تختلف صورتها عندما تكون حماة.

وقد يكون السبب كثرة طلباتها، ومسألة أخرى ذات بُعْد سيكولوجي هي أن العمة أو الخالة -إذا كانت (حماة)- تتوقّع أن تأتي زوجة الابن القريبة لرعاية شؤونها، فتفاجأ بأنها قد أخذت ابنها «وحبة عينها» منها، وهذا يدفع العمة (الحماة) للصراع بلا رحمة مع زوجة ابنها التي ستصبح في مقام «الضرّة»، وهذا إذا ما أضيف له أن «الدم ثقيل على بعضه» و«الأقارب عقارب».

فيقول المثل بالمناسبة: «أردى الحموات العمات والخالات»، وقد ينسى المثل دور العمة والخالة كحماة، وينتقل إلى دور آخر تقوم فيه العمة والخالة بدور غير منظور في العلاقة الأُسرية، ففي حال الخلاف بين الرجال فإن لمشاعرهنّ ولطفهنّ وصلة الرحم ودعاء الولايا وإلحاحهنّ له دوراً في تخفيف تفاقم المشكلة «إذا قسيت القلوب وين المحننات».

وتنعكس طبيعة العلاقات الأُسرية على واقع المرأة فيها، فالعمة أخت الأب أكثر حرصاً على أبناء أخيها «العمة بتخلي العظام ملتمة، والخالة بتخلي العظام نخالة».

ولكن إذا غابت الأم فإن أكثر من يرعى الطفل بعدها هي الخالة «إذا ماتت الأمهات عليك بالخالات» ومع ذلك فإن الخالة والعمة ليس مرحّباً بهما دائماً وخاصة في إطار الجلسات الخاصة فيقال: «لو لمتهم أجت عمتهم، استهدوا بالرحمن أجت خالتهم».

الجدّة

هي أم الأب أو الأم، ويناديها أبناء الابن «ستّي، جدّتي...»، وغالباً ما تربط الجدّة بالأبناء بعلاقة حميمة من طرف واحد فما أغلى من الابن سوى الحفيد «ما أغلى من الولد غير ولد الولد»، «ما أغلى من الابن غير ابن الابن».

ومع أن المثل يؤكد أهمّيّة الكبير وقدْره ومكانته «الدهن في العتاقي»، «اللي ما إله كبير ما إله تدبير»، ولكن الأمر هنا مختلف بحكم صراع الأجيال الذي يأخذ طابعاً تهكّمياً، فيقال: «ستّي سكّرة وأكلها النمل».

ويُدرك المثل تغيّر الزمن فينصح الابنة عدم الركون إلى والدتها في رعاية أبنائها لتغيّر الأحوال فيقول: «حط ابنك في كمك ولا تخليه عند أمك».

ولكن الجدّة تقوم بدور تربوي «مهم» في نقل الموروث والحكايات والقصص من خلال الأمسيات والسهرات التي يقضيها الطفل في بيت الجدّة، إلا أن ذلك لا يتعدّى التسلية للصغار، بالرغم من تضمّنه للعبرة والوظيفة التربوية فبسبب الانقطاع بين الأجيال يفقد الحديث لغته المشتركة، فالكبير غالباً ما يستحضر أيامه الخوالي «إن كان العجوز بدها تتلذذ، بتحكي يوم عرسها».

وهذا ما يشير إلى صورة انقطاع بين الأجيال التي تتحوّل إلى حالة من الصراع والسخرية والتهكّم.

ابنة العم، ابنة الخال

في ذهن المثل الشعبي ووجدانه فإنّ ابنة العمّ -على وجه التحديد- هي عروس المستقبل وعند ولادة الفتاة يسأل الجميع: «شو جاب الله؟»، فيقال: «عروس». وترسم هذه الصورة لابنة العم باعتبارها من لحمه ودمه، وتستر عليه «بنت العم حمالة الأسية».

وقد يكون لاتساع النسب بين الأقارب -وبخاصة العمومة- دوافعه الكثيرة، فهو يعزز علاقات الرحم ويبني الأسرة ويقيم زواجاً بأقل التكاليف في ظِلّ العوز والفقر، وغالباً ما يتم الزواج بالبدل (الشغار)([15]) وكذلك فإن الرجل يختار فتاة يعرف أصلها وفصلها ولا يحتاج للسؤال عنها عادة المجتمع، وكل ما في الأمر أن تنتقل في إطار (الحوش الواحد)([16]) من غرفة إلى أخرى، في إطار هذه العلاقة وأعرافها فإنّ ابنة العم تصبح حقاً لابن العم، حتى لو كانت في يوم (دخلتها) وفي طريقها إلى بيت زوج آخر فإنّ لابن عمها الحق في الاعتراض وفسخ الاتفاق فيقال: «إذا تحراها ابن عمها بتحرم على الغريب»، «وابن العم يطيحها عن الفرس».

ومقابل ذلك فإن ابن العم هو الذي يستر على (ولاياه).

وهو ملزم بابنة عمه عشائرياً وعرفاً فهي رَحِمُه و(وليّته) «ويتعاير بمعيارها» «يحمل هم عملها»، لذلك يقال: «بنت العم هم»، ويقال: «بنت العم العورة لابن عمها».

وغالباً ما يعزف ابن العم عن الزواج من الأقارب لسبب أو لآخر فيقال: «جاجة الدار دورة وبنت العم عورة».

ولكن لسان حال المثل في كل الأحوال يفضّل علاقة القرابة للاعتبارات السابقة فيقول: «عليك بالطرق لو دارت وبنت العم لو بارت»، وكذلك «من طين بلادك لط اخدادك»، وأيضاً «زوان بلادك ولا قمح الصليبي».

صفحة 9

المرأة في إطار العلاقات الاجتماعية
الضرّة

هي الزوجة الثانية في وجود المرأة الأولى، وظاهرة تعدد الزوجات في المجتمع العربي ظاهرة مألوفة، ويتقبّلها المجتمع ويدافع عنها ويشجّعها، فيقول: «الخيّر عنده ثنتين وثلاثة».

وتختلف أسباب دوافع الزواج الثاني، ودوافعه «قديماً» ارتبطت بحاجة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، فيحكم ذلك الاعتماد على الأيدي العاملة للإنتاج الزراعي وعدم الاعتماد على العمل المأجور، واعتماد النفوذ على الكثرة في ظل نظام القبيلة (العزوة) وإظهار (الكبْر) والتفوّق، فإنّ تعدّد الزوجات يُعدّ مظهراً من مظاهر الثروة والنعمة، إلا أنّ الأسباب المباشرة قد تتعلّق بوجود مشكلة داخل الأسرة، كأن تكون الزوجة الأولى عاقراً، أو عدم وجود الخلفة (الضنا) وبخاصة الذكور، أو لأسباب تتعلق بخلاف مع الزوجة أو أهلها فيتزوج بأخرى نكاية بها ولسان حال المثل يقول: «كيد النسا بالنسا ولا تكيد المرة بالعصا» وهي نظرة تقوم على موقف اتهاميّ للمرأة، يرى في العلاقة مع المرأة علاقة صراع وليس تعاوناً، وثانياً أنّ المرأة الثانية بذهن المثل تجيء لمهمة كيدية وليس لبناء بيت وأسرة، وبالتالي فإن مَن يقع في الشرَك هو الزوج الذي يعاني من هذه الخلافات، إذ سيقع بين مطرقة وسنديان زوجاته فيقال: «إذا بدك تجيب غراب البين تزوج ثنتين»، «جوز الثنتين ماله صباح من مسا»، «مشحر يا جوز الثنتين».

والمرأة الأولى التي كانت سيدة البيت، ستجد نفسها بوجود الثانية قد فقدت امتيازاتها، وحتى لو لم تفقد هذه الامتيازات، فإنّ مجرّد زواج الرجل يشكّل استفزازاً للمرأة يجعلها تقول: «الضرة مرة ولو أنها ذان جرة».

ولعل الموقف الأصعب للزوجة الثانية أن يكون للزوجة الأولى أولاد، الأمر الذي سيزيد من تعقيدات وضع الأسرة واستقرارها، فيقول لسان حالها: «انزل على الضر ولا تنزل على شروشه». وعلى الرغم من أن ظاهرة تعدّد الزوجات تلاشت مؤخّراً مع انتشار التعليم والوعي والتحوّلات الاجتماعية، فإنّ تجربة المثل أيضاً حذّرت من التعدّد بقولها: «تجارة النسوان خسرانة»، فتجربة تعدّد النسوان ليست محمودة العواقب «فأول مرة سكّرة، وثاني مرة عنبرة، وثالث مرة مرمرة، ورابع مرة بتودي على المقبرة».

السّلْفة

هي زوجة أخي الزوج، وفي ظِلّ الأُسرة النووية غالباً ما تقطن في إطار (حوش) واحد يطل فيه الجميع على تفاصيل حياة بعضهم بعضاً وهو ما يزيد فرَص الاحتكاك بين الأُسر بسبب الأطفال أو الأملاك والسيادة، ومما يزيد الطين بلة مكانة أحد الأبناء (حظوته) لدى والده، مما يحدث الشقاق بين الأخوة بسبب غيرة النساء فيقال بأن اتفاق الضراير ممكن ولكن اتفاق السلفات صعب «مركب الضراير سار ومركب السلفات احتار».

وقد تصل الغيرة بين السلفات (زوجات الأخوة) حدّ هدْم وتحطيم حياة سلفتها، فيقال: «فلانة بورت سلفتها».

الحماة

يبدو أن الصراع بين الزوجة (الكنة) والحماة صراع تاريخي، إذ تعتقد الحماة أن زوجة الابن قد جاءت لتأخذ ابنها منها، بل وتنافسها في موقعها بوصفها ست البيت، وتَعُدّ أيّ تغيّر من زوجة الابن بمثابة اعتراض على خبراتها وسيادتها وتقليل لمكانها ونفوذها في البيت، عدا عن أنّ المسألة تأخذ طابع الصراع بين جيلين، جيل الشباب وهو جيل التغيير، وجيل الكبار المحافظ المتمثّل في الحماة، وكما ينظر المثل لهذا الصراع فإنه يقرّ بأنّ لكلّ زمان آراؤه وأفكاره ورجاله الذين يعبّرون عن فهمهم له فيقول: «كل دولة وإلها رجالها».

وعن صراع الكنّة والحماة يقول المثل: «الكي بالنار ولا الحماة في الدار» ولذلك فإنّ لسان حال زوجة الابن يقول: «حسدتني حماتي على قصري وطول عباتي». ولا يتوقّف على الزوجة بل إنّ الزوج أيضاً يتّخذ الموقف نفسه بالنظر لتدخّل الحماة (أم الزوجة) في حياة البنت باستمرار، حتى أن التهكّم يبدأ من أول يوم للزواج: «فاضي ومشغول مثل أم العروس» لذلك فهو يتوخى الابتعاد دائماً عن سكن (حماته) «لا تشتري الحمارة وأمها في الحارة»، كذلك «ماتت الحمارة وانقطعت الزيارة»، لاحظ التشبيه!!

وفي محاولة للعتب، والتساؤل البريء عن تصرّف الحماة: «قالوا للحماة ما كنتي كنة؟ قالت: كنت ونسيت».

ويؤكّد المثَل عمق هذا الصراع من خلال السؤال الاستنكاري: «إن كانت الحماة بتحب الكنّة بتطيح الكلاب الجنة».

الكنّة

وهي زوجة الابن، وهي الصورة المقابلة للحماة، حيث تدخل المرأة لبيت الزوجية للمشاركة في بناء أسرة واحدة، عادّةً نفسها (ست البيت) لتجد أن هناك من ينافسها في ذلك وهي الحماة، التي تشعر نفسيّاً أنّ الضيف الجديد قد أخذ منها (قرّة عينها)، ويحاول المثل أن يذكّر الحماة بطبيعة العلاقات الاجتماعية وضرورة التسليم فإنّ لكل إنسان حياته وحدوده ودوره، «ما كنتِ يا حماة كنة؟ قالت: كنت ونسيت».

وهذا السؤال الاستنكاري يحاول أن يخفف من غلواء الحماة تجاه زوجة ابنها في تحديد صلاحياتها في بيتها.

صفحة 10

المرأة في إطار العلاقات الاجتماعية (الإنسانية)
المرأة حبيبةً

العلاقة بين الرجل والمرأة تحكمها القوانين الاجتماعية والأعراف، وأيّ علاقة خارج إطار هذا النظام تُعدّ محرّمة ويُنظر إليها بعين الشكّ والريبة ويُحذّر من عواقب ذلك بالقول: «الْعب وعاشر العرض مش داشر»، وبصورة عامّة فإنّ أيّ علاقة بين الرجل والمرأة خارج نطاق الزواج ومهما كان نصيبها من البراءة فإنّها غالباً ما تؤدّي إلى المشاكل، ولهذا يقال: «طريق البنات شوك»، إلا أنّ الإنسان لا يستطيع أن يضع ضوابط على مشاعره الإنسانية فهي كالمرض الذي يصيبه، لا يستطيع إخفاءه، فيقول لسان حاله: «الحُبّ بَلا والعشق سم قاتل».

وكذلك فإنه لا يستطيع أن يخفي أعراضه الظاهرة، فيقال: «الحُبّ والحبَل مثل ركوب الجمَل»، «ثلاثة مالهن غبا: الحُبّ والحبَل وركوب الجمَل»، وفي هذا السياق فإن المحبوبة قد لا تكون ملكة جمال أو (قاطعة الوصف) بل قد تكون غير جميلة فيستغرب الآخرون دوافع المحبّ فيعبّر عن ذلك بالقول: «الحُبّ أعمى»، ويدافع العشاق عن أنفسهم واختيارهم لهذه العلاقة: «ما دامت راضية وأنا راضي ويش دخل القاضي»، ولكن لا يكفي رضا العاشقين عن هذه العلاقة، فقد يكون ثمن هذه العلاقة غالياً، ولهذا فإنّ المجتمع غالباً ما يشدّ القيود على حركة الفتاة لأن العلاقة تتصل بمسألة اختراق أعراف المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى اغتصاب لملكيةٍ بوسائل غير مشروعة تعرّض الأهل للعار.

وتظهر الازدواجية في المثل من خلال النظرة الاتهامية المسبقة للفتاة باعتبارها تجلب العار، دون أن يدين الرجل وهو الشريك في العلاقة. «البنت بتجيب العار والمعيار لباب الدار».

وهو بناء قِيمي لزيادة إحكام السيطرة على المرأة وتحديد حركتها يقوم على النظرة للمرأة باعتبارها «ناقصة عقل» فالفتاة (المرأة) برأي المثل غير مؤهّلة للاختيار، فهي تلحق مشاعرها وتقوم بالعمل ثم تفكّر في عواقبه وتُتّهم بأنها تسيء الاختيار «إذا دشرت بنتك على خاطرها يا توخذ طبال يا زمار»، وهذه المشاعر غالباً ما توقعها في اختيارات غير موفّقة «نزلت العبدة عالسوق ما استحلت إلا شفاتير مسعود».

ولكن المثل الشعبي لا ينكر العلاقة الإنسانية بذاتها، فهو يقول بأن الحب يخفي عورة المحبوب وأخطاءه وعيوبه الخلقية «من بغضك وقفلك عالغلط ومن حبك ببلعلك زلط»، «ضرب الحبيب زبيب وحجارته قطين».

ويصف المثل أن الإنسان يمكن أن يغامر بحياته من أجل المحبوب «شو بجيبك على دار عدوك؟ قال: محبوبي فيها» ويتحمّل الحبيب إساءة حبيبه وخطأه، بل ويعدّ هذه الإساءة مداعبة مستحبة وخفيفة الظل «من حبّك لاشاك».

ولكن على العموم تبقى هذه العلاقة في إطار قِيَم المجتمع علاقة خارجَ قنواته، ومَن يقترب منها فهو متّهم ولا يتهاون العرف في تفريط المرأة ويجازيها على ذلك أشنع الجزاء، ويقول لسان حال المثل: «ما يغسل العار غير الدم».

الخطيبة

تمرّ عملية الزواج قبل انتقال المرأة إلى بيت الزوجية بمراحل عدّة، وتبدأ أول هذه الخطوات بالخطبة أو «طلَب اليد»، وقد تكون الخطبة منذ ولادة الفتاة وتسمّى على اسم الطفل الذي غالباً ما يكون أحد أقاربها -كابن العم مثلاً- وفي مثل عمرها، فيقال: «عطية ما وراها جزية»، فتستمر علاقة الخطبة لسنوات طويلة، وكذلك هناك (عطية الجورة) وهي قيام أحد الأقارب أو أصدقاء الرجل الذي توفيت زوجته (بإهداء) ابنته له، وهما نمطان يؤكدان أن الفتاة جزء من أملاك الرجل تُقدّم كهدية.

أما في الأحوال العادية فتكون من خلال تَوجُّه (جاهة)([17]) من أهل العريس ومعارفهم إلى بيت والد العروس لطلب يدها فيقال: (طالبين القرب منك).

وفي حالة الإجابة تُقرأ (الفاتحة) وبغضّ النظر عن وجود العَقد أو عدم وجوده فإن موافقة أهل العروس يحول الفتاة إلى خطيبته وهي الفترة التي تستمر منذ طلب يد الفتاة حتى دخولها بيت العريس (الدخلة).

وتكون لفترة الخطوبة التزامات على (الخطيب) في المناسبات مثل «العيدية، وخشّة الدار» يهدي خطيبته قماشاً أو حلياً... أو نقوداً.