eKtab
EN ع
المرآة... مسيرة الشمس
اقرأ عينة مجانية

المرآة... مسيرة الشمس

بقلم هديل الحساوي

صفحة 1
(1)
 
ليالي السنة هنا دائما جميلة ومرحة وساحرة، خرجت من كوخي متجهة للحقل، سالكة طريقي الذي أحبه، طريقي الذي يتجنب المدافن والأكواخ والمعبد ويعبر وسط الحقول، أمرجح يدي عالياً وأترك للنسيم أن يلامس وجنتي ويتلاعب بخصلات شعري· أشعر بالبهجة والانتعاش هذا المساء، أقفز وسط سنابل القمح العالية وألوح بكفي تحية للحُصاد العائدين لأكواخهم، لقريتي داليوب·
 
قلت لجدتي مرة: أليس اسم قريتنا مضحكاً وغريباً! لم سميت بهذا الاسم؟
 
أذكر تلك الليلة جيدا، كنا أنا وجدتي داخل مطبخنا الصغير في الكوخ، هي تقف أمام الموقد، تقلب في القدر الذي يحوي طعام العشاء، وأرتب أنا على الطاولة الصغيرة الصحون والملاعق وأثرثر معها كعادتي، ومن النافذة يلوح لي شبح جدي وهو يأخذ غفوة قبل العشاء تحت السنديانة العجوز التي تبعد عن المنزل مسافة عشرين قدما·
 
عندما سألتها التفتت وحدجتني بنظرة غريبة، وفَهِمْتُ بأنني سألت سؤالا نكأ وجعاً قديماً في روحها كالعادة· حاولت الاعتذار والانسحاب··· تراجعت خطوتين للوراء·· خطوتين نحو الباب··· لكنها استوقفتني وقالت : اقتربي··· لا تخافي··
 
اقتربت - لمحت دمعة تبرق في عيني جدتي الجميلتين - ووقفت بجانبها أحدق في قدر الحساء، وأنتظر صوتها، قالت : سُمِّيَتْ من قبل عابر سبيل مر من هنا، كان ذلك منذ زمن بعيد··· زمن بعيد جداً· قبل ذلك كانت هذه القرية بلا اسم·
 
ما تمالكت نفسي وسألت: حقا··· لكن··· لم سُمِّيَتْ داليوب يا جدتي!
 
زفرة تلو الأخرى، صدر جدتي يكاد ينفجر، وجنتيها احمرتا، سكتت وعلى وجهها بانت علامات غضب، خفت وعرفت أنني ارتكبت هفوة الوقوع في الأسئلة المحظورة كعادتي، وضعت الملعقة من يدها وتأرجح صوتها بين خفوت وعلو عندما قالت بنبرة غضب: يا لفضولك يا صغيرتي·· تمنيت يوما يمر تتجاهلين فيه السؤال الذي ما إن يمر على عقلك حتى تنطقه شفتاك !
 
ثم صمتت، وأغمضت عينيها وغرقت في حلمها الخاص؛ أعرف جدتي وأعرف خاصة ما يعنيه إغماض عينيها، أدركت من الرجفة التي بدأت تهز جسدها أنها دخلت عالمها الباطن، عالم مجنون تركن فيه كل الأشياء التي لا تريد تذكرها، ضمت يدها اليسرى لصدرها وقربتني منها باليمنى، اهتز جسدها أكثر فنطقت بصوت مبحوح: سأخبرك حكاية الاسم··· بشرط··· ألا تسألي سؤالاً آخر؟
 
فهززت رأسي - المضمومة لصدرها - موافقة·
 
عندها قالت: داليوب··· يا قريتي الغريبة عن العالم الذي اعتاد عليه الغرباء وعابرو السبيل· يا للغرباء التائهين!··· يمرون بقريتنا كلما ضل أحدهم طريقه لجنته، تقوده قدماه دونما قصد فيعبر الممر الضيق بين الجبلين وينقله الزورق - الذي ننقل عليه القرابين لأبولو كل سنة - خلال البحيرة للضفة التي تقع عليها القرية· هو الطريق يقودهم؛ يسلكه كل متغرب عن عالمه· دوما ما اعتبروا أنفسهم أتوا صدفة للقرية!··· يقول الواحد منهم: وجدت نفسي دونما قصد على هذه الأرض!··· كل غريب كان يقول : تركت أرضي وسافرت بحثاً عن مدينتي الخاصة!
 
ثم صمتت وتركت رأسي وأمسكت الملعقة وبدأت تقلب في قدر الحساء· ظننت أنها فرغت من حديثها معي، أشارت للملح، فناولتها إياه، رشت ثلاث رشات في القدر، ثم تذوقت الحساء بطرف الملعقة، أكملت بعدها حديثها معي وهي مستمرة في التقليب : عابرو السبيل كانوا يصلون للقرية على فترات متباعدة، قدومهم كان يعني احتفالات وقصصاً جديدة تروى طوال الليل، نجتمع معهم حول النار ونسهر حتى الفجر··· كل زائر كان يستقبل بالبهجة والليالي الراقصة·
صفحة 2
مع كل عابر سبيل، النساء كن يستيقظن مع أول خيوط الفجر، والرجال يستعجلون الانتهاء من أعمالهم في الحقول، ليكون الجميع في المساء على استعداد لسماع حكايات جديدة من الغريب الذي جاء·· وسيبقى لأيام·· ويرحل
 
أذكر جيدا أنه في تلك الليلة بكت جدتي ولم تكمل الحكاية·
 
مساء البارحة كانت تجلس على سريرها تتثاءَب وتستعد للنوم، فكرت بأن هذه هي فرصتي لأعاود طرح السؤال، خصوصا أنها عندما تبدأ في الدخول في الحالة الضبابية للنوم تكون هادئة جداً وغير واعية لحرفية ما أنطق به، قفزت بجانبها على السرير وقلت : جدتي··· لم تكملي لي قصة اسم القرية؟
 
فجمدت مكانها لثوان خلتها دهراً تحدق فيّ، ثم وبختني قائلة:يالك صغيرتي من فضولية ولا تخافين، تسألين كثيرا، وأخاف عليك من الأسئلة، حبيبتي ليس علينا أن نعرف كل شيء أو أن نسأل عن كل شيء، بعض الأسرار يجب أن تبقى سرا··· بعض الأسرار علينا قتلها وتركها للزمن يدفنها بعيدا عنا
 
فألححت أكثر وقد ازداد فضولي لمعرفة السر الذي تخفيه جدتي عني، ما كنت أقبل بالصمت جواباً على أسئلتي، سحبت الأغطية علي وعليها في السرير وقلت لها : لن أتحرك من مكاني!، وعاندت ولم أتحرك رغم توسلاتها ووعودها بأنها ستحكي لي الحكاية غداً، أمسكتُ بكَفَّيَّ بغطاء السرير بقوة ورميت بثقل رأسي في حضنها وتشبثت بمكاني حتى تَعِبَتْ ووافقت·
 
ربتت على شعري وقالت: سأحكي لك الحكاية، كم أنت لحوحة، أعرف أنك لن تصمتي أو تتجاهلي سؤالك ثم قهقهت بصوت مرتفع وهي تحرك أصابعها عابثة بفروة رأسي، ثم طبعت قبلة على جبيني وقالت: تشبهين والدك··· فروة رأسك تحت أصابعي مثله ساخنة تحترق··· على عقلك أن يتوقف أحيانا عن فعل الحركة!
 
كانت هذه هي المرة الأولى التي يُشَبِّهُني بها أحد بوالدي، لكنني تجاهلت هذه الملاحظة رغبة في الحكاية·
 
بدأت تحكي وبدأت أنصت لها بشغف: حدث هذا منذ زمن بعيد، على ما أذكر بعد شهرين من إنجابك··· أجل بعد شهرين من إنجابك···
 
ففي إحدى الليالي خرجت من الكوخ، ولففت نفسي بشال من الصوف اتقاء للريح الشديدة التي كانت تهب في ذلك الوقت على القرية· خرجت لأن الماء قد نفد من منزلنا·· ووالدتك كانت تعاني من حمى النفاس····
 
····· والدتك كانت محمومة ولا ماء يطفىء النار التي تأكلها···
 
ناديت على جدك ليحضر لي بعض الماء من البئر··· ناديت بصوت عال·· كنت خائفة·· أنت تبكين من الجوع·· وأنا لا أمتلك دواء لوالدتك·· ناديت على جدك ووجدته نائماً على كرسيه الهزاز· هززته فلم يستفق ودفعني بكفه··
 
فقررت ان أحضر الماء بنفسي، أشعلت مصباحاً وحملته مع الدلو واتجهت لبئرنا المشيدة خلف الكوخ، والتي تبعد عنا مسافة مئة قدم لأحاول ملأه من الماء القليل المتبقي في قاع البئر·
 
لو سألت عجائز القرية لحكوا لك عن تلك الشهور الصعبة التي مررنا بها، فخلال وقت قصير شح ماء الشرب من الآبار كلها تقريبا وكأن الأرض قد ابتلعته· المطر عاند توسلنا ورغبتنا به، وطال انتظارنا لنزوله شهوراً طويلة رغم أن سماء القرية كانت شديدة السواد لدرجة حجب نور الشمس وضوء القمر·
 
····· ( تتثاءب)···
 
····· الظلام كان شديداً ليلاً ونهاراً··
 
و لم ينزل المطر أبدا····
صفحة 3
و هكذا عصفت بنا ريح شديدة لأشهر والبرق خطف أبصارنا مرات عدة في اليوم الواحد، وأحرق شجرة على أطراف القرية
 
··· لكن لم تسقط قطرة ماء واحدة من السماء·
 
و الجفاف··· آه من الجفاف··· اضْطَرَّنا الجفاف لأن نقتصد في استخدام الماء والطعام··· (تتثاءب)··· الطعام والماء قد بدآ بالنفاد من القرية، كل الزرع مات بسبب قلة السقي، والماشية ماتت لأنها لم تجد شيئا تأكله·
 
كنت وحدي ولا أحد معي، الجيران يتجنبونني··· الكل يتجنبنا، قالوا: أنتم سبب اللعنة ؟! قالوا·· حلت علينا اللعنة لأن والدك/ولدي قد هرب·
 
أدى كاهن المعبد كل يوم رقصة جديدة وسط الساحة في مركز القرية، وواصل أهل القرية الصيام، وواصل الكاهن الرقص والصلاة ليل نهار لينقذنا من الجفاف·
 
في تلك الليلة، وما إن أدليت دلوي في البئر حتى تناهت إلى سمعي أصوات أقدام تتكسر تحت وطئها أوراق الشجر الجاف······
 
أرهفت سمعي، ثم التفت جهة الصوت ورفعت المصباح نحو الحركة·· لمحت على بعد عدة أقدام مني شبحين يقفان في الظلام يفصلني عنهما كثافة السور الشجري، الشبح الأول كان لكبير القرية ومعه شخص لا أعرفه فخمنت : لا بد أنه عابر سبيل جديد·· فهو كان برفقة كبير القرية الذي حمل بيده اليمنى مصباحه الكبير الموشى بالذهب، وتمنطق بخنجره الفضي الذي يلبسه في الاحتفالات فقط·
 
فرحت كثيراً، فرحت بالغريب··· فذلك يعني حكاية جديدة وتسلية في هذه الأيام الصعبة التي نمر بها· كنت على وشك العودة للكوخ، شددت قبضتي على المصباح والدلو الذي يحوي بعض الماء القليل الذي وجدته، واستدرت وخطوت خطوتين وأنا أفكر بصيغة الجملة التي سأحمل بها خبر وصول الضيف لجدك·
 
لكن ما رأيته··· ما حدث خلال اللحظة التالية·· كان مرعباً جدا···
 
··· جمدني الرعب وشلت جميع أطرافي··· حتى صوتي··· أخرس···
 
كانت الصرخة التي أطلقها الغريب حادة، عالية، ومرعبة··· حادة ومخيفة···
 
ما رأيته : ضربة خنجر وجهت لرأس الغريب وجاءت في منتصف الجمجمة، سقط على أثرها على الأرض ثم كبير القرية وهو يهرول بطريقة مجنونة··· وتَرَكَ الغريب وحيدا في العراء··· تركه يحتضر
 
حدقت في عيني جدتي الساهمتين، بدأت أشك بأن جدتي تهذي أو أنها نامت وصارت تحدثني من عالم الحلم الخاص بها· وضعت يدي على ركبتيها وهززتهما وقلت: سبب الاسم جدتي، حكاية الاسم؟ الاسم ؟
 
فالتفتت وحدقت مباشرة في عيني البنيتين بعينيها المخضرتين وقالت: ما حدث هو الحقيقة، رأيت ذلك كله ولم يكن حلما···· المشكلة أنه لا أحد سمع الصرخة أو رأى المقتول أو القاتل سواي· فعندما صرخت ورميت المصباح والدلو وركضت باتجاه الكوخ وأخبرت الجيران الذين تجمعوا حولي بما رأيته، هرعوا جميعا يفتشون المكان الذي وصفته لهم··· لكنهم لم يجدوا أحداً··· تخيلي·· لا وجود لجثة··· لدم· تخيلي وجدوا الكبير نائماً في منزله بجوار زوجته التي أكدت أنه لم يخرج تلك الليلة بتاتاً· لم يصدق حكايتي أحد، الجميع اتهموني بالكذب والجنون··· أقسم إنها الحقيقة··· هذه هي الحقيقة··· جدك فقط صدقني ووالدك!·
 
المهم هو ما حدث في اليوم التالي : رأى الكل أحد الغرباء - عابر السبيل نفسه الذي رأيته يُقتل - مشعث الشعر، مغبر الوجه، هزيلاً جدا، يلبس ملابس في غاية الأناقة والروعة، ملابس لا تبدو أنها تخصه، فهي لم تكن على مقاسه تماما، ملابس وكأنها تخص كبير القرية···
 
الكل رأى وسمع الغريب الذي سلك الطريق الذي يمر بمنتصف القرية باتجاه الميدان يصيح في الناس:
صفحة 4
داليوب لا حر فيها
 
داليوب لا برد فيها
 
داليوب لا ماء ينقصها
 
داليوب لا طعام ينقصها
 
داليوب هي وستكون
 
وعندمـا صرخـت بالـناس وأنا أركض خلفه··· خلف الغريب المقتول وأشير إليه: هذا هو المقتول اتهموني بالجنون، ورماني الأطفال والغريب بالأحجار··· وفي مركز القرية، عند منتصف الساحة، توقف الغريب وتوقفت أنا على مبعدة قليلة منه، أخرج يده من جيبه ونثر علي مسحوقاً ذهبيا ثم انحنى وامتصته الأرض· ··· امتصت الأرض الغريـــب···
 
وقفت، أشعر بالضياع والعجز، نظرات الذهول التي أغرقت عيون أهل القرية حولي امتزجت بنظرات الاحتقار والتبجيل··· ما حدث أنني بعدها أصبحت قادرة على معرفة الأدوية وأنواع الأعشاب، ولقبني الناس بالعرافة·
 
المهم أن ما نطق به حدث فعلا، وقريتنا - داليوب - منذ ذلك الوقت بلا شتاء ولا صيف، بلا فصول أربعة· سماؤنا لم تمطر مجدداً أبدا، لكن الماء توفر فجاة بكثرة في الآبار، وانقشعت السماء الملبدة بالغيوم، وربيعنا صار دائما·
 
و في منتصف الساحة تفجرت الأرض عن عين ماء، وتكون النهر الصغير الذي قسم منذ ذلك اليوم القرية لنصفين، رسم هذا النهر خط سيره تماما عبر الطريق الذي مر منه الغريب، ومنذ ذلك اليوم قريتنا سميت باسم داليوب، هذه هي الحكاية·
 
عزيزتي··· هيا··· إلى فراشك، تصبحين على خير
 
ثم قبلتني وشدت اللحاف لتنام عندما فاجأتها بسؤالي : هل أشبه والدي كثيرا ؟ جدتي لم هرب والدي؟! وماذا تعنين بـ فصول أربعة؟
 
صرخت علي بصوت غاضب جدا، واهتز جسدها، وعضت على شفتيها وقالت: لا تسأليني، أما اكتفيتِ من الأسئلة··· وعدتِ ألا تسألي مجددا،···· اخرسي···ارحلي··· هيا ارحلي !
 
عندها أدركت أنني تجاوزت الحد وأخلفت وعدي الذي قطعته لجدتي ألا أسأل سؤالا آخر·
 
قفزت من على السرير وركضت نحو الباب، كنت على وشك البكاء، لكنني بدلاً من ذلك خرجت لحديقة منزلنا حيث يقضي جدي جل وقته في التقرفص تحت السنديانة، عبرت عتبة الكوخ ونفسي تحدثني: سأسأل جدي عما تعنيه كلمة فصول أربعة! ولم هرب والدي !·
 
كل يوم اعتدت في هذا الوقت من النهار أن أركن نفسي وأغفو وألعب بهدوء تحت قدميه، وهو يسند جذعه لجذع شجرة السنديان الضخمة يدخن غليونه·
 
كنت أنصت بشغف لحديثه، ولكل حكاياته التي يحكيها لي·
 
يبدأ حديثه دائما بقصة الفأرة التي عاندت والدتها وقفزت في صحن العسل وغرقت، ثم يحدثني عن المطر والثلج والصحراء، عن أشياء كثيرة لا أعرفها ولم أرها·
 
حكا لي، عن الرحلات السبع، عن جزر زارها على ظهر سلاحف وعن ضفادع تطير· علمني أنه في الشتاء ينزل المطر، وفي الخريف تسقط الأوراق عن الشجرة، ويختم دائما (ذلك كان في شبابي)·
 
وعندما حكت لي جدتي عن الفصول الأربعة التي عاشت في ذاكرتها، وكانت جزءا من عمر عاشته في القرية، تحديتها، وأنا أصر أنني عرفت معنى كلمة فصول، وأنني مثلها عشتها، وأنها جزء مني، وأنها تسكن في الذات وفي ذاكرتي، وأنني عشت ورأيت كثيرا من خلال الحكايات التي يرويها لي جدي·
صفحة 5
جدي الذي حدثني كثيرا وروى لي كثيرا وتجنب الحديث عن والدي!
 
لكن الحكايات ما عادت هي هي، كل شيء ما عاد يشبهه شيء·
 
مات جدي وجدتي، ومن الغابة تغير اللحن المنبعث من الأشجار، اللحن اللطيف والهادئ، والذي سماه جدي حفيفا ذات مرة·
 
فجأة بدأت أسمع أنغاماً ولحناً جديدا يأتيني من وراء الغابة، نغم كأنه ضربة خشب على جذع شجرة، كأنه صوت لصحون تتكسر وكراسي تتحطم، العزف يأتي متواصلا ومتواترا طوال الليل والنهار، لحن إيقاعي واحد، ما إن ينتهي حتى يعاد عزفه، بثورة متواصلة ومستمرة، أتنقل بين عتبة كوخي، والشباك، أنصت لهذا اللحن المختلف، أنصت لهذا اللحن الصاخب والمتعب وأحاول إعادة عزفه وترديده على الناي·
 
لكني مللت كل ذلك اللعب، مللت المكوث هنا في وسط غابة تخصني وحدي، ثمرها لي، وشربها لي، معابدها وسماؤها لي، وحتى الإله إلهي وحدي، لا يخص غيري، ولا يحب غيري·
 
مللت الجلوس على العتبة - ولزمن طويل بعد موت جدي وجدتي - أغني كلما مرت ريح، مللت الزمن الذي مضى والزمن القادم الذي لن يأتي بجديد·
 
الأيام تمر بصورة متشابهة، أجزاء الوقت لا تختلف عن بعضها، الزمن احتكر جزءاً من مشهد يعيده نفسه كل يوم· يوما وآخر بدأت أركع عند السنديانة وأدعو إله الشمال ليسخر لي مطراً يغسلني، يبلل ملابسي وقدمي، ويلون الأرض بالأسود·
 
لم أعرف ما هو المطر أو كيف يسقط، لكني تخيلته من حكايات جدي، كنت أرمي بالماء الذي أشربه عاليا، ليعود فيسقط علي، وكان الأولاد يفعلون مثلي، فنقضي النهار نصب الماء على رؤوس بعضنا· والسؤال الذي يحيرني، إلى أي ارتفاع على الإله أن يصعده ليصب المطر على رؤوسنا؟
 
كنت كل ليلة أنام في سرير جدي وجدتي بعد موتهما وأحلم بالمطر والطين·
 
أحلم بالسماء السوداء التي حكت لي عنها جدتي، أحلم بالمطر والريح القوية في حكايات جدي·
 
فجأة···
 
قررت اليوم أن أترك العتبة·
 
عبرتها، بعد أيام طويلة من الاعتكاف في الكوخ، مشيت باتجاه النهر، وفي منتصف الطريق أغلقت عيني وتركت نفسي للريح تتلاعب بوجنتي، وأخذت قدمي تمشي في طريق تحفظه عن ظهر غيب بلا حاجة للبصر·
 
طريق يمر خلف المدافن والمعبد والأكواخ·
صفحة 6
(2)
 
 
خيل إليَّ كلما مشيت خطوة أخرى أن هناك أقداماً تتبعني، وصوتاً يداعب أذني ولا أتبين حروفه···
 
صوت هامس جدا بدأ يعلو شيئا فشيئا، صوت بدأت أسمعه جيدا كلما اقتربت من النهر·
 
أسرعت، مشيت أسرع، وفجأة، وعلى بعد خطوة، سمعت نبرة غاضبة:
 
((السراب هو ملك القصر الجديد، شرب السماء وشرب الأرض))
 
سرت في بدني قشعريرة البرد، وعاد الصوت نفسه يهمس في أذني من جديد بصوت ناعم هذه المرة ويقول:
 
((التقطي الغصن الأصفر وانفخي فيه))
 
و هكذا كان، ترددت في البداية، لكن الصوت ظل يعيد ويعيد ((التقطي····))
 
ما عدت قادرة على مخالفة الأمر، التقطت خشبة صفراء من الأرض، وبدأت أنفخ، فنبت من الغصن شجرة، تفرعت والتفت على ساقيَّ وصعدت إلى جذعي، وصرنا متحدتين، صار دمي في عروقها وصار ماؤها في دمي·
 
صرنا واحداً·
 
و ما إن مشى عصيرها في عروقي، حتى تنفست رئتي، وازدَهَرْت أفرع الشجرة ورودا برية·
 
وغاصت قدماي وصرت جزءاً من الحقل، والحقل نبتت أعشابه حولي·
 
عطشت وضربت جذوري أعمق وأعمق، صرت أنا/الشجرة أبحث عن الماء، هززت أغصاني أدعو الناس لصلاة السقي، لكن للسقي صلاة ما اعتادها أهل القرية·
 
لم أعرف معنى كلمة عطش يوما، السماء في هذه القرية جميلة وصافية طوال ليالي السنة، الشهب تراقص اللون الأسود وتترك خربشات بيضاء على صفحة السماء، والنجمات يداعبن القمر· الليل لم يكن مظلما أبدا هنا، القمر كل ليلة بدر، المدافن قريبة والمعابد أيضا، والماء متوافر فيها بكثرة ولا أحد يشرب والسماء لم تمطر أبدا·
صفحة 7
لأول مرة أسمع الحديث الذي يدور بين أبناء القرية، أسمع الكلمات الصغيرة التي يرتكبونها على عجلة وهفوة ولا أحد يحاسبهم عليها، أستمع لكلمات لا أعرف معناها وتقال بصوت غريب كأنه السر، بصوت يشبه الصوت الذي استخدمه جدي عندما تكلم مع جدتي عن السكين التي نسيها والدي ولم يأخذها معه، وأنه قرر أن يدفنها تحت شجرة السنديان العجوز في حديقته، حتى لا أجدها·
 
بدأت لأول مرة أنصت برغبة، أرهفت سمعي لعله يسمع ندائي أحد، حركت أغصاني طلباً للغوث، وصار العطش يتزايد وما عدت أسمع ما يقال، عرفت معنى كلمة عطش، جذوري بدأت تستغيث والمكان مزدحم بالجذور ولا يستوعب الرحمة·
 
الشجر هنا أناني وجذوره تضرب عميقا في التربة، ويمتص الماء، ما كنت أعرف أن كل هذا يحدث في العمق·
 
أيام مضت وأنا/الشجرة مصلوبة في الأرض، أستغيث ولا أحد يسمع·
 
بعد أيام بدأت أسمع الذعر في أصوات الناس، لا ماء في المدافن، لا ماء في المعبد، وحرارة الشمس فوق الاحتمال· كنت أحتضر، أوراقي بدأت تتساقط وجذعي بدأ يتقشر، ولولا بكاء الفلاحين الطيبين لمت· ربما لأنني سمحت لهم بالجلوس تحت ظلي، كنت الشجرة الوحيدة التي أملك ظلا يغطي مساحة دائرة كبيرة حولي، أعطيتهم من ثمري بلا تعب وعلى رؤوسهم نزَّلتُ البراعم والورد·
 
لم ألاحظ من قبل أن الشجر في قريتي بخيل وبلا ظل، الشمس لم تكن يوما بهذه القسوة·
 
فتحت عيني غصباً، وكأني مزقت اللحاء الذي يغطي وجهي، كنت أختنق وأخاف····
 
·····
 
·····
 
انتبهت لنفسي أرقد على عتبة كوخي!، رباه ها قد عدت للمشي خلال النوم من جديد، نهضت، نفضت ملابسي، دخلت الكوخ وتكورت على سرير جدي، وحاولت أن أنسى حلم الشجرة هذا، الذي يلاحقني كلما أغمضت عيني·
صفحة 8
(3)
 
وحدي أجلس على العتبة، أراقب نجم المساء يأخذ مكانه في القبة الواسعة، وأحدق في اللون الأحمر الذي بدأ ينتشر كألسنة اللهب عند خط الأفق·
 
تذكرت كل ما حدث من جديد في تلك الليلة الأخيرة، التي سهرنا فيها سوية أنا وجدي من غروب الشمس حتى مطلع الفجر، كان ذلك قبل أن يبدأ المرض بأكل أطرافه وإصابته بمرض فقدان الذاكرة والخرف·
 
في تلك الليلة جلسنا على العتبة أنا وجدي نحدق في الريح التي تداعب أغصان السنديانة الهرمة المزروعة وسط الحديقة، نتندر على جدتي التي هرعت لفراشها لتنام كعادتها ما إن تغيب الشمس· جلسنا متلاصقين جدا، ركبتانا تتلامسان، وشعري يطير ليحط على كتفه اليسرى، كان قد أشعل من الأعواد الصفراء - التي تتبقى بعد حصد الزرع ولا فائدة منها - ناراً صغيرة تضفي على المكان وعلى وجه جدي خاصة غموضا وسحرا مثيرا·
 
كنت مفتونة بشكل النار وظلالها التي تتراقص على وجه جدي عندما فاجأني وقرب رأسه من رأسي، أشار للشفق الذي ازداد احمراره وقال لي:
 
هذا الشفق يعني أن هناك حربا مشتعلة وضارية··· هذا الشفق الشديد الاحمرار يروي حكاية أرض على الجهة الأخرى من عالمنا، قتلت المزيد من أولادها وشربت دماءهم
 
سكت للحظات وتنهد بعمق ثم أردف:
 
أنا هربت من هناك، هربت···
 
كنت على مشارف الكهولة عندما التقيت جدتك هارباً من الموت والقتال بلا طائل، هربت تاركاً كل شيء، تاركاً معظم عمري الذي قضيته أصارع بشرا لا أعرفهم ويريدون قتلي لسبب يجهلونه
 
سألته: من يوجد على الجهة الأخرى يا جدي؟
 
حدق في النار بقوة وقال : هناك على الجهة الأخرى إن لم تقتل خصمك يقتلك، وإن لم نقتتل، قتلنا الجوع والعطش····
 
هربت وأخذت معي جدتك، وانتقلت وسافرت طويلا حتى وصلنا لداليوب·
 
داليوب، أحببت داليوب، أحببت هذه القرية الصغيرة التي يعيش أهلها على الأرض الطيبة، أعطاني كبير القرية أرضاً صغيرة بنيت عليها لجدتك ولي كوخاً، تعلمت الزراعة وقايضت سيفي بفأس من الخشب
 
سألت جدي: وأين هو سيفك الآن؟
 
صمت برهة وكأنه يزن أمرا ثم قال: السيف أخذه ودفنه كبير القرية تحت أحد أشجار السنديان في القرية وعاد يحدق في النار···
صفحة 9
فجأة حرك جسده وواجهني وحدق مباشرة في عيني :
 
والدك أخذ السيف، حفر الأرض وانتزعه منها·
 
والدك أخذ السيف ونسي القانون المكتوب على باب المعبد (ما يدفن في أرض القرية حرام أخذه)· هو تمنى أن يرى أشياء جديدة تتحرك بسرعة أكبر، تمنى الحرب والمجد، قرأ النقش على سيفي : (المحارب الذي لا يخاف النار) فسرقه وسافر·
 
حبيبتي لا تتركي القرية الآمنة، لا تفكري بالسفر أبدا، هذه نصيحتي···
 
·····
 
·····
 
هذه وصيتي
 
لكن في هذه الأيام تزداد الحكايات كثافة في عقلي، أكرر القصص في ذهني ليلا ونهارا، أتذكر ، حكاية والدي، والحكايات التي رواها جدي لي عن الحروب التي عاشها·
 
يتصاعد عندي الحنين لترك المكان، كل ذرة فيَّ تحلم وترغب بالبدء من جديد بعيداً عن الوصاية، تزداد رغبتي بالسفر والحرب، والشعور من جديد بفرحة أسماها جدي الانتصار، وخيبة أمل تسمى الهزيمة، أحلم بالشعور بالراحة بعد التعب، والهدوء بعد صليل السيوف·
 
لم أشعر بالفرح إلا مرة واحدة، يومها شعرت بشيء مختلف لم أعرف اسمه، كنت أرغب بالقفز والضحك بصوت مرتفع والرقص، وأكدت لجدي : لا أشك أن هذا العصفور الذي يقفز، يشعر مثلي
 
لم أعد أذكر ما حدث بالضبط!
 
هل بدأت القصة بالغريب أم بنا نحن··· ما أذكره هو···
 
عابر سبيل أخذ مني كيس الكعك الذي صنعته لي جدتي، ثم شيء ما حدث؟!
 
أذكر···
 
كنت أتقاسم مع الأولاد نصيبي، عندما حاول أخذ الكعك منا بالقوة·
 
رماه صبي منا بأول حجر···
 
أذكر أنه عندما هم الغريب بترك المكان وأدار ظهره لنا، بكى الصبي ثم ركل الأرض عدة مرات، وفي إحدى الركلات طار حجر من على الأرض فأصاب الغريب الذي خاف والتفت وأسرع المشي·
 
بعدها صرنا جميعا نركل الحجارة ونجري خلفه، فترك لنا كيس الكعك ورحل·
 
عندما قصصت ما حدث على جدي قال: هذه معركة واستعادة الكيس انتصار، كنت سعيدة جدا، والكعك صار له مذاق أطيب، كان ألذ ما أكلت في حياتي·
 
أهذه هي الحرب؟ هل تبدأ بهذه الطريقة؟
صفحة 10
ولم تحدث؟ أللأسباب نفسها؟
 
سألت جدي : هل تبدأ كل الحروب بهذه الطريقة!
 
لكنه ظل صامتاً ولم يجبني·
 
ربما لو كنت أمتلك سيفا لاستطعت السفر مثل والدي، لتبعت الفارس الذي أنجبني، الفارس الذي وجد السيف فأخذه وتركني··· ليبحث عن مدينته الخاصة·
 
متأكدة بأنني لو سافرت وبحثت سأجد والدي، سأعرفه حتى لو كنت لا أعرف كيف يبدو، لابد أنه كان يشبهك يا جدي·
 
أوه، كم أود أن أسافر!
 
أذكر أنه في تلك الليلة، بعد أن انطفأت النار قال لي: سؤالك الدائم عنه، سؤالك عن سبب رحيله، وصوتك المشحون بعلامات التعجب والحيرة التي تقذفينها بوجهي كل مساء، تنبئني أنك ستأخذين طريقه نفسه· صارحي نفسك··· فأنت لا تبحثين عنه!
 
لا أصدق، أيعقل أن الرغبة بالرحيل لا علاقة لها بالبحث عنه·
 
شردت، فنبهني وأردف: على أية حال أنت ابنته، دمك دمه، وطبعك من طبعه مهما حاولت تهذيبك···
 
و لا يبدو لي أنك ستتبعين المنهج الذي علمتك إياه
 
كيف يمكنني ذلك يا جدي!
 
هل تسمعني؟
 
مت وتركتني، صعدت لترتاح وتركتني للهاجس الذي يلح علي ويسلب مني أنفاسي، تركتني للصوت الذي يغمرني كل ليلة ويتركني منهكة القوى، مبلولة في العرق بسبب التفكير، الصوت لا ينفك يهاجمني كلما أغمضت عيني لأنام·
 
ما إن أحاول النوم حتى أرى نفسي وقد غمرت في لجة عميقة، وصوت جهوري لا أعرف مصدره يكرر جملة واحدة يتكرر صداها في المكان: ((كبرت والمكان بدأ يصغر))·
 
فأستيقظ لأجد أصابعي وقد تضخمت - فعلا - على الناي الذي بدأ يصغر يوما بعد الآخر، وكلما حاولت العزف لأتذكرك، أنسى اللحن الذي حفظته معك·
 
هذه المرة تركت الكوخ وبدل ميدان القرية اتجهت نحو المعبد، سأسأل إلهته المشورة وأختبئ بين جدرانه أبحث عن نفسي، عن هدوئي الداخلي الذي غادر معك يا جدي·
 
دخلت المعبد وأشعلت ثلاث شمعات للإلهة، وحاذيت الجدار، تلوت صلاة السائل، ثم ركعت على ركبتي، وأغمضت عيني أنصت وأحاول أن أسمع صوت الإلهة المنقذة·
 
وككل مرة - حدث هذا مرارا بعد موتك يا جدي - بدأت أرى من جديد·