صفحة 1
"نساء السكسو.. فون"
صورة الوطن في انزلاقه إلى الهاوية
لا ينافس شكسبير، في شغف المسرحيين العرب بعوالمه الدرامية، إلاّ لوركا، فلا يكاد يمر عام من دون أن يقدّم أحد المخرجين، في المشرق العربي أو مغربه، تجربةً إخراجيةً لنص أو "خلطة" من نصوصه، وخاصةً "بيت برنارد ألبا، عرس الدم، ويرما" برؤية جديدة، ومقاربة إسقاطية تلامس، بالإيحاء، قضايا سياسية واجتماعية لها حضور طاغ في واقعنا العربي. ومرد هذا الشغف، في اعتقادي، هو انفتاح نصوصه على الثيمات الإنسانية الخالدة، وارتفاعها من سياقها المحلي إلى أفق كوني، وتميز شخصياته المأساوية بالرهافة والحيوية العالية والمشاعر الحادة والقسوة والهيجان، في مواجهتها للاستبداد، وتمردها على القيود والمواضعات المغلقة أو المسورة، وتوقها إلى الحرية، وإشباع رغباتها المكبوتة، فضلاً عن تماسكها الدرامي وشاعريتها الآخاذة، مما يجعلها فضاءً ثرياً للتأويل، والمغامرة الجمالية، وإثارة الأسئلة حول كل ما يملأ حياتنا بالعتمة، ويدفعها إلى الهاوية.
في المسرح العراقي، الذي اطلعت على تجاربه أكثر من اطلاعي على غيرها من التجارب المسرحية العربية، كان، ولا يزال، نص لوركا المشتعل "بيت برنارد ألبا"، كما يسميه جواد الأسدي، هو الأقرب إلى أذهان المخرجين وقلوبهم من نصوصه الأخرى، بسبب الاستبداد السياسي الثقيل الذي ما انفك يهيمن على حياة العراقيين منذ جلجامش حتى الآن. وكانت تجربة سامي عبد الحميد في إخراج هذا النص لفرقة المسرح الفني الحديث، عام 1979، هي التجربة الرائدة. وقد شكّلت في حينها مغامرةً جريئةً، على الصعيدين الفني والدلالي، تميزت بشكل إخراجي جديد، وأداء تمثيلي رفيع المستوى، وسينوغرافيا رمزية تمثلّت بتحويل البيت إلى قفص حديدي كبير وسط قاعة مسرح بغداد، دلالةً على السجن، تتنازع في داخله الشخصيات المكبوتة كحيوانات متوحشة. وبعد ثمانية عشر عاماً على تلك التجربة أقدمت عواطف نعيم، التي أدت احدى الشخصيات فيها، على تعريق هذا النص وتكييفه وإخراجه، شاحنةً إياه بهموم جوهرية كان يعيشها المجتمع العراقي في تسعينات القرن الماضي، في مقدمتها الخراب الذي آل إليه من جراء حربين مدمرتين، وحصار شامل طال كل صغيرة وكبيرة في نسيجه الاجتماعي. واليوم يعيد جواد الأسدي، في تجربته الجديدة (نساء السكسو.. فون)، التي عرضت في أيام عمان المسرحية الرابعة عشر، إعادة كتابة النص وإخراجه في مسرحه الخاص (مسرح بابل) ببيروت، ناقلاً أحداثه من بيت محكوم بالاستبداد في قرية إسبانية إلى بيت لبناني مسكون بالاحتقان والكراهية والنزاعات، بسبب الاستبداد أيضاً، مع الإبقاء على الأسماء الأصلية للشخصيات، بعد اختزلها إلى خمس نساء فقط هن: الأم برناردا، وابنتيها أديلا، وماجدولينا، الخادمة لابونتيا، والجدة.
صفحة 2
وكما حملت مقاربة عواطف نعيم للنص مستويين، أو بنيتين هما: بنية الحضور، وبنية الغياب، فإن إعادة إنتاج جواد الأسدي له، إنتاجاً أقرب إلى التأليف منه إلى التكييف، تحمل أيضاً بنيتين مماثلتين، ولكنهما مختلفتان تماماً في منحاهما طبقاً لرؤيته ومنهجه المتفردين في الكتابة والإخراج. في بنية الحضور، وهي المستوى الظاهر، يبدأ العرض المسرحي بمشهد افتتاحي ترمي فيه النساء الخمس الورود على قبر الأب، وتُتلى عليه تراتيل شبه كنسية، لا تخلو من السخرية العابثة، التي تبذر أولى بذور مشاكسة أفق انتظار المتلقي وتصوراته عن التراجيديا، ثم يلي ذلك مشهد سباق جنوني محموم، شديد الجلبة، في عمق الخشبة بين ابنتي برناردا وخادمتها لتنظيف جدران البيت، إشارةً إلى رغبتهن المجنونة في طي صفحة قاتمة من حياتهن، وفتح صفة جديدة مع موت الأب، الذي سيتيح لهن فرصة الخلاص من كابوس عنوستهن، وتحطيم عالمهن الأنثوي المغلق، المسكون بالحرمان، والتطلع إلى الرجل/ الحلم الذي يمنحهن اللذة. ولكن الأم القاسية، ومغنية الأوبرا الشهيرة، التي ظلت تعاني عشر سنوات من عجز زوجها الجنسي، وابتعدت فجأةً عن عالمها الفني بسبب الحرب، ووفاة ذلك الزوج المريض، حتى أصيبت حنجرتها بما يشبه التصحر، تدفعها عقدتها إلى إصدار أمر لابنتيها بإقامة حداد طويل على الأب، وفرض العزلة عليهما بمنعهما من الخروج أو استقبال أي شخص غريب في البيت، بل حتى فتح أي نافذة تطل على العالم باسم التقاليد والأعراف الاجتماعية، وبحجة حماية شرف الأسرة وسمعتها من الخطر الخارجي. ولكي تخضعهما لنظامها الصارم تسلط عليهما الخادمة لابولين، الهاذية المغرمة بالوشاية (أدتها الممثلة المبدعة عايدا صبرا بمنتهى الظرافة، والحس الساخر، والحضور المدهش) رغم أنها أكثر منهما احساساً بالكبت الجنسي، لمراقبتهما وإحصاء أنفاسهما والتجسس على كل حركة من حركاتهما داخل البيت، تماماً مثل جهاز "شاشة الرصد"، في رواية جورج أرويل (عام 1984)، الذي وضعه الحاكم (الأخ الكبير) في بيوت رعيته ليرصد بالصوت والصورة كل ما يقومون به في حياتهم اليومية، ويلتقط كل صوت يتجاوز حد الهمسات الخافتة، وذلك باسم الدفاع عن الوطن والبروليتاريا!
إن برناردا هنا، الشخصية المركزية المهيمنة في الفعل الدرامي (التي أدتها المغنية الأوبرالية جاهدة وهبي بجدارة وحضور كبيرين)، ليست علامة امارية تحيل على الاستبداد والتعسف فقط، بل على الكذب والرياء والنفاق أيضاً، فهي تتظاهر أمام ابنتيها بأنها متألمة لموت زوجها، وحريصة جداً على تعظيم ذكراه، وإطالة أمد الحداد عليه بارتداء السواد وفرض العزلة القهرية على الجميع في البيت، وحين تجد متنفساً للبوح بمشاعرها نراها تلعنه وتفضح ماضيه المخزي معها (اغتصابه الوحشي لها في مراهقتها قبل زواجهما)، وتكشف عن كراهيتها له، وتحررها من عبوديته وجسده المعطل، وخيانته أيضاً. وفي لحظات الصفاء مع نفسها، أو حينما تداعب الخادمة غرائزها وتتملق لها لا تخفي ظماها الجنسي، ورغبتها في تحطيم الحواجز التي اختلقتها. إنها نموذج لشخصية مركبة ومراوغة، بالمعنى السيميائي، تجمع بين نقائض عديدة، وتقول شيئاً وتضمر شيئأ آخر، وتنزع إلى ممارسة الاستبداد، وارتداء قناع الجلاد، بعد موت الجلاد الحقيقي، تعبيراً عن رغبة مدفونة في لا وعيها للتخلص من صورة الضحية التي لازمتها سنيناً طويلةً، أو كنوع من التعويض عن القمع الذي مارسه عليها زوجها.
صفحة 3
إزاء هذا الكابوس الخانق، والقسوة الشديدة، والجو المحتقن يطلق جواد الأسدي العنان لكل ما يعتمل في داخله من غضب وسخط ومرارة وحس تهكمي لتهشيم المواضعات والزيف والحشمة الكاذبة، دافعاً شخصيات المسرحية، بمهارة المخرج الحاذق، إلى الكشف عن المستور، أو المسكوت عنه من نوازع البغضاء والحقد والخبث، والغرائز الشبقية، والغليان، والجموح الايروتيكي، فها هي البنت الصغرى ماجدولينا (التي مثلتها نادين جمعة بحس انفعالي ممزوج بالفجيعة) تتصنع الحرص على سمعة الأسرة، وتكره أختها أديلا وتناصبها عداءً غريباً، وتختلق صراعاً محتدماً معها، وتثور ثائرتها عليها لأنها تمردت على التابو، وخرقت العرف، بل أصبحت "قحبةٌ"، حسب تعبيرها، بممارستها الجنس مع أي عابر سبيل، أو "سرير"، كما تسقط الكلمة سهواً عن لسان أديلا! وتقع في غرام عازف ساكسفون. ولكن ماجدولينا تتضح على حقيقتها في المشاهد اللاحقة حينما تُجن، فتعترف بأنها هي التي قتلت أباها بدسها كمية حبوب كبيرة في فمه، انتقاماً منه لمحاولته اغتصابها ذات يوم، وأنها لاتقل عن اختها امتثالاً لرغبات جسدها، وقرفاً واشمئزازاً من الجو الذي فرضته دكتاتورية الأم، في حين تظهر أديلا (التي مثلتها إيفون هاشم بتركيز شديد على الأداء الجسدي) امراةً قُدّت من شبق وشهوة، فلا تبالي بشيء اسمه العرف والعيب، ولا تفهم معنى كلمة "شرف"، وتتلذذ بالحديث عن مغامراتها الجنسية، ولا تتردد في التغزل بذكورة الحصان، وتخلع ثياب الحداد لترتدي فساتين ملونة تكشف عن مفاتن جسدها، وتستعمل مكياجاً صارخاً، وتحتسي الكحول بشراهة، متحديةً سطوة أمها ونواهيها الصارمة. وتلك الجدة العجوز، المتصابية الخرقاء، التي تذكرنا بعجائز ماركيز، تعيش على فتات الماضي لتعوض عن جفافها، وتهلوس في تعليقاتها، وتسهم بين حين وآخر في فضح سلوك برناردا، وتتعاطف مع أديلا في توقها المحموم إلى اللذة الجنسية، وتطرب لحكايتها مع عشيقها في الاسطبل، ووصفها لذكورة الحصان لأنها تثير غريزتها، وتبعث في نفسها حنيناً إلى أحضان الرجل، وحسرةً على شبابها الضائع، وهي أيضاً جزء من المناخ العام للبيت الآيل للخراب. وقد برع الممثل رفعت طربية، بأدائه المتقن، في تقمص شخصيتها، وتحبيبها إلى المتلقي، وحافظ على وتيرة إيقاعها، وصورتها الملتبسة، الغريبة الأطوار، التائهة بين هويتين: هوية الأنثى وهوية الذكر، طوال العرض.
يزيح جواد الأسدي، في عرضه المبهر هذا، الغطاء عن الكثير من الأسئلة المطمورة، مثلما تزيح النسوة المرتبكات والممزقات ستارة النايلون الشفافة، التي ترمز إلى غشاء البكارة حيناً، وإلى جدار السجن، وحاجز الفصل عن العالم حيناً آخر، ليظهر خلفها أثاث كئيب (بضعة كراسٍ، ومائدة طعام، يوظفها العرض لأغراض أخرى أيضاً،). يزيح
صفحة 4
الأسدي تلك الأسئلة من خلال نفاذه إلى أعماق النسوة، والإمساك بهواجسهن ورغباتهن وتناقضاتهن، وتفجيرها في بنى مشهدية (حركية وتشكيلية وإيمائية) مؤسلبة وساخنة، وحوارية عنيفة وصادمة، وألفاظ جارحة قد تخدش الحياء الاجتماعي في المسرح، وتنتهك السياق المألوف للتلقي الذي اعتاد عليه المتفرج، رغم أنها شائعة في الحياة اليومية، وكذلك في الخطاب السردي، مثل لفظة "الخره" التي تتكرر على لسان الخادمة، ولفظة "قحبة" التي تنعت بها ماجدولينا أختها أديلا، ولفظة "مضاجعة" واشتقاقاتها التي ترد على لسان الأم وابنتها الصغرى، ناهيك عن كثير من الألفاظ والاستعارات الأخرى التي توحي إلى الجنس أيضاً. ولكن ينبغي التوكيد هنا أن هذه الألفاظ لم تكن مبتذلةً، أو تهدف إلى الإثارة الرخيصة، بل جاءت في سياق تعبير الشخصيات عن مواقفها ومشاعرها الصادقة الجريئة، وتبرمها من واقعها المرير.
تلك هي بنية الحضور في عرض "نساء السكسو.. فون"، أما بنية الغياب فيه فإنها تتمثّل بمستواه الآخر غير الظاهر، مستواه الاستعاري الرمزي الذي يوحي إلى قضية أكبر من قضية خراب أسرة وبيت دمره استبداد الأم وأخطاء الماضي، إنها، كما تشير جملة قرائن في نص لوركا ونص جواد الأسدي ومقاربته الإخراجية، قضية وطن تنخر جسده الصراعات والاحتقانات، ويستبد بأهله القلق والخوف، ويكتنف مصيره الغموض، ويفتقر أصحاب القرار فيه إلى لغة الحوار الوطني الدافئ والتفاهم العقلاني.
لقد قُرأ بيت برنارد ألبا في نص لوركا بوصفه اختزالاً لاسبانيا الوطن زمن الديكتاتورية الفرنكوية، أما في نص الأسدي فقد أصبح اختزالاً للبنان الوطن، الذي "ينزلق الى الهاوية"، حيث يقع الخراب في بيت بيروتي مهزوز، ويجري جزء كبير من الحوار بالعامية اللبنانية (المدينية والقروية)، وهي تكشف عن هوية الشخصيات المغايرة للهوية التي تشير إليها أسماؤها، وربما أزياؤها (التي صممها الفنان جبر علوان برؤية تشكيلية تتناغم وتجربته اللونية في الرسم، وتجمع بين سياقين مرجعيين من الإيحاء البيئي). كما أنه، أي نص العرض، يلمّح إلى العراق، الذي تحول إلى حطب في فرن الاحتلال والميلشيات الإرهابية والأحزاب الطائفية، من خلال المزاوجة بين الفلامنكو والطقوس الكربلائية، وعبر قصديدة تغنيها برناردا تتحدث عن "مدن محروقة تفوح منها رائحة الموت، وبيوت مهدّمة، ومرايا مهشّمة"، وعن "آلاف الثيران المسلّحين يجرّون البلدة من قميصها"، وتتألم لعدم وجود "هواء نظيف يطهّر الحدائق، ولا مطر يغسل الحقول". هذه القصيدة هي شبح عراق يحترق، وهو "معتقل في دائرة ضيّقة لا تتسع لأحلامه"، ومنها ينبثق سؤال جواد الأسدي: "ماذا سيحصل لبيروت وأهلها الذين يمشون في الشارع تحت ضغط جريمة متوقعة في أية لحظة؟".
صفحة 5
"العرس الوحشي"
المارينز واستباحة الجسد العراقي
(1)
حظيت موضوعة "الاغتصاب" باهتمام العديد من كتاب الرواية والقصة والمسرح والسينما في العالم، سواء على المستوى الواقعي أو الرمزي (الفردي- الجماعي). وتشير بعض الدراسات النفسية إلى أن جريمة الاغتصاب تلحق ضرراً كبيراً بالضحية يلازمها طوال حياتها، ويؤثر سلباً على شخصيتها، فذاكرتها تحتفظ بهذه الجريمة، وتقع تحت تأثيرها، وقد يغلب عليها حب الانتقام السري من الجاني. هذا على الصعيد الواقعي، أما على الصعيد الرمزي، وهو ما يهمنا في الإبداع الأدبي والفني، فثمة انواع مختلفة من الاغتصاب تندرج، اذا ما اردنا فلسفتها، تحت مفهوم الاغتصاب الجمعي، مثل احتلال وطن أو أرض، أو استلاب سلطة، أو حرية تعبير، أو حقوق مدنية، أو أحلام شريحة اجتماعية... إلخ. في المسرح العالمي تُعد مسرحية "القصة المزدوجة للدكتور بالمي"، للاسباني أنطونيو بويرو باييخو، من أشهر المسرحيات التي تتناول موضوعة "الاغتصاب"، وقد أعدها سعد الله ونوس تحت عنوان "الاغتصاب" حاول فيها مقاربة معاناة أسير فلسطيني على خلفية الأحداث نفسها. وفي الرواية العالمية، وخاصةً ذات المنحى النسوي منها، ثمة عشرات النماذج التي تنبني متونها السردية على حدث الاغتصاب، ومن أحدث تلك النماذج، مثلاً، رواية "العقاب" (2004) للأميركية جيليان هوفمان. أما في الرواية العربية فأشير، تمثيلاً أيضاً، إلى رواية نسوية بعنوان "جراح الروح والجسد" (1999) للمغربية مليكة مستظرف، تقدم سرداً ذاتياً نابعاً من تجربة داخلية مزلزلة خرجت منها طفلة- بطلة الرواية- مثخنةً بالقهر والمهانة بسبب استباحة أحد الرجال لجسدها الغض.
(2)
استوحى الكاتب المسرحي العراقي فلاح شاكر مسرحيته "العرس الوحشي" (التي عرضت في مهرجان المسرح الأردني الثالث عشر 2006، وفازت بجائزتي أفضل نص وأفضل عرض متكامل)، من رواية بنفس العنوان للفرنسي يان كفلك، تدور أحداثها حول جندي أميركي في إحدى الوحدات التي كانت تخدم في فرنسا. وقبل أن تغادر وحدته عائدةً إلى أميركا بيوم بواحد، يصطحب صديقته الصغيرة في رحلة توديعية، لكنه يميل بعربته العسكرية إلى مكان منعزل ينتظره فيه اثنان من زملائه في الوحدة، وهناك يقوم الجنود الثلاثة باغتصاب الصبية، تاركين بذرةً ملعونةً وملتبسةً في أحشائها، لكن
صفحة 6
محاولات التخلص من الجنين تفشل، فيأتي المولود وتعجز الأم، وهي تتأمل صورته، عن معرفة من هو أبوه من بين المغتصبين الثلاثة. وتحاول قتله مراتْ عديدةً لكنها لا تنجح، فتعامله بقسوة مفرطة ليعيش فصامياً معزولاً ومشرداً. وتنتهي الرواية بقيام الابن بقتل والدته خنقاً في البحر كطريقة وحيدة لمعانقتها للمرة الأولى والأخيرة، وسبق لشاعر عراقي، هو محمد مظلوم، أن خمّن، متأملاً في ظاهرة قتل عشرات النساء العراقيات، ممن يعملن في خدمة الثكنات العسكرية للقوات التي تحتل بلده، بذريعة "غسل العار"، خلال عام واحد من الاحتلال، خمّن بأن رواية "العرس الوحشي" هذه ستصبح مرجعيةً أدبيةً وتأويليةً لبعض الكتاب العراقيين، وسيعاد اكتشافها من جديد في هذه المرحلة. ولكن فلاح شاكر لم يشأ، وهو يتخذ منها مرجعيةً، أن يحاكي هذه الظاهرة الواقعية في نصه الدرامي، كما يفعل الكتاب التقليديون حينما يستوحون نصوصهم من الواقع، بل عمد إلى خلق واقعة تقوم على الاحتمال، وربما مفارقة لأفق توقع المتلقي، وشحنها بقوة سيميائية ليرتفع بها من إطارها المرجعي ـ الفردي إلى مستوى استعاري ـ جمعي، فالصبية، في نصه، التي اغتصبها ثلاثة من الجنود الأميركان (المارينز)، وحملت جنيناً، لا تعرف مَن منهم أبوه، لم يقتلها أهلها غسلاً للعار، لسبب لا يحدده المؤلف، تاركاً للمتلقي أن يتخيله، من خلال ملء الفراغ الذي يشكله في فضاء النص، ذلك الفراغ الخلاق الذي يحول حدث "الاغتصاب" من علامة صغرى، أي جريمة اغتصاب ضحيتها فرد واحد، إلى علامة كبرى تشير إلى استلاب وطن كامل واستباحته، بوصفه الفضاء الحضاري الذي تكونت فيه طفولة البشرية. مما يعزز استنطاقنا لهذا الفراغ- العلامة الكبرى أن الصبية التي أنجبت طفلاً سفاحاً، رغم محاولاتها اليائسة قتل الجنين في بطنها، ترفض أن تكون أماً لمولود هو ثمرة اغتصاب وحشي، ولا تستطيع أن تحبه لأنه صار آلاماً في رحمها تطيل لحظة عذاب ذلك الاغتصاب إلى الأبد. ولو قرأنا مفردة (المولود) هنا كعلامة ذات محمول إنساني يحيل إلى العلاقة البيولوجية التي تربط الأم بوليدها لما تقبلنا تنكرها له في هذه المسرحية، كونه لا ذنب له، ولا يحق لأمه أن تنبذه، وتعاقبه بتركه وحيداً ست سنين في مخزن الغلال المظلم، محروماً من الحب والرعاية والحنان حتى يصل به الحرمان إلى حب البعوض لأن لسْعَتـَهُ جعلته يشعر بكينونته وانسانيته "إنها لا تتركني وحدي.. تلسعني.. تعانقني...". وكذلك بمحاولتها، أي الأم، أن ترميه في الفرن لولا اعتراض أبيها الذي منع الخبز عنه. وأخيراً بإرساله إلى المصح العقلي للتخلص منه نهائياً. أما إذا قرأنا مفردة "المولود" بوصفه علامةً رمزيةً منبثقةً من العلامة الكبرى، وهي
صفحة 7
القراءة التي أرجّحها، فإننا نجد أنفسنا متعاطفين مع تنكر الأم لابنها، ومستسيغين سلوكها وموقفها منه، فهو هنا ليس العصفور الذي حملته الشجرة المقطوعة بفأس الحطاب، كما يحاول أن يشبّه نفسه لتليين قلب أمه واستمالتها إليه، وهو يتساءل: "أنَخْنقُ العصفور لأنه سيكشف عن بشاعة الحطاب أم نقتله لأنه يفضح سكوت الشجرة عن قطعها؟"، بل هو الدمار الذي زرعه المغتصب ـ المحتل في الوطن، والتركة المشؤومة التي خلفها المارينز وراءهم لأرض كان شعبها يحلم بالحرية والانعتاق. ولكم كانت رؤية المخرج أحمد حسن موسى لماحةً وذكيةً حينما رسم شخصية الابن (التي أداها رائد محسن أداءً مبدعاً) على النحو الذي ظهرت فيه، شخصيةً مشوهة الخلق، في ظهرها حدبة، تمثل كينونةً استعاريةً، وعلامةً حبلى بمدلولات وصور للاغتصاب الجمعي بدلالته الرمزية، ليذكرنا بالمخلوقات القزمة ذات الآذان المدببة والرؤوس الفرائية والأيدي الحرشفية التي خرجت من صندوق باندورا (هبة الإله الغيور زيوس للبشر في الأسطورة اليونانية) زاحفةً على الأرض لتنشر البؤس والبشاعة، وتغرس الخصام بين أهلها.
لقد حاول فلاح شاكر في "العرس الوحشي" إنتاج خطاب مسرحي موازْ للخطاب السردي الذي انتجه يان كفلك، فرغم علاقة التناص، على مستوى الحدث في إطاره العام، بين المسرحية والرواية، فإن الأولى تنسج عالمها بخيوط درامية تحمل خصوصيةً تمثل نهج فلاح شاكر في خلق دراما مسرحية ذات نكهة متفردة من حيث بناء الفعل المتوتر والصراع المتأجج بين الرغبات والهواجس والعواطف الإنسانية العميقة المتناقضة حيناً والمتقاربة حيناً آخر، وكأن أطرافها في مباراة كونية، يتصارعون للسيطرة على منصة الحضور الكوني، فها هنا يتمظهر التوتر بين الأم وابنها حاداً، ساخناً، يدفع العاطفة إلى التأجج بالحيرة، والعقل إلى نسيان مغامرة المنطق، فلا يبدأ أحدهما حتى يبدأ الثاني، يضاهيه في السيطرة على بنية النص، لكن الأم تبقى لها سطوة الحضور، في ذلك التجاذب الساخن بين المريض والممرضة، بين المحب الهائم والمحبوبة الساخرة.
كما في جميع تجارب فلاح شاكر المسرحية يتسم الحوار في هذه التجربة بأسلوبه الشاعري، وغنائيته العالية المتناغمة مع توتره ودراميته وحسه الوجداني والفلسفي:
الأم: الشجرة ماتت أوراقها.. غادرها ربيع الحلم.. إذا قُتـًلَ حلم البيت داخل المرأة فإنها ستكون مستباحة.. وحينئذ العالم كلّه حتى السموات لا يمكن أن تكون بيتاً صالحاً لها..
الابن: وهم بيت
الأم: الموتى لا يؤمنون بالوهم..".
صفحة 8
(3)
لم تكن مقاربة المخرج أحمد حسن موسى لهذا النص مقاربةً امتثاليةً، بل مقاربةً منتجةً تقوم على رؤية مغايرة، وتأويلية تخطت النسق الدلالي للنص، ونواياه، ونسجت خطابها الجمالي، واقترحت مغزى مختلفاً له من خلال قراءتها واستنطاقها لما هو مسكوت عنه، فأعمل المخرج مبضعه كالجراح الماهر، وراح يشّرح جسد النص، ويعيد تركيبه، يحذف ما يراه غير منسجم مع رؤيته، وسياق القراءة، ويفجر مكنوناته الوجدانية، ويشيّد من أحجاره بناءً اخراجياً متماسكاً في تشكيلاته، وإيقاعه، وظلمته وإضاءته، تتوازن فيه الحركة والحوار في فضاء بصري سمعي فعال في تأجيج التحفيز النفسي للمتلقي، وشده إليه. ويقودنا التركيز على تفاصيل هذه المقاربة التأويلية، التي تُعد العمود الفقري لأي تجربة إخراجية متميزة، إلى الإمساك بحوافز (موتيفات) الاختلاف بين رؤية المؤلف ورؤية المخرج، وهي حوافز أسست، حسب هذه القراءة، نصاً ثانياً موازياً لنص المؤلف هو نص العرض الذي يشتبك معه المتلقي، ويؤوله، ويفكك شفراته. ومن جملة تلك الحوافز:
1– تحاول الأم، في نص المؤلف، الحصول على النقود التي أخفاها الابن في العبارة لتسافر، أوتهرب إلى الخارج "أعطني النقود.. عليّ أن أغادر العراق.. هذا خلاصي الوحيد". ويشير هذا الحافز إلى أن شخصية الأم، رغم منحاها الاستعاري الذي يحولها إلى صورة للوطن أو الأرض، فإن النص يقدمها بوصفها كائناً درامياً- اجتماعياً يفكر بحلول واقعية لأزمته الإنسانية، حتى وإن كانت تلك الحلول تتقاطع مع مكانتها الدرامية الرمزية، أو مع المثل العليا التي يتقصد بعض الكتاب إيلاءها أهميةً. أما في العرض فقد عمد المخرج إلى كسر أفق توقع المتلقي، وآلية إدراكه التي تفترض معرفتها بسياق الفعل الدرامي وسيرورته استناداً إلى قرائن تقليدية بأن جعل الكنز (الثروة) الذي تسعى الأم (مثلتها شذى سالم ببراعة) إلى استرداده هو عباءة أبيها وعقاله المخبئين في صندوق معلق في سقف المسرح. ولنا أن نتخيل الدلالات الحافة لهذا الكنز، وخاصةً حينما ترتدي العباءة وتلف العقال على رقبتها، في المشهد الأخير، وهي تقف على الصندوق المعدني (من مخلفات الآلة العسكرية للمارينز) الذي دفنت فيه عارها (الابن السفاح)، عار الاحتلال، حياً حتى تكتم أنفاسه، وتتخلص منه إلى الأبد، ثم تشنق نفسها بذلك العقال لتوحي لنا بعملية تطهير تراجيدية أشبه ما تكون بعملية شنق كلتمنسترا لنفسها في تراجيديا "أوديب" الاغريقية بعد اكتشافها لخطيئة زواجها من ابنها، على النقيض من امرأة الأسطورة (باندورا) التي لا تفلح في إعادة المخلوقات الشريرة إلى صندوق زيوس.
صفحة 9
2- كانت الأم، في نص المؤلف، متزوجةً بعد ولادتها من مترجم اسمه سعيد (من الواضح أنه كان يعمل مترجماً مع القوات الأميركية، رغم عدم إفصاح النص عن ذلك) لأسباب عديدة منها: التخلّص من عذاب أهلها، ومحاولة إيقاف عارها عند سد الماضي (حينما يصبح الزوج أباً لابنها)، والحصول على المال الذي يساعدها في السفر إلى الخارج. ولكن المترجم يُقتل على يد الابن، رغم أن الأول كان متعاطفاً معه، وحاول إبقاءه في البيت، معرضاً علاقته بزوجته إلى التوتر، ففشل في كبح جماحها، ورضخ إلى إصرارها على طرده:
الإبن: كنتً تصرخين بالمترجم.. لا أريده هنا لا أستطيع التنفس وهو هنا.. حاولَ المسكين إبقائي.. ولكنك منعتً عنه كلّ ما يمكن أن تمنحه المرأة لزوجها.. ذهبت إلى غرفة أخرى.. إلى سرير آخر..
وقد شكلت الغيرة الأوديبية الدافع الأساسي لعملية القتل، ساقطةً بكل ثقلها على فضاء النص، متحركةً بقوة، بلعنة، بشهوة الالتهام، برغبة البقاء الأزلي رغم المفارقة الكبيرة:
الابن:... بنيت لك بيتاً من الرمال فوق الشاطئ حتى تتركي المترجم وتسكنيه لوحدك..
الابن باهتياج: تكذبين وأعرف أنك تكذبين.. سنوات وأنا أسكن هذه العبّارة ولم تزوريني قط.. كنت في الليل أطوف حول البيت.. من النافذة كنت أهمس أمي، وأنت تجلسين قرب المدفأة تشاهدين التلفاز، وهو يجلس قربك يقرأ ويقبّلك بين الحين والآخر.
الأم: كنت تتجسّس علينا.. ألهذا قتلته؟
في نص العرض لا نجد أية إشارة إلى زواج الأم بعد اغتصابها، وانجابها، وذلك لكي يضفي المخرج عليها صفات مثاليةً (بيوريتانيةً)، ويعمق البعد السيميائي- الرمزي في شخصيتها. وتكشف عملية تجريدها (أو تنقيتها) من الشوائب الاجتماعية، على هذا النحو، عن رؤية إخراجية صبغت خطاب العرض المسرحي في معظم تفاصيله، وأعني بها تقديم شخصية الأم إلى المتلقي بوصفها أنموذجاً للضحية المطلقة (أو الخالصة) التي يدفعها إحساسها بالمهانة، وثقل الحيف الذي وقع عليها إلى المقاومة، والتحدي... وأخيراً الانتحار التطهري.
صفحة 10
3- وفي سياق هذه الرؤية الإخراجية أيضاً حذف المخرج حوارات للأم، في نص المؤلف، تكشف، صراحةً، أنها كانت على علاقة عاطفية مع أحد جنود المارينز الذين اغتصبوها، ومنها الحوار الآتي الذي تتخيل من خلاله أنها تخاطب ذلك الجندي:
الأم: نعم أعرف أنك ستعود العام القادم.. خدمتك العسكرية ستنتهي وتعود إلى أمريكا.. وأنا؟ سأذهب.. لًمَ لا آتي معك.. إلى مشيغان.. سأعيش في مزرعتك الرائعة.. من ذا يستطيع أن يصبّرني عاماً على فراق أنفاسي؟ وأنا أخاف أن أقتل.. لأني أحبك..
وحين تسترجع حادثة الاغتصاب الجماعي التي خطط لها حبيبها تصرخ نادبةً:
الأم: ويل.. لا.. لا.. ويل كذبت عليّ.. لا يا ويل لن تجعلني مومساً.. لازلت صغيرةً.. ليس ثلاثتكم.. ليس ثلاثتكم.
وفي الوقت الذي تكشف فيه هذه الحوارات، في نص المؤلف، عن المنحى الدرامي- الإنساني (غير المثالي) لشخصية الأم، كما أسلفت، وتؤكد، ربما، على امتثال المؤلف لأجزاء من معطيات الرواية التي استوحى منها مسرحيته، ومن ثم لرؤية يان كفلك، فإن حذفها في نص العرض يؤكد بالمقابل على امتلاك المخرج رؤيةً مغايرةً تماماً لرؤية المؤلف، وهي رؤية تسم بطلة المسرحية، في بعدها الرمزي، بالنقاء الوطني، والكمال المطلق الذي لا يشوبه أي سلوك سلبي، والعذراء الطاهرة المغتصبة. ويذكّرنا هذا التباين بين رؤيتي المؤلف والمخرج بتباين بريخت وبعض المؤلفين الفرنسيين في تصوير شخصية "جان دارك"، فقد وسمها الأول بـ "قديسة المسالخ"، ولم يكن شعوره تجاهها طرياً للغاية، في حين صورها الثاني بطلةً خالصةً من دون منازع، بل أقرب ما تكون إلى نبية، ورعة، شفافة، عذراء طاهرة.
4- تنتهي أحداث المسرحية، في نص المؤلف، بانهيار الجزء الذي تقف عليه الأم من العبارة (الفضاء الدرامي المتخيل)، وسقوطها في النهر مع سماع أصوات رصاص. وحين يحاول الابن الامساك بها لانقاذها يسقط معها في الماء، وهو يردد بأعلى صوته "أماه.. أماه"، ثم يختلط صوته بالنشيد الوطني الأميركي. وترشح عن هذه النهاية التراجيدية الرمزية مدلولات عديدة تتعلق بموت طرفي المعادلة في عملية الاغتصاب (=الاحتلال) بفعل حتمي لا اختياري، وهي من دون شك نهاية تتناغم ونوايا المؤلف النموذجي (الذي نفترض أنه يختلف عن المؤلف الفعلي) بوصفه استراتيجيةً نصيةً، على حد تعبير أمبرتو إيكو، في حين ينتهي العرض، في نص المخرج، كما ذكرنا، بدفن الأم لعارها حياً في صندوق معدني، وشنق نفسها بعقال أبيها، وهو فعل اختياري، نابع من إرادة مقاومة، يرمز إلى اجتثاث غرس الاحتلال ومحو بشاعته، والتضحية بالنفس كخلاص نهائي. لكنه يبدو، من منظور نقدي، فعلاً قصدياً للمخرج خاضعاً، في نواياه، لفكرة مثالية أكثر من كونه حافزاً درامياً مقنعاً للمتلقي.