مقدمة
القضاء من الأمور المقدسة عند كل الأمم مهما بلغت درجتها من الرقي والحضارة ، ذلك أن أهم دعائم السعادة التي يسعى إليها البشر أن يطمئن الناس علي حقوقهم ، وأن يستقر العدل بينهم ، فالنفس البشرية فطرت علي النزعة العدوانية ، وحب الغلبة والاعتداء علي حقوق الغير، وكان لابد من وضع حد لهذه النزوات من أجل توفير الطمأنينة والأمن لجميع أفراد المجتمع، وهي الغاية المنشودة من طرف الأمم علي مر العصور ، فلإسلام جعل القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالي ، وهو أشرف العبادات ، ولأجله أثبت الله سبحانه وتعالي "لآدم" اسم الخلافة ؛ فقال عز وجل : ﴿إنيٍِ جَاعٍلُ فيِ الأَرضِ خَليفِةً﴾[1] وأثبت ذلك " لداود"، فقال تعالى: ﴿يَدَاوُد إٍنَّا جَعَلناَك خَليِفَةً فيِ الأَرْضِ فاَحكًم بَين النَاس بِالحَق وَلاَ تتَبعِ الهَوى فيََُضلَّكَ عَن سَبيلٍ اللهِ إِنَّ الذِين يُضلُّونَ عَن سَبيلِ اللهِ لَـهُم عَذابُ شَديد بمَا نسَوُا يَوَم الِحساِب﴾[2] .
هذا ويعتبر القاضي الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها القضاء ، فمهمته شريفة عند جميع الأمم لكونها مناط الحق والعدالة، فالقاضي يتولى الحكم في قضايا الدماء والأموال والأعراض و ما يتصل بذلك من ضروب المنافع ورفع المضار ، وعليه يكون مدار الأحكام .
وصدق العلامة ابن فرحون[3] حين قال في القاضي:
"وبه الدماء تعصم وتسفح ، والفروج تحرم وتنكح ، و الأموال يثبت ملكها ويسلب ، والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب" .
ولما كانت العصمة من خصائص الرسل والأنبياء ، والقاضي بشر يجري عليه ما يجري علي سائر البشر ؛ فهو يصيب ويخطئ ، ويرضى ويغضب، ويجوع ويقلق ، ويعدل ويجور ، ولهذا كان من طبيعته أن يحصل منه مخالفة الصواب ومجانبة العدل، مما يترتب عليه إضرار بالآخرين ، فالقاضي ورغم المواصفات التي ينبغي أن يتسم بها إلا أنه قد يرتكب داخل وظيفته أو خارجها أخطاءً تظهر حين يخالف في عمله واجباته الايجابية أو السلبية المفروضة عليه صراحة، وكذلك عندما يخرج عن مقتضيات العمل، ولو لم تتضمنها نصوص مكتوبة.
فمن جهة هناك واجبات صريحة يتعين على القاضي مراعاتها ، فان خرج عنها كان مرتكبا لأخطاء تأديبية تلتزم الجزاء المناسب ، ونجد أن هذه الواجبات ترد في قوانين متفرقة ، مثال ذلك القانون الأساسي للقضاة - أو كما يسمي في بعض التشريعات المقارنة بقانون السلطة القضائية - ،ومدونة أخلاقيات مهنة القضاء ، وبعض التنظيمات واللوائح التي بموجبها يتعين علي القاضي إتباع شكل من الأشكال في أداءه لمهامه القضائية ، و المفروض عليه العلم بكل ذلك وحتى فهمه واستيعابه.
ومن ناحية أخري هناك بعض الواجبات التي لا تعلن عنها القوانين و القرارات، وهي مقتضيات يجب عليه مراعاتها باعتبارها لصيقة بمهنة القضاء ؛ وتتعلق بشرفه وسمعته ومظهره الخارجي، لذا كان على النظم القانونية المختلفة أن تضع نظاما لحساب القاضي المخالف لواجبات وظيفته ومسألته تأديبيا .
وعملية تأديب القاضي عن خطأه التأديبي ليست عملية انتقامية ولا زجرية تهدف إلى الاقتصاص منه؛ بل هي عملية قانونية تهدف إلى إصلاحه، وتحذير باقي القضاة حفاظا علي مصلحة مرفق القضاء، ذلك أن هذا النظام التأديبي تطور من نظام زجري صرف مؤسس على مسؤولية القاضي، إلى سياسة وقائية تتمحور فكرتها حول التوعية بالمسؤولية عن طريق التكوين المتواصل للقضاة ، وتقرير تشريعات خاصة بهذا الخصوص كمدونات أخلاقيات مهنة القضاة الوطنية وتكريس المبادئ الدولية التي تعني بواجبات القضاة ومسؤولياتهم .
هذا ويشار إلى أن مساءلة القاضي تأديبيا لها بعض الخصوصية التي تجعل من كيفية تأديبه تختلف ـ و لو بشكل بسيط ـ عن كيفية تأديب باقي أعوان الدولة وموظفيها نظرا لسمو منصبه وحساسية عمله و إمكانية تأثير المساءلة على عدله وحياده.
وعليه اتفق المشرعون باختلاف مشاربهم على وضع نظام قانوني يكون جدارا عازلا يراقب ويحمي القاضي في آن واحد ، يحميه من التنكيل به ، وجعل المحاسبة والمساءلة طريقة للتأثير على وظيفته القضائية ، و العبث باستقلاله واستقلال السلطة التي ينتمي لها ، وحياده المفترض فيه، ويكون الرقيب عليه، فيمنعه من ارتكاب أي أخطاء تؤثر على شرف مهنة القضاء ، أو تمس المتقاضين بأي شكل من الأشكال .
بالإضافة إلى أن تأديب القاضي هو إجراء منصوص عليه دستوريا ، وذلك طبقا للمادة 149من دستور 1996 " القاضي مسؤول أمام المجلس الأعلى للقضاء عن كيفية قيامه بمهمته حسب الأشكال المنصوص عليها في القانون " ولعل دسترة عملية تأديب القاضي هي أكبر دليل على خصوصيتها ، فلا نعرف أن الدستور الجزائري ينص على مسؤولية الموظف أو أي شخص آخر في طياته باستثناء رئيس الجمهورية، والوزير الأول- جنائيا - في المادة 158[4] .
ولعل الأمر الأخر الذي يجعل من إجراءات مساءلة القاضي أمرا خاصا، هو تبعيته لسلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية .
فالحكومات ثبت سعيها عبر الأزمنة إلى إخضاع السلطة القضائية لتكون المعبر عن سياستها وداعما لأرائها وتوجهاتها ؛ ولكن مع بزوغ الثورة الفرنسية سنة 1789 ، واتجاه رجالها إلى تطبيق أقوال وأفكار الفقهاء الكبار- أمثال أفلاطون ، وجون جاك روسو، و مونتيسكيو[5] - فيما يخص استقلال السلطة القضائية ،حينها تم للقضاة ما كانوا يصبون إليه عبر العصور ، فأقرت القوانين الحديثة مبدأ الفصل بين السلطات ، والذي بدوره أقر حتمية استقلال القضاء ، فكان اللبنة الأساسية في إنشاء ما تسمي ـ في وقتنا الحاضر ـ بالمجالس العليا للقضاء ؛ وهي المسؤول الأول والأخير عن شؤون القضاة ، من التوظيف إلى العزل ، وإسناد قيادتها إلى قضاة قدماء عتاق لهم من الخبرة ما يمكنهم من الذود عن زملائهم ،وقضاياهم، والتصدي لكل ما من شأنه النيل من استقلالهم المكرس دستوريا ودوليا.
هذا ويعتبر موضوع إجراءات المساءلة التأديبية للقضاة من المواضيع المهمة و التي لم تحز اهتمام التشريع والفقه بالقدر اللازم، ذلك أن الفقه الجزائري والمقارن اهتم بالعمل القضائي وجعل منه محورا أساسيا للدراسة والبحث ، سواء ما تعلق منه بالخصومة كيف تبدأ وكيف تنتهي وما قد يعترضها ويشوبها دون عناية بمسؤولية من يقومون بأدائها والإشراف عليها من قضاة حكم ونيابة، وخاصة مسؤوليتهم التأديبية ، إذ لم يُعْنَ الفقهُ القانوني بدراسة أي من القواعد الإجرائية والموضوعية المتعلقة بالمسؤولية التأديبية للقضاة وتحديد نطاق الواجبات التي تفرض عليهم والأخطاء الصادرة منهم ، وعليه فقد وجدت أثناء البحث عدة إشكالات قانونية في هذا الصدد ـ سنتطرق لها بالتفصيل ـ .
كما تجدر الإشارة إلى أن موضوع مساءلة القضاة تأديبيا يأخذ منحا وتصورا سلبيا بشكل كبير ؛ بمعنى : أن القاضي المخطئ يساءل عند إخلاله بواجباته .
وعليه نذَكِر أن هذه الدراسة جاءت لمناقشة الموضوع من حدين متقابلين ، الحد الأول الوجه السلبي في تأديب القضاة بمعنى : ذكر واجبات القضاة ونتائج الإخلال بها والمراحل والإجراءات التي تتبع في سبيل ذلك .
ومن جهة أخرى حاولنا ولو بشكل ايجابي بسيط تِبيان دور المساءلة في الضغط على حياد القاضي الشريف ، وذلك بالتأثير على أحكامه وقراراته القضائية نظرا لوجود المساءلة بين أيدي سلطتين التنفيذية والقضائية ، فوزير العدل هو محرك الدعوى التأديبية و المفتش العام لوزارة العدل و المحقق فيها ، و بالتالي نتيجة القرار التأديبي هي بيد السلطة التنفيذية غالبا ،و التي تستطيع إيصال معلومات مغلوطة عن قاضي إلى المجلس الأعلى للقضاء ، و الذي بدوره سيحكم وفقا لتلك المعلومات لا محال .
والجدير بالذكر أن البحوث القانونية المتاحة قد تطرقت بشكل عام إلى دراسة المسؤولية التأديبية للموظف العام ومختلف أعوان الدولة العاديين منهم والسامون ؛ إلا أن هذه الدراسات خلت من الإشارة إلى القضاة ، فمنها ما يتناسى هذه الفئة ، ومنها ما يخرجهم عن نطاق الدراسة نظرا لإدراكه أن القضاة لهم نظام تأديبي خاص وهيئة تأديبية دستورية ، ومنها ما يخلط بين الموظف العام والقاضي دون ذكر أي اعتبار ، مع أن الدارس للقوانين والتشريعات يلاحظ جليا الاختلاف البائن بين القاضي والموظف في جميع النواحي ، بداية بالواجبات ، ومرورا بالهيئة التأديبية ، و انتهاء بجدلية الطعن في القرارات التأديبية لكلا منهما .
وعلى الرغم من قلة الأبحاث وشح المصادر التي تتطرق لهذا الموضوع في المكتبات الوطنية إلا أننا حاولنا معالجة الموضوع من خلال تحليل مواد التشريعات الوطنية التي تُعنى بالقضاة و تنظم المسؤولية التأديبية ، مع مقارنتها بما توصلنا إليه من مواضيع مقارنة تتعلق بمسؤولية القاضي التأديبية وخاصة التشريعات المصرية والفرنسية في محاولة لاستنباط التماثل والاختلاف بين إجراءات المساءلة التأديبية للقاضي الوطني مقارنة بالقضاة في التشريعات المذكورة آنفا .
وعليه فإن الإشكالية الرئيسة لموضوع الدراسة هي :
-ما هي الإجراءات التي تسير عليها المساءلة التأديبية للقضاة في ظل خصوصية نظامهم القانوني ؟.
وفي خضم الإجابة عن هذه الإشكالية تعترضنا بعض التساؤلات القانونية والفقهية التي كانت ـ في البداية ـ عائقا مَنيعا أمام الدراسة ، وتم تلينها وإزالة الغموض عنها كلما تم التعمق في الموضوع ، ونحاول الإجابة عنها في معرض تحليل الموضوع والتي نذكر منها:
- هل يتمتع القضاة بضمانات لقيامهم بعملهم في بيئة خالية من التهديد والخوف ؟
- وإن كانوا كذلك فعلا فهل مسؤوليتهم القانونية مثل مسؤولية باقي أعوان الدولة ؟
- وهل يخضعون في مساءلتهم التأديبية لقواعد خاصة وما مبررات ذلك ؟
- ما مدى تعارض عقوبة عزل القضاة مع مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل ؟
وعليه اعتمدنا في الإجابة على الإشكالية الرئيسية والتساؤلات الفرعية خليطا من المناهج ، فاعتمدنا المنهج التحليلي وذلك بتحليل مواد القانون العضوي 04\11 المتضمن القانون الأساسي للقضاء والقانون العضوي 04\12 المتضمن تشكيل المجلس الأعلى للقضاء كونهما أقرب ما يكونان إلي التشريع الوظيفي والتأديبي للقضاة .
كما يظهر المنهج التحليلي بشكل كبير وجلي في الفصل الأول حيث ميزنا بين القاضي والموظف من جهة وبين الوظيفة القضائية والوظيفة العامة من جهة أخرى ؛ وذلك بذكر أحكام وأراء فقهية وقواعد قانونية وتبيان الأدلة على خضوع القاضي لقواعد خاصة حال مساءلته تأديبيا، بالإضافة إلى مسألة عقوبة عزل القضاة ومدى تعارضها مع مبدإِ عدم قابلية القاضي للعزل على نفس المنهج .
بالإضافة إلى اعتمادنا على المنهج الوصفي والذي يقوم على التفسير بشكل علمي منظم لإجراءات المساءلة التأديبية للقضاة من أجل الوصول لهدف محدد ، بداية من الأخطاء التأديبية التي يرتكبها القاضي ، مرورا بالإجراءات التي يخضع لها القاضي أثناء تأديبه و الوصف الدقيق لكل إجراء .
كما تم اللجوء إلى المنهج المقارن الذي لا تستقيم دراسة قانونية بدونه ؛ حيث اعتمدنا على مقارنة الخطأ التأديبي للقاضي بين التشريعات المختلفة ، كما تمت مقارنة إجراءات المساءلة التأديبية للقضاة في عدد من النظم القانونية .
وعلى ضوء ذلك جاءت الدراسة مقسمة إلى فصلين ، وكل فصل يشتمل على مبحثين ، وكل مبحث يضمُّ مطلبين ، لتنتهي الدراسة في الأخير بخاتمة شاملة لأهم النتائج والتوصيات التي هي بمثابة الثمار اليانعة لها ، فتطرقنا في الفصل الأول إلى المساءلة التأديبية للقضاة الإطار العام والخصوصية ، وتعرضنا بالشرح و التحليل في المبحث الأول إلى الأحكام العامة للمساءلة التأديبية للقضاة ؛ وذلك بتبيان الإطار المفاهيمي للنظام التأديبي للقضاة وكل القواعد العامة في القانون التأديبي التي يخضع لها القاضي ، بالإضافة إلى العقوبة التأديبية المسلطة عليه وخصائصها ، ونختمها بالحديث عن السلطة التأديبية للقضاة التي تميز النظام التأديبي للقاضي .
ونبين في المبحث الثاني ما يجعل من مسؤولية القاضي خاصة وتخضع لقواعد خلاف القواعد التي يخضع لها الموظف ، و الطبيعة الخاصة ومميزات المسؤولية القانونية للقضاة بشكل عام ، وما يميزها عن مسؤولية الفرد العادي ، ثم نتكلم عن سمو وتميز واجبات القضاة باعتبارها هي الأساس القانوني لمساءلته تأديبيا ؛ وذلك طبقا للمادة 60 من القانون الأساسي للقضاء والذي يعتبر الخطأ التأديبي سببا للمساءلة التأديبية.
ونتعرض في الفصل الثاني إلى النظام الإجرائي للمساءلة التأديبية للقضاة ـ وهو صلب موضوع الدراسة ـ و الذي من خلاله نعالج في المبحث الأول مراحل السابقة على المحاكمة التأديبية و التي تمر بها الإجراءات التأديبية للقضاة مرحلة بمرحلة ، ثم نتعرض في المبحث الثاني إلى إحالة ملف الدعوى التأديبية إلى المجلس الأعلى للقضاء للحكم فيها و النطق بالعقوبات ، وتتخلل الدراسة الإجابة على بعض التساؤلات فيما يخص عقوبة العزل ، وتنتهي الدراسة بالإجابة عن إشكالية الطعن في القرارات التأديبية الصادرة عن الهيئة الدستورية المختصة بتأديب القضاة .
الفصل الاول
المساءلة التأديبية للقضاة الإطار العام والخصوصية
العدل أسمى حق للمواطن ، وهو في نفس الوقت واجب من أقدس واجبات الدولة إزاء مواطنيها ، والقاضي هو الشخص المخوَّل قانونا لتطبيقه بينهم ؛ فهو بعمله النبيل ورسالته المقدسة يهيئ للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل إنسان على نفسه وماله وعرضه ، وسمو منصب القضاء وهيبته إنما مَرَدُّ الشأن فيه إلى نقاء صورة وسيرة رجال العدالة[6]، وفي مقدمتهم القاضي الذي هو عماد السلطة القضائية ، فإن صَلُحَ صَلُحَ القضاء ، وإن كان عكس ذلك فإنه يؤدي إلى زعزعة ثقة المتقاضين في جهاز العدالة ، فالأموال والأنفس و الحقوق تأمن بصلاح القضاء و القضاة لأنها لا تُمس بغير حق ، وإن خرجت بغير هذا الطريق رجعت إلى أصحابها بعدالة القضاء، والتي يمثلها القاضي بنفسه .
وللقيام بمهمتهم النبيلة على أحسن وجه أقرت التشريعات المقارنة والنظم المختلفة للقضاة حصانة وضمانات عدة لحمايتهم أثناء قيامهم بالمهام المنوط بهم تنفيذها ؛ وهذا ضمانا لصدور قراراتهم وأحكامهم على الوجه الصحيح دون السماح بتدخل أي جهة في أعمالهم ، وأقرت عقوبات في مختلف القوانين على التدخل في أعمال القضاة وعدم تنفيذها ، وكل هذا ينطوي تحت مبدأين أساسين ـ سنأتي على درستهما بالتدقيق ـ ألا وهما مبدأي الفصل بين السلطات واستقلال القضاء [7] .
وإن كان القضاة هم الفئة الساهرة على الحق والعدل والحرية ، فمن هي الجهة المسؤولة عن مراقبتهم إذ هم تجاوزوا حدود الحق و العدل و الحرية ؟.
لذلك فإن الضمانات الممنوحة للقضاة حفاظا على استقلاليتهم لا تمنع مساءلتهم ومحاسبتهم إن هم تجاوزوا و انحرفوا عن أداء واجباتهم[8] .
ولما كان القضاة يقومون برسالة خطيرة ؛ فقد حرصت مختلف التشريعات و النظم القانونية على إفراد قواعد خاصة تحدد مسؤوليتهم القانونية ، وهذه القواعد تختلف بقدر متفاوت في الأنظمة القانونية المختلفة عن القواعد المنظمة للمسؤولية المدنية والجنائية والتأديبية للموظفين وأعوان الدولة بصفة عامة ، ذلك أن ذاتية النظام القضائي و استقلال القاضي الفرد لا يتعارض في الأصل مع صور المسؤولية التأديبية له اتجاه النظام القضائي مثلما لا تتعارض ذاتية صاحب المهنة الحرة مثلا مع مسؤوليته اتجاه النقابة التي يتبعها ، غير أن استقلال القاضي لا يسمح على العكس من غيره بتقرير مسؤوليته التأديبية اتجاه جهات منتمية إلى السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية : أي اتجاه جهات غريبة عن النظام القضائي [9].
وبقدر ما سنرى من تشابه إلى حد كبير بين الأحكام العامة لإجراءات المساءلة التأديبية للقضاة و إجراءات مساءلة الموظف العام مثلا إلا أن حساسية منصب القاضي يتطلب أن يكون معيار مساءلة القاضي خاضعا لقواعد خاصة وفقا لأرقى مبادئ السلوك و الفضائل ، وعلى ذلك ولمزيد من التفصيل سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين :
المبحث الأول : المبادئ والأحكام العامة المتعلقة بتأديب القضاة.
المبحث الثاني : خصوصية المساءلة التأديبية للقضاة .
المبحث الأول : المبادئ والأحكام العامة المتعلقة بتأديب القضاة
إن المبادئ والأحكام العامة للتأديب المتعلقة بالقضاة تختلف عن غيرها من أحكام تأديب أعوان الدولة وموظفيها بشكل جلي ، وذلك في شروط المساءلة التأديبية ، و تحديد المخالفة التأديبية وطبيعتها القانونية ، ومعيار الخطإ التأديبي ، والهيئة المختصة بالتأديب ، وما إلى ذلك من أحكام سيتم ذكرها بالتفصيل في هذا المبحث .
وعليه أتطرق في المطلب الأول إلى : الإطار المفاهيمي للنظام التأديبي للقضاة ،كما لا يفوتني أن
أتطرق في المبحث الثاني إلى : العقوبة التأديبية للقضاة و السلطة المختصة بتوقيعها .
المطلب الأول : الإطار المفاهيمي للنظام التأديبي للقضاة
إن القضاة هم حاملو لواء العدل ، ولاشك في أنهم يقومون بهذا الشكل بحمل أمانة سامية وخطرة في آن واحد ، وعليه فقد أقرت النظم القانونية المختلفة قواعد خاصة تنظم مسؤوليتهم التأديبية ، وهذه القواعد تختلف بقدر متفاوت في الأنظمة القانونية المختلفة عن القواعد المنظمة لمساءلة الموظفين العموميين تأديبيا[10] ، وهذا ما سنحاول معرفته من خلال بيان النظام التأديبي للقضاة والقواعد المنضمة له.
الفرع الأول : المقصود بالتأديب
لكل كيان من الكيانات السياسية أو البشرية طائفة من المصالح الاجتماعية تربط أفراده تستلزم حمايتها بوضع منظومة من القواعد والحلول هدفها الأساسي إقامة النظام باحترام هذه المصالح المشتركة[11] ، و ذلك بوضع جزاءات على أي تجاوز أو إخلال .
ونتيجة لذلك تنشئ هذه القواعد في المجتمعات السياسية ما يعرف بالقانون الجنائي وفي الطوائف الاجتماعية الأخرى ما يعرف بالقانون التأديبي[12].
هذا وجدير بالملاحظة أن لاصطلاح التأديب مفاهيم متنوعة ، ذلك أنه يتميز بصفة الطائفية لانصرافه لتأثيم تصرفات تم ارتكابها ناتجة عن انتهاكات لالتزامات فرضها الانتماء لطائفة معينة ، فنجد التأديب في مجال الدولة حيث يتعرض الموظف للتأديب حين إخلاله بواجباته الوظيفية ، و في مجال القطاع الخاص بموجبه يكون لرب العمل سلطة تأديبية اتجاه عماله حين إخلالهم بمقتضيات سير العمل ، وحتى في مجال النقابات المهنية نجد أن التشريعات خولت لمجالسها التأديبية سلطة مساءلة أعضاءها و توقيع جزاءات تصل إلى حد الفصل والشطب و الإيقاف المهني ، ولو توسعنا في مجال التأديب وجدناه حتى في شؤون الأسرة و الأحوال المدنية ، فنجد أن بعض التشريعات العربية والإسلامية تمنح الزوج حق تأديب الزوجة والولد[13] ، ومن صوره اللجوء للضرب الخفيف .
ونظرا لشمول بعض أنواع التأديب على وسائل مادية : كالضرب في التأديب الأسري ، مما يجعل من مفهوم التأديب متوسعا عن الغاية التي يبتغيها في المجال الوظيفي بصفة عامة ، هذا الأمر جعل من تحديد التسمية الدقيقة أمرا ضروريا .
لذلك يطلق على تأديب أشخاص الوظيفة العامة ونشاط المهن الحرة و العمل الخاص بالقانون التأديبي.
أولا - تعريفه :
لا مراء في أن لمعنى التأديب من دلالة لغة ما قد يخالف نظرة رجال الفقه ، و إذا كان هؤلاء يلجؤون في تعريفهم لمصطلح ما للمعاني اللغوية ـ أولاـ بغرض استنباط روح كل اصطلاح وما يعنيه ، إلا أنّ ذلك لا يعني حتما أنّ معنى الكلمة يظل واحدا في اللغة و الاصطلاح ، و إلا لما أفاض رجال الفقه بدلوهم وتركوا المجال فقط لأهل اللغة .
و حتى يتضح مدلول كلمة معينة ينبغي تأصيلها وتحليلها من وجهة نظر أهل اللغة أولا و قبل كل شيء ، ثم معرفة رأي أهل الفقه فيها ثانيا ، بالإضافة إلى رأي التشريع و القضاء ، و في هذا سنأتي على تعريف التأديب لغة ثم اصطلاحا.
أ - المدلول اللغوي للتأديب:
وردت كلمة التأديب في معنى الأدب ، والذي يتأدب به الأديب من الناس ، وسمي أدبا لأنه يؤدب الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح ، وأدبه فتأدب يعني علمه ، واستعمله الزَجاَجُ في الله عز وجل فقال:وهذا ما أدب الله تعالى به نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،وفلان قد استأدب بمعنى تأدب،والأدب جملة ما ينبغي لدى الصناعة أو الفن أن يتمسك به، كأدب القاضي ، وأدب الكاتب.[14]
وقد استعمل هذا المصطلح في حديث ضعيف فيما يُروى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال : " أدبني ربي فأحسن تأديببي ."[15]
وترادف كلمة التأديب مفهوم التربية عند قدماء العرب ، وصاروا بعد ذلك يطلقون كلمة الأدب على الخلق الكريم.
التأديب يأتي بمعنى التربية والتهذيب ، وهو الأدب بمفهومه الأخلاقي ،وتأديب الفرد يعني تقويم اعوجاج سلوكه وتزويده بالقيم الأخلاقية ،[16] كما يقصد به العقاب والمجازاة [17].
ب - المدلول الاصطلاحي للتأديب :
اصطلاحا وفي ظِل غياب نص تشريعي يُعرِّف التأديب ؛ فإن الفقه والقضاء الإداريين وجدا صعوبة بالغة في تحديد تعريف دقيق له ، نظرا لتوسع مفهوم التأديب ، ولعل ذلك ما دفع الأستاذ "موريس هوريو" maurice hauriou إلى القول : أن القانون التأديبي يعتبر يتيما يبحث عن والديه بدون جدوى .[18]
وفيما يلي أهم المحاولات لتعريف القانون التأديبي[19]:
يعرفه الأستاذ الفرنسي "جان بيرت دولا جيرسي" jean berthe de la gressaye بأنه : "سلطة لجماعة اجتماعية بأن تعلن بنفسها عقوبات خاصة ضد من يقوم من أعضاءها بتعكير النظام الداخلي
لها أو يقلل من اعتبار الجماعة الاجتماعية في نظر الرأي العام ."[20]
ويرى الأستاذ "هنري نزار" Henri Nezard " : أن كل مجموعة اجتماعية تقوم على مصالح مشتركة يجب أن تحافظ عليها وتحميها لتحقيق أهدافها ورسالتها ، ويتطلب نظامها تعاون أعضاءها، والذي يضمن بقاءها هو قواعد القانون التي تحدد واجبات كل عضو فيها ، وتعاقب على التصرفات الضارة بحياة المجموعة والتي تشكل أساس وجودها ".[21]
أما الأستاذ الفرنسي" ماكس جيبير" Max Gibert ":أن التأديب يهدف إلى معاقبة التصرفات التي تسيء إلى القواعد المفروضة على الشخص ، باعتبار أنه يمارس مهنة معينة و تعاقب على مخالفة القواعد المهنية .[22]
في حين يرى الأستاذ "بوجار" Bujard " : أن التأديب يتعلق بعقاب الاعتداءات على القواعد المتصلة بمصالح المجموعة ، فهو إذن قانون المؤسسة ، ويبدو كمظهر للسلطة التنظيمية للإدارة ."
ويرى بعض الفقه الإنجليزي أن للتأديب معنيين :[23]
المعنى الأول ؛ ويطلق عليه الأسلوب الإيجابي للتأديب أو التأديب البناء ، وهو أشمل في معناه من مجرد التأديب والتقويم ، إذ إنه يهدف إلى بعث مناخ يساهم في رضى العاملين بالاستجابة التلقائية لقواعد ولوائح العمل في مكان العمل ، وهذا الرضى يشيع روح الانضباط ورعاية لوائح العمل ، ويلتزم العاملون أفرادا وجماعات بالمستويات المطلوبة للسلوك ، إذ أنهم يتبعون الواجبات والالتزامات المفروضة عليهم باختيارهم لأنهم راغبون في ذلك وليس لمجرد خشيتهم من نتائج عدم التزامهم بأوامر الرئيس الإداري الذي يشيع المناخ الإيجابي ، وأحيانا يكون بلجوء السلطة الإدارية لأسلوب الحوافز وذلك لبث روح المسؤولية و روح الانضباط اقتناعا لا هيبة .
والمعنى الثاني ؛ ويطلق عليه الأسلوب السلبي للتأديب ،ومن بعض صوره :اللجوء إلى الجزاءات والتهديد حثا للتابعين على إطاعة الأوامر والتقييد بالواجبات والسير وفقها ،وهدفه الأساسي الردع ، وهذه الطريقة تهدف إلى نشر جو الهيبة والخوف في أوساط العاملين ، وبالتالي يؤدي إلى إفقادهم ولاءهم ، و يتجلى من كل هذا انه يجب يكون التأديب بالمعني الإيجابي بهدف الإصلاح والتقويم .
ويرى بعض الفقه المصري : أن نظام التأديب أمر كامن في طبيعة كل نظام اجتماعي ، وهو بهذا الوصف يهدف إلى بسط سلطانه على أي طائفة تسعى إلى تحقيق أهداف معينة أو يربطهم ولاء واحد ، حيث ترتبط بمصالح يجب أن تجمعها غاية تكون مهمتها تحقيقها ، ومدفوعة إلى أن تتخذ إجراءات تسمح لها بكفالة وجودها[24].
أما في الفقه الإسلامي فإن التأديب يقابل التعزير ، والذي يكون عن الأفعال التي تخرج عن نطاق القصاص والحدود و ولايته- التعزير- في الإسلام تكون للخليفة أو من يفوضه في ذلك سواء كان قاضيا ، أو محتسبا ، أو منوطا به ولاية المظالم[25].
ومما هو جدير بالملاحظة أن جل التعريفات الفقهية للتأديب جاءت بصفة ضيقة ، عكس المفهوم الواسع للتأديب ، فنجدها تركز على الموظف العام دون باقي الفئات ـ فكما سبق القول ـ أن التأديب له طابع فئوي هدفه تأثيم تصرفات تم ارتكابها ،وناتج عن انتهاك للالتزامات التي يفرضها الانتماء لطائفة معينة ؛ وبالتالي فإن التأديب يشمل ثلاث فئات كبيرة في المجتمع السياسي وهي :[26]
الوظيفة العامة ، ونشاط المهن الحرة ، والعمل الخاص، وداخل كل قطاع من القطاعات توجد نظم مختلفة للتأديب ؛ ذلك أنه لا يوجد نظام تأديبي يشمل كل الفئات .
ثانيا - النظام التأديبي للقضاة :
القضاء هو عصب الدولة ، ولابد من السهر على أن يسير بصورة مثالية ، ولعل القضاة هم المقصودون من هذا ؛ وعليه فإن النظم القانونية المختلفة رأت أنه كما يجازى القاضي المجد بمختلف العلاوات والترقيات ، فإنه ـ ومن جهة مقابلة ـ لابد من الحرص على عقاب القاضي المخطئ والمقصر خلافا لما يمليه عليه واجبه الوظيفي .
أ – تعريفه :
المسؤولية التأديبية للقاضي هي تلك المسؤولية الناتجة عن إهماله وإخلاله بواجب مراعاة واحترام مقتضيات واجباته الوظيفية[27]، سواء تمثل ذلك الإخلال بامتناع القاضي عن القيام بأفعال وتصرفات نص القانون صراحة على وجوب قيامه بها ، أو جراء إقدامه على القيام بأفعال وتصرفات يحضر القانون القيام بها :كإفشاء السر المهني ، أو ممارسة نيابة انتخابية ، أو القيام بوظيفة عامة دون إخطار وزير العدل ، أو امتلاك مؤسسة ، وما إلى ذلك من واجبات سنأتي على ذكرها بالتفصيل في المبحث الثاني من هذا الفصل .
ب - شروط المساءلة التأديبية للقضاة :
يشترط لمساءلة القاضي تأديبيا ثلاثة شروط :
أن تكون هناك علاقة وظيفية بين القاضي والسلطة القضائية التي يعمل فيها ، بمعنى: أنه يجب لإعمال المساءلة أن يكتسب المعني بها صفة القاضي ، فلا تكون المساءلة إذا عُزل مثلا ، وأن يقع منه إخلال بالتزاماته الوظيفية ،وأن يشكل هذا الإخلال بالالتزامات الوظيفية خطأ تأديبيا، وعليه أُجْمِلَ الشرطان الأخيران في شرط واحد .
1- اكتساب صفة القاضي :
لم تهتم القوانين المنظمة للقضاء وعمل القاضي ـ على الرغم من تعددها ـ بوضع تعريف عام وشامل له ، ومن هنا كان من الضروري أن يجتهد الفقه والقضاء في سبيل الوصول إلى هذا التحديد ؛ ومن هذه التعريفات الفقهية نجد :
القاضي هو الشخص الذي تنظر أمامه الدعوى القضائية ، وهو الذي يتابع سيرها ويصدر الحكم فيها في النهاية أي : بعد إغلاق باب المرافعة ودراسة ملف الدعوى وإصدار القرار [28]
كما يقصد بالقضاة كل من يتولى منصب القضاء ؛ سواء كان قاضيا في المحاكم الابتدائية أو مستشارا في محاكم الاستئناف أو في محكمة النقض .[29]
وقسّم الفقيه الفرنسي" أندريه جولي "[30]القضاء إلى قسمين :
القسم الأول: وهو القضاء الجالس Magistrature Assise ؛ ووظيفته تطبيق القانون ، وسماع المرافعات ، وتحضير الدعوى ، ومراعاة سلامة الإجراءات والحكم ، وقد أطلق عليهم هذا الاسم لأنهم يباشرون عملهم وهم جلوس.
القسم الثاني : وهو القضاء الواقف Magistrature Debout ؛ ووظيفته تمثيل المجتمع والحكومة أمام المحاكم للدفاع عن مصلحة المجتمع و النظام العام .
وعليه فقد ذهب الفقيه "أندريه جولي" إلى التفرقة بين القضاة و أعضاء النيابة العامة ؛ وذلك حين قال:" يقصد بالقضاة من يكلفون بالفصل في المنازعات، أي إصدار حكم في ادعاءين متعارضين ويقصد بأعضاء النيابة من يكلفون بالتحقيق في الجرائم للوصول باسم المجتمع إلى إدانة المجرمين "[31].
وعلى كل فإن الخضوع للمساءلة التأديبية تشمل أعضاء النيابة وقضاة الحكم ، وبالتالي يخضعون لنفس الإجراءات التأديبية ، ويمثلون أمام نفس الجهة المختصة بتأديب القضاة كافة[32] .
2- الإخلال بالواجبات والالتزامات المفروضة على القضاة :
قد يرتكب القاضي داخل وظيفته أو بمناسبتها أخطاء وظيفية ، وهي تظهر عندما يخالف القاضي في عمله الواجبات الايجابية أو السلبية المفروضة عليه صراحة ، وكذلك عندما يخرج عن مقتضيات العمل ولولم تتضمنها نصوص مكتوبة ، وقد وردت هذه الواجبات في القانون الجزائري من المادة 07 إلى المادة 25 من القانون الأساسي للقضاء ، وكذلك تضمنت مدونة أخلاقيات مهنة القضاء العديد من الواجبات والالتزامات التي كانت في حال مخالفتها تشكل خطأ تأديبيا يوجب المساءلة التأديبية ضد القاضي المخالف ، ويضاف إلى ذلك بعض المراسيم الرئاسية و الوزارية والمنشورات و التعليمات ، وهي تفرض عليه مسلكا أو آخر ، أو تحدد له كيفية التصرف في موضوع أو موضوعات معينة ، والمفروض على القاضي العلم والعمل بكل ذلك . [33]
ويمكن القول أن أي إخلال أو انحراف عن واجبات القاضي التي سنتعرض لها في المطلب الثاني من المبحث الثاني يعتبر خطأ مهنيا ، وقد يكون بسيطا أو جسيما ويسأل عنه القاضي أمام المجلس الأعلى للقضاء و الذي يكيف الخطأ ، ويقرر الإجراء المناسب على النحو الذي سنراه لاحقا .[34]
الفرع الثاني : فكرة الخطإ التأديبي في نظام تأديب القضاة
يطلق الفقه والقضاء على الخطإ التأديبي أسماء مختلفة أهمها : المخالفة التأديبية، والجريمة التأديبية، والذنب الإداري، الخطأ الإداري.[35]
إلا أن القانون الأساسي للقضاء قد تطرق في الفصل الثالث " انضباط القضاة " إلى تسمية أخطاء القضاة بالخطإ التأديبي ، حيث نصت المادة 60 عل أنه : " يعتبر خطأ تأديبيا في مفهوم هذا القانون العضوي..." .
وعليه ارتأينا اختيار تسمية الخطإ التأديبي تماشيا مع خيار المشرع الجزائري.
أولا - ماهية الخطإ التأديبي:
لا تخضع الأخطاء التأديبية كقاعدة عامة لمبدإ لا جريمة بغير نص ،كما هو الحال في القانون الجنائي ؛ لهذا نجد أن معظم التشريعات تخلو من تعريف الخطإ التأديبي مكتفية بالنص على بعض الأخطاء أو الأخطاء الجسيمة كما هو الحال في التشريع الجزائري ، وأهم الواجبات الوظيفية التي يشكل الخروج عنها خطأ تأديبيا تستلزم جزاء تأديبيا ، وعليه سنتعرض إلى تعريف الخطإ التأديبي تشريعا وقضاء وفقها .
أ – تعريفه :
اختلفت النظم القانونية في تعريف الخطإ التأديبي للقاضي ، ذلك أنه من الصعب ان لم يكن من المستحيل تعداد الحالات التي تعتبر خطأ عضو السلطة القضائية خطأ تأديبيا وعليه فلن نتبع منهاج التعداد بل سنتطرق إلى تعريف الخطإ التأديبي تشريعا وفقها وقضاء .
1- تشريعاً :
عرفت المادة 60 من القانون العضوي رقم 04\11 المتضمن القانون الأساسي للقضاء الخطأ التأديبي بقولها: " يعتبر خطأ تأديبيا ـ في مفهوم هذا القانون ـ كل تقصير يرتكبه القاضي إخلالا بواجباته المهنية .
ويعتبر أيضا خطأ تأديبيا ـ بالنسبة إلى قضاة النيابة ومحافظي الدولة ـ الإخلال بالواجبات الناتجة عن التبعية التدرجية . "
كما نص المشرع الفرنسي في المادة 43 من قانون نظام القضاء رقم 127 الصادر في 22\12\1958 على أنه :" كل تقصير من القاضي لواجبات مهنته أو للشرف و النزاهة أو الكرامة تشكل خطأ تأديبيا ، وهذا الخطأ يتم تقديره بالنسبة لعضو النيابة أو قاضي الإدارة المركزية لوزارة العدل آخذا في الاعتبار الالتزامات التي تنشأ عن الالتزامات التدرجية "[36].
والملاحظ أن المادة 60 الصادرة بموجب القانون العضوي 04\11 المتضمن القانون الأساسي للقضاء الجزائري هي مستقاة أو شبيهة تماما بالمادة 43 من القانون رقم 127 المؤرخ في 22\12\1958 المتضمن القانون الأساسي للقضاء الفرنسي من حيث الصياغة والتعريف للخطإ التأديبي .
كما نصت المادة 83 من قانون القضاء العدلي اللبناني على أن : " كل إخلال بواجبات الوظيفة وكل عمل يمس الشرف أو الكرامة أو الأدب يؤلف خطأ يعاقب عليه تأديبيا "[37].
وعليه يمكن القول إن التشريعات المقارنة عرفت الخطأ التأديبي بأنه :كل إخلال بالواجبات المهنية للقاضي .
2- فقهاً :
اختلف الفقهاء في تحديد مفهوم الخطإ التأديبي فنجد أن المستشار الفرنسي" برنار داركوس" يعرفه بأنه :" كل خطإ أو تقصير من القاضي في القيام بالتزامات وظيفته المحددة في القوانين أو اللوائح أو العرف القضائي "،وذهب المستشار الإيطالي مورتسو إل تعرفيه بأنه:" كل إخلال بواجبات الوظيفة طبقا للقوانين وطبقا للتعليمات الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء " .
ويرى الأستاذ الأمريكي"بيتر شوك" أن الخطأ التأديبي للقاضي الأمريكي:"هو كل خروج من القاضي عن واجبات وظيفته إيجابا أو سلبا ، سواء كان ذلك داخل أو خارج الخطأ القضائي ."[38]
وتعرفه أخرون بأنه : " كل إخلال بالواجبات المهنية ، وكل عمل يمس الكرامة والاحترام القضائي والأخلاق يعاقب عليه تأديبيا "[39].
ويعرفه بعض الفقه بأنه : " كل عمل أو امتناع عن عمل يرتكبه أحد القضاة داخل أو خارج الوظيفة ، و يتضمن الإخلال بواجبات الوظيفة القضائية أو المساس بكرامتها دون أن يكون هذا العمل أو الامتناع استعمالا لحق أو أداء لواجب طبقا للقانون " .
وعليه فإن الخطأ التأديبي للقاضي هو مخالفة لقاعدة قانونية أو مقتضيات واجبات الوظيفة القضائية ، ومقتضيات الوظيفة القضائية هي الأشياء الكثيرة التي لا يجاهر القانون بمنعها ، بل يدينها ضمنيا أي : لا يمنعها صراحة ، بل ضمنا وهو ما يطلق عليه في الشرع الإسلامي بـ" دلالة الإشارة "[40].
ويرى بعض الفقه أنّ للخطإ التأديبي مفهومين :
مفهوم ضيق للخطإ التأديبي و يقصد به :كل إخلال بأحد الواجبات الوظيفية كما حددتها القوانين و اللوائح سواء كانت واجبات عامة أو خاصة ، ولذلك يسمى بالخطإ الوظيفي .
ومفهوم واسع للخطإ التأديبي ويقصد به :كل إخلال بما ينبغي أن تكون عليه سلوكيات القاضي أو عضو النيابة العامة في حياته الخاصة من فضائل أو قيم أخلاقية عامة مثل : الاستقامة والشرف و الكرامة و الأدب ، فكل ما ينال من هذه القيم يعد خطأ تأديبيا .[41]
وكل ما ينال من هذه القيم ـ حتى ولو كان في نظر القانون سلوكا مشروعا ـ يعد خطأ تأديبيا حتى ولو لم يخل بأحد الواجبات المفروضة على القضاة ، وهذا ما كرسته فرنسا في المادة 43 من القانون الأساسي للقضاة رقم 127 لسنة 1958 [42]. فالحياة الخاصة للقاضي لا تنفصل عن وظيفته
إلا أنه ليس كل ما في الحياة الخاصة يرتبط حتما بالوظيفة ، مؤكد أنه من المستحيل أن نفرق بين ما يرتبط وما لا يرتبط بالوظيفة ، إلا أنه هناك قدر ضئيل من حياة القاضي ولا يرتبط بالوظيفة ولا ينبغي أن يُسأل عنه ألا وهو أسرار الحياة المصونة لكل بشر ، ولا يمكن لأحد الإطلاع عليها :كسوء التفاهم في حياته الزوجية مثلا ، فلا نستطيع اعتبار مثل هذا التصرف تقصيرا منه ، فكما سبق القول ما القاضي إلا بشر.
وبالرغم من توسع مفهوم الخطإ التأديبي ـ كما سبق ورأينا حرصا على نزاهة وسمو منصب القضاء ـ إلا أنه ولابد من أن يكون لهذا التوسع حدود يرسو عندها ، و بالتالي فإن أي عمل يقوم به القاضي يكون من شأنه إحداث اضطراب في التنظيم الإداري للوظيفة القضائية يعرضه للمسؤولية التأديبية.
3 - قضاءً
لم يعرف القضاء الجزائري الخطأ التأديبي وإنما اكتفى بإعطاء صور لأفعال تعتبر أخطاء تأديبية تستوجب العقاب ، ومن ذلك ما قرره مجلس الدولة الجزائري في القرار المؤرخ في 27\05\2002 ملف رقم 007635 ، والذي يقضي بإبطال مقرر عزل ضد قرار المجلس الأعلى للقضاء ، حيث اعتبر مجلس الدولة واجب التحفظ والإخلال به خطأ تأديبيا ،كما اعتبر السب والشتم والعبارات السوقية الماسة بحرمة القضاء أخطاء تأديبية يؤدي الإخلال بها إلى عقوبة العزل وليس أقل من هذه العقوبة .[43]
كذلك القرار رقم 005240 بتاريخ 28\01\2002 اعتبر صراحة أنه تعتبر أخطاء تأديبية ممارسة التجارة باسم الغير مخالفة واجب التحفظ التقصير في أداء المهام ، والتزوير عن طريق تقديم شهادات طبية على سبيل المجاملة ، ومغادرة التراب الوطني دون ترخيص مسبق .[44]
بالإضافة إلي القرار رقم 156112 بتاريخ 20\07\1997 في الطعن المرفوع من القاضي (ي.م ) والذي اعتبر التقصير في أداء المهام خطأ تأديبيا [45] .
أما القضاء الفرنسي فهو الآخر اكتفى بتقديم صور لأفعال تعتبر مخالفات تأديبية من خلال ما قرره مجلس الدولة الفرنسي في الطعن المرفوع من القاضي friant le ضد قرار مجلس القضاء الأعلى بإحالته للمعاش ،حيث اعتبر المجلس مخالفات تأديبية قيام القاضي المذكور بإقامة علاقات غير مشروعة بالعاهرات ،واتصاله بأشخاص ذوي سوابق إجرامية ،وحيازته لأسلحة نارية كبيرة العيار غير مصرح بها ،كما اعتبر قيام وكيل النيابة "بيدالو " بتحرير سلسلة من الخطابات لرؤسائه بألفاظ عنيفة و غير لائقة ، وقيامه كذلك بالاعتراض على السيد رئيس محكمة الجنح المستأنفة في مجال تنظيم المحكمة وسيرها أخطاء تأديبية وجب محاسبة القاضي بمناسبتها[46].
ب الطبيعة القانونية للخطإ التأديبي للقضاة :
لعل التساؤل الـمُثار حول الأسانيد القانونية لتأثيم فعل أو امتناع عنه واعتباره خطأ تأديبيا دون غيره يستحق معاقبة مرتكبه بالجزاءات المقررة له ، ويمكن القول أن الطبيعة القانونية لتأثيم الأخطاء التأديبية للقضاة تعود في هذا الصدد إلى التشريع أو العرف الإداري أو القضاء أو أراء الفقه
1- النصوص التشريعية :
تختلف النصوص التشريعية التي تحدد الواجبات الوظيفية للقضاة وبالتالي تحديد الأخطاء التأديبية لهم عن النصوص التي تحدد مخالفات باقي أعوان الدولة والموظفين العموميين ، وبهذه الحالة فهي تتسع لتشمل [47] :
- الشريعة الإسلامية : فيما تتضمنه من قيم المساواة والعدل وإعطاء كل ذي حق حقه والحكم بين الناس بالعدل ، فالشريعة الإسلامية حددت واجبات القضاة من خلال القرآن والسنة النبوية الشريفة ، وكتب الفقهاء في مجال القضاء ، وبالتالي فهي مصدر من مصادر تأثيم الأخطاء التأديبية للقضاة في كثير من البلاد العربية على الأقل .
- المعاهدات والمواثيق الدولية : فالمعاهدات التي تصادق عليها الدولة والتي يمكن تطبيق فحواها مباشرة بقطع النظر عن أي تشريع داخلي باستثناء الدستور وهي مصدر من مصادر تأثيم الأخطاء التأديبية ، بالإضافة للمواثيق الدولية كوثيقة "بنغالور" الآتي ذكرها و التي تم اعتمادها بموجب الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ووثيقة "الرياض" بشأن سلوك القاضي العربي والتي اعتمدت من طرف الجامعة العربية .
- القوانين المتعلقة بالقضاء والقضاة داخل الدولة : كالقانون الأساسي للقضاء ، ومدونة أخلاقيات مهنة القاضي ، وقانون مكافحة الرشوة ، فهي كلها مصادر لتأثيم خطإ القاضي .
-2 العرف القضائي وقيم وتقاليد القضاء :
من دون شك أن أي تصرف للقاضي يشكل خروجا عن العرف القضائي أو القيم والتقاليد القضائية فإنه يعتبر خطأ تأديبيا يعرض مرتكبة للمساءلة التأديبية ، ومن أمثلة ذلك ما جري عليه العرف في القضاء المصري من عدم تردد رجال القضاء في مصر على أقسام ومراكز الشرطة لعمل محاضر بشأن الوقائع التي تعرض لهم في حياتهم ،وإنما يتم تقديم مذكرة بالواقعة مباشرة للنيابة العامة [48]
3- الأحكام التأديبية الصادرة من المجلس الأعلى للقضاء :
وهي ما يعرف بالقضاء التأديبي للقضاة وهي الأحكام الصادرة من المجالس التأديبية المنطوية تحت المجلس الأعلى للقضاء ، ومثال ذلك الأحكام الصادرة من هذا الأخير في تشكيلته التأديبية فالأحكام الصادرة بهذا الشأن تعتبر مصدرا من مصادر تأثيم الأخطاء الـتأديبية للقضاة .
ثانيا - أركان الخطإ التأديبي للقضاة :
اختلفت الآراء حول أركان الخطإ التأديبي بين عدة اتجاهات ، فمنها ما يرى أن للخطإ التأديبي ثلاث أركان ؛ موظف ينسب له الخطأ ، وركن مادي ، وركن معنوي ، واتجاه يَخْلُصُ إلى أن للخطإ التأديبي ركن مادي ومعنوي وقانوني ، وآخر يري أن له ركن أدبي ،وركن شرعي، وركن مادي ، إلا أن الاتجاه المتفق عليه يري أن للخطأ التأديبي ركنان ،ركن مادي، وركن معنوي [49]
أ - الركن المادي :
أول دليل على وقوع الخطإ التأديبي وارتكابه من طرف القاضي هو عمل مادي يتجلى في المظهر الخارجي .
1- مضمونه :
يلزم لقيام الخطإ التأديبي توافر عنصر مادي يتمثل في الفعل أو المظهر الخارجي الملموس ، والذي يتمثل في فعل محدد يصدر عن القاضي سواء كان إيجابيا أو سلبيا بحيث يمكن تشبيه الخطإ بالعمل الشرطي الذي يثير تطبيق نظام قانوني موضوعي معد سلفا[50] ، وبذلك فإن الركن المادي للمسؤولية التأديبية للقاضي تتمثل في الفعل الإيجابي أو السلبي الذي يتخذه مخالفا بذلك الواجبات الوظيفية الملقاة علي عاتقه[51]، فيتوافر هذا الفعل إذا قام القاضي بأفعال من قبيل الشتم والسب والعبارات السوقية أو ممارس التجارة باسم لغير أو بإنشاء علاقات غير مشروعة مع سيدات عاهرات أو أشخاص ذوي سوابق إجرامية ولا يقلع عن ذلك برغم إنذاره من زملائه عن مغبة سلوكه [52] ، ويتوافر الفعل المادي إذا قام بتقديم استشارات قانونية لجهة محلية تابعة للحكم المحلي نظير أجر وذلك دون استئذان من المجلس الأعلى للقضاء الايطالي [53] ، و بناء على ذلك فإن مجرد تفكير القاضي في ارتكاب الخطإ لا يشكل خطأ تأديبيا طالما أن هذا التفكير لم يخرج إلى حيز الوجود ، كما لا يكفي لتكوين الركن المادي مجرد الاتهامات العامة أو النعوت المرسلة [54].
2- الضوابط القانونية لتوافر الخطإ التأديبي :
تمتلك السلطة التأديبية صلاحيات تقديرية واسعة في تحديد ما يعتبر خطأ تأديبيا ؛ ولكن ذلك لا يعني ـ بأي شكل من الأشكال ـ إهدارا كليا لمبدإ الشرعية ، فلا تملك السلطة المخولة بالتأديب أن تعاقب القاضي على أي فعل يصدر عنه ، بل لابد أن يكون الفعل منطويا على خطإ ما وفقا لقاعدة عامة سواء كان مصدرها القانون أو لائحة أو قرار تنظيمي أو عرف مستقر ملزم أو مبدأ قضائي متواتر. ويتحدد الخطأ وفقا لهذا المفهوم على ضوء عدة ضوابط [55]، فيجب أن لا يكون الفعل المكون للخطإ التأديبي ممارسة لحق مشروع كحق الشكوى ، وحرية العقيدة ، وحق الدفاع عن الوطن ، وقد قضت محكمة النقض المصرية في شأن حرية العقيدة الدينية للقاضي بأنه " وإن كان من البين من مطالعة قرار التنبيه الصادر ضد أحد المستشارين أن رئيس المحكمة الذي أصدره اكتفى فيه بيانا لوقائع من نصوص منشورة من كتابات الطالب حول مبادئ الإسلام وتطبيق شريعته دون أن يضيف أو يسمي ما في سطور هذه الكتابات في لفظها أو فحواها من مخالفات لواجبات أو مقتضيات الوظيفة توجب التنبيه ، وهو ما يصيب القرار المطعون فيه بخطإ في بيان السبب مخالفا للقانون بما يتعين معه الحكم بإلغائه"[56].
كما أنه لا يجب أن يقاس الخطأ التأديبي بمعيار موضوعي ، بل يقتضي النظر إليه بمعيار شخصي –شخص القاضي- لمعرفة ما إذا كان ما قام به هذا الأخير خطأ تأديبيا أم لا ، فمعيار محاسبة فئات معينة من الموظفين كرجال القضاء يقوم على أرقى قواعد السلوك ؛ وعليه قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه :
" إذا كان المدعي ليس موظفا عاديا وإنما في درجة مستشار فينبغي أن توازن صلاحياته للبقاء في وظيفته بحسب أرفع مستويات الأخلاق والسلوك التي تتطلبها هذه الوظيفة ، وبحسب ما تستوجبه من أبلغ الحرص على اجتناب مواضع الشبهات "[57].
كما يجب أن يكون الخطأ التأديبي قد ارتكب دون عذر قانوني كالمرض ، وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية بأن " مرض القاضي بسبب مفاجئ يبرر انقطاعه عن عمله طبقا للمادة 77\2 من قانون السلطة القضائية..."[58] بالإضافة للضعف العقلي، والقوة القاهرة ، والإكراه المادي والأدبي، والخطأ بسبب سوء تنظيم المرفق ،كما أن الخطأ التأديبي يتأثر بوقوعه في الحالات العادية أو في الظروف الاستثنائية
ب - الركن المعنوي :
لا يكفي الركن المادي لثبوت الخطإ التأديبي ؛ إذ لابد من توافر عناصر أخرى من بينها الركن المعنوي .
1- مضمونه :
يتكون الخطأ التأديبي ـ كما سبق القول ـ من ركن مادي وركن معنوي ولا قيام للخطإ التأديبي دون الركن المعنوي والذي يتمثل في صدور الفعل الإيجابي أو السلبي عن إرادة آثمة ، فإذا تعمد القاضي كان الركن المعنوي هو القصد ، وإذا انصرفت الإرادة للنشاط دون النتيجة كان الركن المعنوي هو الخطأ غير العمدي ، فإرادة النشاط عنصر لازم في الركن المعنوي للمسؤولية التأديبية التي تقوم في كل الحالات على الخطإ ، فإذا لم يتوافر الركن المعنوي فلا تكون هناك مسؤولية تأديبية [59]، ذلك أنه إذا ارتكب الفعل تحت قوة قاهرة ، أو مرض مفاجئ ، أو دفاعا عن النفس ، أو إكراها لا يقاوم ، أو فقد تام للإدراك فلا يُساءَل القاضي حينها ، وتنتفي عنه المسؤولية عندها[60].
2- معيار الخطإ التأديبي للقضاة :
تقوم المسؤولية التأديبية بصفة عامة على فكرة الخطإ الذي يمثل انحرفا في السلوك ، ويعتد بقياس هذا الانحراف بمعيار موضوعي ، يعتد بالظروف الخارجة العامة .
غير أن معيار مسؤولية القضاة تأديبيا يقوم على أساس أرقى قواعد السلوك والفضائل، لأن جلال وظيفة القضاء وسمو رسالته يقتضي ـ من غير شك ـ شدة المساءلة وعسر الحساب ، لأن رجال القضاء ينبغي أن يأخذوا أنفسهم بأوفى الفضائل ، ويبتعدوا بها عن مواطن الشبهات [61].
فالخطأ التأديبي يقصد به إخلال القاضي بالتزاماته المهنية المفروضة عليه ، ومثل هذا الإخلال لا يمكن حصره ، فقوامه ليس مخالفة القاضي لواجباته الوظيفية التي نصت عليها القوانين واللوائح بل تلك التي يقتضيها حسن انتظام العمل .
وينبني على هذا ، ويقوم عليه أن طبيعة الوظيفة القضائية ومالها من قدسية تفرض المزيد من الالتزامات والواجبات على القضاة [62] ؟ـ كما سنأتي على ذكره ـ اذ يتم قياس التصرفات بميزان دقيق مراعاة لهيبة الوظيفة القضائية وكرامتها ؛ ولذلك فإن تصرفا ما قد يكون عاديا ولا يعاقب عليه بالنسبة للموظف العام ، وقد يشكل خطأ تأديبيا بالنسبة للقاضي ، وبالتالي فالركن المعنوي يتوسع لدى القضاة عن غيرهم من الموظفين وأعوان الدولة ، ومعيار الخطأ التأديبي غير ثابت لدى القضاة ، وعليه نجد أن الدكتور عبد الفتاح مراد قد طالب في مؤلفه " المسؤولية التأديبية للقضاة وأعضاء النيابة العامة " بوجوب تقنين الأخطاء التأديبية للقضاة ، وذلك لاختلاف مركزهم القانوني والدستوري عن غيرهم من الموظفين ، ونظرا لاتساع دائرة الواجبات الوظيفية بالنسبة لهم ، وكذا دائرة الأخطاء التأديبية [63].
المطلب الثاني: العقوبة التأديبية للقضاة والسلطة المختصة بتوقيعها
إذا ثبت ارتكاب القاضي للواقعة المنسوبة إليه ، وانطوت على إخلال بالواجبات الوظيفية القضائية أو مساسا بكرامتها فإن مبدأ المشروعية والذي مفاده خضوع الكل للقانون يقتضي أن يوقع على القاضي العقوبة المناسبة لما ارتكبه من أخطاء ومخالفات من طرف الجهة المختصة بتأديب القضاة.
وعليه نتولى في هذا المطلب بيان مفهوم وخصائص العقوبة التأديبية ومدى انطباق مبدأ الشرعية عليها ) الفرع الأول ( .
ثم بيان الجهة المختصة بتأديب القضاة والمتمثلة في المجلس الأعلى للقضاء كهيئة دستورية مخولة وحدها بتأديب وتقويم سلوك القاضي ) الفرع الثاني( .
الفرع الأول: النظام القانوني للعقوبة التأديبية للقضاة
يختلف الهدف الذي تسعى إليه العقوبة التأديبية بشكل عام تماما عن الغرض الذي تهدف له العقوبة الجزائية في القانون الجنائي ، غير أن هذا الاختلاف لا يمنع العقوبة التأديبية من أن تتأثر بالعقوبة الجنائية في حال تأديب القاضي .[64]
أولا : العقوبة التأديبية للقضاة :
للعقوبة التأديبية نظام قانوني يختلف عن غيرها من النظم القانونية التي تحكم الصور المقاربة لها –كالجزاء الجنائي والعقوبة الإدارية – ولعل هذا الاختلاف هو اختلاف من حيث الهدف ، وعليه فإن المشرع أخضع العقوبات التأديبية لضوابط عديدة نظرا لخطورتها ، فالسلطة المختصة بالتأديب ملزمة بتوقيع الجزاءات التأديبية المنصوص عليها في سلم العقوبات ، ومجبرة على احترام نظام قانوني معين وألا تعرض قرارها التأديبي إلى الإلغاء .[65]
أ - مفهوم العقوبة التأديبية :
اتبع المشرع الجزائري نهج بقية تشريعات الدول الأخرى ؛ فلم يعرف العقوبة التأديبية تاركا ذلك للفقه الذي نوع في تعريفها بحسب اختلاف وجهات النظر التي تبناها كل رأي ، فذهب البعض في تعريفها بالنظر إلى محلها وطبيعتها[66] على أنها جزاء أدبي ومادي في آن واحد ينطوي على عنصر الإيلام الذي يلحق بالقاضي ليس في حياته أو ماله أو حريته شأن العقوبة الجنائية ؛ وإنما تكون في وضعه المهني فقط ، فيؤدي هذا إلى حرمانه من المزايا والحصانات الوظيفية التي يتمتع بها أو من الوظيفة التي يشغلها ، سواء كان ذلك بصفة مؤقتة أو نهائية بسبب مخالفات ذات طبيعة خاصة و هي الأخطاء التأديبية و تتصل اتصالا وثيقا بالعمل الوظيفي ، بحيث يترتب عليها الحرمان أو الإنقاص من الامتيازات المهنية.
فالعقوبة التأديبية بصفة عامة هي وسيلة الإدارة في ردع وإصلاح مرتكبي الأخطاء التأديبية داخل المجتمع الوظيفي بقصد الحفاظ على النظام فيه [67] ، كما تعرف بأنها إجراء تتخذه السلطة المخولة بالتأديب بغية قمع التسيب والتي من شأنها ترتيب نتائج سلبية على حياة الموظف العملية [68] ، فالعقوبة التأديبية بهذا المعنى تقوم على ذات الفلسفة الحديثة التي ترتكز عليها العقوبة الجنائية ، فهي لا تستهدف فقط إيلام القاضي المخطئ ؛ وإنما تستهدف أيضا الإصلاح والتقويم في سبيل تمكين مرفق القضاء من أداء رسالته ، لذلك يجب على السلطة التأديبية عند توقيع العقوبة أن تضع دائما في اعتبارها الإحاطة بمختلف الظروف التي وقع فيها الخطأ ، والتي سمحت أو سهلت للقاضي ارتكابه حتى يمكن علاج أوجه النقص في جهاز القضاء ، وبالتالي حماية القاضي مستقبلا من أوجه الخلل التي قد تعرضه للمساءلة التأديبية .
ب - خصائص العقوبة التأديبية :
يتضح من خلال التعريف السابق أن العقوبة التأديبية تتسم بالطابع القمعي ـ إذا صح التعبير الذي تتسم به العقوبة الجنائية ـ[69] ، والذي يعتبر وسيلة السلطة التأديبية في المحافظة على النظام داخل مرفق القضاء ،كما تتشابه العقوبة التأديبية مع العقوبة الجنائية في أنهما وردتا على سبيل الحصر ؛ فلا عقوبة بغير نص، وبالتالي فالا يجوز للسلطة التأديبية –كما سنرى– توقيع عقوبات أخرى غير العقوبات التي ذكرها المشرع صراحة و إلا كانت العقوبة باطلة[70].
بالإضافة إلى أن العقوبة التأديبية تشابه العقوبة الجنائية من حيث أنها يسري عليها قاعدة وحدة العقوبة وشخصيتها ، فلا يجوز العقاب عن الفعل مرتين ، ومن غير الممكن عقاب شخص بدل شخص آخر عن خطإ تأديبي ارتكبه ، فلا تتعداه إلى غيره.
أما الطابع الخاص المميز للعقوبة التأديبية أن القانون التأديبي في مجال العقوبة التأديبية لا يعرف العقوبات السالبة للحرية أو المقيدة للحرية [71] ، فقد تكون العقوبات أدبية كالإنذار والتوبيخ وقد تنصرف إلى حرمان القاضي من بعض المزايا الوظيفية كخفض الأجر ، وقد تصل العقوبة مداها فتصل إلى حد العزل في حال ارتكاب خطإ مهني جسيم [72].
كما أن المشرع لم يحدد للأخطاء التأديبية عقوبات محددة على وجه الخصوص ، وإنما ترك ذلك للسلطة التقديرية للجهة المختصة.[73]
ثانيا : شرعية العقوبة التأديبية :
إذا كانت الجهة المختصة بالتأديب تتمتع بسلطة تقديرية في تحديد الأخطاء التأديبية ، فإن الأمر يختلف بالنسبة للعقوبة التأديبية ، حيث يطبق بشأنها مبدأ لا عقوبة إلا بنص ، وعليه فلا يجوز للسلطة المختصة بالتأديب توقيع عقوبة غير منصوص عليها في القانون ، و إلا كانت هذه العقوبة باطلة ،كما لا يجوز أن تبتدع عقوبة جديدة حتى ولو كان ذلك عن طريق القياس على العقوبات التي حددها المشرع[74] ، ذلك أن مبدأ شرعية العقوبة التأديبية يقتضي تحديد العقوبات التأديبية على سبيل الحصر بواسطة نصوص تشريعية وتنظيمية ، وعليه لا يجوز بأي شكل من الأشكال للجهة المختصة بالتأديب تسليط عقوبات غير منصوص عليها قانونا .
وانطلاقا من هذا المبدإ قضى مجلس الدولة الفرنسي أن الملاحظات الشديدة اللهجة لا يمكن اعتبارها عقوبة تأديبية لأن المشرع لم يدرجها ضمن سلم العقوبات [75].
ومنه تنص المادة 71 من القانون الأساسي للقضاء [76]على أنه لوزير العدل توجيه إنذار للقاضي دون ممارسة دعوى تأديبية ضده ، وكذلك يمكن لرؤساء الجهات القضائية توجيه إنذار للقضاة التابعين لنفس الجهة القضائية ؛ مع العلم أن الإنذار غير منصوص عليه كعقوبة في المادة 68 من القانون سالف الذكر ، وبالتالي فلا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتبار الإنذار عقوبة تأديبية .
غير أن التزام السلطة التأديبية باحترام مبدإ شرعية العقوبة ليس معناه انتفاء كل الجوانب التقديرية لها في هذا الصدد ، ففي المجال التأديبي لا يوجد ارتباط بين الجريمة والعقوبة ، وذلك عكس ما هو مقرر في القانون الجنائي ، ففي القانون الأخير يحدد المشرع الجريمة الجنائية ؛ ثم يضع لها العقوبة المناسبة بحيث يتعين على القاضي ـ في حال ثبوت الجريمة ـ أن يوقع على المتهم العقوبة المقررة ، أما في مجال التأديب فإن سلطة التأديب هي التي تحدد الأفعال المكونة للأخطاء التأديبية ، وهي أيضا تختار العقوبة المناسبة من بين العقوبات المنصوص عليها ، فالمشرع ـ كقاعدة عامة ـ يحدد قائمة العقوبات التي يجوز توقيعها على القاضي المخطئ ، ويترك لهيئة التأديب المختصة العقوبة الملائمة من بين هذه العقوبات [77].
ومن كل هذا فإن الهيئة المختصة بالتأديب حتى ولو كانت مقيدة بالتزام قائمة العقوبات المحددة في القانون فإنها غير مقيدة بتوقيع عقوبة محددة بذاتها بالنظر إلى الخطإ الذي يرتكبه القاضي [78].
ويترتب على تطبيق مبدإ شرعية العقوبة التأديبية في مجال التأديب عدة نتائج أهمها :
أ - عدم عقاب المخطئ عن الخطإ مرتين :
يترتب على مبدإ العقاب نتيجة منطقية وعادلة مؤداها عدم جواز العقاب عن الفعل مرتين ، ولقد أصبحت هذه القاعدة من المبادئ العامة للقانون ، والتي يجب على السلطة التأديبية الالتزام بها حتى ولو لم ينص عليها المشرع صراحة ؛ لكونها تتفق ومبادئ العدل [79]، حيث مجلس الدولة الجزائري قد قضى في أحد أحكامه بما يلى :
" وفي مقام ثاني أهمل المجلس الأعلى للقضاء بكامل هيئته التأديبية الأخذ بعين الاعتبار المبدأ العام القاضي بأنه لا يمكن الفصل في قضية بنفس الوقائع "[80] ، وعليه فإنه لا يمكن العقاب عن نفس الوقائع أو نفس الخطإ مرتين ، وهذا ما يُستقى من قرار مجلس الدولة السالف الذكر .
غير أن تطبيق هذه القاعدة تستوجب أن نكون أمام نفس الأفعال التي سبق أن عوقب من أجلها القاضي ، أما إذا ظهرت وقائع جديدة بعد توقيع العقوبة فإنه يكون من حق الهيئة المختصة بتأديب القاضي معاقبته ثانية عن هذه الوقائع.[81]
كما أن مبدأ عدم جواز عقاب القاضي المخطئ عن الفعل مرتين يستشف من عبارات المادة 69 من القانون الأساسي للقضاء والتي تنص على أنه : " لا يترتب على ارتكاب خطإ تأديبي إلا عقوبة واحدة ... " فعبارة عقوبة واحدة تفيد عدم جواز الجمع بين أكثر من عقوبة إلا أن الفقرة الثانية من نفس المادة قد استثنت العقوبات من الدرجتين الثانية والثالثة ، والتي قد تكون مصحوبة بالنقل.
إلا أن هذه المادة يشوبها لبس[82] ـ فيما يتعلق بالنقل التلقائي ـ وما إذا كان هذا النقل التلقائي عقوبة تبعية يقررها المجلس الأعلى للقضاء ، أم هو إجراء تتخذه الإدارة المركزية لوزارة العدل تلقائيا يصاحب أو يتبع العقوبة الأولى التي قررها المجلس الأعلى للقضاء ، حيث كان بالإمكان ومن الأفضل إضافة عقوبة النقل في صياغة الفقرة الخاصة بالعقوبات من الدرجة الثانية أو الثالثة لتفادي كل تأويل أو احتجاج أو تعسف .
كما أن هذه المادة تتعارض مع عقوبة الدرجة الثالثة ، حيث نصت على أنه لا تترتب على خطإ تأديبي إلا عقوبة واحدة ، في حين جاء في العقوبات من الدرجة الثالثة [83] عقوبتين هما :
1- النقل لمدة أقصاها اثني عشر شهرا ؛ وهي عقوبة.
2- الحرمان من كل المرتب أو جزء منه ؛ وهي عقوبة.
فأين احترام المشرع الجزائري لمبدإ عدم جواز عقاب المخطئ عن الفعل مرتين ؟
ومن ذلك فإنه لا يجوز معاقبة القاضي عن الذنب الواحد مرتين ، وهذه من البديهيات التي تقتضيها العدالة الطبيعية ، ومن الأصول المسلمة في القوانين الجزائية ، وأيًّا كانت طبيعة الجزاء التأديبي الذي وُقع أولا فإنه يجب توقيع عقاب مخالف له ؛ مادام وَقع بالفعل طبقا للأوضاع القانونية الصحيحة [84].
ب - عدم رجعية الجزاء التأديبي :
يقتضي مبدأ عدم رجعية الجزاء التأديبي أن الجزاء لا يترتب أثره إلا من تاريخ توقيعه ،فلا يجوز أن يرتد هذا الأثر إلى تاريخ سابق على ذلك [85] ، وعليه فلا يجوز للهيئة المختصة بالتأديب توقيع عقوبة تأديبية من تاريخ ارتكاب الخطإ التأديبي مهما كانت جسامته أو خطورته حتى ولو ألغى الجزاءُ لعيبٍ في الشكل ؛ فإن إعادة توقيع الجزاء من جديد تصحيحا للعيب لا يمكن أن يتم بأثر رجعي [86].
ج - مبدأ التناسب :
مبدأ التناسب في مجال القانون التأديبي[87] مفاده التزام السلطة التأديبية توقيع الجزاء الذي تقدر ملاءمته لمدى جسامة الخطإ التأديبي بغير مغالاة في الشدة ولا إسراف في الرأفة ، و قد أخذت بهذا المبدإ معظم التشريعات ؛ و هذا حفاظا على حقوق الشخص الخاضع للتأديب الذي قد يكون ضحية نزوات السلطة التأديبية ذات المركز القوي في المعادلة ، و تقتضي عملية التناسب اتباع شروط معينة تتمثل في : القيام بتصنيف الأخطاء التأديبية ، وكذا وضع سلم للعقوبات التأديبية مع ضرورة الأخذ بفكرة الحدين الأقصى و الأدنى في مجال الجزاء التأديبي ،كما تترك للجهة المختصة فرصة اختيار العقوبة التأديبية الأكثر ملاءمة للخطإ المقترف[88]، والقاضي مثله مثل الموظف العام يستفيد من هذا المبدإ ، ولعل قرار مجلس الدولة الجزائري المؤرخ في 27 \07\1998 [89] والذي جاء في حيثياته " حيث أن القاضي مثل كل موظف في الدولة يستفيد وجوبا بحقوق مضمونة دستوريا ، وأن القاضي الإداري ملزم بمراقبة احترام هذه القرارات "
وقد حدد المشرع الجزائري من خلال القانون الأساسي للقضاء 04\11 الأخطاء ،وفي المقابل سلم العقوبات ، وعليه نص على بعض الأخطاء ، والأخطاء الجسيمة [90] كما نص على سلم العقوبات في المادة 68 من نفس القانون.
كما أن مجلس الدولة الجزائري قد أخذ بمبدإ التناسب بين الجزاء والعقوبة ، ويستشف ذلك من خلال القرار الصادر عنه الملف رقم 005240 بتاريخ : 28\01\2002 حيث أبطل مقرر عزل قاضي صادر عن المجلس الأعلى للقضاء لسبب عدم احترام مبدإ التناسب بقوله[91] :
" ...حيث أن قرار مجلس الدولة المؤرخ في 27\07\1998 اعتبر أن العقوبة التي أقرها المجلس الأعلى للقضاء كانت عقوبة غير مناسبة للأخطاء المرتكبة ، وأن المجلس الأعلى للقضاء يبقى ملتزما بالقرارات الصادرة نهائيا عن مجلس الدولة ولا يبقى له تطبيقا للقرار سوى إعادة النظر في العقوبة التي سبق النطق بها ؛ وذلك بتبني عقوبة أقل درجة .." .
ويضاف إلى ما سبق في القضاء الفرنسي قضية عزل القاضي" بيدالو " ، وتتلخص القضية في أن القاضي المذكور قام بإرسال خطاب إلى الرئيس الفرنسي " جيسكار ديستان " بوصفه ضامنا لاستقلال السلطة القضائية ـ حسبما نص الدستور الفرنسي في المادة 64\1 ـ طالبا منه أن يضع نهاية للتدخل الممقوت والمثير للسخرية من جانب السلطة التنفيذية في الأعمال القضائية .
وقد أدى قرار مجلس القضاء الأعلى الفرنسي بعزل القاضي"بيدالو" لسخط القضاة ، وإحداث ردود فعل واسعة في الصحافة الفرنسية ، ولدى النقابات المهنية ورجال الأحزاب السياسة [92] ، كما أعلن رئيس نقابة القضاة آنذاك "فرانسوا روجير"في بيان باسم النقابة : أن قرار عزل القاضي"بيدالو" بعد وصمة عار يتعذر محوها في النظام الجسيكاردياني –نسبة للرئيس جيسكار ديستان – وأن استقلال القضاء قد مات.
إلا أن الدكتور عبد الفتاح مراد[93] يرى : أن عزل القاضي "بيدالو" تم بناء على أخطاء تأديبية ثابتة وبالمستندات-تجاوز القاضي حدود سلطته القضائية- ، وأن العزل قد تم بمعرفة السلطة التأديبية المختصة ، وبعد اتخاذ إجراءات تأديبية سليمة ،كما أن هذا العزل لا يتعارض مع عدم قابلية القاضي للعزل .
بل يرى : أن حكم مجلس القضاء الأعلى الفرنسي حكمٌ يمكن وصفه بأنه قد َغالَ في تقدير الجزاء التأديبي لأن جزاء العزل لا يتناسب مع الخطإ المرتكب من القاضي "بيدالو" .
د - مبدأ التسبيب :
ضمانا لكفالة حق الدفاع أوجب المشرع تسبيب القرارات الصادرة بتوقيع الجزاءات والأحكام التي تصدر عن الهيئة التأديبية ، وطالما كان التسبيب ينطوي تحت مظلة حق الدفاع فإنه يعتبر من الحقوق الدستورية ؛ ومن ثمة كان التسبيب واجبا لكافة القرارات التأديبية وقرارات مجالس التأديب[94] ، فالتسبيب من المبادئ الأساسية للنظام القضائي ، وهو يقتضي تحديد وصف الوقائع وصفا قانونيا مع بيان ما أحاط بها من مؤثرات ، وتكيفها التكيف القانوني ، وصحة إسنادها للأشخاص ومواد القانون واللوائح أو التعليمات بعد مناقشة الأدلة و الدفوع ؛بحيث تكشف الأسباب عن الإلمام بكافة العناصر والإحاطة بجميع الوقائع المنتجة في الإثبات ، والتسبيب يختلف عن السبب ؛ فكل قرار يفترض أن له سبب فالقرار التأديبي بوجه عام سببه إخلال ـ القاضي- بواجبات وظيفته أو اتباعه عمالا من الأعمال المحرمة عليه ، فكل قاض يخالف الواجبات المقررة قانونا ـ والسابق ذكرها ـ أو أوامر الرؤساء في حدود القانون ـ على نحو ما سيأتي ذكره ـ أو يخرج عن مقتضى الواجب في أعمال وظيفته يرتكب ذنبا تأديبيا هو سبب القرار الذي يسوغ تأديبه نتيجة إرادة السلطة التأديبية في إنشاء أثر قانوني في حقه ، وهو توقيع الجزاء عليه بحسب الشكل والأوضاع المقررة قانونا.
أما التسبيب فهو شرط صحة القرار التأديبي وفقا للقانون الأساسي للقضاء والقانون المتضمن تشكيل المجلس الأعلى للقضاء .[95]
هذا ويشكل مبدأ التسبيب العامل الأساسي الذي يعتمد عليه القضاء لرقابة العقوبات التأديبية الصادرة عن الهيئات التأديبية ، ذلك أن التسبيب هو الوسيلة التي تعبر لها السلطة التأديبية عن الظروف والأسباب التي جعلتها تتخذ القرار التأديبي[96] ، وعليه يشترط أن يكون تسبيب قرار العقوبة التأديبية واضحا ، ولذلك اشترط المشرع أن تكون قرارات المجلس الأعلى للقضاء معللة ؛ فنصت المادة 32 من القانون 04\12 على أنه : "يبت المجلس الأعلى للقضاء في تشكيلته التأديبية في القضايا المحالة إليه في جلسة مغلقة ، وتتم أعماله في سرية ، يجب أن تكون مقررات المجلس معللة " [97] .
كما نجد مجلس الدولة الجزائري قد أكد على ضرورة تسبيب الأحكام ومثاله ما قضى به في القرار الصادر بتاريخ : 27\05\2002 عن الغرفة الثانية ملف رقم : 007635 [98].
"حيث أنه بالرجوع إلى القرار التأديبي للمجلس الأعلى للقضاء فإنه غير مسبب تسبيبا كافيا يتماشى ودرجة العقوبة المتمثلة في العزل ـ وهي أقصى عقوبة تأديبية ـ ، واكتفى باعتبار العزل أنه ناشئ عن مناوشة كلامية بين الطاعن ورئيس الجلسة بجلسة 15\02\2000 أدت إلى خروج الرئيس من الجلسة بدون توقيفها أو رفعها تاركا المتقاضين في حيرة من أمرهم والتدخل بصوت عال أثناء جلسة 30\12\1999 العلانية قائلا للرئيس أمام المتقاضين والضحايا والنيابة العامة : عبارات سوقية مهينة أساءت إلى هيئة المحكمة ، وأثرت سلبا على المتقاضين ، ومست بحرمة القضاء ، وشهرت الصحافة المكتوبة بها ، وإن ذلك كله يعد إخلالا بواجب التحفظ ..." .
الفرع الثاني: الهيئة المختصة بتأديب القضاة (السلطة التأديبية ):
إن خصوصية المساءلة التأديبية للقضاة تجعل القاضي في حال مساءلته تأديبيا لا يخضع للجنة متساوية الأعضاء نصفها من القضاة والنصف الآخر من رؤساء المجالس أو المحاكم أو ما شابه ذلك ، مثله مثل الموظف العام -كما سنأتي على ذكره - فليس هناك أخطر من رسالة القضاء ،وعليه فلا عيب أن يكون كل نظام يسير الفئة التي تمثل العدالة في الأرض مميزة وخاصة ، ذلك أن المشرع ومادام أنه حرم على السلطة التنفيذية عزل القضاة بغير الطريق التأديبي فإنه لا ينبغي أن يترك تأديب القضاة بيدها ، حتى تنقطع كل صلة لها به ، ولذلك فإن الدارس للتاريخ القضائي الفرنسي ـ مثلاـ يجد أن المشرع الفرنسي حرص كل الحرص ومنذ القرن التاسع عشر على جعل تأديب القضاة بيد السلطة القضائية نفسها ،حيث بدأ الوضع في ظل قانون 30 أوت سنة 1883 بإناطة الاختصاص بالدعوى التأديبية بمحكمة النقض مشكلة بدوائرها مجتمعة وباعتبارها في هذه الحالة مجلسا أعلى للقضاة، ثم انتهى الوضع ابتداء من دستور 1958 وحتى يومنا هذا بجعل المجلس الأعلى للقضاء المكلف بهذه المهمة ،كما أن الوضع لم ينتهِ عند هذا الحد بل رؤي أنه عند انعقاد هذا المجلس للنظر في الدعوى التأديبية يجب ألا ينعقد برئاسة رئيس الجمهورية وإنما برئاسة رئيس محكمة النقض ، وألا ينعقد ـ كما هو الوضع العادي ـ في قصر الاليزيه ، بل في حرم محكمة النقض ؛ وذلك تخوفا من السلطة التنفيذية ، وتطبيقا لمبدإ استقلال السلطة القضائية وأعضائها .[99] ، وعليه فلا تخصص في المجتمعات البشرية هيئة دستورية للتأديب إلا لمن كان ذا شأن .
وبهذا كانت المساءلة التأديبية القضاة تناط لهم في إطار هيئة دستورية منصوص عليها بموجب الدستور[100]، ومقننة بقانون عضوي ؛ ذلك أن المواثيق الدولية والدساتير والقوانين كلها لا تختلف في أن تسيير شؤون القضاة لا يكون إلا في يد السلطة القضائية ذاتها ، بمعنى : أنهم لا يجب أن يخضعوا بأي حال من الأحوال إلى إحدى السلطتين في حال مسؤوليتهم التأديبية ، وعليه وُضع لهم نظام خاص بالتأديب تضطلع به السلطة القضائية وحدها ممثلة في المجلس الأعلى للقضاء .
أولا : المجلس الأعلى للقضاء كهيئة دستورية لتأديب القضاة :
يعد المجلس الأعلى للقضاء مؤسسة دستورية يتجسد فيها مبدأ الفصل بين السلطات وتعزيز استقلالية السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ، ذلك أن الدستور الجزائري رسخ مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة وجعل السلطة القضائية مستقلة تمارس عملها في إطار القانون ،واعتبر القاضي مَحميًا من كل أشكال الضغوط والتدخلات ، وأنه لا يخضع إلا للقانون ، لكن الدستور لم يترك القاضي يتصرف حسب ما يشاء ودون رقيب بل جعله خاضعا للقانون ، وهو مسؤول أمام المجلس الأعلى للقضاء عن كيفية أدائه لمهامه القضائية وحده دون سواه ، فهو مخول بمتابعة المسار المهني للقضاة ، ومنها المساءلة التأديبية لهم [101].
أ - تشكيلته ونظام سير عمله :
تختلف تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء في حالتين التشكيلة العادية ، والتي تنعقد برئاسة رئيس الجمهورية أو نائبه وزير العدل والتشكيلة التأديبية ، والتي تنعقد برئاسة الرئيس الأول للمحكمة العليا وهذا بالشكل الأتي :
1- تشكيلته في الحالات العادية :
تتألف تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء[102]حسب المادة 03 من القانون العضوي 04\12 المتضمن تشكيل المجلس الأعلى للقضاء من عشرة )10( قضاة منتخبين يمثلون مختلف القضاة وستة )06( شخصيات يعينهم رئيس الجمهورية من خارج سلك القضاء بحكم الكفاءة ، بالإضافة إلى ممثل الإدارة المركزية لوزارة العدل التي يمثلها المدير المكلف بالتسيير المسار المهني للقضاة دون أن يشارك في المداولات ، والرئيس الأول والنائب العام للمحكمة العليا ، ويرأس المجلس الأعلى للقضاء رئيس الجمهورية[103] ، وينوبه وزير العدل حافظ الأختام[104].
والملاحظ أن تشكيلة المجلس الأعلى قد تغيرت مع تغير الدساتير في الجزائر لتساير مبدأ استقلال السلطة القضائية ، ونحو تسيير القضاة لشؤونهم الخاصة ، لكن دون الوصول إلى الاستقلال التام ، فالدارس لتشكلية المجلس الأعلى للقضاء عبر الدساتير يلفت انتباهه التغيير الدائم في التشكيلة على النحو الآتي :
ففي القانون الأساسي للقضاء لسنة 1969[105] فإن المجلس كان يترأسه رئيس الدولة ، ويتشكل من وزير العدل حافظ الأختام نائبا للرئيس ، ومدير الشؤون القضائية بوزارة العدل ، ومدير الإدارة العامة لوزارة العدل ، والرئيس الأول للمجلس القضائي الأعلى ، والنائب العام لدى المجلس القضائي الأعلى ، وثلاثة ممثلين للحزب –جبهة التحرير- ، وثلاثة أعضاء من المجلس الشعبي الوطني ، وقاضيين للحكم ، وقاض للنيابة العامة منتخبين من بين قضاة المحاكم ، والجدير بالذكر أن القضاء حينها كان وظيفة من وظائف الدولة وليس سلطة مستقلة .
أما تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء في القانون الأساسي للقضاء لسنة 1989 [106] فكان يرأس المجلس الأعلى للقضاء رئيس الجمهورية ، ويتكون من وزير العدل نائبا للرئيس ، والرئيس الأول للمحكمة العليا ، والنائب العام لدى المحكمة العليا ، ونائب رئيس المحكمة العليا ، وثلاثة أعضاء يختارهم رئيس الجمهورية ، ومدير الموظفين والتكوين بوزارة العدل ، وأربعة قضاة للحكم ، وثلاثة قضاة نيابة منتخبين من بين قضاة المجالس القضائية ، وستة قضاة للحكم ، وثلاثة قضاة نيابة منتخبين من بين قضاة المحاكم .
وفي فرنسا فإن تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء لم تشذ عن تشكيلة أغلب دول العالم[107] ، فهو يتكون من رئيس الجمهورية رئيسا ، و وزير العدل نائبا ، وثلاثة أعضاء من مـجلس النقض ؛ منهم
واحد من النيابة العامة ، وعضو من مجلس الدولة ، وشخصيتين يختارهما رئيس الجمهورية خارج سلك القضاء [108].
أما في مصر فإن القانون رقم 35 لسنة 1984 المؤرخ في : 27\03 \1984 والمعدل للقانون 46 لسنة 1972 المتضمن قانون السلطة القضائية نص في مادته 77مكرر 1 على أنه : " يشكل مجلس القضاء الأعلى برئاسة رئيس محكمة النقض ، وبعضوية كل من :
· رئيس محكمة استئناف القاهرة .
· النائب العام .
· أقدم اثنين من نواب رئيس محكمة النقض .
· أقدم اثنين من رؤساء محاكم الاستئناف الأخرى .
وعند خلو وظيفة رئيس محكمة النقض أو غيابه أو وجود مانع لديه يحل محله في رياسة المجلس أقدم نوابه ، وفي هذه الحالة ينظم إلى عضوية المجلس أقدم نواب رئيس المحكمة النقض من غير العضوين المشار إليهما في الفقرة السابقة .
وعند خلو وظيفة أحد أعضاء المجلس أو غيابه أو وجود مانع لديه يحل محل النائب العام أقدم نائب عام مساعد ، أو من يقوم مقامه ، ويحل محل رؤساء محاكم الاستئناف من يليهم في الأقدمية من رؤساء محاكم الاستئناف الأخرى ، ويحل محل نواب رئيس محكمة النقض من يليهم في الأقدمية من النواب ." ، ولم يتغير نص المادة وفقا للتعديل الأخير لسنة 2006 [109] .
وعليه فإن النموذج المصري يبقى من أكمل النماذج في المجالس العليا القضائية نظرا للتشكيلة القضائية الكاملة ، فالمجلس الأعلى للهيئات القضائية المصري لا تشوبه شائبة اقتداء بالقضاء المصري الذي قد يكون شبه كامل في مجال الاستقلال ، وحتى بالمقارنة بالنماذج الغربية.
2- تشكيلته التأديبية :
بغرض حماية القاضي ولضمان مقتضيات المحاكمة العادلة في حالة إقامة الدعوى التأديبية ضد القاضي عند تقصيره في القيام بواجباته المهنية فإن المشرع قد جعل تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء تختلف عن التشكيلة العادية المقررة في المادة 03 من القانون العضوي المتضمن تشكيل المجلس الأعلى للقضاء ، إذ استُثنيَ من التشكيلة العادية كل من رئيس الجمهورية ، ووزير العدل حافظ الأختام ، وقرر بموجب المادة 21 من القانون السالف الذكر ترأس الرئيس الأول للمحكمة العليا للمجلس حيث نصت المادة :
" يرأس الرئيس الأول للمحكمة العليا المجلس الأعلى للقضاء عندما يجتمع في تشكيلته التأديبية للفصل في المتابعات التأديبية المتخذة ضد القضاة ".
إلا أنه يحق لوزير العدل تعين ممثل عنه من بين أعضاء الإدارة المركزية لوزارة العدل لإجراء المتابعة الـتأديبية وبهذا الاختصاص فهو يشارك في المناقشات دون المداولات [110].
3 نظام سير عمله :
تم تناول هذا المحور في 05 مواد تعلقت بسير وعمل المجلس وميزانيته [111] ، وطبقا للمادة 12 من القانون العضوي المذكور أنفا يجتمع المجلس الأعلى للقضاء في دورتين عاديتين في السنة ، وله أن يجتمع في دورات استثنائية بناء على استدعاء من الرئيس أو نائبه ، ومن خلال نص المادة يتضح جليا أن المشرع قد حدد صراحة من له حق دعوة المجلس للانعقاد في دورته الاستثنائية والتي أوكلت لرئيس الجمهورية أو وزير العدل.
ولكن السؤال المطروح : هل هذه المادة تعني أنه يمكن انعقاد جلسات استثنائية للتشكيلة التأديبية ؟ ـ وإن صح هذا القول ـ فهل يمكن للرئيس الأول للمحكمة العليا ـ بما أنه رئيس المجلس في الحالة التأديبية ـ الحق في استدعاء التشكيلة التأديبية في دوارات استثنائية ؟.
بمعنى أخر:هل المادة ـ وفي حالة الدورات الاستثنائية ـ تشمل المجلس الأعلى للقضاء في كل جلساته العادية والتأديبية أم تشمل جلسات المجلس في الحالة العادية فقط ؟ .
وفي هذا الصدد يرى بعض الفقه : أن جلسات المجلس في التشكيلة التأديبية يحددها الرئيس الأول للمحكمة العليا باعتباره رئيس المجلس ، وله أن يستدعي لذلك إلى جلسات استثنائية[112] .
كما أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء أو نائبه هو الذي يضبط جدول جلسات الدورات العادية والاستثنائية بعد تحضيره بالاشتراك مع المكتب الدائم للمجلس والمكون من 04 أعضاء ، وهذا خلافا لما كان سائدا من قبل حيث كان تحضير جدول أعمال المجلس الأعلى يقتصر على عضوي السلطة التنفيذية لا غير .
كما أنه لا تصح المداولات إلا إذا حضرها ثلثي (2\3) من أعضاء المجلس على الأقل [113] أي: أن يحضر 13 عضوا على الأقل من أصل 19عضو ، أما قرارات المجلس الأعلى للقضاء فإنها تقوم عل مبدإ الأغلبية ؛ وذلك طبقا لنص المادة 15 [114] من القانون سالف الذكر.
كما أن المتمعن في القانون العضوي سالف الذكر يلاحظ أنه لم ترتب أي إجراءات أو متابعات تأديبية أو جزائية على إفشاء سر المداولات ، واجتماعات المجلس الأعلى للقضاء ، ويجدر التذكير على أن قضاة المجلس الأعلى للقضاء والذين يعتبرون في حالة انتداب في هذه الحالة لا تنطبق عليهم الإجرءات الخاصة بالقضاة لكون بعض أعضاء المجلس خارج سلك القضاء ؛ ولكن ربما تنطبق عليهم الالتزامات المطبقة على أعوان الدولة الملزمين بالسر المهني بصفة عامة .[115]
ب - صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء :
حددت المادة 155 من دستور 1996[116] صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء بتعين القضاة ، ونقلهم ، وسير سلمهم الوظيفي، والسهر على احترام أحكام القانون الأساسي للقضاء ، ورقابة انضباط القضاة ، وطبقا لذلك تم النص على هذه الصلاحيات تفصيلا في الفصل الأول من الباب الثاني من القانون العضوي04\12 المتضمن : تشكيل المجلس الأعلى للقضاء من المادة 18 إلى غاية المادة35 ، إلا أن ما يهمنا في هذه الدراسة المواد المتعلقة بنقل القضاة وتعينهم وترقيتهم والجزء المتعلق برقابة انضباط القضاة .
1- صلاحياته بمتابعة المسار المهني للقضاة :
تتمثل صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء في إدارة المسار المهني للقضاة فيما يلي:
*دراسة ملفات المرشحين للتعين في سلك القضاء .
*دراسة اقتراحات وطلبات نقل القضاة والتداول بشأنها أخذا بعين الاعتبار طلبات المعنيين بالأمر وكفاءتهم المهنية ، وأقدميتهم، وحالتهم العائلية ،والأسباب الصحية لهم ولأزواجهم وأطفالهم ،كما يراعي حالات شغور المناصب ، وتنفذ مداولات المجلس بقرار من وزير العدل .
*يختص المجلس بالنظر في ملفات المرشحين للترقية ، ويسهر على احترام شروط الأقدمية وشروط التسجيل في قائمة التأهيل ، وعلى تنقيط وتقسيم القضاة وفقا لما هو محدد في القانون الأساسي للقضاء.
*بالإضافة لذلك يكون للمجلس الفصل في تظلم القضاة حول تسجيل في قائمة التأهيل عقب نشرها،
كما له التداول حول طلبات الاستقالة .
*ويستشار المجلس بشأن قرارات التعيين المباشر والترسيم وفقا للمادة 39 من القانون الأساسي للقضاء والإلحاق طبقا للمواد 75 إلي 80 من القانون السالف الذكر ، والإحالة على الاستيداع وفقا للمواد من 81 إلي 83 من القانون نفسه ، وتمديد فترة الخدمة بعد الإحالة على التقاعد ، وكذلك في حال قرار سحب صفة القاضي الشرفي[117].
2- صلاحياته بمساءلة القضاة تأديبيا :
أُسندت مهمة رقابة انضباط القضاة و تأديبهم بموجب الدستور الجزائري إلى المجلس الأعلى للقضاء [118] ، و عليه تم تناول صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء في تشكيلته التأديبية سالفة الذكر في الفصل الثاني من القانون المتضمن تشكيل المجلس ، وحددت في هذا الفصل كيفيات سير المجلس المُجْتَمِعِ في تشكيلته التأديبية ، وأُعطِيت له صلاحيات الفصل في المتابعات التأديبية المتخذة ضد القضاة الذين أخطأوا ، و التي يباشرها وزير العدل على النحو الذي سيأتي تفصيله وتحليله في الفصل الثاني من هذه الدراسة .
ثانيا - الدور الوزاري في تأديب القضاة وخطورته على استقلال القضاء :
باعتباره عضوا في الحكومة يتولى وزير العدل تنفيذ السياسة العامة المسطرة من قبلها ، وأهم ما يرمي إليه وزير العدل هو ترقية الجهاز القضائي ، والسهر على حسن سيره ،وضمان استقلال السلطة القضائية ، ومن أجل ذلك له عدة سلطات يمنحها له القانون كونه الرئيس الإداري لمرفق القضاء نذكر منها :
أ - سلطة وزير العدل في توجيه الإنذار :
زيادة على العقوبات التي يتعرض لها القاضي من جراء الدعوى التأديبية فإنه يمكن لوزير العدل بحكم سلطة الملائمة التي يتمتع بها أن يوجه إنذارا إلى القاضي في الحالة التي لا يوصف فيها الخطأ بالجسيم دون مباشرة دعوى تأديبية أمام المجلس الأعلى للقضاء ، ودون إعلامه بذلك [119] ، وقد استبدلت العقوبة بالإنذار بعد أن كانت عقوبتا الإنذار والتوبيخ في القانون السابق حسب المادة 100 منه ، وبعد التعديل سنة 2004 أضيفت عقوبة التوبيخ إلى العقوبات من الدرجة الأولى ، والتي لا تكون إلا من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء [120].
في هذا الصدد يتبن لنا : أن توجيه إنذار من رؤساء الجهات القضائية -كما سيأتي ذكره- جائز وأمر طبيعي ، والأمر غير ذلك عندما يتعلق الأمر بوزير العدل الذي ينبغي أن لا يسمح له القانون والدستور ـ أولا ـ بتوجيه إنذار لقاضي الحكم وإن كان القانون يُـجيز ذلك على قاضي النيابة لامتداده الطبيعي لوزير العدل كما يقول بعض الفقه ، لأن القول بغير ذلك فيه مساس بمبدإ الفصل بين السلطات ، ولا حرج في القول : بأنه تَعَدٍّ من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية يجب وقفه.
ب - سلطة وزير العدل في الإيقاف :
لضرورة السير الحسن لمرفق القضاء كان من الجائز السماح للسلطة المخولة بإدارة هذا المرفق ممارسة بعض الصلاحيات التي تكون في إطار المصلحة العامة و التي من بينها : سلطة إيقاف القاضي مؤقتا عن ممارسة نشاطه ، وذلك بسبب أخطاء مهنية أو جزائية يكون قد ارتكبها تؤثر على السير الحسن للقضاء إلى حين الفصل في الدعوى المقامة ضده ، وهذا ما نصت عليه المادة 65 من القانون الأساسي للقضاء [121]حين نصت على أنه : يمكن لوزير العدل إذا بلغه أن قاضيا ارتكب خطأ جسيما سواء تعلق الأمر بالواجبات المهنية أو ارتكاب جريمة من جرائم القانون العام مخلة بشرف المهنة إيقافه عن العمل فورا بعد إعلام مكتب المجلس الأعلى للقضاء إلى غاية الفصل في دعواه التأديبية أو الجزائية ، ونجد أن هذا التعريف للإيقاف هو نفسه الذي عرفه الفقه الفرنسي بأن الإيقاف الذي يتعرض إليه القاضي بأنه ذلك التدبير التحفظي الذي لا يدخل ضمن العقوبات التأديبية والذي يتخذ بسبب بعض الوقائع الخطيرة التي تستوجب المتابعات التأديبية بسبب الفضيحة التي تثيرها ، والتي يتخذ بشأنها في الحال تدبير الإيقاف والذي يتمثل في منع القاضي من ممارسة مهامه إلى غاية الفصل في الدعوى التأديبية ، ولا يمكن أن يتخذ بصورة علنية [122]، وسنتطرق لهذا الموضوع بالتفصيل في الفصل الثاني من هذه الدراسة .
كما تجدر الإشارة أن المادة 71 من القانون الأساسي للقضاء قد منحت رؤساء الجهات القضائية سلطة توجيه الإنذار إلي القضاة التابعين لدائرة اختصاصاتهم في النظامين العادي والإداري ضمن نفس الشروط التي تفرض على وزير العدل في توجيه الإنذار للقضاة ، وهذا ما أخذ به المشرع المصري كذلك حيث فرض وسيلة التنبيه كجزاء عام لمواجهة الخطإ التأديبي اليسير ، وذلك بالنص في المادة 94 من قانون السلطة القضائية على أنه لرئيس المحكمة من تلقاء نفسه أو بناء على قرار الجمعية العامة بها حق تنبيه القضاة إلى ما يقع مخالفة لواجباتهم أو مقتضيات وظائفهم بعد سماع أقوالهم ، ويكون التنبيه شفاهة أو كتابة ، وفي الحالة الأخيرة يبلغ صورة لوزير العدل ....
ولمدير إدارة التفتيش القضائي حق تنبيه الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وقضاتها بعد سماع أقوالهم ، وتجدر الإشارة أن هذا الحق في قانون السلطة القضائية المصري السابق رقم 46 لسنة 1972 كان مخولا لوزير العدل وحده .
كما نص المشرع الفرنسي على نفس الإجراءات ، وهذا من خلال استقراء المادة 44 من القانون رقم 127 السابق الذكر [123].
والملاحظ على أن هذه التنبيهات الصادرة عن وزير العدل ورؤساء الجهات القضائية تكتسي طابعا وقائيا أكثر منه جزائيا .
ج – دور وزير العدل في تعيين الرئيس التأديبي للمجلس الأعلى للقضاء :
لعل المادة الأكثر إثارة للجدل في القانون الأساسي للقضاء هي المادة 03\2 من القانون الأساسي للقضاء والتي تنص على أنه " يعين من جهة أخرى بموجب مرسوم رئاسي ، وبناء على اقتراح من وزير العدل ، في المهام التالية
- رئيس المحكمة العليا "
في حين تنص المادة 88 على ما يعد انتقاصا لمبدإ استقلال القضاء في الجزائر ؛ حيث تنص على أنه " يرأس المجلس الأعلى للقضاء الرئيس الأول للمحكمة العليا ، عندما ينعقد كمجلس تأديبي " وبهذا فإن الدارس للمادتين يلاحظ وكأن المشرع يمنح للقضاء استقلالا باليد اليمنى ، ويسحبه باليد اليسرى حيث يثور التساؤل حول الرئيس الأول للمحكمة العليا والذي ـ وحسب المادتين ـ فإن وزير العدل هو الذي يقترح الرئيس الأول للمحكمة العليا ، ويتم تعينه من قبل رئيس الجمهورية ، وذلك دون إشراك المجلس الأعلى للقضاء ـ والذي من المفترض أن يكون صاحب الاختصاص الأصيل في التعيين ـ .
وبالتالي فإنه من الطبيعي؛ بل من المنطقي أن يقترح وزير العدل على رئيس الجمهورية شخص الرئيس الأول للمحكمة العليا الذي يتلاءم وتصوراته وأفكاره وبرنامجه في تسيير مرفق القضاء.
كما أن المتابعات التأديبية الصادرة عن وزير العدل ضد القضاة توقع الرئيس الأول للمحكمة العليا بين معضلتين وهما سلطة القانون وسلطة وزير العدل ، وهذا ما جعل كثيرا من المتتبعين لقضايا تأديب القضاة يقولون: أن مجلس الدولة هو حامي القاضي ، وليس المجلس الأعلى للقضاء ؛ حيث أن قضاة اليوم يلتجئون لمجلس الدولة لحمايتهم من بطش المجلس الأعلى للقضاء ، وهذا تناقض ما بعده تناقض . [124]
المبحث الثاني : خصوصية المساءلة التأديبية للقضاة
إن قضية تأديب القضاة تعد من أكثر القضايا اتصالا بسائر مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والحضارية السائدة في أي مجتمع ، ذلك أنها تتعلق بالفئة التي تسهر على حماية الحقوق ، فهم ركيزة العدالة بشكل عام ، وصلاحهم هو الطريق الوحيد لارتقاء الأمم ، فلا يستقيم حكم صالح إلا بقضاء صالح [125].
وعليه فإنه من الطبيعي أن تكون مساءلة القاضي التأديبية مميزة وخاصة ولو بالقدر الذي يسمح بظهور القضاة كأعضاء في سلطة مستقلة ، وليس كسائر الموظفين العموميين في الدولة. [126]
وبهذا أتطرق في هذا المبحث إلى بيان اعتبارات خضوع المساءلة التأديبية للقضاة لقواعد خاصة (مطلب أول) ، وتميز وسمو واجبات القضاة واختلافها عن واجبات رجال الإدارة لأنها أساس المساءلة التأديبية للقضاة (مطلب ثاني)فنص المادة[127] 60 من القانون الأساسي للقضاء تعتبر الخطأ التأديبي كل تقصير بالواجبات المهنية للقاضي.