صفحة 1
تقديم
تبدأ قصة تجديد النحو العربيّ منذ تحقيق الدكتور شوقي ضيف لكتاب ابن مضاء «الرد على النحاة»، علماً بأنّ أزمة النحو ليست وليدة العصر الحديث، بل كانت موجودة على وقت النحويين القدماء معاصرة لهم؛ نجدها متناثرة في كتب التراث تدعو لتيسير النحو وتتذمر منه ومن مسائله العويصة، حتى صار الناس يتندرون على النحويين ويسخرون منهم ومن حججهم، وضاق الشعراء بقيود النحـو التي كبلتهم، ومـن طريف ما يحكى في التذمر مـن مسائل النحو؛ قصة دَمَاث أبو غسّان صاحب أبي عبيدة حين قـرأ النحـو ودرسه إلى أن توصل إلى بـاب الواو والفـاء من قـول الخليل وأصحابـه أن ما بعـدها ينتصب بإضمار أن، فنبا فهمـه عنهـا، فكتب إلى بكـر بن محمد المازني، قصيدة فيها شكوى مـريرة يعـرب فيها عمّا لقيه من تعب ونصب في قراءة النحو(1):تفكرت في النحو حتى مللت
وأتعبت نفسي له والبدنْ
وأتعبت بكراً وأصحابه
بطول المسائل في كل فنْ
فكنت بظاهره عالماً
وكنت بباطنه ذا فطنْ
خلا أن باباً عليه العفاء
للفاء ياليته لم يكنْ
وللواو باب إلى جنبه
من المقت أحسبه قد لُعنْ
إذا قلت هاتوا لماذا يقال
لست بآتيك أو تأتينْ
أجيبوا لما قيل هذا كذا
على النصب؟ قيل لإضمار«أن»
فقد كدت يا بكر من طول ما
أفكر في بابه أن أجنّْ
ويقوم هذا البحث بمناقشة مشكلات النحو ودعوات تجديده. وأهم محاور دعوات التجديد: إلغاء العامل، والتجديد في الإعراب؛ في الفصل الأول. ويجيب الفصل الأول عن تساؤلين مهمين: هل أزمة النحو العربي من النحو ذاته أو من طبيعة اللغة العربية؟ وما الأسباب التي جعلت من النحو العربي معقداً مستعصياً على الفهم؟
ويستعرض الفصل الثاني أثر اللسانیات الحدیثة في تجدید النحو في منظور النحو الوظیفي، والنحو التعلیمي، والنحو الحاسوبي. في محاولة للإجابة عن تساؤلين مهمين آخرين: هل اللسانيات الحديثة قادرة على أن تغنينا عن النحو التقليدي؟ ثم هل من الضرورة تجديد النحو العربي بالاستفادة من معطيات اللسانيات الحديثة لتيسير النحو التعليمي ولحوسبة اللغة العربية؟
صفحة 2
الفصل الأول
مشكلات النحو ودعوات التجديد
مشكلات النحو العربيمحاولات تجديد النحو
أهم محاور دعوات التجديد:
إلغاء العامل
التجديد في الإعراب
مدخل
يوجز ابن خلدون في مقدمته وصف نظرية النحو العربي ونشأته، أنه حينما خشي العرب من دخول اللحن لغتهم «استنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة المطردة شبه الكليات والقواعد التي يقيسون عليها سائر أنواع الكلام. ويلحقون الأشباه بالأشباه؛ مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات؛ فاصطلحوا على تسميته إعراباً وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً، وأمثال ذلك. وصارت كلها اصطلاحات خاصة بها، فقيّدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو»(2).
فالنحو العربي هو المستنبط من كلام العرب الذي تتبعه النحويون بالاستقراء ثم قاسوا عليه كلامهم. والإعراب تغير دلالة الكلمات تبعاً لتغير حركاتها، وموجب الإعراب هو العامل. ويعرّف الجرجاني النحو فيقول: «هو علم بقوانين يعرف بها أحوال التراكيب العربية من الإعراب والبناء وغيرهما»(3).
ويوضح الخليل أساس النحو العربي لديه حينما سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: «إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها. وعرفت مواقع كلامها»، وهذا دليل ملاحظته إلى ظاهرة اللغة وانتظامها في نسق معين. والخليل بتفكيره العلمي حاول التوصل إلى معرفة أسباب هذه الظاهرة وعللها بما توصل إليه تفكيره؛ ويوضح أنه متيقن من أن هذا البناء اللغوي يعتمد على براهين وأدلة منطقية. يقول الخليل:«واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست. فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء؛ عجيبة النظم والأقسام؛ وقد صحّت عنده حكمة بانيها، بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: «إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا. سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها»(4). ولكنّ هذا لا يعني أن ما توصل إليه الخليل على الإطلاق يقين ثابت ونهائي. «فالعلم لا يعترف بشيء اسمه الحقائق النهائية التي تسري على كل زمان ومكان، بل يعمل حساباً للتغير والتطور المستمرّين؛ أي أن اعتماد العلم على أدلة مقنعة للعقل بصورة قاطعة، لا يعني أن الحقائق تعلو على التغيير»(5)، وهو ما أشار إليه الخليل بقوله: «فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها». ويؤكد محمد عيد أن التعليل الوصفي في اللغة يحققه استخلاص نظرية استقرائية يُعتقد أنها تفسر الظاهرة اللغوية... وفوق ذلك فإن فهم التعليل الوصفي يتفق مع منهج البحث العلمي، والاستدلال بالعلل ينتج برهاناً صادقاً إذا اعتمد على مقدمات يقينية مؤدية للعلم، أما إذا اعتمدت على مقدمات ظنية فإنه يؤدي لما يسمى بالسفسطة(6). وهذا ما حدث للنحو العربي بعد أن داخلته الفلسفة وكثرت علله حتى ألفت كتب متخصصة في العلل، وأكثرَ النحويون من التفريعات والتأويلات، حتى استعصى على المعلمين قبل المتعلمين، ومقته العامة والخاصة، فتعالت الدعوات بتيسيره وتقريبه. وعدّ بعض اللغويين الدعوة لتجديد النحو اتهاماً ينقص من قدر النحويين القدماء، وأن هذه الدعوات ما هي إلا محاولة لتشويه اللغة العربية؛ ويجد عباس حسن أن ذلك من صروف الدهر التي تكالبت على النحو لإبراز عيوبه، ومالت عليه الأحداث؛ وأثقلت من حِمله ما كان خِفَّاً، وزاحمته العلوم العصرية فقهرته، وخلفتْه وراءها مبهوراً. ونظر الناس إليه فإذا هو فى الساقة من علوم الحياة، وإذا أوقاتهم لا تتسع للكثير بل للقليل مما حواه، وإذا شوائبه التى برزت بعد كمون، ووضحت بعد خفاء - تزهدهم فيه، وتزيدهم نفاراً منه، وإذا النفار والزهد يكران على العيوب؛ فيحيلان الضئيل منها ضخماً، والقليل كثيراً، والموهوم واقعاً. وإذا معاهد العلم الحديث تزوَرّ عنه، وتجهر بعجزها عن استيعابه، واستغنائها عن أكثره، وتقنع منه باليسير أو ما دون اليسير؛ فيستكين ويخنع(7).
بينما يرى خليل كلفت أن النحو الذي نشأ باعتباره مدافعاً عن اللغة والدين وحارساً لهما ضد اللحن وأخطاره كان من المنطقي أن يفرض ديكتاتوريته وديكتاتورية علمائه، هذه الديكتاتورية التي كانت بحاجة لكي تتواصل إلى أن تمنع الاجتهاد وأن تستعبد علماء النحو أنفسهم، كما يفعل كل منع للاجتهاد، وكل قمع لحرية البحث العلمي. فكانت النتيجة المنطقية لكل ذلك هي انفصال النحو عن الحياة، وعن لغة الحياة؛ ويؤدي انفصال النحو عن لغة الحياة وتعاليه عليها مع إقفال كل باب للاجتهاد إلى خلق وَهْم مؤداه أن النحو علم عُلوي لا يتصل بالجماعة اللغوية ولا يحتاج إلى العودة المتواصلة إليها(8). فنحن إذاً أمام مشكلة فكرية واجتماعية قبل أن تكون نقداً علمياً يسعى لتجديد النحو.
يستعرض هذا الفصل أهم المشكلات التي يشكو منها النحو العربي، ومن ثمَّ أهم محاولات تجديد النحو ومناقشة أهم محاور دعوات التجديد من رفض لنظرية العامل وتجديد في الإعراب.
صفحة 3
مشكلات النحو العربي
تبرز أزمة النحو العربي من النحو ذاته حين صار نوعاً من التحليل الفلسفي الذي لا يراعي طبيعة اللغة. وقال بعض أهل الأدب: «كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين؛ فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئاً، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من لا نفهم جميع كلامه، فأما من لا نفهم من كلامه شيئاً، فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه دون البعض فأبو علي الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السيرافي»(9). وقد جاءت بعض كتب النحو أشبه بالألغاز من أن تكون قوانين مستمدة من اللغة، بل إن بعضها سُمّي بالألغاز، فاستعصت على المعلمين والمتعلمين، ومن أهم المشكلات البارزة في نظرية النحو العربي:
1 - الاضطراب المنهجي في التقعيد الذي نتج من لجوئهم إلى المنطق، إذ ركزوا على النظرة المعيارية التي تعني محاولة الوصول إلى مجموعة من القوانين والضوابط المطّردة، وفرضها على أهل اللغة، فاتخذوا القياس المنطقي لهم منهجاً وطريقاً من طرائق التفكير في النحو. والقياس في حد ذاته مبدأ مقبول مشروع في كل العلوم، شريطة أن يكون هناك توافق أو تماثل بين المقيس والمقيس عليه في السمات والصفات، ولكن النحويين بالغوا في تطبيق هذا المبدأ(10). فقد استعانوا به في تسويغ أحكامهم الشاذة مثل إعطاء (لم) حكم (لن) في عمل النصب؛ ذكره بعضهم مستشهداً بقراءة بعضهم «أَلَمْ نَشْرحَ»(11).
2 - كثرة العلل الثواني والثوالث أو العلة وعلة العلة؛ «واعتلالات النحويين على ضربين؛ ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب؛ كقولنا: كل فاعل مرفوع. وضرب آخر يسمى علة العلة، مثل أن يقولوا لِمَ صار الفاعل مرفوعاً والمفعول به منصوباً؟»(12)، كمن يسأل عن الرجل في (ذهب الرجل) لمَ رفع؟ فيقال: لأنه فاعل مرفوع (وهذه العلة الأولى) فيقول: لم رفع الفاعل؟ فيقال: للفرق بين الفاعل والمفعول (هذه العلة الثانية)، فيقول: لماذا اختص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب؟ فيقال: لأن الفاعل قليل والمفعولات كثيرة فأُعطيَ الأثقل الذي هو الرفع الفاعل وأعطي الأخف الذي هو النصب للمفعول؛ لأن الفاعل واحد والمفعولات كثيرة، ليقلّ في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون. وقد توسّع بعض النحويين في العلل حتى تجاوزت العلل الثلاث، مثلما نجد عند أبي الحسن الورّاق الذي قد يحشد للحكم النحوي الواحد أكثر من ثلاث علل. «وقد يتعدى ذلك في بعض المواضع فيصل إلى العشر أو يزيد، ويكون عنده أحياناً توليد للعلل داخل الحكم الواحد فتصل إلى ست عشرة علة أو تزيد، وإمعاناً في التفصيل والاسترسال لم يكتف بتعليل موجود بل علل ما استعملوه، وما تجنبوه»(13). وبعض النحويين يقتصر على العلل الأُوُل والثواني فقط؛ مثل أبي بكر السراج الذي يقول في مقدمة كتاب الأصول مكتفياً بالعلل الأُوُل والثواني: «وغرضي في هذا الكتاب ذكر العلة التي إذا اطردت وصل بها إلى كلامهم فقط وذكر الأصول والشائع لأنه كتاب إيجاز»(14).
3 - المبالغة في نظرية العامل اللفظي والمعنوي، ونسبة كل أثر لغوي إلى عامل وتنازعهم على ذلك، ومنه مسألة القول في عامل رفع الفعل المضارع؛ «فذهب أكثرهم إلى أنه يرتفع لتعرّيه من العوامل الناصبة والجازمة. وذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بالزائد في أوله، وذهب البصريون إلى أنه يرتفع لقيامه مقام الاسم»(15) وتنازعهم على العامل في رفع المبتدأ، وإذا اجتمع عاملان على معمول واحد أيهما أولى بالعمل، وسمو ذلك باب التنازع في العمل. وقد ذهب الكوفيون في إعمال الفعلين في قولنا: «أكرمني وأكرمت زيداً»، و«أكرمت وأكرمني زيد» إلى أنّ إعمال الفعل الأول أولى. وذهب البصريون إلى أن إعمال الفعل الثاني أولى(16). ويرى بعض الدارسين أن فكرة العامل بريئة من كل ما ينسب لها من تعقيد، وأن المقصود منها التقريب والتيسير على الدارسين؛ حتى يسهل عليهم الربط بين اللفظ المعين وعلاقته بالألفاظ الأخرى، وما يترتب على ذلك من ضبط خاص لهذه الألفاظ(17).
4 - كثرة التقديرات، وهذا ناتج من تعسف النحويين في نظرية العامل أو القياس، لأنهم جعلوا سبب كل حركة إعراب عاملاً لفظياً أو معنوياً، ولا يكون دائماً في الكلام عامل ظاهر ملفوظ. ومن الصعب على النحويين أن يجدوا لكل حركة إعرابية عاملاً لفظياً يأتي قبلها، أو تستقيم لهم القاعدة دائماً ليقيسوا عليها، ولهذا لجأوا إلى التقدير في اختصاص أدوات الشرط بالدخول على الأفعال(18)؛ فإذا ذُكر لهم قوله تعالى:(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ)(19). لماذا رُفع «أحدٌ» قالوا: هو مرفوع بفعل محذوف تقديره « وإِنْ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ». وقوله تعالى: ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭼ(20) وسألتهم عن العامل الذي رفع كلمة «الشَّمْسُ» أجابوك: إنه فعل مستتر تقديره «كُوِّرَتْ» فتصبح الآية: «إذَا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ كُوِّرَتْ».
تبرز أزمة النحو العربي من النحو ذاته حين صار نوعاً من التحليل الفلسفي الذي لا يراعي طبيعة اللغة. وقال بعض أهل الأدب: «كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين؛ فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئاً، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من لا نفهم جميع كلامه، فأما من لا نفهم من كلامه شيئاً، فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه دون البعض فأبو علي الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السيرافي»(9). وقد جاءت بعض كتب النحو أشبه بالألغاز من أن تكون قوانين مستمدة من اللغة، بل إن بعضها سُمّي بالألغاز، فاستعصت على المعلمين والمتعلمين، ومن أهم المشكلات البارزة في نظرية النحو العربي:
1 - الاضطراب المنهجي في التقعيد الذي نتج من لجوئهم إلى المنطق، إذ ركزوا على النظرة المعيارية التي تعني محاولة الوصول إلى مجموعة من القوانين والضوابط المطّردة، وفرضها على أهل اللغة، فاتخذوا القياس المنطقي لهم منهجاً وطريقاً من طرائق التفكير في النحو. والقياس في حد ذاته مبدأ مقبول مشروع في كل العلوم، شريطة أن يكون هناك توافق أو تماثل بين المقيس والمقيس عليه في السمات والصفات، ولكن النحويين بالغوا في تطبيق هذا المبدأ(10). فقد استعانوا به في تسويغ أحكامهم الشاذة مثل إعطاء (لم) حكم (لن) في عمل النصب؛ ذكره بعضهم مستشهداً بقراءة بعضهم «أَلَمْ نَشْرحَ»(11).
2 - كثرة العلل الثواني والثوالث أو العلة وعلة العلة؛ «واعتلالات النحويين على ضربين؛ ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب؛ كقولنا: كل فاعل مرفوع. وضرب آخر يسمى علة العلة، مثل أن يقولوا لِمَ صار الفاعل مرفوعاً والمفعول به منصوباً؟»(12)، كمن يسأل عن الرجل في (ذهب الرجل) لمَ رفع؟ فيقال: لأنه فاعل مرفوع (وهذه العلة الأولى) فيقول: لم رفع الفاعل؟ فيقال: للفرق بين الفاعل والمفعول (هذه العلة الثانية)، فيقول: لماذا اختص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب؟ فيقال: لأن الفاعل قليل والمفعولات كثيرة فأُعطيَ الأثقل الذي هو الرفع الفاعل وأعطي الأخف الذي هو النصب للمفعول؛ لأن الفاعل واحد والمفعولات كثيرة، ليقلّ في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون. وقد توسّع بعض النحويين في العلل حتى تجاوزت العلل الثلاث، مثلما نجد عند أبي الحسن الورّاق الذي قد يحشد للحكم النحوي الواحد أكثر من ثلاث علل. «وقد يتعدى ذلك في بعض المواضع فيصل إلى العشر أو يزيد، ويكون عنده أحياناً توليد للعلل داخل الحكم الواحد فتصل إلى ست عشرة علة أو تزيد، وإمعاناً في التفصيل والاسترسال لم يكتف بتعليل موجود بل علل ما استعملوه، وما تجنبوه»(13). وبعض النحويين يقتصر على العلل الأُوُل والثواني فقط؛ مثل أبي بكر السراج الذي يقول في مقدمة كتاب الأصول مكتفياً بالعلل الأُوُل والثواني: «وغرضي في هذا الكتاب ذكر العلة التي إذا اطردت وصل بها إلى كلامهم فقط وذكر الأصول والشائع لأنه كتاب إيجاز»(14).
3 - المبالغة في نظرية العامل اللفظي والمعنوي، ونسبة كل أثر لغوي إلى عامل وتنازعهم على ذلك، ومنه مسألة القول في عامل رفع الفعل المضارع؛ «فذهب أكثرهم إلى أنه يرتفع لتعرّيه من العوامل الناصبة والجازمة. وذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بالزائد في أوله، وذهب البصريون إلى أنه يرتفع لقيامه مقام الاسم»(15) وتنازعهم على العامل في رفع المبتدأ، وإذا اجتمع عاملان على معمول واحد أيهما أولى بالعمل، وسمو ذلك باب التنازع في العمل. وقد ذهب الكوفيون في إعمال الفعلين في قولنا: «أكرمني وأكرمت زيداً»، و«أكرمت وأكرمني زيد» إلى أنّ إعمال الفعل الأول أولى. وذهب البصريون إلى أن إعمال الفعل الثاني أولى(16). ويرى بعض الدارسين أن فكرة العامل بريئة من كل ما ينسب لها من تعقيد، وأن المقصود منها التقريب والتيسير على الدارسين؛ حتى يسهل عليهم الربط بين اللفظ المعين وعلاقته بالألفاظ الأخرى، وما يترتب على ذلك من ضبط خاص لهذه الألفاظ(17).
4 - كثرة التقديرات، وهذا ناتج من تعسف النحويين في نظرية العامل أو القياس، لأنهم جعلوا سبب كل حركة إعراب عاملاً لفظياً أو معنوياً، ولا يكون دائماً في الكلام عامل ظاهر ملفوظ. ومن الصعب على النحويين أن يجدوا لكل حركة إعرابية عاملاً لفظياً يأتي قبلها، أو تستقيم لهم القاعدة دائماً ليقيسوا عليها، ولهذا لجأوا إلى التقدير في اختصاص أدوات الشرط بالدخول على الأفعال(18)؛ فإذا ذُكر لهم قوله تعالى:(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ)(19). لماذا رُفع «أحدٌ» قالوا: هو مرفوع بفعل محذوف تقديره « وإِنْ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ». وقوله تعالى: ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭼ(20) وسألتهم عن العامل الذي رفع كلمة «الشَّمْسُ» أجابوك: إنه فعل مستتر تقديره «كُوِّرَتْ» فتصبح الآية: «إذَا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ كُوِّرَتْ».
صفحة 4
5 - الاتكال على العلامة الإعرابية باعتبارها كبرى الدوال على المعنى، ثم إعطاؤها من الاهتمام الكبير ما دعا النحويين إلى أن يبنوا نحوهم كله عليها، بينما هو أداة من أدوات النحو المتعددة. وقد وقع النحويون ضحية اهتمامهم الشديد بالعلامة الإعرابية حين رأوا النصوص العربية تهمل الاعتماد على الحركة أحياناً فتضحي بها لأن المعنى واضح بدونها اعتماداً على غيرها من القرائن اللفظية والمعنوية، ومن ذلك قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(21) فما الذي رفع «الصابئون»؟ والجواب أن قرينة التبعية لوضوحها أغنت عن قرينة العلامة الإعرابية(22).
6 - التمارين غير العملية التي صنعوها للدربة والرياضة اللغوية؛ من ذلك قول سيبويه: «وأما قول النحويين قد أعطاهوك وأعطاهوني؛ فإنما هو شيء قاسوه ولم تتكلم به العرب، ووضعوا الكلام في غير موضعه»(23). يقول ابن جني: «وذلك عندنا على ضربين أحدهما الإدخال (لما تبنيه) في كلام العرب والإلحاق له به، والآخر التماسك الرياضة به والتدرب بالصنعة فيه؛ الأول: نحو قولك: في مثل (جعفر) من (ضرب) (ضربب)»(24) إضافة إلى كثرة الشواهد الشاذة بين ثنايا كتب النحو، وذلك ما يؤكده محمد حسن شُرَّاب في مقدمة كتابه: «شرح الشواهد الشعرية، في أُمَّات الكتب النحوية، 2007م». فقد وجد أنَّ الشواهد الشعرية لا تشملُ القواعدَ النحوية كلَّها، وأكثر الشواهد النحوية ما كانت موضع خلاف، أو فيما شذَّ عن القاعدة، أما المسائل المتَّفق عليها فقليلةٌ في الشواهد. وهذا ما يظهر بصورة جلية في كتاب: «الإنصاف في مسائل الخلاف» لأبي البركات الأنباري.
7 - اختلاف الأقوال في المسألة الواحدة، لأن النحويين القدماء حين قعّدوا قواعدهم أقحموا اللهجات العربية بصفاتها وخصائصها المتباينة، ونظروا إليها على أنها صور مختلفة من اللغة المشتركة، وهذا ما يراه مختار عمر(25) وعباس حسن، ولكن «إذا كان عباس حسن وأمثاله يعتبرون أن النحاة وسعوا في غير تبصّر مجال اللغة التي قنّنوها، فقد ذهب آخرون إلى اعتبارهم قد قصروا اهتمامهم على ظواهر لغوية معدودة ليست هي كل النحو بل لا تمثل منه إلا جزءاً يسيراً(26)؛ مثل تمام حسان الذي يرى أن النحويين اقتصروا على قبائل دون غيرها وأنهم وضعوا معايير خاصة للانتقاء»(27).
8 - تداخل المصطلحات وتعددها للمفهوم الواحد والتباسها؛ مما أدى إلى الاضطراب وعدم الوضوح. ومع أن المصطلحات قد اختلفت بين النحويين إلا أنها تتقارب في الدلالة اللغوية(28)، لكن الخصومة بين البصريين والكوفيين في رفضهم لمصطلحات بعضهم جعلت الأمر أكثر سوءاً. مثلاً نجد عند الكوفيين مصطلحات: (الترجمة، والتبيين، والتكرير، والمردود) كلها لما يسمى عند البصريين: (البدل)، وسيبويه يسمي (عطف البيان) بدلاً. ويُطلق الفراء (التفسير) على ما عُرف عند البصريين بمصطلح (المفعول لأجله) ويطلقه أيضاً على (التمييز)(29).
9 - القصور في تعريفات المصطلحات النحوية أو إهمالها، ويبدو هذا القصور ظاهراً في جل كتب النحو، حيث يلاحظ أنها جاءت أحياناً خاطئة أو متناقضة أو تصادفها بعض الاستثناءات. ومن الحدود ما تعلق تعلقاً كبيراً بالجانب المنطقي الأرسطي، مما جعلها ترد في ثوب اصطلاحي معقد، وأحياناً تفتقر إلى الوضوح والدقة، والدليل على ذلك ما نجده مثلاً في تعريف الاسم. يذكر الأنباري أن النحويين ذكروا للاسم حدوداً كثيرة تزيد على السبعين(30). وقد أورد الزجاجي عدداً كبيراً من التعريفات المتشابهة والمتباينة التي يصف بعضها بالفساد، من ذلك: «حد الاسم في كلام العرب ما كان فاعلاً أو مفعولاً واقعاً في حيز الفاعل والمفعول به»(31)... وأما سيبويه فلم يحدّ الاسم حداً يفصله من غيره ولكن مثّل له فقال «الاسم: رجل وفرس»، وعلل النحويون بعده عدم تعريف الاسم بالحد بأنه «ترك تحديده ظناً منه أنه غير مشكل»(32).
وهكذا نجد أن النحو العربي بالرغم من أنه علم مكتمل يسير على منهج علمي محدد، إلا أنه يعاني من بعض المشكلات الذاتية؛ من مبالغة في التعليلات التي لا طائل منها، أو التعسف في الاحتكام لنظرية العامل اللفظي؛ مما أدى بهم إلى كثرة التقديرات والتأويلات. واعتبار الإعراب هو كل النحو ودليل معانيه بينما هو أداة من أدواته المتعددة، وإدخال التمارين غير العملية للتباهي بالمهارات النحوية، إضافة إلى اختلاف أقوال النحويين في المسألة الواحدة، وتداخل المصطلحات وقصور تعريفاتها.
6 - التمارين غير العملية التي صنعوها للدربة والرياضة اللغوية؛ من ذلك قول سيبويه: «وأما قول النحويين قد أعطاهوك وأعطاهوني؛ فإنما هو شيء قاسوه ولم تتكلم به العرب، ووضعوا الكلام في غير موضعه»(23). يقول ابن جني: «وذلك عندنا على ضربين أحدهما الإدخال (لما تبنيه) في كلام العرب والإلحاق له به، والآخر التماسك الرياضة به والتدرب بالصنعة فيه؛ الأول: نحو قولك: في مثل (جعفر) من (ضرب) (ضربب)»(24) إضافة إلى كثرة الشواهد الشاذة بين ثنايا كتب النحو، وذلك ما يؤكده محمد حسن شُرَّاب في مقدمة كتابه: «شرح الشواهد الشعرية، في أُمَّات الكتب النحوية، 2007م». فقد وجد أنَّ الشواهد الشعرية لا تشملُ القواعدَ النحوية كلَّها، وأكثر الشواهد النحوية ما كانت موضع خلاف، أو فيما شذَّ عن القاعدة، أما المسائل المتَّفق عليها فقليلةٌ في الشواهد. وهذا ما يظهر بصورة جلية في كتاب: «الإنصاف في مسائل الخلاف» لأبي البركات الأنباري.
7 - اختلاف الأقوال في المسألة الواحدة، لأن النحويين القدماء حين قعّدوا قواعدهم أقحموا اللهجات العربية بصفاتها وخصائصها المتباينة، ونظروا إليها على أنها صور مختلفة من اللغة المشتركة، وهذا ما يراه مختار عمر(25) وعباس حسن، ولكن «إذا كان عباس حسن وأمثاله يعتبرون أن النحاة وسعوا في غير تبصّر مجال اللغة التي قنّنوها، فقد ذهب آخرون إلى اعتبارهم قد قصروا اهتمامهم على ظواهر لغوية معدودة ليست هي كل النحو بل لا تمثل منه إلا جزءاً يسيراً(26)؛ مثل تمام حسان الذي يرى أن النحويين اقتصروا على قبائل دون غيرها وأنهم وضعوا معايير خاصة للانتقاء»(27).
8 - تداخل المصطلحات وتعددها للمفهوم الواحد والتباسها؛ مما أدى إلى الاضطراب وعدم الوضوح. ومع أن المصطلحات قد اختلفت بين النحويين إلا أنها تتقارب في الدلالة اللغوية(28)، لكن الخصومة بين البصريين والكوفيين في رفضهم لمصطلحات بعضهم جعلت الأمر أكثر سوءاً. مثلاً نجد عند الكوفيين مصطلحات: (الترجمة، والتبيين، والتكرير، والمردود) كلها لما يسمى عند البصريين: (البدل)، وسيبويه يسمي (عطف البيان) بدلاً. ويُطلق الفراء (التفسير) على ما عُرف عند البصريين بمصطلح (المفعول لأجله) ويطلقه أيضاً على (التمييز)(29).
9 - القصور في تعريفات المصطلحات النحوية أو إهمالها، ويبدو هذا القصور ظاهراً في جل كتب النحو، حيث يلاحظ أنها جاءت أحياناً خاطئة أو متناقضة أو تصادفها بعض الاستثناءات. ومن الحدود ما تعلق تعلقاً كبيراً بالجانب المنطقي الأرسطي، مما جعلها ترد في ثوب اصطلاحي معقد، وأحياناً تفتقر إلى الوضوح والدقة، والدليل على ذلك ما نجده مثلاً في تعريف الاسم. يذكر الأنباري أن النحويين ذكروا للاسم حدوداً كثيرة تزيد على السبعين(30). وقد أورد الزجاجي عدداً كبيراً من التعريفات المتشابهة والمتباينة التي يصف بعضها بالفساد، من ذلك: «حد الاسم في كلام العرب ما كان فاعلاً أو مفعولاً واقعاً في حيز الفاعل والمفعول به»(31)... وأما سيبويه فلم يحدّ الاسم حداً يفصله من غيره ولكن مثّل له فقال «الاسم: رجل وفرس»، وعلل النحويون بعده عدم تعريف الاسم بالحد بأنه «ترك تحديده ظناً منه أنه غير مشكل»(32).
وهكذا نجد أن النحو العربي بالرغم من أنه علم مكتمل يسير على منهج علمي محدد، إلا أنه يعاني من بعض المشكلات الذاتية؛ من مبالغة في التعليلات التي لا طائل منها، أو التعسف في الاحتكام لنظرية العامل اللفظي؛ مما أدى بهم إلى كثرة التقديرات والتأويلات. واعتبار الإعراب هو كل النحو ودليل معانيه بينما هو أداة من أدواته المتعددة، وإدخال التمارين غير العملية للتباهي بالمهارات النحوية، إضافة إلى اختلاف أقوال النحويين في المسألة الواحدة، وتداخل المصطلحات وقصور تعريفاتها.
صفحة 5
محاولات تجديد النحو
لقد أدرك النحويون القدماء صعوبة النحو على المتعلمين فألفوا المختصرات والمنظومات والشروح؛ محاولة منهم في تيسير النحو لطالبيه، ولكنها لم تخرج عن نطاق الشرح والاختصار والتقريب، واجتناب كثير من المسائل الخلافية. وهكذا خلت مؤلفاتهم من الإسراف في التفصيل والتفسير والولوع بالاستشهاد والاحتجاج والتعليل؛ ذلك أن همهم الوحيد هو تقريب النحو من المتعلمين. ومن الأمثلة على ذلك كتاب «الجمل» للزجاجي (ت238هـ)، و«الواضح» للزبيدي (ت 379 هـ)، و«اللمع» لابن جني (ت392هـ)، و«قطر الندى» لابن هشام الأنصاري (ت761هـ)... الخ(33).
وقبل الشروع في عرض محاولات التجديد النحوي يجدر تحديد مصطلح التجديد بتعريف واضح، لأن المصطلحات في محاولات تجديد النحو تنوعت بين إحياء، وإصلاح، وتجديد، وتيسير؛ وقد كانت متداخلة، لا ضابط لاستخدامها(34).
ومفهوم تجديد النحو كما يراه الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح: «هو تكييف النحو والصرف مع المقاييس التي تقتضيها التربية الحديثة عن طريق تبسيط الصورة التي تعرض فيها القواعد على المتعلمين. فعلى هذا، ينحصر التيسير في كيفية تعليم النحو، لا في النحو ذاته»(35).
وقد ارتبط تجديد النحو بالانصراف عن نظرية العامل، وإعادة تنسيق أبواب النحو، ووضع ضوابط وتعريفات دقيقة وجديدة لها، وإضافة أبواب جديدة، فضلاً على حذف زوائد كثيرة في النحو العربي، ومنع التأويل والتقدير في الصيغ والعبارات(36).
وكي يكون مفهوم التجديد أكثر وضوحاً، يجب علينا أن نفرق بين النحو العلمي والنحو التعليمي؛ فالنحو العلمي: يقوم على نظرية لغوية تنشد الدقة في الوصف والتفسير، وتتخذ لتحقيق هذا الهدف أدق المناهج. فهو نحو تخصصي ينبغي أن يكون عميقاً مجرداً، يدرس لذاته، وتلك طبيعته. أما النحو التعليمي: فيمثل المستوى الوظيفي النافع لتقويم اللسان، وسلامة الخطاب، وأداء الغرض، وترجمة الحاجة. فهو يركز على ما يحتاجه المتعلم، يختار المادة المناسبة من مجموع ما يقدمه النحو العلمي، مع تكييفها تكييفاً محكماً طبقاً لأهداف التعليم وظروف العملية التعليمية. فالنحو التربوي يقوم على أسس لغوية ونفسية وتربوية، وليس مجرد تلخيص للنحو العلمي. فعلى هذا المستوى، ينبغي أن تنصب جهود التيسير والتبسيط (37). وما يلاحظ على أكثر دعوات التجديد - خصوصاً الأولى منها -أنها اقتصرت على تجديد النحو التعليمي وتيسيره للتلاميذ.
ونجد أن دعوات تجديد النحو أو تيسيره تخلط بين هذين المصطلحين وأهداف تجديد كل منهما، فكل دعوة للحذف أو الإيجاز أو الشرح والتقريب هي دعوة لتيسير تعليمية النحو وليست تجديداً في علم النحو.
ودعوات تجديد النحو أكثر من أن تُعرض في هذا البحث الموجز. وقد استثنيت منها الكتب التي اعتمدت على الإيجاز والحذف أو تنسيق قواعد النحو في جداول، أو الاقتصار على تغيير الكلمات في الشواهد فيضعون مكان (زيد)؛ (محمد)، ومكان (ضرب)؛ (شرب). ومن أبرز الدعوات التي أفرد مؤلفوها كتباً تستقل بموضوع تجديد النحو العربي أو تطويره أوتيسيره أو نقده وتحليله:
1 - ابن مضاء القرطبي (ت592 هـ)، في كتاب: (الرد على النحاة) حققه الدكتور شوقي ضيف لأول مرة عام (1947م)(38). ويعتمد رد ابن مضاء على النحاة في رفض نظرية العامل فيقول في مقدمته: «وقصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا (ضرب زيد عمراً) أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه (ضرب).. وهذا بيّن الفساد»(39). كما دعا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث، وإلغاء القياس والتمارين غير العملية، ومنع التأويل والتقدير في العبارات.
2 - إبراهيم مصطفى في كتابه: (إحياء النحو 1937م). ويبنيه أيضاً على رفض نظرية العامل والتوسع في الإعراب التقديري. ويرى أن علامات الإعراب يجب أن تدرس على أنها علامات للمعاني. وهو يقرر أن الضمة عَلَم الإسناد ودليل على أن الكلمة مرفوعة، يراد أن يسند إليها ويتحدث عنها. والكسرة علم الإضافة، وإشارة إلى ارتباط الكلمة بما قبلها بأداة أو بغير أداة، ولا يخرج كل منهما عن هذه إلا أن يكون في بناء أو إتباع. وللإعراب الضمة والكسرة فقط، وليستا أثراً لعامل من اللفظ، بل هما من عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الكلام؛ فالفتحة عنده لا تدل على معنى كالضمة والكسرة، فليست بعلم إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب، التي يحبون أن يشكل بها آخر كل كلمة في الوصل ودرج الكلام، فهي في العربية نظير السكون في لغتنا العامية.(40)
لقد أدرك النحويون القدماء صعوبة النحو على المتعلمين فألفوا المختصرات والمنظومات والشروح؛ محاولة منهم في تيسير النحو لطالبيه، ولكنها لم تخرج عن نطاق الشرح والاختصار والتقريب، واجتناب كثير من المسائل الخلافية. وهكذا خلت مؤلفاتهم من الإسراف في التفصيل والتفسير والولوع بالاستشهاد والاحتجاج والتعليل؛ ذلك أن همهم الوحيد هو تقريب النحو من المتعلمين. ومن الأمثلة على ذلك كتاب «الجمل» للزجاجي (ت238هـ)، و«الواضح» للزبيدي (ت 379 هـ)، و«اللمع» لابن جني (ت392هـ)، و«قطر الندى» لابن هشام الأنصاري (ت761هـ)... الخ(33).
وقبل الشروع في عرض محاولات التجديد النحوي يجدر تحديد مصطلح التجديد بتعريف واضح، لأن المصطلحات في محاولات تجديد النحو تنوعت بين إحياء، وإصلاح، وتجديد، وتيسير؛ وقد كانت متداخلة، لا ضابط لاستخدامها(34).
ومفهوم تجديد النحو كما يراه الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح: «هو تكييف النحو والصرف مع المقاييس التي تقتضيها التربية الحديثة عن طريق تبسيط الصورة التي تعرض فيها القواعد على المتعلمين. فعلى هذا، ينحصر التيسير في كيفية تعليم النحو، لا في النحو ذاته»(35).
وقد ارتبط تجديد النحو بالانصراف عن نظرية العامل، وإعادة تنسيق أبواب النحو، ووضع ضوابط وتعريفات دقيقة وجديدة لها، وإضافة أبواب جديدة، فضلاً على حذف زوائد كثيرة في النحو العربي، ومنع التأويل والتقدير في الصيغ والعبارات(36).
وكي يكون مفهوم التجديد أكثر وضوحاً، يجب علينا أن نفرق بين النحو العلمي والنحو التعليمي؛ فالنحو العلمي: يقوم على نظرية لغوية تنشد الدقة في الوصف والتفسير، وتتخذ لتحقيق هذا الهدف أدق المناهج. فهو نحو تخصصي ينبغي أن يكون عميقاً مجرداً، يدرس لذاته، وتلك طبيعته. أما النحو التعليمي: فيمثل المستوى الوظيفي النافع لتقويم اللسان، وسلامة الخطاب، وأداء الغرض، وترجمة الحاجة. فهو يركز على ما يحتاجه المتعلم، يختار المادة المناسبة من مجموع ما يقدمه النحو العلمي، مع تكييفها تكييفاً محكماً طبقاً لأهداف التعليم وظروف العملية التعليمية. فالنحو التربوي يقوم على أسس لغوية ونفسية وتربوية، وليس مجرد تلخيص للنحو العلمي. فعلى هذا المستوى، ينبغي أن تنصب جهود التيسير والتبسيط (37). وما يلاحظ على أكثر دعوات التجديد - خصوصاً الأولى منها -أنها اقتصرت على تجديد النحو التعليمي وتيسيره للتلاميذ.
ونجد أن دعوات تجديد النحو أو تيسيره تخلط بين هذين المصطلحين وأهداف تجديد كل منهما، فكل دعوة للحذف أو الإيجاز أو الشرح والتقريب هي دعوة لتيسير تعليمية النحو وليست تجديداً في علم النحو.
ودعوات تجديد النحو أكثر من أن تُعرض في هذا البحث الموجز. وقد استثنيت منها الكتب التي اعتمدت على الإيجاز والحذف أو تنسيق قواعد النحو في جداول، أو الاقتصار على تغيير الكلمات في الشواهد فيضعون مكان (زيد)؛ (محمد)، ومكان (ضرب)؛ (شرب). ومن أبرز الدعوات التي أفرد مؤلفوها كتباً تستقل بموضوع تجديد النحو العربي أو تطويره أوتيسيره أو نقده وتحليله:
1 - ابن مضاء القرطبي (ت592 هـ)، في كتاب: (الرد على النحاة) حققه الدكتور شوقي ضيف لأول مرة عام (1947م)(38). ويعتمد رد ابن مضاء على النحاة في رفض نظرية العامل فيقول في مقدمته: «وقصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا (ضرب زيد عمراً) أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه (ضرب).. وهذا بيّن الفساد»(39). كما دعا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث، وإلغاء القياس والتمارين غير العملية، ومنع التأويل والتقدير في العبارات.
2 - إبراهيم مصطفى في كتابه: (إحياء النحو 1937م). ويبنيه أيضاً على رفض نظرية العامل والتوسع في الإعراب التقديري. ويرى أن علامات الإعراب يجب أن تدرس على أنها علامات للمعاني. وهو يقرر أن الضمة عَلَم الإسناد ودليل على أن الكلمة مرفوعة، يراد أن يسند إليها ويتحدث عنها. والكسرة علم الإضافة، وإشارة إلى ارتباط الكلمة بما قبلها بأداة أو بغير أداة، ولا يخرج كل منهما عن هذه إلا أن يكون في بناء أو إتباع. وللإعراب الضمة والكسرة فقط، وليستا أثراً لعامل من اللفظ، بل هما من عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الكلام؛ فالفتحة عنده لا تدل على معنى كالضمة والكسرة، فليست بعلم إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب، التي يحبون أن يشكل بها آخر كل كلمة في الوصل ودرج الكلام، فهي في العربية نظير السكون في لغتنا العامية.(40)
صفحة 6
3 - شوقي ضيف، في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن مضاء مؤيداً له في آرائه وداعياً إلى الاستجابة لدعوة ابن مضاء ووضع تصنيفاً جديداً للنحو في كتابه: (تجديد النحو)، (1982م)، وأهم أسس تجديد النحو في كتابه:
• إعادة تنسيق أبواب النحو.
• إلغاء الإعرابين التقديري والمحلي، وحذف أبواب كثيرة لها علاقة بهذا الباب.
• الإعراب لصحة النطق.
• وضع ضوابط وتعريفات دقيقة.
• حذف زوائد كثيرة.
• استكمالات لنواقص ضرورية.
4 - تمّام حسّان، دعا لتجديد النحو في كتابيه: العربية بين المعيارية والوصفية (1958م)، واللغة العربية معناها ومبناها (1973م). وانتقد في كتابيه تقديس القواعد النحوية بعد أن كانت خاضعة للنص. ويؤيد ابن مضاء في رفضه للعامل ويرى ألّا عامل في اللغة، والمقصود من أي حركة إعرابية هو الربط بينها وبين معنى وظيفي خاص، والشرط الوحيد في كل ذلك أن يكون هناك ارتباط تام بين اختلاف الحركات واختلاف الأبواب(41). واتبع تمام حسان المنهج الوصفي في دراسته للغة في كتابه: «اللغة العربية معناها ومبناها»، ويعدها أجرأ محاولة شاملة لإعادة ترتيب الأفكار اللغوية بعد سيبويه وعبد القاهر الجرجاني(42). ويرى أن التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي، وأن فهم التعليق على وجهه كافِ للقضاء على خرافة العوامل النحوية، والتعليق يحدد بواسطة القرائن معاني الأبواب في السياق، ويفسر العلاقات بينها بصورة أوفى.(43)
5 - مهدي مخزومي، في كتابه: «في النحو العربي نقد وتوجيه، 1964م»، ويرى أنه ليس من وظيفة النحويّ أن يفرض على المتكلمين قاعدة، ولا أن يخطئ لهم أسلوباً؛ لأن النحو دراسة وصفية تطبيقية، وأن تيسير النحو لا يقوم على الاختصار، ولا على حذف الشروح النحوية والتعليقات والحواشي التي تملأ بطون كتب النحو؛ ولكنه عرض جديد لموضوعات النحو من خلال إصلاح شامل لمنهج الدرس النحوي وموضوعاته. وأهم هذه الإصلاحات، وأولاها بالعناية؛ تخليص النحو مما علق به من شوائب وفلسفة حملتها فكرة العامل، تلك الفكرة التي حرفت النحو عن مساره، فتحول شيئاً فشيئاً إلى درس ملفق غريب، ليس فيه من سمات الدرس اللغوي إلا مظهره وشكله، مما أصبح به النحو درساً في الجدل يعرض النحاة فيه قدراتهم على التحليل العقلي(44). وينتقد المخزومي الاتجاه القديم في الدرس النحوي؛ فكل النحو أسس على أصول غير سليمة، وكل شيء تحدث عنه القدماء لا صلة له بالدرس اللغوي أو النحوي. ويرى أن الدرس النحوي ينبغي أن يعالج جانبين مهمين: الجملة من حيث تأليفها ونظامها، وما يعرض على الجملة من معان تؤديها؛ كالتوكيد وأدواته. وهو يتبع إبراهيم مصطفى في أن الضمة علم الإسناد والكسرة علم الإضافة، وليستا أثراً لعامل من اللفظ؛ بل هما من عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الكلام؛ والفتحة لا تدل على معنى، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب.
6 - إبراهيم السامرائي، في كتابه: «النحو العربي نقد وبناء، 1968م» أبطل مسألة العلة والعامل، وأخذ بالمنهج الوصفي في دراسته للغة، واستفاد من دراسة تمام حسان في كتابه الأصول، وقد قسم كتابه إلى قسم لغوي يدرس أصوات العربية والكلمة وبناءها والأسماء وما تشتمل عليه، وقسم نحويّ يدرس أنواع الجملة والأفعال وأنواع الإعراب والمرفوعات والمنصوبات والجر والتوابع، ويقول إنّ هذه هي المواد التي ينبغي لطالب النحو أن يتزود بها، ولكن ذلك لا يغني عن معرفة النحو القديم معرفة جيدة تقف على الأصول والفروع، وعلى الأساليب التي درج عليها الأقدمون(45).
7 - عبده الراجحي، في كتاب: «النحو العربي والدرس الحديث، 1979م»، ويشير فيه أننا في حاجة ملحة للبحث في منهج النحويين، والبحث عن منهج نحوي جديد، وأن الذي لا شك فيه أن رفض الجديد من منطلق الجهل به شيء لا يقبله العلم ولا تقبله الطبيعة الإنسانية(46). ويناقش الكتاب ملابسات نشأة النحو العربي واختلاطه بالفقه وأصوله، ثم يعرض موقف المنهج الوصفي من هذا النحو، ثم يفرد فصلاً كاملاً لقضية صلة النحو العربي بالمنطق الأرسطي، وأخيراً يعرض أصول نظرية النحو التحويلي وطريقته في التحليل، ثم الجوانب التحويلية في النحو العربي.
8 - أحمد عبد الستار الجواري، في كتاب: «نحو التيسير 1984م». وقد انتقد مبالغة النحويين في الاهتمام بالتقدير والعوامل وما يتبع ذلك من تكلف في التأويل وتعسف في التقدير، ولكنه لا يجد أن البحث في عوامل الإعراب وفي أسباب ظواهره عملاً عقيماً على الإطلاق، ولا هو معدوم الفائدة في حدّ ذاته، ولكنه يكون كذلك إذا انحرف عن طبيعة الدراسة اللغوية(47). وانتقد الجواري اتخاذ النحويين الأمثلة المصنوعة التي ليست من كلام العرب، وغلبة المنطق، وتأثرهم بالفقهاء في استخدام القياس والإجماع، وتجاهل طبيعة البحث اللغوي الذي يعتمد على البحث والاستقراء والملاحظة واستخلاص النتائج. ودعا إلى إعادة استخلاص القواعد النحوية من النصوص الموجودة بين أيدينا من عصور الاستشهاد التي أقرها النحويون.
• إعادة تنسيق أبواب النحو.
• إلغاء الإعرابين التقديري والمحلي، وحذف أبواب كثيرة لها علاقة بهذا الباب.
• الإعراب لصحة النطق.
• وضع ضوابط وتعريفات دقيقة.
• حذف زوائد كثيرة.
• استكمالات لنواقص ضرورية.
4 - تمّام حسّان، دعا لتجديد النحو في كتابيه: العربية بين المعيارية والوصفية (1958م)، واللغة العربية معناها ومبناها (1973م). وانتقد في كتابيه تقديس القواعد النحوية بعد أن كانت خاضعة للنص. ويؤيد ابن مضاء في رفضه للعامل ويرى ألّا عامل في اللغة، والمقصود من أي حركة إعرابية هو الربط بينها وبين معنى وظيفي خاص، والشرط الوحيد في كل ذلك أن يكون هناك ارتباط تام بين اختلاف الحركات واختلاف الأبواب(41). واتبع تمام حسان المنهج الوصفي في دراسته للغة في كتابه: «اللغة العربية معناها ومبناها»، ويعدها أجرأ محاولة شاملة لإعادة ترتيب الأفكار اللغوية بعد سيبويه وعبد القاهر الجرجاني(42). ويرى أن التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي، وأن فهم التعليق على وجهه كافِ للقضاء على خرافة العوامل النحوية، والتعليق يحدد بواسطة القرائن معاني الأبواب في السياق، ويفسر العلاقات بينها بصورة أوفى.(43)
5 - مهدي مخزومي، في كتابه: «في النحو العربي نقد وتوجيه، 1964م»، ويرى أنه ليس من وظيفة النحويّ أن يفرض على المتكلمين قاعدة، ولا أن يخطئ لهم أسلوباً؛ لأن النحو دراسة وصفية تطبيقية، وأن تيسير النحو لا يقوم على الاختصار، ولا على حذف الشروح النحوية والتعليقات والحواشي التي تملأ بطون كتب النحو؛ ولكنه عرض جديد لموضوعات النحو من خلال إصلاح شامل لمنهج الدرس النحوي وموضوعاته. وأهم هذه الإصلاحات، وأولاها بالعناية؛ تخليص النحو مما علق به من شوائب وفلسفة حملتها فكرة العامل، تلك الفكرة التي حرفت النحو عن مساره، فتحول شيئاً فشيئاً إلى درس ملفق غريب، ليس فيه من سمات الدرس اللغوي إلا مظهره وشكله، مما أصبح به النحو درساً في الجدل يعرض النحاة فيه قدراتهم على التحليل العقلي(44). وينتقد المخزومي الاتجاه القديم في الدرس النحوي؛ فكل النحو أسس على أصول غير سليمة، وكل شيء تحدث عنه القدماء لا صلة له بالدرس اللغوي أو النحوي. ويرى أن الدرس النحوي ينبغي أن يعالج جانبين مهمين: الجملة من حيث تأليفها ونظامها، وما يعرض على الجملة من معان تؤديها؛ كالتوكيد وأدواته. وهو يتبع إبراهيم مصطفى في أن الضمة علم الإسناد والكسرة علم الإضافة، وليستا أثراً لعامل من اللفظ؛ بل هما من عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الكلام؛ والفتحة لا تدل على معنى، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب.
6 - إبراهيم السامرائي، في كتابه: «النحو العربي نقد وبناء، 1968م» أبطل مسألة العلة والعامل، وأخذ بالمنهج الوصفي في دراسته للغة، واستفاد من دراسة تمام حسان في كتابه الأصول، وقد قسم كتابه إلى قسم لغوي يدرس أصوات العربية والكلمة وبناءها والأسماء وما تشتمل عليه، وقسم نحويّ يدرس أنواع الجملة والأفعال وأنواع الإعراب والمرفوعات والمنصوبات والجر والتوابع، ويقول إنّ هذه هي المواد التي ينبغي لطالب النحو أن يتزود بها، ولكن ذلك لا يغني عن معرفة النحو القديم معرفة جيدة تقف على الأصول والفروع، وعلى الأساليب التي درج عليها الأقدمون(45).
7 - عبده الراجحي، في كتاب: «النحو العربي والدرس الحديث، 1979م»، ويشير فيه أننا في حاجة ملحة للبحث في منهج النحويين، والبحث عن منهج نحوي جديد، وأن الذي لا شك فيه أن رفض الجديد من منطلق الجهل به شيء لا يقبله العلم ولا تقبله الطبيعة الإنسانية(46). ويناقش الكتاب ملابسات نشأة النحو العربي واختلاطه بالفقه وأصوله، ثم يعرض موقف المنهج الوصفي من هذا النحو، ثم يفرد فصلاً كاملاً لقضية صلة النحو العربي بالمنطق الأرسطي، وأخيراً يعرض أصول نظرية النحو التحويلي وطريقته في التحليل، ثم الجوانب التحويلية في النحو العربي.
8 - أحمد عبد الستار الجواري، في كتاب: «نحو التيسير 1984م». وقد انتقد مبالغة النحويين في الاهتمام بالتقدير والعوامل وما يتبع ذلك من تكلف في التأويل وتعسف في التقدير، ولكنه لا يجد أن البحث في عوامل الإعراب وفي أسباب ظواهره عملاً عقيماً على الإطلاق، ولا هو معدوم الفائدة في حدّ ذاته، ولكنه يكون كذلك إذا انحرف عن طبيعة الدراسة اللغوية(47). وانتقد الجواري اتخاذ النحويين الأمثلة المصنوعة التي ليست من كلام العرب، وغلبة المنطق، وتأثرهم بالفقهاء في استخدام القياس والإجماع، وتجاهل طبيعة البحث اللغوي الذي يعتمد على البحث والاستقراء والملاحظة واستخلاص النتائج. ودعا إلى إعادة استخلاص القواعد النحوية من النصوص الموجودة بين أيدينا من عصور الاستشهاد التي أقرها النحويون.
صفحة 7
9 - عبد القادر الفاسي الفهري، «اللسانيات واللغة العربية، نماذج تركيبية ودلالية، 1985م» يدعو إلى الاستفادة من النظريات اللسانية الحديثة في تجديد النحو ضرورة التزام المنهج العلمي السليم في انتقاد التراث أو وصف الظواهر اللغوية، ويقدّم في كتابه نماذج تطبيقية للغة العربية مستفيداً من النظريات اللسانية الحديثة التي تحولت إلى العناية بالنحو على وجه الخصوص، ويمكن أن يؤخذ كتابه كمادة أولى أو نظرية تستثمر في حصر أهداف كتاب مدرسيّ لقواعد اللغة العربية(48). ويجد أن النحو التقليدي لا يزودنا بكل ما نحن في حاجة إليه، بل لا نحتاج بالضرورة إلى مفاهيم القدماء وأصولهم، «وأن الآلة الواصفة الموجودة عند القدماء ليس لها أيّ امتياز في وصف العربية، بل هي غير لائقة في كثير من الأحوال»(49). ولكن يمكن ذكر آراء النحويين القدماء على سبيل الاستئناس.
10 - أحمد عبد العظيم عبد الغني، في كتاب: «القاعدة النحوية، دراسة نقدية تحليلية، 1990م»، ويوضح في هذه الدراسة مدى فقد صناعة النحويين لمبدأ اطراد القوانين ونقض بعضها بعضاً، واصطدام القاعدة مع ما أسست من أصول، ورتب البحث تبعاً لأبواب النحو التقليدي مناقشاً صور العلاقات بين القواعد والأصول والاستعمال، ومتبعاً نهج تمام حسان في كتابه الأصول؛ ويقرر أن النحويين لم يلتزموا بأصول الصناعة وضوابط العلم، وأن قواعد النحو العربي متناقضة، ويثبت ذلك بالتحليل والنقد في باب البناء والإعراب والتعريف والتنكير والضمير والتنوين والتوابع والرتبة، مبيناً وجود قواعد وأصول تنقضها قواعد وأصول، وقواعد وأصول لا يؤيدها الاستعمال(50).
11 - يوسف الصيداوي، يعيد صوغ قواعد اللغة العربية في كتاب: «الكفاف، 1999م»، ويدعو إلى قراءة التراث واستلال القاعدة خالصة من كل ما يحيط بها من تشعّب الآراء. ويؤكد الصيداوي أن النحو لا ييسّر، وأن الذي يستطاع إنما هو إعادة صوغ القاعدة، وأن قواعد اللغة كما يقول مستغنية عن النحو استغناء الماء عن تحليل عناصره. وكتابه عرض لقواعد العربية تامة غير منقوصة استخلصها من خلافات النحويين وتنازعهم(51).
12 - زكريا أوزون في كتابه: «جنابة سيبويه، الرفض التام لما في النحو من أوهام 2002م» يطرح عدداً من الأسئلة يحاول الإجابة عليها؛ هل قواعد اللغة العربية منطقية؟ وهل قواعد اللغة العربية عقلانية؟ هل يتقن ناطقو اللغة العربية قواعد لغتهم؟ ولماذا أخفق ويخفق الطلاب –على اختلاف مستوياتهم العلمية - بفهم وتطبيق قواعد النحو العربي؟ ثم لماذا نشأت اللهجات العربية في مختلف أرجاء الوطن العربي ولم تعتمد قواعد اللغة العربية؟ وهل نجح سيبويه وأتباعه وكل أهل مدارس النحو في عقلنة قواعد اللغة العربية؟. ويرى المؤلف إنّ قواعد العربية لم يضعها العرب «والسبب ببساطة يعود إلى إنّ سيبويه -كونه فارسي الأصل - قام بوضع قواعد لأمثاله في ذلك الوقت كي لا يلحنوا في لفظ كلمات اللغة العربيّة»(52). وبينما يجد أكثر دعاة التجديد أن صعوبة النحو تكمن في المبالغة في إخضاعه لمقاييس المنطق يجد أوزون أن النحو العربي غير منطقي البتة. ويتبع أوزون أسلوباً ساخراً مستفزاً من معطيات النحو العربي(53)، ولم يلتزم في نقده بأي منهج علمي محدد.
13 - خليل كلفت، في كتابه: «من أجل نحو جديد، 2008م» الذي يحاول فيه إثبات خطأ تقسيم الجملة العربية إلى جملة اسمية وجملة فعلية، كما يفعل النحو العربي. وهو ينتهي إلى أن الجملة العربية الواحدة تنقسم إلى «ركنين» وحيدين هما المسند إليه (الفاعل) والمسند (الخبر)، وإلى أن المسند هو كل ما نثبته للمسند إليه أو ننفيه عنه، أي كل ما يرد في الجملة غير المسند إليه. ويناقش الكتاب مفهوم «المسند إليه» الذي يشمل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء الخبر. ويناقش ما يسمى بالأفعال والحروف الناسخة؛ ويمكن القول إن إصلاح مفهوم الخبر في النحو العربي هو المحور الحقيقي لهذا الكتاب. ولأن الخبر هو كل ما نثبته للمسند إليه أو ننفيه عنه، شاملاً كل عناصر الجملة غير المسند إليه، صار من الضروري التوصل إلى مفاهيم ناجعة عن عناصر الجملة التي يتكون منها الخبر، وهى الفعل والمفعول به ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به والظرف(54).
14 - رابح بو معزة، في كتاب: «تيسير تعليمية النحو، رؤية في أساليب تطوير العملية التعليمية من منظور النظرية اللغوية، 2009م» والكتاب يدرس النحو التعليمي وتطويره في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة. وهو يبحث في صور الجملة والوحدة الإسنادية الوظيفية. ويؤكد على أن يمتلك معلم النحو الخبرة الكافية بنظام اللغة المراد تعليمها وكذلك طرائق تحليلها، وأن يكون على قدر كاف من الاطلاع على ما جدّ في اللسانيات الحديثة. يقول: «فأردنا أن يكون القدر الكافي من الاطلاع موصولاً أساساً بالكفاية اللغوية(55) والتبليغية التي هو منوط بإكسابها متعلميه، انطلاقاً من أن فروع اللغة جميعها متضافرة ومتعاونة على الغرض الأصلي منها، وهو إقدار المتعلم على أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً للإفهام والفهم»(56). ثم يذكر كيفية الوصول إلى الكفاية التبليغية والأداء الكلامي الذي يجب على معلم النحو أن يتسلح به. ويقدم مشروعاً مقترحاً لتيسير النحو في دروس الجملة والوحدة الإسنادية الوظيفية.
إضافة إلى هذه الكتب التي دعت لتجديد النحو أو نقده وتيسيره، أكّد كثير من اللغويين والباحثين على أهمية النظر في النحو العربي وحل إشكاله في ثنايا كتبهم ومقالاتهم؛ من ذلك، مختار عمر في كتابه: «البحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر، 1971م» محمد شوقي أمين، في مقاله: «نحو تيسير النحو، 1977م» وكمال بشر في كتاب: «اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم، 1999م». كما ظهر عدد من الدراسات التقيمية لمحاولات تجديد النحو تتبعتها بالنقد والتحليل. وانبرى للرد على دعاة التجديد كثيرون؛ بل لقد كانت سجالاً بين المجددين والتقليدين، وعدوها طعناً في ميراث السلف وكأنه غير قابل للنقد. وافتقرت مناقشة تجديد النحو للمنهج الموضوعي وصارت ميداناً للتراشق بالتهم أحياناً؛ وخير مثال على ذلك الرد على كتاب «إحياء النحو» للدكتور محمد عرفة الأستاذ بجامعة الأزهر في كتابه: «النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة»(57).
10 - أحمد عبد العظيم عبد الغني، في كتاب: «القاعدة النحوية، دراسة نقدية تحليلية، 1990م»، ويوضح في هذه الدراسة مدى فقد صناعة النحويين لمبدأ اطراد القوانين ونقض بعضها بعضاً، واصطدام القاعدة مع ما أسست من أصول، ورتب البحث تبعاً لأبواب النحو التقليدي مناقشاً صور العلاقات بين القواعد والأصول والاستعمال، ومتبعاً نهج تمام حسان في كتابه الأصول؛ ويقرر أن النحويين لم يلتزموا بأصول الصناعة وضوابط العلم، وأن قواعد النحو العربي متناقضة، ويثبت ذلك بالتحليل والنقد في باب البناء والإعراب والتعريف والتنكير والضمير والتنوين والتوابع والرتبة، مبيناً وجود قواعد وأصول تنقضها قواعد وأصول، وقواعد وأصول لا يؤيدها الاستعمال(50).
11 - يوسف الصيداوي، يعيد صوغ قواعد اللغة العربية في كتاب: «الكفاف، 1999م»، ويدعو إلى قراءة التراث واستلال القاعدة خالصة من كل ما يحيط بها من تشعّب الآراء. ويؤكد الصيداوي أن النحو لا ييسّر، وأن الذي يستطاع إنما هو إعادة صوغ القاعدة، وأن قواعد اللغة كما يقول مستغنية عن النحو استغناء الماء عن تحليل عناصره. وكتابه عرض لقواعد العربية تامة غير منقوصة استخلصها من خلافات النحويين وتنازعهم(51).
12 - زكريا أوزون في كتابه: «جنابة سيبويه، الرفض التام لما في النحو من أوهام 2002م» يطرح عدداً من الأسئلة يحاول الإجابة عليها؛ هل قواعد اللغة العربية منطقية؟ وهل قواعد اللغة العربية عقلانية؟ هل يتقن ناطقو اللغة العربية قواعد لغتهم؟ ولماذا أخفق ويخفق الطلاب –على اختلاف مستوياتهم العلمية - بفهم وتطبيق قواعد النحو العربي؟ ثم لماذا نشأت اللهجات العربية في مختلف أرجاء الوطن العربي ولم تعتمد قواعد اللغة العربية؟ وهل نجح سيبويه وأتباعه وكل أهل مدارس النحو في عقلنة قواعد اللغة العربية؟. ويرى المؤلف إنّ قواعد العربية لم يضعها العرب «والسبب ببساطة يعود إلى إنّ سيبويه -كونه فارسي الأصل - قام بوضع قواعد لأمثاله في ذلك الوقت كي لا يلحنوا في لفظ كلمات اللغة العربيّة»(52). وبينما يجد أكثر دعاة التجديد أن صعوبة النحو تكمن في المبالغة في إخضاعه لمقاييس المنطق يجد أوزون أن النحو العربي غير منطقي البتة. ويتبع أوزون أسلوباً ساخراً مستفزاً من معطيات النحو العربي(53)، ولم يلتزم في نقده بأي منهج علمي محدد.
13 - خليل كلفت، في كتابه: «من أجل نحو جديد، 2008م» الذي يحاول فيه إثبات خطأ تقسيم الجملة العربية إلى جملة اسمية وجملة فعلية، كما يفعل النحو العربي. وهو ينتهي إلى أن الجملة العربية الواحدة تنقسم إلى «ركنين» وحيدين هما المسند إليه (الفاعل) والمسند (الخبر)، وإلى أن المسند هو كل ما نثبته للمسند إليه أو ننفيه عنه، أي كل ما يرد في الجملة غير المسند إليه. ويناقش الكتاب مفهوم «المسند إليه» الذي يشمل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء الخبر. ويناقش ما يسمى بالأفعال والحروف الناسخة؛ ويمكن القول إن إصلاح مفهوم الخبر في النحو العربي هو المحور الحقيقي لهذا الكتاب. ولأن الخبر هو كل ما نثبته للمسند إليه أو ننفيه عنه، شاملاً كل عناصر الجملة غير المسند إليه، صار من الضروري التوصل إلى مفاهيم ناجعة عن عناصر الجملة التي يتكون منها الخبر، وهى الفعل والمفعول به ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به والظرف(54).
14 - رابح بو معزة، في كتاب: «تيسير تعليمية النحو، رؤية في أساليب تطوير العملية التعليمية من منظور النظرية اللغوية، 2009م» والكتاب يدرس النحو التعليمي وتطويره في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة. وهو يبحث في صور الجملة والوحدة الإسنادية الوظيفية. ويؤكد على أن يمتلك معلم النحو الخبرة الكافية بنظام اللغة المراد تعليمها وكذلك طرائق تحليلها، وأن يكون على قدر كاف من الاطلاع على ما جدّ في اللسانيات الحديثة. يقول: «فأردنا أن يكون القدر الكافي من الاطلاع موصولاً أساساً بالكفاية اللغوية(55) والتبليغية التي هو منوط بإكسابها متعلميه، انطلاقاً من أن فروع اللغة جميعها متضافرة ومتعاونة على الغرض الأصلي منها، وهو إقدار المتعلم على أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً للإفهام والفهم»(56). ثم يذكر كيفية الوصول إلى الكفاية التبليغية والأداء الكلامي الذي يجب على معلم النحو أن يتسلح به. ويقدم مشروعاً مقترحاً لتيسير النحو في دروس الجملة والوحدة الإسنادية الوظيفية.
إضافة إلى هذه الكتب التي دعت لتجديد النحو أو نقده وتيسيره، أكّد كثير من اللغويين والباحثين على أهمية النظر في النحو العربي وحل إشكاله في ثنايا كتبهم ومقالاتهم؛ من ذلك، مختار عمر في كتابه: «البحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر، 1971م» محمد شوقي أمين، في مقاله: «نحو تيسير النحو، 1977م» وكمال بشر في كتاب: «اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم، 1999م». كما ظهر عدد من الدراسات التقيمية لمحاولات تجديد النحو تتبعتها بالنقد والتحليل. وانبرى للرد على دعاة التجديد كثيرون؛ بل لقد كانت سجالاً بين المجددين والتقليدين، وعدوها طعناً في ميراث السلف وكأنه غير قابل للنقد. وافتقرت مناقشة تجديد النحو للمنهج الموضوعي وصارت ميداناً للتراشق بالتهم أحياناً؛ وخير مثال على ذلك الرد على كتاب «إحياء النحو» للدكتور محمد عرفة الأستاذ بجامعة الأزهر في كتابه: «النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة»(57).
صفحة 8
أهم محاور دعوات تجديد النحو
ـ إلغاء نظرية العامل
يعرّف الجرجاني العامل بقوله: «العامل ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب»(58)، وهو نوعان، لفظي ومعنوي: «وإنما قال النحويون عاملاً لفظياً وعاملاً معنوياً؛ ليروك أن بعض العمل يأتي مسبباً عن لفظ يصحبه؛ كمررت بزيد، وليت عمراً قائم. وبعضه يأتي عارياً من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم»(59).
ويقسم الجرجاني العامل اللفظي إلى سماعي: وهو ما صح أن يقال فيه: هذا يعمل كذا وهذا يعمل كذا وليس لك أن تتجاوزها، كقولنا إن الباء تجر ولم تجزم وغيرهما. أو قياسي: وهو ما صح أن يقال فيه كل ما كان كذا فإنه يعمل كذا، كقولنا غلام زيد لما رأيت أثر الأول في الثاني وعرفت علته قست عليه ضرب زيد وثوب بكر. والعامل المعنوي هو الذي يظهر أثره على بعض الكلمات في الجمل ولا وجود له في ظاهر القول. وهي موضع اختلاف كبير بين النحويين. وتقع العوامل المعنوية عند البصريين في شيئين؛ رافع المبتدأ، ورافع الفعل المضارع، وعند الأخفش رافع الصفة(60).
ويرى النحويون أن العامل اللفظي هو الأصل لأنه الأقوى، لأنه محسوس يدرك بالسمع، ولذا دخل جميع أبواب النحو فمنه: الأفعال، والحروف، والأسماء. لكنها ليست متساوية في العمل؛ فعلى حين أن الأفعال هي العوامل الأصول، فإن القسمين الآخرين فرعان لها، «بل يوجبون تعليل عمل الاسم والحرف، ويبني النحويون على أصالة عمل الفعل وجوب انحطاط الاسم والحرف عن الفعل إذا عملا تحقيقاً لفرعيتهما»(61).
ويرفض ابن مضاء نظرية العامل، ويدعو إلى تخليص النحو العربي منه. ويجد أنه مما يستغني النحوي عنه، ولكن النحويين أجمعوا على الخطأ فيه «من ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي ومعنوي»(62). ومذهب أهل الحق في نظره أن ما ادّعى النحويون من أن حركات الإعراب من أثر العامل إنما هو من فعل الله، ولو نسبت للإنسان كسائر أفعاله الاختيارية كما قال ابن جني. ويسخر ابن مضاء من النحويين بعد أن يورد أراءهم في العامل فيقول: «وأما العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل»(63). ويرى شوقي ضيف أن ابن مضاء، بتأثير من نزعته الظاهرية، ردّ بهذا الكتاب على نحاة المشرق(64).
ويوهم ابن مضاء القارئ بأن ابن جني يرفض نظرية العامل بذكره لقوله: «ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره»(65)، بينما واقع كُتُبِ ابن جني يعارض هذا الكلام بل وسياق الكلام الذي اقتبسه ابن مضاء يثبت عكس ذلك؛ ومن كلام ابن جني الذي يدل على تأييده لنظرية العامل النحوي؛ يقول: «وإنما نقول في رفع المبتدأ إنه إنما وجب ذلك له من حيث كان مسنداً إليه عارياً من العوامل اللفظية قبله فيه وليس كذلك الفاعل لأنه وإن كان مسنداً إليه فإن قبله عاملاً لفظياً قد عمل فيه»(66) وقوله: «إنّ الأسماء لا تنتصب إلا بناصب لفظي، فكذلك الأفعال لا تنتصب إلا بناصب لفظي، فأما من ادعى انتصاب شيء من الكلام بالمعنى دون اللفظ فقد وجب عليه من إقامة الدلالة على ذلك»(67).
ويصل ابن مضاء إلى أن النحو العربي لا يحتاج إلى ما سماه النحويون بالعامل؛ ولكن الفاعل مرفوع لأنه فاعل والمفعول منصوب لأنه مفعول، وكلها متعلقة بالفعل لأنها مثل المجرورات. فهو بذلك فقط يرفض ما اصطلح عليه النحاة بمسمى العامل، ولكنه لا يلغي عمله ويعد المعمول متعلقاً في قوله: «وأنا في هذا الباب لا أخالف النحويين إلّا في أن أقول: علّقت، ولا أقول: أعملت»(68).
ويذكر تمام حسان سبب رفضه للعامل: «إن المعروف في كل منهج علمي من مناهج البحث في الوقت الحاضر يعنى أولاً وآخراً بالإجابة عن «كيف؟» تتم هذه الظاهرة أو تلك، فإذا تعدى هذا النوع من الإجابة إلى محاولة الإجابة عن «لماذا؟» تتم هذه الظاهرة أو تلك، لم يعد هذا منهجاً علمياً، بل لا مفرّ من وصفه بالحدس والتخمين، وتفسير الإرادة والبحث عن الحكمة الإلهية في وجود هذه الظواهر». ويعلق عبد القادر الفاسي على ذلك بقوله: «إن تمام حسان لا يدلنا على مرجع في الموضوع نسترشد به، لأن هذا شيء «معروف» كما يقول. وطبعاً نحن لا نعرف هذا، بل نعرف عكسه، ونعرف أن النظرية العلمية يجب أن ترقى إلى مستوى تفسيري، ولا تكتفي بالملاحظة الخارجية في جميع الأحوال بل تبحث في الكيف وفيما وراء الكيف. فأين هذا العلم «المعروف» كما يعرفه تمام حسان؟» (69) ويؤكد ذلك أنه لا يكون النشاط العقلي للإنسان علماً بالمعنى الصحيح، إلا إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلها، ولا تكون الظاهرة مفهومة إلا إذا توصلنا إلى معرفة أسبابها. ومعرفة أسباب الأشياء إرضاء للميل الفطري لدى الإنسان الذي يدفعه إلى البحث عن تعليل كل شيء. ومعرفة أسباب الظواهر هي التي تمكننا من أن نتحكم فيها على نحو أفضل(70). والعامل تفسير وتعليل للظاهرة اللغوية التي توصّل النحويون إليها باستقراء لغة العرب، وهي مقبولة صحيحة ما لم يقدم غيرهم تفسيراً آخر أفضل من التفسير بنظرية العامل، ولا يمكننا رفضها دون بديل لأن العلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحث عن أسباب الظواهر.
ويتبع ابن مضاء في رفضه لنظرية العامل شوقي ضيف، ولكنه لا يقدم تفسيراً بديلاً عن التفسير بنظرية العامل. أما إبراهيم مصطفى فيقرر أن الحركات الإعرابية ليست من أثر عامل بل هي علامات على معان؛ فالضمة علم الإسناد، والكسرة علم الإضافة، والفتحة لا تدل على شيء. ويتفق معه في ذلك مهدي مخزومي لكنه يرى أن الفتحة علامة لكون الكلمة ليست مسنداً إليه ولا مضافاً(71). ويعتبر تمام حسان أن العمل النحوي خرافة، ويجعل فكرة التعليق بديلاً لها فيقول: «وفي رأيي – كما في رأي عبد القاهر على أقوى احتمال-أن التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي، وأن فهم التعليق على وجهه كاف وحده للقضاء على خرافة العمل النحوي».(72) ومصادر القرائن النحوية التي يقررها تمام حسان في كتاب «الخلاصة»، هي النظام الصوتي الذي يقدم للنحو حركات الإعراب، والصرفي الذي يقدم أصل الوضع والاشتقاق، والنحوي يتناول المفردات من حيث علاقتها بالمفردات الأخرى، ودلالة السياق التي تتمثل في علاقة المعاني ببعضها، والقرينة الحالية التي تكون من خارج الكلام لأنها دلالة الوضع السائد أثناء التكلم(73). ويمكننا توضيح ذلك بصورة مبسّطة في الرسم البياني التالي والمستوحى من كتاب الخلاصة النحوية لتمام حسّان:
ـ إلغاء نظرية العامل
يعرّف الجرجاني العامل بقوله: «العامل ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب»(58)، وهو نوعان، لفظي ومعنوي: «وإنما قال النحويون عاملاً لفظياً وعاملاً معنوياً؛ ليروك أن بعض العمل يأتي مسبباً عن لفظ يصحبه؛ كمررت بزيد، وليت عمراً قائم. وبعضه يأتي عارياً من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم»(59).
ويقسم الجرجاني العامل اللفظي إلى سماعي: وهو ما صح أن يقال فيه: هذا يعمل كذا وهذا يعمل كذا وليس لك أن تتجاوزها، كقولنا إن الباء تجر ولم تجزم وغيرهما. أو قياسي: وهو ما صح أن يقال فيه كل ما كان كذا فإنه يعمل كذا، كقولنا غلام زيد لما رأيت أثر الأول في الثاني وعرفت علته قست عليه ضرب زيد وثوب بكر. والعامل المعنوي هو الذي يظهر أثره على بعض الكلمات في الجمل ولا وجود له في ظاهر القول. وهي موضع اختلاف كبير بين النحويين. وتقع العوامل المعنوية عند البصريين في شيئين؛ رافع المبتدأ، ورافع الفعل المضارع، وعند الأخفش رافع الصفة(60).
ويرى النحويون أن العامل اللفظي هو الأصل لأنه الأقوى، لأنه محسوس يدرك بالسمع، ولذا دخل جميع أبواب النحو فمنه: الأفعال، والحروف، والأسماء. لكنها ليست متساوية في العمل؛ فعلى حين أن الأفعال هي العوامل الأصول، فإن القسمين الآخرين فرعان لها، «بل يوجبون تعليل عمل الاسم والحرف، ويبني النحويون على أصالة عمل الفعل وجوب انحطاط الاسم والحرف عن الفعل إذا عملا تحقيقاً لفرعيتهما»(61).
ويرفض ابن مضاء نظرية العامل، ويدعو إلى تخليص النحو العربي منه. ويجد أنه مما يستغني النحوي عنه، ولكن النحويين أجمعوا على الخطأ فيه «من ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي ومعنوي»(62). ومذهب أهل الحق في نظره أن ما ادّعى النحويون من أن حركات الإعراب من أثر العامل إنما هو من فعل الله، ولو نسبت للإنسان كسائر أفعاله الاختيارية كما قال ابن جني. ويسخر ابن مضاء من النحويين بعد أن يورد أراءهم في العامل فيقول: «وأما العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل»(63). ويرى شوقي ضيف أن ابن مضاء، بتأثير من نزعته الظاهرية، ردّ بهذا الكتاب على نحاة المشرق(64).
ويوهم ابن مضاء القارئ بأن ابن جني يرفض نظرية العامل بذكره لقوله: «ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره»(65)، بينما واقع كُتُبِ ابن جني يعارض هذا الكلام بل وسياق الكلام الذي اقتبسه ابن مضاء يثبت عكس ذلك؛ ومن كلام ابن جني الذي يدل على تأييده لنظرية العامل النحوي؛ يقول: «وإنما نقول في رفع المبتدأ إنه إنما وجب ذلك له من حيث كان مسنداً إليه عارياً من العوامل اللفظية قبله فيه وليس كذلك الفاعل لأنه وإن كان مسنداً إليه فإن قبله عاملاً لفظياً قد عمل فيه»(66) وقوله: «إنّ الأسماء لا تنتصب إلا بناصب لفظي، فكذلك الأفعال لا تنتصب إلا بناصب لفظي، فأما من ادعى انتصاب شيء من الكلام بالمعنى دون اللفظ فقد وجب عليه من إقامة الدلالة على ذلك»(67).
ويصل ابن مضاء إلى أن النحو العربي لا يحتاج إلى ما سماه النحويون بالعامل؛ ولكن الفاعل مرفوع لأنه فاعل والمفعول منصوب لأنه مفعول، وكلها متعلقة بالفعل لأنها مثل المجرورات. فهو بذلك فقط يرفض ما اصطلح عليه النحاة بمسمى العامل، ولكنه لا يلغي عمله ويعد المعمول متعلقاً في قوله: «وأنا في هذا الباب لا أخالف النحويين إلّا في أن أقول: علّقت، ولا أقول: أعملت»(68).
ويذكر تمام حسان سبب رفضه للعامل: «إن المعروف في كل منهج علمي من مناهج البحث في الوقت الحاضر يعنى أولاً وآخراً بالإجابة عن «كيف؟» تتم هذه الظاهرة أو تلك، فإذا تعدى هذا النوع من الإجابة إلى محاولة الإجابة عن «لماذا؟» تتم هذه الظاهرة أو تلك، لم يعد هذا منهجاً علمياً، بل لا مفرّ من وصفه بالحدس والتخمين، وتفسير الإرادة والبحث عن الحكمة الإلهية في وجود هذه الظواهر». ويعلق عبد القادر الفاسي على ذلك بقوله: «إن تمام حسان لا يدلنا على مرجع في الموضوع نسترشد به، لأن هذا شيء «معروف» كما يقول. وطبعاً نحن لا نعرف هذا، بل نعرف عكسه، ونعرف أن النظرية العلمية يجب أن ترقى إلى مستوى تفسيري، ولا تكتفي بالملاحظة الخارجية في جميع الأحوال بل تبحث في الكيف وفيما وراء الكيف. فأين هذا العلم «المعروف» كما يعرفه تمام حسان؟» (69) ويؤكد ذلك أنه لا يكون النشاط العقلي للإنسان علماً بالمعنى الصحيح، إلا إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلها، ولا تكون الظاهرة مفهومة إلا إذا توصلنا إلى معرفة أسبابها. ومعرفة أسباب الأشياء إرضاء للميل الفطري لدى الإنسان الذي يدفعه إلى البحث عن تعليل كل شيء. ومعرفة أسباب الظواهر هي التي تمكننا من أن نتحكم فيها على نحو أفضل(70). والعامل تفسير وتعليل للظاهرة اللغوية التي توصّل النحويون إليها باستقراء لغة العرب، وهي مقبولة صحيحة ما لم يقدم غيرهم تفسيراً آخر أفضل من التفسير بنظرية العامل، ولا يمكننا رفضها دون بديل لأن العلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحث عن أسباب الظواهر.
ويتبع ابن مضاء في رفضه لنظرية العامل شوقي ضيف، ولكنه لا يقدم تفسيراً بديلاً عن التفسير بنظرية العامل. أما إبراهيم مصطفى فيقرر أن الحركات الإعرابية ليست من أثر عامل بل هي علامات على معان؛ فالضمة علم الإسناد، والكسرة علم الإضافة، والفتحة لا تدل على شيء. ويتفق معه في ذلك مهدي مخزومي لكنه يرى أن الفتحة علامة لكون الكلمة ليست مسنداً إليه ولا مضافاً(71). ويعتبر تمام حسان أن العمل النحوي خرافة، ويجعل فكرة التعليق بديلاً لها فيقول: «وفي رأيي – كما في رأي عبد القاهر على أقوى احتمال-أن التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي، وأن فهم التعليق على وجهه كاف وحده للقضاء على خرافة العمل النحوي».(72) ومصادر القرائن النحوية التي يقررها تمام حسان في كتاب «الخلاصة»، هي النظام الصوتي الذي يقدم للنحو حركات الإعراب، والصرفي الذي يقدم أصل الوضع والاشتقاق، والنحوي يتناول المفردات من حيث علاقتها بالمفردات الأخرى، ودلالة السياق التي تتمثل في علاقة المعاني ببعضها، والقرينة الحالية التي تكون من خارج الكلام لأنها دلالة الوضع السائد أثناء التكلم(73). ويمكننا توضيح ذلك بصورة مبسّطة في الرسم البياني التالي والمستوحى من كتاب الخلاصة النحوية لتمام حسّان:
صفحة 9
ويطبق تمّام حسّان نظام القرائن النحوية التي تتعدد في نطاق الجملة للكشف عن المعنى، والتي اقترحها بديلاً للعامل في كتابه: «الخلاصة النحوية». وأجدها أكثر تعقيداً من نظرية العامل نفسه.
ـ إلغاء الإعرابين: التقديري والمحلّي
يختلف النحويون في تحديد مفهوم واحد للإعراب، وتتباين تصوراتهم لاختلاف مفهومهم من غاية الإعراب؛ وللوصول إلى تصور مشترك لأي مصطلح نحتاج إلى الاتفاق على المنطلقات الأساسية لهذا المصطلح من جهة، وعلى طبيعته وكيفيّة عمله من جهة أخرى. ومن خلال تعريفاتهم للإعراب نفهم مدى قبولهم أو رفضهم لفكرة العامل(74). فالكفوي يعرّف الإعراب عند النحويين القدماء بأنه أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، ثم يذكر تفصيل لأشكال الإعراب عند عامة النحويين وله معنيان: عام وهو ما اقتضاه عروض معنى بتعلق العامل، ليكون دليلاً عليه؛ فإن لم يمنع من ظهوره شيء فلفظي؛ وإن منع فإن كان في آخره فتقديري، أو في نفسه فمحليّ. فالمانع من الإعراب في المحلي مجموع الكلمة لبنائه بخلاف المانع في التقديري فإنه الحرف الأخير. ثم المحلي في الأسماء والمضمرات المبنية؛ كالموصولات وأسماء الإشارات والأفعال الماضية والجمل والحروف. والتقديري في الأسماء التي في أواخرها ألف مقصورة(75).
ويبين الزجاجي أهمية الإعراب فيقول: «إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني وتكون فاعلة ومفعولة، ومضافة، ومضافاً إليها، ولم يكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة، جُعِلَتْ حركات الإعراب فيها تنتبئ عن هذه المعاني؛ فقالوا: ضرب زيد عمراً، فدلوا برفع زيد على أن الفعل له، وبنصب عمرو على أن الفعل واقع به. وقالوا: ضُرب زيدٌ؛ فدلوا بتغيير أول الفعل، ورفع زيد على أن الفعل ما لم يسمَّ فاعلُه، وأن المفعول قد ناب منابه. وقالوا: هذا غلام زيد؛ فدلوا بخفض زيد على إضافة الغلام إليه. وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات دلائل عليها؛ ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إذا أرادوا ذلك، أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه، وتكون الحركات دالّةً على المعاني»(76).
ويخالفهم في ذلك المستنير قطرب الذي يرى أن الإعراب لا يدل على معان محددة، وإنما كي يستطيع المتكلم إدراج كلامه بسهولة وسرعة لأن التسكين يضطره للتوقف بعد كل كلمة، يقول: «وإنما أعربت العرب كلامها؛ لأن الاسم في حالة الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضاً لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطئون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلوا التحريك معاقباً للإسكان؛ ليعتدل الكلام؛ ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك وساكن، ومتحركين وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشو كلمة، ولا في حشو بيت، ولا بين أربعة أحرف متحركة؛ لأنهم في اجتماع الساكنين يبطؤون، وفي كثرة الحروف المتحركة يستعجلون، وتذهب المهلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان»(77). ولم يتبع قطرب في رأيه من المحدثين غير إبراهيم أنيس وعبد الرحمن السيّد(78).
ودعا شوقي ضيف إلى إلغاء الإعرابين التقديري والمحليّ؛ يقول: «فلا داعي لأن يقال في مثل: «جاء الفتى»: الفتى فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر، ولا في مثل: «جاء القاضي»: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها الثقل، بل يُكتفى في مثل الفتى والقاضي بأن كلاً منهما فاعل فحسب، وأيضاً فلا داعي لأن يقال في مثل: «هذا زيد»: هذا مبتدأ مبني على السكون في محل رفع بل يُكتفى في مثله بأن يقال: هذا مبتدأ فحسب، وبالمثل لا داعي أن يقال في مثل: «زيد يكتب الدرس» إن جملة يكتب الدرس في محل رفع خبر لزيد، بل يُكتفى بأن يقال إنها خبر لزيد»(79)
ويؤكد إبراهيم مصطفى على أن علامات الإعراب دوال على معان في تأليف الجملة وربط الكلام، فالضمة علم الإسناد ودليل على أن الكلمة مرفوعة، يراد أن يسند إليها ويتحدث عنها، والكسرة علم الإضافة، وللإعراب الضمة والكسرة فقط، وليستا أثراً لعامل من اللفظ، بل هما من عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الكلام؛ أما الفتحة عنده لا تدل على معنى كالضمة والكسرة، فليست بعلم إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب(80). ويتفق معه في ذلك مهدي مخزومي، إلا أنه يرى أن النصب علامة لكون الكلمة خارج نطاق الإسناد أو الإضافة(81). وقد انتقد عز الدين مجدوب هذا التقسيم وعدّهُ مأزقاً وقعاً فيه، حيث ساوى إبراهيم مصطفى ومهدي مخزومي بين الفاعل والمبتدأ ونائب الفاعل. وللتخلص من هذا المأزق يقترح تقسيم معاني الإعراب تقسيماً ينسجم مع ما يراه النحويون القدماء، ومحصل رأيهما:
• إن الرفع يدل على أن الاسم واقع في الكلام موقع عمدة.
• إن النصب والجر يدلان على الاسم واقع موقع فضلة.
ثم يميّزان بين النصب والجر تميزاً خفيفاً، وهو أن الجر للفضلات التي يفضى إليها جزء الكلام بواسطة حرف. وأما النصب فهو للفضلات التي يفضي إليها جزء الكلام بواسطة حرف أو بلا واسطة(82).
وقد فحص عز الدين مجدوب اعتراضات النحويين المحدثين على العوامل والإعراب، واستدل على أن علامات الإعراب من ثوابت المضمون، وأنه معنى يوجبه ائتلاف الاسم مع وحدات لغوية أخرى سماها النحويون عوامل.
ـ إلغاء الإعرابين: التقديري والمحلّي
يختلف النحويون في تحديد مفهوم واحد للإعراب، وتتباين تصوراتهم لاختلاف مفهومهم من غاية الإعراب؛ وللوصول إلى تصور مشترك لأي مصطلح نحتاج إلى الاتفاق على المنطلقات الأساسية لهذا المصطلح من جهة، وعلى طبيعته وكيفيّة عمله من جهة أخرى. ومن خلال تعريفاتهم للإعراب نفهم مدى قبولهم أو رفضهم لفكرة العامل(74). فالكفوي يعرّف الإعراب عند النحويين القدماء بأنه أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، ثم يذكر تفصيل لأشكال الإعراب عند عامة النحويين وله معنيان: عام وهو ما اقتضاه عروض معنى بتعلق العامل، ليكون دليلاً عليه؛ فإن لم يمنع من ظهوره شيء فلفظي؛ وإن منع فإن كان في آخره فتقديري، أو في نفسه فمحليّ. فالمانع من الإعراب في المحلي مجموع الكلمة لبنائه بخلاف المانع في التقديري فإنه الحرف الأخير. ثم المحلي في الأسماء والمضمرات المبنية؛ كالموصولات وأسماء الإشارات والأفعال الماضية والجمل والحروف. والتقديري في الأسماء التي في أواخرها ألف مقصورة(75).
ويبين الزجاجي أهمية الإعراب فيقول: «إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني وتكون فاعلة ومفعولة، ومضافة، ومضافاً إليها، ولم يكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة، جُعِلَتْ حركات الإعراب فيها تنتبئ عن هذه المعاني؛ فقالوا: ضرب زيد عمراً، فدلوا برفع زيد على أن الفعل له، وبنصب عمرو على أن الفعل واقع به. وقالوا: ضُرب زيدٌ؛ فدلوا بتغيير أول الفعل، ورفع زيد على أن الفعل ما لم يسمَّ فاعلُه، وأن المفعول قد ناب منابه. وقالوا: هذا غلام زيد؛ فدلوا بخفض زيد على إضافة الغلام إليه. وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات دلائل عليها؛ ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إذا أرادوا ذلك، أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه، وتكون الحركات دالّةً على المعاني»(76).
ويخالفهم في ذلك المستنير قطرب الذي يرى أن الإعراب لا يدل على معان محددة، وإنما كي يستطيع المتكلم إدراج كلامه بسهولة وسرعة لأن التسكين يضطره للتوقف بعد كل كلمة، يقول: «وإنما أعربت العرب كلامها؛ لأن الاسم في حالة الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضاً لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطئون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلوا التحريك معاقباً للإسكان؛ ليعتدل الكلام؛ ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك وساكن، ومتحركين وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشو كلمة، ولا في حشو بيت، ولا بين أربعة أحرف متحركة؛ لأنهم في اجتماع الساكنين يبطؤون، وفي كثرة الحروف المتحركة يستعجلون، وتذهب المهلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان»(77). ولم يتبع قطرب في رأيه من المحدثين غير إبراهيم أنيس وعبد الرحمن السيّد(78).
ودعا شوقي ضيف إلى إلغاء الإعرابين التقديري والمحليّ؛ يقول: «فلا داعي لأن يقال في مثل: «جاء الفتى»: الفتى فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر، ولا في مثل: «جاء القاضي»: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها الثقل، بل يُكتفى في مثل الفتى والقاضي بأن كلاً منهما فاعل فحسب، وأيضاً فلا داعي لأن يقال في مثل: «هذا زيد»: هذا مبتدأ مبني على السكون في محل رفع بل يُكتفى في مثله بأن يقال: هذا مبتدأ فحسب، وبالمثل لا داعي أن يقال في مثل: «زيد يكتب الدرس» إن جملة يكتب الدرس في محل رفع خبر لزيد، بل يُكتفى بأن يقال إنها خبر لزيد»(79)
ويؤكد إبراهيم مصطفى على أن علامات الإعراب دوال على معان في تأليف الجملة وربط الكلام، فالضمة علم الإسناد ودليل على أن الكلمة مرفوعة، يراد أن يسند إليها ويتحدث عنها، والكسرة علم الإضافة، وللإعراب الضمة والكسرة فقط، وليستا أثراً لعامل من اللفظ، بل هما من عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الكلام؛ أما الفتحة عنده لا تدل على معنى كالضمة والكسرة، فليست بعلم إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب(80). ويتفق معه في ذلك مهدي مخزومي، إلا أنه يرى أن النصب علامة لكون الكلمة خارج نطاق الإسناد أو الإضافة(81). وقد انتقد عز الدين مجدوب هذا التقسيم وعدّهُ مأزقاً وقعاً فيه، حيث ساوى إبراهيم مصطفى ومهدي مخزومي بين الفاعل والمبتدأ ونائب الفاعل. وللتخلص من هذا المأزق يقترح تقسيم معاني الإعراب تقسيماً ينسجم مع ما يراه النحويون القدماء، ومحصل رأيهما:
• إن الرفع يدل على أن الاسم واقع في الكلام موقع عمدة.
• إن النصب والجر يدلان على الاسم واقع موقع فضلة.
ثم يميّزان بين النصب والجر تميزاً خفيفاً، وهو أن الجر للفضلات التي يفضى إليها جزء الكلام بواسطة حرف. وأما النصب فهو للفضلات التي يفضي إليها جزء الكلام بواسطة حرف أو بلا واسطة(82).
وقد فحص عز الدين مجدوب اعتراضات النحويين المحدثين على العوامل والإعراب، واستدل على أن علامات الإعراب من ثوابت المضمون، وأنه معنى يوجبه ائتلاف الاسم مع وحدات لغوية أخرى سماها النحويون عوامل.