eKtab
EN ع
النحت في ذاكرة الصحراء
اقرأ عينة مجانية

النحت في ذاكرة الصحراء

بقلم سهيل إبراهيم عيساوي

صفحة 1

مدخل

قصتي مع النقب حكاية آلاف الناس من طلاب ومدرسين ومحاضرين وعمال وموظفين, قذف بهم الحظ والزمان وألهمتهم الظروف للقدوم إلى هذه المنطقة, منهم من وجد نفسه على بساط السعادة يرتشف ملعقة الرضى والانبساط, ومنهم من وجد نفسه دون التأثير أو التأثر من المكان والإنسان, ومنهم من يحاول الانسحاب في كل لحظة سانحة, يلملم نفسه على حياء, أنا ما كنت غيمة صيف عابرة, أو عابر سبيل يقيس الطريق, بل كنت جزءً منه وكان جزءً مني, كنت واحداً من الأهل لم أشعر بطعم الغربة عن المكان أو عن الإنسان, إيماناً مني بأن الطالب الجامعي أو المربي يحمل رسالة اجتماعية وتربوية, وله دور مركزي في المجتمع العربي, يمارس دوره الطلائعي بعيداً عن الأفكار الاستسلامية, التي تكسو الإنسان ثوب القهر والحرمان. الإخلاص في العمل الجماهيري, ضميري يجذف نحو عطاء غير مشروط, من اختار لنفسه تيار العلم والتربية, للمجتمع حق أن يقطف ثمار جهده وأفكاره, من أراد الغوص في بحر العطاء, عليه عدم الانتظار والبقاء في حضن المادة وأزقة الذاكرة، خلال فترة مكوثي في النقب بين السنوات 1993-2004 تركت بصماتي في مجال العمل الجماهيري والثقافي والأدبي والإعلامي وعلى الحركة الطلابية ونشاطاتها المتشعبة, أما في المجال المهني فمن حق الطلاب والأهالي ووزارة التربية والتعليم على المعلم أن يعطي بإخلاص وتفاني ليحفظ للمهنة كرامتها.
رأيتُ من المناسب نشر هذه المواقف والآراء, لتكون شمعة تضيء وزاداً لعيونٍ تبحث عن الصدق المختبئ في أعماق الصدور, وجرعة علم لمن يود معرفة معالم طريق اَمن لمن يؤمن بالإنسان، ويزرع المحبة والثقة في نفسه ونفوس الغير، لمن يتوق لمرحلة من التغيير واحترام الذات العربية الأصيلة، لمن تجري تحت لسانه أسئلة يحسبها فجة. وهل من رسالة في هذا العالم الغاضب كالبركان, هل أقدر أن أغير المسار ؟ أم أسير وسط الركب مثل آلة حمقاء ؟ يقيناً أن لكل منا رسالة وإن شاء جعلها مقدسة, ولهُ دورٌ يحدد هو حجمه ومساره، الصدف لا تصنع المعجزات بل بالأظافر والمعول وحبات العرق, والوقوف في وجه كل تيار يلوح بعباءة الخنوع والصمت واجترار يراوح المكان.
هي كلمة شكر ووفاء لكل صديق وزميل ورفيق درب شاطرني الأفكار والجهد في ميادين العطاء والتطوع والبحث عن عيون العلم والاغتراف منها وما زلنا نبحث عن الارتواء, هي وقفة تأمل وإجلال لكل الشرفاء في النقب, الذين أخذوا على عاتقهم التضحية من أجل إعلاء كلمة أهل النقب, لمن رفع راية العلم والمعرفة والتحدي, وامتطاء بساط التغير نحو الأفضل, لمن ما زال يرسم وجه البادية والبداوة بريشة الأصالة, رغم الرياح العاتية والتي تحاول أن تشوه الإنسان والمكان وتقلم الأغصان والجذور ...
إضاءة وإشارة لنا جميعاً, النقب جزء منا ونحن جزء منه, نحتضن أهلهُ ونتواصل معاً ثقافياً وحضارياً، هو نداء لوضع قضايا النقب وفق أولويات الأقلية العربية في البلاد, هي همسة عتاب للحكومات المتعاقبة في إسرائيل, لماذا تركتم النقب وحيداً, يتيماً يواجه مصيرهُ؟ متى نتجاوز معاً الحقول الشائكة وكل علامات الاستفهام التي تنادي وتصرخ ؟ النقب أولاً.

اليوم الأول

حزمت أمتعتي بسرعة البرق, تجد نفسك أمام مدينة يتحرك سكانها بسرعة جنونية بانتظام ودقة, مثل أمواج البحر تعرف حدودها وحدود الرمال, أنت على مقاعد الدراسة الجامعية تحاول التعرف على الوجوه الجديدة ولغط الأصوات, على السكان والشخصيات والنظريات في آن واحد، وتلك المرة الوحيدة التي تدوس قدمي منطقة النقب, تختلط هواجس الفرح والخوف والتحدي لتثـقل كاهلك وحقيبتك ترافقك مع ظلك الذي لا ينحني ولا يختفي ولا يتلون مع لهيب الصحراء.
صفحة 2

بطاقة إلى الجنوب

بعد انقضاء مرحلة الثانوية تقف في خضم الحياة المزدحمة، تعبئ الاستمارات بشكل أو بآخر لتقبل في جامعة الحياة، وكم كنت سعيداً عندما زفَّ لي صندوق البريد الحديدي خبر قبولي في جامعة بن غوريون أو بئر السبع, لموضوعَي الفلسفة والتاريخ العام, فلسفة في الجامعة أفضل من الفلسفة في البيت.

مرشح وحيد … وفوز أكيد

بعد أن عبرت شاطئ النجاح أخذت التقط أنفاسي, قرأت إعلاناً حول الانتخابات لمجلس الطلاب في الجامعة … فكرت ملياً ثم سارعت لالتقاط صورة جديدة, واضح أن لأشعة الشمس الحارقة بصمات على وجهي, ورحت أٌزين جدران الجامعة, ورفع شعار التصويت لي, " أنا أفكر أنا موجود, أنا أصوت لسهيل " لحسن حظي الزملاء العرب واليهود لم يرشحوا أنفسهم, بعضهم قال لي أنت أحق, وبعضهم قال لأجلك لن أرشح نفسي, جندت العديد من الأصدقاء للدعوة لدعمي وكانت الفرحة عارمة حيث حصلت على النسبة التي تؤهلني بالفوز بمقعد عن قسم التاريخ.

جائزة رئيس الجامعة

ارتديت عباءة الجدية والمبادرة، اشتركت بكافة الجلسات التي استمرت إلى ما وراء الليل, ونشطت في لجنة المناقصات والتعيينات التابعة للجنة الطلاب الجامعين, والتعيينات تتم في الصيف, يغادر معظم الطلاب الجامعة, في سبيل الترفيه وجمع المال والراحة وحل الوظائف للاستعداد لاستقبال السنة الدراسية القادمة, وقلة هم من يتعقبون الوظائف الشاغرة, كنت حريصاً على حضور هذه الجلسات لأساهم في صنع القرار وبعد انقضاء عام من العمل والمبادرة, قررت عدم ترشيح نفسي, رغم طلب وإلحاح العديد من الأصدقاء والشخصيات النافذة في الجامعة, لإعطاء فرصة لغيري لتمثيل القسم وخاصة من الطلاب العرب، وفعلاً لسنوات متتالية كان مقعد التاريخ من نصيب الطلاب العرب، وكم تفاجأت عندما تم تكريمي بمنحة مالية وشهادة تقدير وكتاب, من قبل مجلس طلاب ورئيس الجامعة ( بفرمن), الذي امتطى مارد السياسة فيما بعد.

الجسم المبادر

اغتراب كلمة تليق بوضع الطالب العربي, الذي يهبط بمظلته في أروقة الجامعات, ليس سهلاً أن تقف في النقب, لا صديق ولا رفيق ولا مرشد, وتحط في باحة الجامعة بلا بوصلة, لا تعرف الجهات والاتجاهات, غربة المكان واللغة والناس، هذه الأمور جربناها على جلدنا, فقررنا مع مجموعة من الطلاب المبادرين, إلى تأسيس جسم مبادر يكون مؤقتاً حتى إجراء انتخابات للطلاب العرب, والهدف تمثيلهم أمام هيئات إدارة الجامعة, في قضايا المنح الدراسية ومساكن الطلبة, وفي حالة تعرض أحدهم للغبن, لكن الأمر المؤقت استمر ولم تكن لنا الشرعية في تمثيل الطلاب بالرغم من الهمة العالية للشباب, وقد قدمت استقالتي لجميع الأعضاء وسط استغرابهم من هذه الخطوة.
صفحة 3

الأحزاب والانتخابات

لم يعد سراً كون الانتخابات في الجامعات تحركها القيادات الحزبية العليا, وفق ضوابط اللعبة السياسية، أصبحت جامعة بئر السبع مثل خلية النحل, زيارات بيتية وزيارات لقيادات حزبية, محط أنظار وانتظار الجميع, تبلورت وتشكلت قوائم عربية, الجبهة والمستقلون والتجمع.
وبدأ التراشق عبر المنشورات الملونة, والمؤلم في الأمر أن جميع المرشحين في القائمتين (الجبهة والتجمع), من نفس باقة الورد. لم أرشح نفسي في مكان متقدم رغم أن بيتي كان مقراً، إن شئت أن تسميه دار الأرقم بن الأرقم الحديثة، أو دار الندوة في عيون "الخصوم السياسيين"، ومنه تصدر القرارات الحاسمة. في نفس العام بسبب التعنت والضغوطات الخارجية تم وأد مشروع الانتخابات في مهده لأُمور لا تتعلق بطلاب جامعة بئر السبع بل لرغبة البعض في ضم كليات أُخرى للانتخابات ظناً منهم أن لهم فيها قاعدة شعبية عريضة.
بعد عدة سنوات جرت انتخابات أشترك بها ممثلون عن الجبهة والتجمع ومستقلون, تكللت المحاولة بالنجاح, لكن الحقل السياسي الطلابي سرعان ما جف, بعد ترك القيادات الطلابية النشطة الساحة السياسية وعدم اعتراف الجامعة بلجان أُخرى على أساس قومي، وتقاعست الأحزاب العربية في استثمار جهدها في حلبة جامعة بئر السبع، ربما بسبب نسبة الطلاب العرب الضئيلة هنالك والبعد الجغرافي.

رابطة أقلام الجنوب

بعد فشل العمل الحزبي والتحفظ من انخراط البعض تحت ظلاله, والفراغ الذي نتج عن تجمد فاعلية الأحزاب والحزبين, رأيتُ مع مجموعة من الأصدقاء إقامة رابطة أقلام الجنوب: من بين المؤسسين الشاعر صالح الزيادنة، يوسف الطوري, أمل أبو عمره, الكاتب كرم أبو مخ, سلمان الطوري, متعب أبو ناصر، حسام غنايم، كفاح عسلية، كان القلم هو القاسم المشترك والرغبة في تقديم الخدمة للطلاب العرب والمجتمع العربي في النقب حافزاً قوياً.
بدأنا بإصدار مجلة الينبوع (5000) نسخة وزعت قطرياً, تنظيم الأُمسيات الأدبية وتنظيم الاحتفالات الطلابية وحظينا بدعم إدارة الجامعة ومجلس الطلاب وترحيب طلابي كبير, وكنا نموّل معظم النشاطات من نفقتنا الخاصة, وأحياناً نُجند الدعم من الجامعة وأصدرنا أكثر من عشرة كتب لأعضاء المجموعة, ونشر عن إبداع الأعضاء في وسائل الأعلام العربية والعبرية, واستمر عمل الرابطة بعد النجاح في إجراء الانتخابات الطلاب العرب منذ عام 1996 حتى 2004 كان يمثل أمامي الكاتب العملاق جبران خليل جبران عندما أقام رابطته الشهيرة في المهجر لتصبح منارة للأدباء والكتاب .

البوصلة

يجد الطالب العربي نفسه أحياناً أمام معضلات ومفترقات طرق, لم تقارع فكرة من قبل ماذا وأي مجال سيتعلم ؟ وهل سيساعده في مشواره مع الحياة وفي خدمة مجتمعه ؟! التسجيل للجامعات عشوائي, والمواضيع ارتجالية, المحصلة: هدر الوقت والمال, وتعليق آمال عريضة على ورقة توت هزيلة، ينقصنا التوجيه الأكاديمي والإرشاد في المدارس الثانوية, لنشق طريقنا بتخطيط وإستراتيجية مدروسة .
صفحة 4

شراع العطاء

لا يزال خفاقاً في صحراء النقب, إن قلّ الماء والخضار، تظل الأيدي المبسوطة تشع بين حقول العطاء, لا تكل ولا تتعب .
من الناس من يولد مع رسالة اجتماعية صادقة, يفلح في تسجيل العديد من نقاط الضوء في ليلنا الدامس.
من بين معالم الجنوب وتضاريسه البشرية الشامخة: الدكتور رياض اغبارية رئيس عدة جمعيات خيرية فاعلة على الساحة المحلية، ورئيس قسم الصيدلة في جامعة بئر السبع, له بصماته في إحداث تغيير جدري للتعليم الأكاديمي, والإسهام في دفع الطلاب العرب في النقب إلى الالتحاق بركب المعاهد العليا. وأمل الصانع، الناشطة في مجال تعزيز مكانة المرأة.
والشاعر صالح الزيادنة, الناشط والطلائعي في مجال رعاية الحركة الأدبية,من خلال تنظيم الأمسيات الأدبية ورعاية الكتاب الشباب, وكتابة الأبحاث والمقالات وخاصة عن التراث.
هؤلاء عرفتهم عن قرب, ومن بعيد أراهم يحملون الشمعة ليبدلوا الظلام, وليزرعوا الأحلام الوردية في حقول الواقعية, يبارك الرب في عملهم وبإيمانهم العميق بقضايا مجتمعنا. هم من يحشد التأييد ويجسد الرؤية فيولد الحلم معافى.

هنا موسكو

من المفارقات في مدينة بئر السبع أن تتساقط الثلوج البيضاء فتلامس حبات الرمل الصفراء التي كانت تتمنى على الله بقطرة ماء، والله رحمته وسعت كل شيء .
نهرول, أقدامنا تلامس رؤوسنا، نتحسس الثلوج بأصابعنا المندهشة, نشاطر الطبيعة الابتسامة وكأس الفرح الأبيض.

صوت الشاعر القادم من بعيد

الشاعر الحق يحمل مع أوراقه قضايا شعبه، منذ التحاقي بالجامعة أخذت على عاتقي الاتصال بالشعراء وحثهم على الالتقاء بالطلاب وإتحافنا بقصيدة يتيمة عذبة.
من بينهم من كان يواظب على القدوم, متحملاً مشقة السفر والإعياء, تطول المسافات بين الجليل والمثلث والنقب, ليصدح بصوته غير مخنوق في الجنوب, ليتواصل أبناء الشعب الواحد, اللغة سفيرنا إلى القلوب النابضة بالضاد. من بين من أطربوا أرواحنا بعزفهم الفريد: مصطفى مراد, الدكتور جمال قعوار، سعود الأسدي, ميشيل حداد (رحمة الله)، صالح أحمد، عبد الرازق أبو راس, الشيخ غسان الحاج يحيى, الدكتور فاروق مواسي، عطا الله جبر, فاطمة ذياب, طه محمد علي, محمد حمد، الدكتور أحمد هيبي, جورج فرح , ركاز فاعور, ومن النقب, صالح الزيادنة, جبر أبو صهيبان.
ليس سهلاً أن يهتف الناس للشعر والشعراء, في زمن المزايدات والغوغائية تجتاز مئات الأميال وأكثر من عشر ساعات لتقف أقل من دقيقة لتحرر من حنجرتك كلمات لتحيا من جديد في فضاء جديد لحياة سرمدية .

المظاهرات الطلابية ضد أقساط التعليم

وجدت نفسي في مقدمة الحركة الطلابية المعارضة لأقساط التعليم الباهظة, نسافر إلى القدس والكنيست, نغلق أبواب الحرم الجامعي في وجه الطلاب والمحاضرين, نطير من مدينة إلى أخرى, نرفع الشعارات الاجتماعية، أعتقد أن أصواتنا وصراخنا لا يصل أكثر من المدى, كنا في خندق واحد مع الطلاب اليهود بل كان الأمر بالنسبة لنا في غاية الأهمية لأن أقساط التعليم تلسعنا بصمت .
صفحة 5

نظرية الفرصة الواحدة

تعلمت من الشعب الياباني نظرية الفرصة الواحدة، لست أدري مدى نجاعتها, أترك لكم الحكم، في الجامعات يمكن أن يقدم الطالب وظيفة جامعية, بمثابة بحث أكاديمي, وبعض المواضيع تتطلب اجتياز امتحان, ويمكنك التقدم لموعدين وخاصة إذا رغبت في تحسين علامتك, أو إذا أخفقت في الموعد الأول, عودت نفسي الدراسة جيداً في المرة الأُولى لتكون الأخيرة فأسقطت من قاموسي الفرصة الثانية, كنت صارماً مع نفسي ولم أُحطم التعليمات, يعصف بي أحياناً السؤال هل كنت قاسياً مع نفسي أم أني ربحت الوقت أثمن رأسمال؟.

أيام وأيام

للطالب الجامعي ثوب فضفاض من الفراغ, والسؤال الذي يتثاءب بعد تسلل الظلام, كيف ننتهز الوقت ؟! وما الهدف؟ ومع من؟ أذكر أن طلاب كفر مندا ومعارفهم كنا نجتمع في أحد البيوت, نجري مباريات في الشعر، نتناول كتاباً صدر لتوه، أو يعرض أحدنا محاضرة شيقة. بعد مرور سنوات نلتُ اللقب الثاني في موضوع تاريخ الشعب اليهودي، أجلس واحتسي القهوة وإن لم تكن عربية، لكن العرب يعشقونها وهي تعشقهم لوجود أكثر من قاسم مشترك..... في ذلك اليوم طار صوابي، إلى أين وصلنا! مجموعة من الطلاب العرب يلعبون الورق في انسجام وغيبوبة فكرية, كأنهم في مقهى وملهى وليس في جامعة محترمة لها صيتها العالمي, بالمقابل على الطاولات المقابلة طلاب يهود كل متسمر مع كتابه وحاسوبه الشخصي. تمنيت لو لم أكحل ناظري بهذا المنظر الذي تشمئز له النفس والروح، قلت في أعماق نفسي لعل البعض هنا سعيد حتى النشوة بهذه المسرحية التراجيدية.

الأسرة الخانقة

من الظواهر المقلقة التي تقف أمامك مثل حاجر معتم شائك, الأبوة الخانقة كأخطبوط, بعض الآباء من فرط حبه وحرصه على أبنه يفرض عليه أعراف الحكم العسكري البائد, كل شيء بإذن وترخيص مسبق، ممنوع الاشتراك في أمسية ثقافية، احتفال, لقاء، سهر, إلا المراجعة والتعليم, طبعاً النتيجة كارثية, تحطيم نفسية الطالب، تحجيم صقل ونمو شخصيته، وحرمانه من تحقيق ذاته ورسم ملامح شخصيته كما يحلم ويكبر الحلم معه. بعد فترة وجيزة، يقف أمامنا إنسان مهزوز, مهزوم في أعماق أعماقه, مطعون في جدران قلبه الواهي, من الحب ما قتل, يغتال الأب أو الأم فلذة كبده بهدوء وسكينة، يحاول أن يبعثه للعيش إلى ما قبل التاريخ والفلسفة, فيصطدم بجدار الواقع المتسارع الذي لا يرحم. سعادة الطالب الجامعي تكمن في بناء شخصيته والكشف عن مواهبه ومعايشته للواقع, بهدف الاكتساب والتعلم, يخطئ الوالد الذي يريد أن يرى نفسه تماماً في شخصية ابنه، فلا يمكن السباحة في نفس النهر مرتين.

ثقافة الجسد

إن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بجسدنا وهو أمانة في أعناقنا لنصونه ونحافظ عليه ليخدمنا ونتفانى في خدمته، للجسد لغة خاصة لا يفهمها الجميع، نمارس الرياضة لنقوي أجسادنا إن كنا لا نستطيع تحديد لون بشرتنا, لكننا حقاً نقدر أن نهندس أجسادنا, منذ دخولي الحرم الجامعي أصغيت جيداً لهمسات جسدي فكنت أواظب بشكل يومي على ممارسة رياضة كمال الأجسام, مع مرور الوقت تبنى العضلات بشكل طبيعي رويداً رويداً، فتشعر بالإرهاق, فتأخذ قسطاً من الراحة, ولما تتوقُ للمزيد من الرياضة التقط الإشارة سريعاً, عرفت كل الوجوه من عرب ويهود وقادمين جدد, صداقة المكان والظروف والايدولوجيا الرياضية تتجدد الوجوه كل عام, تظل الماكنات جاثمة على صدر المكان تراقب حركة الوافدين, تشعر بإدمان وانتماء لا يقاوم للمكان.
الأمور التي تثير الشفقة أن البعض هنالك يحاول أن يضخم عضلاته بسرعة البرق فيتناولون بعض المواد المنشطة الخطرة مثل "السترويديم" والتي هي أشبه بالمخدر, هذه العملية أشبه بعملية اغتصاب وتضليل للعضلة, والتي سرعان ما تكتشف الكمين الذي نصب لها, فتعيد الصاع صاعين لصاحبها بعد أن تتعملق تترهل مستسلمة لقدرها مثل عجوز شمطاء على أعتاب التسعين, صحيح الأجساد تتضخم لكن القلب المسكين يظل صغيراً مثل عقولهم, لا يستطع أن يضخ كميات الدم المطلوبة للجسد النهم، نهر الغباء لا ينقطع إنما يتبدل مع دفعة قوية من تيار الجنون.