النقد الذاتي بعد الهزيمة
«تتحول الحضارة حينما يتحول فجأة عنصرها المضطهد ـ مذلة العبد وكدح الشغيل ـ إلى قيمة. أي حينما يكف المضطهد عن محاولة الهروب من ذله ليطلب فيه خلاصه، وحينما يكف الشغيل عن محاولة الهروب من كدحه هذا ليجد فيه مبرر وجوده. المصنع الذي لا يزال أشبه بكنيسة الدياميس يجب أن يصبح كالكاتدرائية، وعلى الإنسان أن يرى فيها, عوضاً عن الآلهة, القوة الإنسانية وهي تصارع الأرض».
اندريه مالرو
1933
تقديم بعد طول انقطاع
في المناسبات الكثيرة التي كانت تجري فيها الأحاديث عن هزيمة اليوم الخامس من حزيران (يونيو) سنة 1967, وعن مفاعيلها المستمرة وآثارها المتمادية في الحياة العربية, كنتُ أسمع رأياً يتكرّر ويقول بأنه من أصل المادة الغزيرة التي تم انتاجها كتابة في العالم العربي بعد الهزيمة، وتحت عناوين تنناول الهزيمة من وجوهها جميعاً تقريباً، لم يبق في الذاكرة الجمعية العربية (المثقفة على أقل تقدير) سوى ثلاثة أعمال هي: قصيدة نزار قباني "هوامش على دفتر النكسة", ومسرحية سعد الله ونّوس"حفلة سمر من أجل 5 حزيران", وكتابي "النقد الذاتي بعد الهزيمة". وأريد أن أضيف هنا أنه أثناء بعض تلك الأحاديث كانت الحميَّة تأخذ, أحياناً, السوريين من الموجودين باتجاه لفت انتباه الجميع إلى أن الأعمال المذكورة كلها خرجت من سوريا، أي أنها جاءت بقلم شاعر سوري وبقلم مسرحي سوري وبقلم مُفكّر سوري, مع الإعتراف الفوري بفضل لبنان الكبير، وبيروت تحديداً، عليهم وعلى أمثالهم جميعاً.
إن قصيدة نزار متوفّرة للقارىء في دواوينه ومجموعاتهِ الشعرية المتداولة دوماً في أسواق الكتب، كما أن مسرحية سعد الله في متناول يد من يطلبها عبر أعماله المطبوعة والمنشورة على امتداد العالم العربي كله، أما كتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة" فبقيَ مفقوداً ونافداً من الأسواق لمدة تزيد عن ربع قرن. وبتحديد أكبر منذ آخر حرب نظاميّة عربيّة مع إسرائيل، أي حرب تشرين (أكتوبر) سنة 1973. بعد هذا التاريخ توقفت دار الطليعة في بيروت (الناشر الأول للكتاب، 1968) عن إعادة طباعة الكتاب بعد أن كان قد مرَّ بـ أكثر من 10 طبعات متتالية بين سنة 1968 وسنة 1973 (على الرغم من المنع والمصادرة في كثير من الدول العربية) بما في ذلك الطبعات المستقلة التي تمت في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لذا أريد أن أتقدم بخالص الشكر وعميق الامتنان إلى دار ممدوح عدوان للنشر وبصورة خاصة إلى روح الدار وصاحبتها السيدة إلهام عبد اللطيف عدوان على فكرتها ومشروعها بإعادة إحياء الكتاب ونشره من جديد ليأخذ مكانه إلى جانب العملين الآخرين اللذين ارتبط بهما دوماً، على ما يبدو، في أذهان القرّاء وليكون متوفراً مثلهما في الأسواق، كما في متناول أجيالنا الطالعة التي قد لا تعرف عن الهزيمة العربية الكبرى في القرن العشرين إلاّ الروايات الرسمية التي صنعتها أنظمة الهزيمة بنفسها وأشاعتها هي هي بذاتها.
بهذه المناسبة، عدتُ إلى الكتاب وقرأته فوجدتُ أنه شاخَ بلا شك, ولكن ليس إلى الحد الذي كنتُ أظن وأتوقع. أما الحكم الأخير في هذه المسائل فمتروكٌ لكل قارىء وفقاً لظروفه وقناعاته واهتماماته وثقافته، وبخاصة بالنسبة للأجيال التي لم تتعرَّف على الهزيمة إلاّ سماعاً أو قراءةً أو عبر ذاكرة الطفولة. أما تقديري الشخصي اليوم, فيتلخص بأنه ما زال في الكتاب شيء ما هامّ يمكن أن يقوله إلى الأجيال المعاصرة بحيث تعرف، على أقل تعديل، من أية مواقع ومن أية أحداث ومن أي تاريخ قريب ومن أية اخفاقات جاء الواقع الراهن الذي تعيشه.
لا شك أن علامات التسرّع والارتباك ظاهرة في نص الكتاب, لأني ألّفته وقتها بسرعة كبيرة وتحت ضغط احتقان نفسي شخصي وجماعي هائل ليس نتيجة الهزيمة وحدها، بل أيضاً نتيجة الطريقة "شبه المستحيلة" التي تمتّ بها الهزيمة والأثر الإنهياري المُهول الذي تركه ذلك السقوط اللحظي المريع في جيلنا – جيل الستينيات كما يسمى أحياناً- بأكمله. ومما زادَ في بؤس الحال التي قمت فيها بتأليف الكتاب, إدراكي الشخصي وقتها, بأن حالة من الانكار البائِس والهروب اللامسؤول واللامعقول قد سيطرت فوراً على المهزومين, شبيهة بتلك الحالات التي تنتاب بعض المرضى الذين يعجزون عن الإقرار لأنفسهم بمرضهم فينكرون واقعة المرض سلوكاً وتعبيراً وتمويهاً وهلوسـة لأنّ واقع الحال يحملهم ما لا يُطاق.
دفعتني حالة الإنكار والهروب هذه الى العمل بمزيد من السرعة (والتسرّع أيضاً) لإصدار كتابي مع الإصرار الشديد على إستخدام تعبير "الهزيمة" لوصف ما حدث بدلاً عن عبارة "النكسة" التي كانت قد دخلت حقل التداول الرسمي والفكري والشعبي بغرض تمويه حقيقة ما حدث ووقع، وبالفعل كان كتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة" أول عمل واسع الانتشار يُسمِّي الهزيمة باسمها علناً وصراحة وعلى رؤوس الأشهاد وبلا أية محاولة للتلطيف والتهوين على المكتوين بنارها ونابالمها.
من العلامات المُذهلة على حالة الانكار المذكورة قيام أحد أبرز قادة حركة القوميين العرب في لبنان يومها، محسن إبراهيم، وأحد أهمّ المُنظِّرين للناصرية والمُدافعين عن الخط الناصري في العالم العربي بنشر مقال في مجلة "الحرية" الصادرة في بيروت فوراً بعد الهزيمة يحمل عنواناً يفسـِّر نفسه بنفسه: "كلاّ لم يخطىء عبد الناصر ولم يُهزم العرب" (14/6/1967).
أما في دمشق فقد كان الشعار المتداول بكثافة هائلة رسمياً وشعبياً قبل الهزيمة بأيام يقول: "لن يمرّوا"، وبقي الشعار ذاته متداولاً لفترة مديدة بعد أن مرّوا وقضي الأمر وانتهت الحفلة. وفي القاهرة ظهرت مريم العذراء فجأة
في كنيسة تحمل اسمها في ضاحية الزيتون, وتحوَّل الظهور الى حالة شبه هستيرية بفعل تبني أجهزة الاعلام المصرية له (وعلى رأسها صحيفة
"الأهرام" الرصينة!) وترويجها المثير لمعناه العجائبي النافي للهزيمة (عالجت مسألة ظهور العذراء بشيءٍ من الاستفاضة في كتابي: "نقد الفكر الديني"). وكل من عاصر تلك الحقبة البائسة والمعتمة يذكر بلا شك ما كان يتكرر على أسماعنا ليلاً نهاراً من أن "النكسة" أخفقت في تحقيق أهدافها لأن الأنظمة العربية التقدمية لم تسقط ولأن الطيارين العرب، وفي مصر تحديداً، لم يصابوا بأي أذى في الحرب ولأنهم على أتمّ الاستعداد لـردّ الصاع صاعين للعدو الاسرائيلي ما أن يقوم الاتحاد السوفياتي بتزويدنا بطائرات جديدة تحلّ محل تلك التي خسرناها في اللحظات الأولى من الهزيمة.
في شهر أيار (مايو) 1967 أمر الرئيس جمال عبد الناصر الجيش المصري بالتمركز بكل قواته وأسلحته في سيناء وعلى طول الحدود مع إسرائيل – على الرغم من أن جزءاً لا يُستهان به من هذا الجيش كان في اليمن يساعد الجمهورية الفتية هناك على البقاء والاستمرار. أطلق هذا التحرّك دينامية سياسية- عسكرية عربية وإسرائيلية تصاعدية بلغت ذروتها الحاسِمَة في صباح يوم الإثنين 5 حزيران. لكن قبل ذلك اليوم كان قد لاحَ للجميع في الجانب العربي وكأنَّ لحظة تحرير فلسطين المُنتظرة (على طريقة المهدي المُنتظر) قد جاءت. وبالتالي، طغتْ على العالم العربي موجة عارمة من التعبئة النفسية والعاطفية التفاؤلية الهائلة بكل آمالها الشاهقة وتوقعاتها الظفراوية المنفلتة من كل عقال وعلى المستويات كافة: شعبياً ورسمياً وعسكرياً وإدارياً وجامعياً وفكرياً وطلابياً الخ...
أذكر أنه صبيحة يوم اندلاع الحرب أيقظني رنين جرس التلفون في منزلي في بيروت في الصباح الباكر, فوجدت أدونيس على الطرف الآخر من الخط يتصل ليُعلمني بأن الحرب قد بدأت وبأن الطائرات الاسرائيلية تتساقط والجيوش العربية تتقدم وفقاً لأجهزة الاعلام العربية (الإذاعات وراديو الترانزيستور في تلك الأيام) ووفقاً للبيانات العسكرية الرسمية أيضاً. تبادلنا الحديث عن الحرب باطمئنان وبلا قلق زائد إذ أن فكرة الهزيمة لم تخطر في بال أحد, كما أن احتمال الانكسار العربي لم يكن وارداً – أسوأ الاحتمالات كانت لا تتعدَّى، في تصوّراتنا الواهِمة والقاصرة، نوعاً من التعادل الحرج أو التوازن الجديد بيننا وبين إسرائيل.
ليس بالامكان مقارنة حال التعبئة العاطفية التفاؤلية والحماسة الهائلة والنشوة الانتصارية العارِمة التي سادت العالم العربي (ومسَّتْنا جميعاً بسحرها الخادِع), في الفترة الواقعة بين تمركز الجيش المصري في سيناء ولحظة إندلاع الحرب, إلاّ بالحالة المشابهة التي سادت عالمنا العربي يوم أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في صيف سنة 1956 وما تبع ذلك من أحداث جسام. ولا أعتقد أن أحداً من الجيل الذي أنتمي إليه قد شفيَ حقاً من ضربة السقوط المُفاجىء من هذا الارتفاع الشاهِق إلى قعر هاوية الهزيمة السحيق، وكله خلال لحظات معدودات.
في فترة التعبئة وانتظار الحرب هذه كنت أتناقش مع الأصدقاء والزملاء والمعارف والمناضلين والمفكرين في بيروت ودمشق في الأحداث الجارية في محاولة للتوصل إلى تقدير عقلاني ومتوازن ما لحقيقة ما يجري في كل من الساحات العسكرية والسياسية والدولية التي كانت كلها مفعمة بالمناورات والتمويهات والمخادعات البادية للعيان. كنا نتابع عدد الدبابات عند العدو وعندنا. كنا نقارن عدد الطائرات الحربية وغير الحربية عنده وعندنا. كنا نلحظ عديد الجيوش المحتشدة على طرفي الحدود ليتبيَّـن لنا في الأيام الأخيرة قبل إندلاع الحرب أن إسرائيل تمكّنت من حشد جيش على حدودها يفوق بعدده كلّ ما تمكنت مصر وسوريا والأردن مُجتمعة من حشده من رجال لخوض معركة تحرير فلسطين. كانت مصادر معلوماتنا غربية كلها على الرغم من المنع والمصادرة في الدول العربية كلها باستثناء لبنان، وكنا نشك فيها بقوة في تلك الأيام الاّ أنها كانت المصادر الوحيدة المتوفرة باستثناء بعض التسريبات الآتية من الاتحاد السوفياتي وبعض دول الكتلة الاشتراكية في أوروبـا والمنقولة لنا بدورها بواسطة أجهزة الاعلام الغربية ذاتها.
أذكر أنني توصلت مع بعض الأصدقاء في بيروت ودمشق إلى سيناريو ما بالنسبة للحرب ولاحتمالات مجراها وترجيحات نتائجها استناداً إلى سابقة قريبة, كناقِد شاهدناها وتابعناها, وأقصد الحرب الطاحنة التي نشبت بين الباكستان والهند سنة 1965 في وقت كانت الباكستـان ما زالت دولة واحدة مُوحَّدَة مع البنغال. كان السيناريو الذي رجّحنا حصوله محافظاً جداً بمعايير ما كان سائداً حولنا من سيناريوهات انتصارية فوْريّة تُطرح بحماسة كاسِحة لكل ما هو في طريقها وبعاطفية إندفاعيّة لا نظير لها.
وقياساً على سابقة الحرب الهندية – الباكستانية كان السيناريو المقصود يقول أن الحرب العربية - الإسرائيلية ستنشِب قريباً وبعد أن تقوم الجيوش المتطاحنة بتدمير دبّابات وطائرات وأعتدة بعضها البعض وتقوم بضرب بعض المنشآت الحيوية لدى الطرف الآخر وتقتل وتجرح وتأسـر أكبر عدد ممكن من جنود العدو ستتدخل الدول العظمى بقوة، وتحديداً الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، عبر هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لترتيب إعلان لوقف إطلاق النار تليه انسحابات عسكرية إلى الحدود السابقة إلى آخر الترتيبات التي كنا قد شهدناها في حرب الهند والباكستان التي أعادت التوازن التقليدي بين البلدين بخسارة نسبية تحملتها الباكستان نتيجة الحرب.
ومع أن هذا السيناريو بدا لي واقعياً جداً وعقلانياً جداً ومًُرجّحاً جداً، إلاّ أن أي تعبير عنه أو عن التوقعات التي ينطوي عليها في الأجواء التفاؤلية المحمومة السائدة عربياً قبل قليل من الخامس من حزيران كان يُتّهم فوْراً بالإنهزامية والعدمية والتشاؤمية حتى في الجلسات الخاصة وحلقات النقاش المغلقة, علماً بأنّ أحداً لم يكن ليجرؤ أصلاً على البوح بها أو بمثلها بصورة علنية، لأنّ السيناريو هذا يُسقِط احتمال هزيمة إسرائيل هزيمة مُنكرة ولأنه يُسقِط معه فكرة حتميَّة تحرير فلسطين، في الوقت الحاضر على أقلّ تقدير.
أما بعد يوم الخامس من حزيران فقد بدا السيناريو ذاته وكأنه حلم ليلة صيف في ورديّته وتفاؤليته ولاواقعيته ولاعقلانيته بالقياس إلى ما حَدَث فعلاً في ذلك النهار. وأترك للقارىء مهمّة التوصّل إلى الاستنتاجات التي يراها مناسبة واستخلاص العِبَر التي يعتقد بأنها مُفيدة بعد قراءة الكتاب.
صادق جلال العظم
بيروت، آذار (مارس) 2007
راهن الهزيمة/ راهنية الكتاب النقدي
قبل أربعين عاماً عاش العالم العربي هزيمته الكبرى في القرن العشرين، التي استأنفت، في شروط مغايرة، هزيمة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر. أراد صادق العظم، في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، أن يحلّل أسباب الهزيمة، وأن يقترح، نظرياً، ما يردّ عليها، قبل أن يدرك، مثل كثير غيرها، أنّها هزيمة متوالدة، لا تصدر عن "مؤامرات خارجية"، بل عن عجز عربي مقيم، تتوازعه الشعوب والسلطات معاً. وهذه الهزيمة المتوالدة، التي تردّ على كل هزيمة بهزيمة جديدة، هي التي تجعل من كتاب د. العظم يحتفظ براهنيته، وإنْ كانت تحوّلات الهزيمة إلى "ظاهرة طبيعية"، تقضي بأسئلة جديدة.
ينطوي هذا الكتاب، الذي تأمل هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، على شهادات ثلاث: شهادة أولى على نبل الفكر النقدي واغترابه، وشهادة ثانية على بنية اجتماعية عربية محكومة بركود يتاخم الاستنقاع، وشهادة ثالثة على مآل قضية فلسطينية، عُرفت بـ "قضية العرب الكبرى"، ذات مرّة. وسواء كانت هذه الشهادات الثلاث منقوصة، أو غير منقوصة، فإنّها تشير إلى واقع عربي جدير بالرثاء، أعطاه الاقتصادي المصري د. فوزي منصور، قبل سنوات، صفة محدّدة هي: "خروج العرب من التاريخ".
ينتمي صادق العظم إلى عقول عربية قليلة حوّلت الثقافة إلى مداخلة نقدية، تتعامل مع القضايا الاجتماعية ـ الوطنية المعيشة، بعيداً عن التجريد المدرسي، وبعيداً أكثر عن "أوهام الأصالة" و"فضائل الخصوصية" ذلك أنّه أدرك أن العالم العربي يعيش، شاء أم أبى، في زمن كوني، وأنّ الزمن الأخير يقارن بين منجزات شعب وآخر، دون أن يلتفت إلى "أمجاد قديمة"، حقيقية كانت أو متوهّمة· تتكئ المقارنة النقدية، التي مارسها "الفيلسوف التربوي"، على عقل برهاني يعتمد المقارنة، مؤكداً أنّ جدارة كل مجتمع تقاس بجدارة مجتمع آخر، لأنّ المجتمعات الإنسانية لا توجد فرادى. وهذا التصوّر، الذي لا يتوقف كثيراً أمام العنصرية الصهيونية وآلة الحرب الإسرائيلية القاتلة، فهي أمور لها شكل البداهة، هو الذي يأمر العقل النقدي بالمقارنة بين مجتمع استيطاني حديث ومجتمع عربي "ينوي التحرير"، مكتفياً بالتقليد وإعادة إنتاج التقاليد. اعتماداً على مبادئ العقل النقدي، تأمل صادق العظم أسباب هزيمة حزيران، ونقد، لاحقاً، "الممارسة والنظرية" في المقاومة الفلسطينية، وقارب " الحقبة الساداتية"، وأعطى رأياً في علاقات المعتقد الديني بالمتخيّل الروائي، وساجل وحاور قدر ما استطاع. كان فيما ذهب إليه، مصيباً كان أو محدود الإصابة، واضحاً، لا يعرف التلعثم و"المجاملات النظرية" متسقاً، لا يميل إلى المواقف الموسمية. أراد في مساهماته النظرية ـ السياسية أن يكون مثقفاً حديثاً، يربط بين المعرفة الأكاديمية وأسئلة الحياة، وأن ينظر إلى أفق مجتمعي مغاير، ينقض القديم بالجديد، ويواجه استبداد العادات المتوارثة بيقظة العقل المتجدّدة. مارس نقده حرّاً، رافضاً تبرير الهزائم القاتلة باسم شعارات مستقبلية، ورافضاً أكثر وضع مسؤولية الإنسان خارجه، ذلك أنّ المستقبل محصلة لتصرّف الإنسان بالحاضر. بل أنّ الحاضر المعيش هو الزمن "الجوهري" الوحيد، فهو ما انتهى إليه الماضي وهو الذي يتخلّق فيه المستقبل. وكشف في ممارساته النقدية الحرّة عن العلاقة الوثقى بين العقل والحريّة، لأنّ العقل يتكوّن في حرية الرفض والقبول والاختبار، منتقلاً ممّا يعرف إلى ما لا يعرف، على مسافة شاسعة عن عقل متكوّن مستقر، قطع معه صادق العظم قطيعة كاملة.
ومع أنّ العقل الإطلاقي المتكلّس، الذي يرتضي بالعادة ويقدّسها، يستطيع أن يغدق على العظم صفات التطاول والمروق والعبث بما لا يجوز العبث به، فإنّ البرهان الجلي على ما قال به قائم، إلى حدود الفضيحة، في واقع عربي متداع، يعيد إنتاج بؤسه، محقِّقاً ما يُدعى اليوم بـ "الاستثنائية العربية"، أي تفرّد المجتمعات العربية برفض قواعد الحياة الديمقراطية. وواقع الأمر أنّ هذا "التفرّد" الذي لا يقبل به الحس الإنساني السليم، هو الذي صيّر كلّ معركة عربية هزيمةً، وكل هزيمة مقدّمة أكيدة لهزيمة لاحقة.
في مطلع القرن العشرين، عام 1906 تحديداً، أصدر نجيب عزوّري كتاباً، حظي ببعض الشهرة عنوانه: "يقظة الأمّة العربية" فسّر الكاتب الذي كان صحفياً نشيطاً، رثاثة الوضع العربي بالسيطرة العثمانية، مؤمناً بأنّ التحرّر من هذه السيطرة مدخل إلى زمن ذهبي جديد، يعيد للأمّة مجدها الغابر، ويتيح لها أن تلحق هزيمة كاسحة أكيدة بمشروع جهنمي قادم هو: المشروع الصهيوني. رحل العثمانيون وازداد الوضع العربي تداعياً، إلى أن جاء قسطنطين زريق، في أوائل العقد الخامس من القرن الماضي، ووضع كتابه "في الفكر القومي"، معتبراً أنّ أفق العالم العربي السويّ مرتبط بمشروع قومي عربي متبلور. وما أن جاء سقوط فلسطين ـ 1948 ـ حتى رُحّلت المسؤولية إلى التجزئة العربية و"الأنظمة المتواطئة"، التي أسقطتها، سريعاً، حركة شعبية، جاءت بأنظمة وعدت بالقضاء على التخلّف والتجزئة وجعلت من استعادة فلسطين "قضية العرب الكبرى في كل مكان". أما الاختبار الأعظم لـ "جوهر العروبة"، فأتى مع هزيمة حزيران، التي أعطت "القضية الكبرى"، في أطوار متراجعة متتابعة، مسميّات متلاحقة: الصراع العربي ـ الإمبريالي، الصراع العربي ـ الصهيوني، الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الصراع الفلسطيني والإسرائيلي، وصولاً إلى "اتفاق أوسلو"، الذي اختزل "فلسطين التاريخية" إلى جملة سجون صغيرة متجاورة. والواضح في هذا كلّه أمران: تجدّد الهزائم في شروط اجتماعية ـ سلطوية مختلفة، وإعادة إنتاج علاقات التخلّف بشكل متجدّد، بما يسمح بهزائم متوالية، "تخرج العرب من التاريخ".
نقد صادق العظم، في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، بنية اجتماعية عربية ثابتة في هزائمها: فهي مهزومة في الزمن العثماني، وهي مهزومة في فترة ما قبل الاستقلال، وهي مهزومة أكثر في زمن "دولة الاستقلال"، ولا ينفتح واقعها الراهن، إذا استمرّت "الاستثنائية العربية"، على آفاق مختلفة. وبداهة، فمن السخف كل السخف أن يشتق العقلُ الهزيمة من "الجوهر العربي"، وأن يشتق هذا الجوهر من طبع أبدي مهزوم، ففي هذا ما يحوّل النصر والهزيمة إلى سؤال مستحيل، وما يحوّل النقد إلى أمرٍ نافل لا ضرورة له. مع ذلك فإنّ البحث عن محاصرة الهزيمة يقضي بالاعتراف الواضح بها، دون بلاغة أو تدليس، فمن أراد شيئاً عليه أن يعرف. اسمه. ولعلّ مواجهة الزيف بالحقيقة، أي الاعتراف بالظواهر واضحة، إذ الهزيمة هي هزيمة وإذا النصر هو النصر، هي فضيلة كتاب صادق العظم الأولى، الذي يرسي النقد الواضح على تصوّر لا يفصل بين الكلمات ومواضيعها.
عالج العظم ظواهر السلب التي حايثت مجتمعاً متخلّفاً، بلغة معينة، أو وحدة الأيديولوجيا النظرية والأيديولوجيا العملية، بالمعنى المجتمعي، بلغة أخرى. توقف، بأسلوب سجالي، أمام خمس ظواهر أساسية: الجهل بالذات وبالآخر، أو الجهل بحقائق جملة الأطراف التي اندرجت، ذات يوم، في الصراع بين "القوى الرجعية" و"القوى التقدّمية" والتبرير، الذي يرحّل الوقائع عن مواقعها الحقيقية إلى مواقع وَهمية، بما يبرّئ "العرب" من المسؤولية، ويرى في الهزيمة "ظاهرة غير أخلاقية"، أشرفت عليها قوى بعيدة عن "الفضائل العربية". والتلفيق، الذي يجزّئ الوقائع وينسى أن يوحّد بينها، كأن يفصل البعض بين أسباب الهزيمة وممارسات السلطات الحاكمة، أو أن يقرأ معارك حديثة بمعايير منقطعة عن الزمن الحديث، أو أن يبحث عن معادلة مستحيلة، تشتق التكنولوجيا الحديثة من "الفروسية العربية". وهناك تلك "القَدَرية" المتجدّدة، التي تذيب الوقائع اليومية في ثنائيات الكفر والإيمان والرشاد والضلال والرذيلة والفضيلة، كما لو كان "أعداء الإسلام" ينتصرون على أعدائهم بالإيمان لا بغيره. وصولاً، طبعاً، إلى "مواطن لا وجود له" يمسح المصالح الوطنية بمصالحه العائلية والقبلية والطائفية، محوّلاً الوطن إلى مكان محايد، يتعرّف بالمصلحة ونقيض المصلحة، لا أكثر.
أراد صادق العظم، وهو يحلّل مظاهر السلب إثرْ هزيمة حزيران، أن يحلّل الظواهر الاجتماعية التي تقود لزوماً إلى الهزيمة، قبل زمن حزيران وبعده. فحلّل صادق، بهذا المعنى، التخلّف، من حيث هو، قبل أن يحلّل مهدي عامل السياسات السلطوية، التي تؤمّن شروط "تنمية التخلّف"، وتقترح أسس "علم تجديد الهزيمة"، ذلك أنه السلطة السياسية المسيطرة في العالم العربي استأثرت، منذ ولادة "دولة الاستقلال" بـ "القرار الوطني" محوّلة المجتمع إلى استطالة زائدة لا ضرورة لها والسؤال المشروع، بالتأكيد، هو التالي: ما الذي يجعل المثقّفين العرب، من نجيب عزوّري إلى طه حسين، ومن قسطنطين زريق إلى ياسين الحافظ، ومن مهدي عامل إلى فوزي منصور وسعدالله ونوس، يواجهون مجتمعاً يجمع، بثبات، بين الهزيمة والتخلّف؟.
نقد صادق العظم، في كتابه، أفكاراً مختلفة، توزّعت على اليمين واليسار مشيراً، بقدر، إلى فكر عربي شبه متجانس، يُغَلِّب المجرّد على المشخص، ويحوّل تغيير الواقع إلى عملية تذهين فقيرة. ومع أنّ السلطة السياسية لم تأخذ في خطابه الموقع الذي ستأخذه، لاحقاً، في خطاب مهدي عامل، فقد أحال عليها في مواضيع مختلفة، تمس الإنتاج والسياسات التعليمية والوحدة المفترضة بين النظرية والممارسة. وواقع الأمر أنّ العظم، وهو الليبرالي الماركسي، لم يكن يؤمن بذلك الفصل الشكلاني بين "اليمين" و"اليسار"، ولا بتلك البلاغة العائمة عن "التقدّم" و"التقدميين"، لأنّه كان، ولا يزال، يدافع عن إمكانيات الحداثة الاجتماعية، التي تمدّ الإنسان بمنظور حداثي للعالم. فالاستقلال في بلد متخلّف يلغي معنى الاستقلال، مثلما أنّ الوعي المتخلّف يبدّد معنى الأفكار المتقدّمة. هذا المنظور الحداثي، الذي يرفض اختصار الصراع مع إسرائيل إلى قاموس نفعي فقير، جعله، وهو يعالج هزيمة حزيران، يتحدّث عن تصوّر علماني للعالم، يحرّر "العقل المحارب" من الأساطير والخرافات والضمان المتعالي المجاني، وعن العلم كقوّة اجتماعية منتجة، وعن العقل المبادر الذي يختار حرّاً إجابات مطابقة، وعن تحرّر المرأة الذي هو شرط تحرّر المجتمع، وعن الإنتاج الوطني الذي لا يكون عقلانياً إلاّ إذا أخذ بمعايير عقلانية، دعى في هذه الأفكار إلى ثقافة حداثية، تنتج فرداً ينتمي إلى إمكانياته العقلية الحرّة، وإلى وطن لا يلتبس بالمراجع العضوية الفقيرة. ولهذا يمكن أن يُقرأ الكتاب الذي نحن بصدده في مستويين: مستوى أول يحيل على واقعة تاريخية أسبابها قابلة للتفسير، ومستوى ثان، أكثر عمقاً، يحيل على ثقافة الحداثة الاجتماعية، التي ترى إلى النظر في ممارسته، وإلى الخطاب في آثاره، وإلى العلم في تطبيقاته، وإلى العقل في اللغة التي يستعملها، وترى، تالياً، الهزيمة المتجدّدة في المراجع الثابتة التي تنتجها. كان سؤال صادق العظم، في كتاباته المختلفة، هو التالي: من أين يأتي التخلّف، وما هي الآثار الفاعلة الناتجة عن التخلّف؟ هذان هما السؤالان اللذان طرحهما صادق العظم، بشكل سجالي، منذ أكثر من أربعين عاماً حتّى اليوم.
في كتابه الصادر حديثاً: "الاغتراب في الثقافة العربية"، استأنف د. حليم بركات أسئلة صادق العظم في سياق آخر. درس الأخير أسباب الهزيمة في زمن بدت الهزيمة فيه قابلة للتجاوز، فلم تكن الأنظمة قد استقرّت قي قرار العجز، ولم يكن الفضاء الشعبي قد سقط في "شعبوية إيمانية" تهجس بعذاب القبر وترحّل أسئلة فلسطين إلى زمن غير منظور، ولم تكن "فلسفة التقدّم" قد تناثرت إلى أوصال ممزّقة صعبة التوحيد. رصد حليم بركات سيرورة الهزيمة الفاعلة منتهياً إلى مقولتين أساسيتين: الأولى منهما قال بها صادق العظم، تتمثّل بـ "العائلة" مرجعاً للفعل والنظر يحدّد معايير الفرد ومعنى الوطن والأخلاق والفضيلة. أما الثانية، فهي تلك التي لم يتوقعها العظم ولا غيره، أي: العجز، الذي يضع أسئلة التاريخ في فضاء ويضع الإجابات العربية عنه في فضاء آخر، قصيّ وبعيد، كما لو كان من عالم آخر.
ومع أنّ في العالم العربي ما يوهم بحراك اجتماعي، أي بتمرّد على العجز والهزيمة، فهذا الحراك هامشي فقير، بسبب تجانس المنظور السلطوي ومنظور "الشعبوية القدرية" اللذيْن يختلفان في المضمون ولا يختلفان في البنية. فالأول في معظم الحالات، منهما قمعي وحيد الصوت لا يعترف بالآخر، والثاني إيماني يقيني يدّعي احتكار الحقيقة المطلقة والغائب، في الحالين، هو الواقع المعيش الذي أدارصادق العظم حديثه حوله. وفي الحالات جميعاً أنتجت الهزيمة، في طورها الأول، أزمة اجتماعية، عثرت السلطات على حلها في سياسات تفقر المجتمع وتدفنه، وعثر المجتمع المدفون على حلها في "ميتافيزيقا الخلاص النهائي"، الذي يستدعي "زمناً راشداً" لا يعود، أو ينتظر "حلاً مباركاً" لن يأتي. وواقع الأمر أنّ صادق العظم وضع كتابه في زمن مأزوم يعلن، رغم ارتباكه، أنّ تجاوز الأزمة ممكن، لأنّ الشعور بالأزمة تعبير عن وجود حيّ وعن إرادة في الدفاع عن الحياة. بينما وضع حليم بركات كتابه في زمن "موت الأزمة"، أي موت المجتمع، فلا السلطات العربية قادرة على تجديد ذاتها، بعد أن استقرّت في "الاستثنائية ـ الفضيحة"، ولا "القدرية المطلقة"، المنتصرة شعبوياً، معنية بشؤون الأرض. والمتبقي الأخير، في الحالين، هو "الخصوصية الشرقية"، التي توزّع على طرف إنساني الاستبداد والفساد والعجز والجهل والإفقار، وتوزّع على طرف آخر، الديمقراطية والعلم والتقنية ودولة القانون وحقوق المواطنة.
إذا كان "تحرير فلسطين" فعلاً وطنياً ـ قومياً ينطوي، لزوماً، على "الحرية"، وإذا كان هذا الفعل لا يستوي إلاّ بمنظور حداثي لأنّ العدو الصهيوني يأخذ بأدوات حديثة، فما الذي يتبقّى من مشروع تحرير فلسطين في فضاء عربي لا يقبل بالحريّة ولا يعترف بالحداثة الاجتماعية؟ لامس صادق العظم في كتابه موضوع "حرب التحرير الشعبية"، بلغة ليست من هذا الزمان، مؤكداً دور العقل والإرادة والحرية، الذي يصيّر غيابهما "البندقية" إلى "شيء" يحملها "شيء" آخر. فلا غرابة في زمن اتساع مملكة الأشياء أن تصبح فلسطين، تقريباً، شأناً فلسطينياً، وأن يتحوّل الصراع من أجل فلسطين، فلسطينياً، إلى صراع على "أشياء" صغيرة أو كبيرة، مرجعها الأول هو: السلطة. فقد اختُزلت قضية فلسطين إلى السلطة السياسية الناطقة باسم فلسطين، وأصبح الصراع بين "الفصائل" صراعاً سلطوياً، وانتهت فلسطين إلى سلطات فلسطينية وهمية متصارعة، المقرّر الوحيد بشأنها هي سلطة التفوّق الإسرائيلي. من الطريف أن يعود القارئ العربي اليوم إلى "الأدبيات العربية" التي أعقبت سقوط فلسطين، وإلى تلك الأخرى الموازية لها، بعد "نكسة حزيران"، كي يتقرّى المسار المأساوي الذي حوّل "قضية العرب الكبرى" إلى أمر يومي عارض أقرب إلى الابتذال. قال الأديب الفرنسي أندريه مالرو ذات مرّة: "الإنسان محصّلة لجملة الأمور التي أنجزها" !!
وقد يقال إنّ صادق العظم، كما حليم بركات، ربما، لا يتحدّث عن المقاومة. ولكن ما هي هذه المقاومة العجيبة إن لم تكن، بالمعنى الحقيقي، هي ذلك الفعل النقدي المقاوم الذي يطمح، ولو بقدر، إلى مجتمع عربي يحترم الإنسان، الذي هو مبتدأ المقاومة وغايتها. في كتابه "أقنعة الناصرية السبعة"، وهو كتاب تستثير موضوعيته الإعجاب، تحدّث الراحل لويس عوض عن مأساة جمال عبد الناصر، القائد القومي الصادق، الذي أراد تحرير فلسطين بـ "جنود مقيّدين" ناسياً كما يقول الأدباء أن: "السجناء لا يحاربون". ما قال به عوض هو ما قال به صادق العظم، وما قال به الطرفان مع حليم بركات قال به قسطنطين زريق. وسبق الجميع إلى القول طه حسين، الذي قال في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر": إنّ الاستعمار أهون شراً من بلد مستقل متخلّف. وبداهة فإنّ هذه المواقف المقاوِمة المختلفة تنتمي إلى حيّز يدعى بـ "الثقافة"، التي يحوّلها غياب الديمقراطية إلى فعل مغترب، يتوارثه كل مثقف وطني عن مثقف مغترب سبقه·
لا يزال كتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، الذي صدر قبل أربعين عاماً تقريباًَ، يحتفظ براهنيّته حتّى اليوم لأكثر من سبب: فالهزيمة التي فسّر أسبابها لا تزال مستمرة، والأسباب التي نقدها لا تزال حاضرة، والعقلية التي تبرّر ما لا يمكن تبريره متنامية متوالدة نشطة. بيد أنه أهمية الكتاب الحقيقية لا تتمثّل في إضاءة مأساة تاريخية، محددة الزمن، بل في المنهج النقدي الطليق، الذي يفسّر الخيبات الإنسانية بأسباب إنسانية، دون الإحالة على مرجع من ضباب.
د. فيصل درّاج