الإهـــداء ····
إلى عدي تقي القزويني ··· الصديق الأزلي، ورفيق العمر ···
هل لي أن أقدّم مقطعاً لذلك الناسك المتوحّد الذي هو زرادشت، والذي هو عينه نيتشه يبسط فيه كلاماً عن الصديق· يكتب: واحد فقط إلى جانبي كافٍ ليكون فائضاً عن اللزوم، هكذا يفكّر الناسك المتوحّد، واحد وحيد مع نفسه على الدوام، ذلك ما سينتج عنه اثنان مع مرور الزمن· أنا، وأناي في جدال حارق لا ينقطع: من أين للمرء أن يتحمّل ذلك لو لم يكن هناك صديق؟! آه، هنالك أعماق كثيرة لكلّ المتوحّدين، لذلك تتوق أنفسهم إلى صديق، وإلى المرتفع الذي يقف فيه صديق·
أربعون سنة نروح ونجيء، ندنو ونبتعد، ويبقى الخيط، ماذا أقول؟ وتبقى الخيوط، وهاهو الغروب يقترب، فاعذرني على اقتراب الغروب، فليس بيدي دفعه، ولذلك آثرت إهداء هذا الكتاب إليك، ويأتيني من بعيد صوت الطرطوشي، أبي بكر، حين أهدى كتابه (سراج الملوك) إلى نظام الدين، أبي عبد الله محمد الأموي، وشفع الإهداء ببيتين هما:
الناس يهدون على قدرهم
لكنّني أهدي على قدري
يهدون ما يفنى وأهدي الذي
يبقى على الأيام والدّهرِ
فهو ما يملكه هذا المتوحّد· الوحدة قدره، والغروب يحاصره، والورق والقلم هجّيراه، فلعلَّ هذا الكتاب ذبالة تبقى، كما بقيت أصوات نيتشه، والطرطوشي، ومعهما ابن سينا القادم، أمّا نجيب محفوظ فهو الظلّ الوارف الذي يتدثّر به هذا الكتاب، فهل ترضى؟
وليد محمود خالص
إضاءتان
- 1 -
فقد نزعت الهمّة بنا إلى أن نجمع كلاماً فيما اختلف أهل البحث فيه، لا نلتفت فيه لَفْت عصبية، أو هوى، أو عادة، أو إلف، ولا نبالي من مفارقةٍ تظهر منّا لما ألفه متعلّمو كتب اليونانيين إلفاً عن غفلة، وقلّة فهم، ··· كما بلينا برفقة منهم··· يرون التعمّق في النظر بدعة، ومخالفة المشهور ضلالة··· وما جمعنا هذا الكتاب لنظهره إلاّ لأنفسنا، أعني الذين يقومون منّا مقام أنفسنا ··· وعلى كلّ حال فاستعانة بالله وحده
الرئيس أبو علي ابن سينا
منطق المشرقيين
المفتتح
- 2 -
الرجلان اللذان هاجماني كانا ينفّذان فتوى تبيح دمي بسبب إعادة إصدار إحدى رواياتي التي كانت صدرت لأول مرة عام 1959، وهي رواية أولاد حارتنا والشيء المفجع أنَّه خلال محاكمة الجانيين اتّضح أنّهما لم يقرأا الرواية
نجيب محفوظ
في مقاله الأخير (رحابة حلم)
مجلة (وجهات نظر)، العدد (93)
أكتوبر - سنة 2006
كـلـمة
كتاب النّص الغائب في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ؛ الذي ألّفـــه الدكتـور وليد محمود خالص، من أهمّ الكتب التي صدرت عن الروائي العالمي نجيب محفوظ بعد رحيله، وخاصة فيما يتعلّق برواية أولاد حارتنا التي ملأت الدنيا وما زالت تشغل الكتّاب والنقّــاد·
إنّ الكتاب يعالج موضوع النّص الغائب في الرواية؛ ولم أَعرف أحــداً مِنَ النقّــاد مَن تناول هذا الموضوع بالدراسة من قَبْل، فما أعرفه لا يتجاوز بعض الإشارات التناصية التي وردت في بعض الكتب النقدية المعاصرة؛ ولكنَّها تخصّ روايات أخرى مثل الثلاثية وثرثرة فوق النيل واللص والكلاب، وهي إشارات عابرة، وهامشيــة·
إنّ قراءة الدكتور وليد محمود خالص لرواية أولاد حارتنا من الوجهة التناصية؛ كانت رائعة: تصوراً ومنهجاً، فهي من حيث التصور كانت منفتحة على كثير من المفاهيم التي وظّفت في موضوع النّص الغائب؛ ولم يستغل منها غير ما لها علاقة بطبيعة التناص، التي تستجيب لنداءات المادة المدروسة، أمّا المفاهيم الأخرى فقد استبعدها لعدم وجود أيّ علاقة بهذه المادة·
أمّا من حيث المنهج المعتمد في الدراسة؛ فقد كان فيه الدكتور وليد خالص موفّقاً إلى حدّ كبير؛ وخاصة من خلال تعامله المرن، حسب ما تطلبته المادة المدروسة؛ لقد كان كلّ شيء في هذه الدراسة بحساب؛ مما كشف بحقّ عن وعي منهجي كبير، وأعتقد أنّ نجاح الناقد في هذه القراءة التناصية الفريدة؛ يعود إلى ثقافته الموسوعية التي تجمع بين الموروث والحديث، وهي ثقافة تخترق كلّ المجالات المعرفية، من تاريخ، ودين، ولغة، وفلسفة، وأدب، ونقد، فالدكتور وليد - كما أعرفه دائماً - قاريء عاشق، وكاتب عاشق أيضاً، ومن خلال هذا العشق يتجاوز ما يُعْرَف بالتخصص الضيق إلى كثير من آفاق معرفية أخرى·
إنّ ما أثار إعجابي حقّاً في هذه الدراسة الرائدة - علاوة على التصوّر، والمنهج الدراسي - هو هذا التعامل مع أولاد حارتنا باعتبارها تجربة روائية؛ تمَّت أحداثها الغرائبية من الجبلاوي إلى عرفة؛ في اللازمان واللامكان؛ بالرّغم من مصادرها الدينية، والتاريخية، والفلسفية، واللغوية، والأدبية، ذلك لأنّ عملية بناء المعنى الرؤياوي في النّص تمَّت في حدود قراءة تناصية قائمة على اتساق وانسجام رائعيْن بين الحدث الغرائبي، وعملية البناء الروائي، وبسبب هذا كلّه فإنّ الكتاب يُعدُّ من وجهة نظري إضافة جديدة إلى المكتبة العربية المعاصرة·
أحمد الطريسي
أستاذ بجامعة محمد الخامس
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
بالرباط (المغرب)
بتاريخ 14/3/2009
شـكـر وتـقــديــــر
يتقدّم الباحث بوافر شكره، وعميق تقديره إلى الأخ الكبير، والناقد المتميّز الدكتور أحمد الطريسي على تفضّله بكتابة الكلمة السابقة عن هذا الكتاب، وليس هذا بغريب على سماحته، ولطفه المبرأين عن الغاية، الخاليين من الغرض، ولم يكن الدافع لها سوى الاحترام المتبادل، وما رآه في الكتاب من إضافة إلى تراث نجيب محفوظ دعته إلى التنويه بتلك الإضافة، فله الشكر مرة أخرى، ومرات·
مـقـدمة
إنَّ الأصل الذي يقوم عليه هذا الكتاب هو دراسة قصيرة كان الباحث قد أعدّها للمشاركة في مؤتمر علمي عن الرواية، ومشاغلها، غير أنَّ أموراً طرأت، وأفكاراً تبدّلت حَدَت بالمشرفين على ذلك المؤتمر إلى تغيير عنوانه، فأسدوا بذلك يداً لا تنسى لتلك الدراسة سابقاً، وهذا الكتاب حاضراً، إذ حمل ذلك التغيير على إعادة النظر فيه، وتوسيعه، وسدّ الثغرات فيه، وإثرائه بمصادر جديدة لم تتهيأ له في حالته السابقة بسبب ضيق الوقت، وفوق ذلك كلّه مدّ البصر بالدرس، والتأمل ليشمل (أولاد حارتنا) كلّها بعد أن كان مقتصراً على قسم واحد منها فقط، وكانت من أماني الباحث الغوالي أن يكتب شيئاً عن (أولاد حارتنا)، وها هو جانب من تلك الأماني يتحقق بكتاب، لا بدراسة قصيرة كما كان مقدّراً لها سابقاً·
والباحث يعلم أنَّ (أولاد حارتنا) نالت نصيبها من الدرس شأنها شأن روايات نجيب محفوظ الأخرى، بَيْد أنَّ هذا الجانب الذي أُفرد هذا الكتاب له لم يَنَلْ حظَّه من الدرس في حدود علم الباحث، ولعلّه يكون فاتحة دراسات مقبلة تعنى بنصوص أخرى لمحفوظ، أو غيره من الروائيين العرب وفق هذا (المنهج) المستخدم في هذا الكتاب·
وقد لاحظ الباحث خلال سنوات إعداده هذا الكتاب، وهو منشغل بقراءة واسعة في (المصادر) التي تحدّثت عن الرواية نظرياً، أو تطبيقياً، يقول لاحظ ذلك الولع الظاميء بـ (المناهج): تاريخها، مصطلحها، آليات تطبيقها، وحين نأتي إلى الأمر الأخير، وهو التطبيق نرى الأمر يستحيل إلى شيء هو التفصيل على القدود، فيفصّل المنهج على قدّ النص، أو يطوّع النص كي يتلاءم مع المنهج، ولا عبرة بعد هذا لتشويه يقع، أو كسر عنق يحدث، أو تنافر جارح يحصل، فهذا كلّه لا يدخل في الحسبان، فالمهمّ هو إنزال المنهج منزلته (السامية) التي (تخشع) لها النفوس، وتخرّ لها (الأذقان)، و(تعنو) لها الرؤوس، حتى وإن بدا المنهج، أيّ منهج، عصّياً على التطبيق، عسيراً في التعامل، يأباه النص، ويلفظه، فهذا أيضاً لا يدخل في الحسبان، والخاسر الوحيد في هذا الإجراء هو (النص) الذي نبت في تربة مختلفة، واستقى من ماء مغاير، وتغذّت جذوره من غذاء مباين، وكان حتماً أن يستوي على ساقه شيئاً آخر، شيئاً هو ألصق برحم تلك التربة، وذو وشائج لا تنفصم عن ذلك الماء، وذو علائق إن قُطعت عن ذلك الغذاء فهو الموت عينه، هذا ما لاحظه الباحث وهو يتجول بين عشرات من الكتب، والبحوث، وليست القضية بجديدة، ولكنّ الإشارة إليها خير من السكوت، وقد قيل: ليست العبرة في المعاني، بل في قولها·
ولذلك اختطّ الباحث لنفسه منهجاً يرى أنّه يعمل على هداه منذ سنوات، سواء في قراءته الشعر، أم القصة القصيرة، أم الرواية، وبمكنته تحديده بسمة عامة تنتظمه كليّاً، وبسمات هي خاصة بهذا الكتاب، أمّا السمة العامة فهي الانطلاق من (النص) نفسه بلا إهمال للجوانب الأخرى التي اصطلح عليها بـ (ما حول النص)، فهو ينتفع بها، ويراها أشبه بصُوى الطريق تضيء جوانب من النص بلا إفراط في الاتكاء عليها، غير أنَّ النصّ يظلّ نقطة النور الأولى، وهذا محتاج إلى أدوات، واستعداد يرى أن يتنكّب في الحديث عنها، إذ مجال الدرس نفسه هو خير لسان· أمّا السمات الخاصة بهذا الكتاب فمن الممكن تلخيصها في المعايشة المستديمة لنص (أولاد حارتنا)، معايشة أدّت إلى قراءتها عشرين مرة، ويزيد، وكلّ قراءة تختلف عن سابقتها من حيث الكشف، والوقوع على مدلولات كانت مستترة في القراءات الأولى، ومردّ هذا إلى النصّ نفسه الممتليء خصوبة، وحيوية، ورافق تلك المعايشة اطلاع كافٍ على (ما حول) أولاد حارتنا من إشكاليات، وما رافقها من غبار، ولغط، وساعد ذلك الاطلاع على فتح كوّة صغيرة في عالم الرواية عمّقت من الفهم، ورؤية البعيد القاصي من أسرارها، وتأتي مرحلة أخرى هي أقرب إلى التحوّل الجوهري في منهج هذا الكتاب، ونعني بها الانغماس في (أدبيات) هذا المنهج الذي ستُقرأ الرواية على ضوئه، وهو (النص الغائب)، وقبله المفهوم (الجديد) للنص، ونظرية الاستقبال، أو استجابة القاريء، وظنَّ، ومال إلى اليقين، والظنّ لا يغني عن الحق شيئاً، أنّه استوفى جانباً كبيراً من تلك (الأدبيات)، غير أنّه يعلم أنَّ هناك المزيد، ولكنّها بمجملها تشير إلى رؤية متقاربة، وفهم متشابه، وإن اختلفت أساليبها، وتنوّعت فيما بينها طولاً، أو قصراً، عمقاً، أو سطحية، فإذا فرغ من ذلك كلّه عمد إلى النّص (يقرؤه) على هدى (المخزون الجديد) غير ملتفت كثيراً إلى ما قيل قبله سواء من حيث المنهج، أم المصطلح، أم آلية التطبيق، وإنّما كان النص منطلقه، وعمود عمله، وبما أنَّه يعلم أنّه بإزاء عمل فريد، نادر التكرار فقد احتشد له (فحصاً)، و(حفراً)، و(تأويلاً)، وتمكّن من استنبات أمرين هما بمثابة الوحدة القارّة في الأعماق، تلك التي تلمّ شتات التفاصيل الكثيرة المتشعبة، أولهما هو إنَّ محفوظ بعمله هذا إنّما يكتب تاريخ البشرية وفق نظرته الخاصة، وفهمه الشخصي مصطفياً لذلك التاريخ الأسلوب القصصي الذي هو به خبير، وجوهر فهمه للتاريخ يقوم على (أنسنة) حوادثه، وشخصياته، واستبعاد كلّ ما يخدش تلك (الأنسنة)، وهذا هو الأمر الثاني، ولذلك نعتقد أنّ مَنْ اتخذ موقفاً معادياً لمحفوظ وروايته إنّما كان يتطلّب منه أن يكتب التاريخ روائياً وفق نظرته هو، لا وفق نظرة محفوظ نفسه، وهذا هو عين القمع، والاضطهاد الفكريين، ونعتقد مرة أخرى أنَّ محفوظ سخّر إمكاناته، كما سنرى، الإبداعية، والثقافية في إنتاج هذا النص الطويل، والمبهر على هدى تلك النظرة، ومن هنا جاءت غزارة (النصوص الغائبة)، ووفرتها للسببين السابقين، فهو يفيد من الموروث الديني، والفلسفة اليونانية، وحركة التنوير، وأعلامها، والفلسفة الحديثة، أقول يفيد من ذلك في سبيل بناء نصّه (الخاص) بعد عمليات مضنية من التحويل، والتغيير لذلك التراث المتراكم، والمتلاحم في آن واحد، وهذا هو في الوقت عينه اللبّ في هذا الكتاب، وهو تتبّع تلك (النصوص الغائبة)، وكشفها لتحقيق غرضين، أولهما معرفة المنابع الثقافية لهذا النص المتميّز، والقاعدة الفكرية الصلبة التي يستند إليها، وثانيهما التعرّف على عمليات التحويل المشار إليها سابقاً، وذلك حين استحالت تلك المنابع الثقافية كلّها إلى (أشياء) أخرى توظّف لصالح العمل الروائي، ولا شيء سواه، فهو لم يقل إنّه يكتب تاريخاً، ولكنّ مناخ الرواية العام يشير إليه، وهو لم يبيّن أنّه يفيد من هذا، وذاك الذي ذكرناه، ولكنّ (الحفر) أدّى إليه، وهو لم يصرّح بـ (الأنسنة)، ولكنّ الكتاب رصد مكامنها، وهي مبثوثة في ثنايا النّص، نعم، هو لم يقل، ولم يبيّن، ولم يصرّح، وليست مهمَّته أن يصنع هذا، بل مهمته أن يكتب، ومهمة (القاريء) أن يقول، ويصرّح، ويكشف، ويحفر، ولعلَّ شيئاً من ذلك قد تحقّق هنا، وهو ما يرجوه·
د· وليد محمود خالص
مسقط
شتاء 2009
-1-
قد تبدو الكتابة عن واحدة من روايات نجيب محفوظ ضرباً من التزيّد والفضول، وذلك في خضمّ الدراسات التي كُتبت عن أعماله المتنوعة سواء أكانت روايات، أم مجموعات قصصية، ناهيك عن (نجيب محفوظ على الشاشة)، وهو ما يلفت النظر حقّاً، وقد لمس د· جابر عصفور هذا الأمر حين نقل ما كتبه د· لويس عوض عن كورس النقاد الذي ينطلق كلّما أصدر نجيب محفوظ عملاً جديداً، فتندفع أنهار الأحاديث، والمقالات تترى في الصحف، والمجلات، وعلى موجات الإذاعة(1)وأحصى د· عصفور نفسه اثني عشر كتاباً مطبوعاً باللغة العربية عن نجيب محفوظ، بالإضافة إلى عدد هائل من الكتب الأخرى التي تتعرّض للقصة العربية، أو الأدب العربي في عمومه لينتهي إلى القول إنّه يخيّل للمرء ··· أنّه لم يوجد ناقد لم يكتب عن نجيب محفوظ في مصر(2)، فإذا أضفنا إلى هذا ما كُتب عن نجيب محفوظ خارج مصر سواء في الوطنالعربي، أم في أرجاء الدنيا، وهو كثير، وهو ما يؤكّده د· محمود الربيعي بقوله: إنّ أدب نجيب محفوظ قد حظي من اهتمام النقاد بما لم يَحْظَ به أدب كاتب آخر من شرقي الوطن العربي إلى غربيه(3)، أقول إذا أضفنا هذا إلى ذاك أدركنا أنّنا أمام مكتبة برأسها يحقّ لنا تسميتها بـ (المكتبة المحفوظية)، ولا يتّسع المجال هنا لذكر الأسباب التي أدّت إلى هذا التضخم في الكتب، والدراسات عن نجيب محفوظ، غير أنّنا نودّ إثبات تلك الحقيقة لننطلق منها إلى التساؤل المشروع، وهو: هل بقيت زاوية، أو ركن لم تصل إليه أضواء الكتابة في عالم نجيب محفوظ المترامي الأطراف، وأقول المترامي الأطراف؟ لأجيب بنعم، فهناك الكثير ممّا يقال، وسيقال عن إبداع نجيب محفوظ، ولم يقله النقاد السابقون، وذلك لأسباب نراها وجيهة، أولها ذلك الحجم الواسع من الإبداع الذي تركه نجيب محفوظ بعده، وهو يتيح لقارئه الانتقاء، والمناورة، والتحرّك بلا قيود في تلك الجنبات المترامية، وهناك حتماً قضية ما لم يقل فيها النقاد كلمتهم فعنذاك تصبح مجالاً رحباً جديداً للدرس، وثانيها ذلك التنوع، والخصوبة التي تميّز بها إبداعه بحيث يمكّن قارئه من تقديم تأويل، وتأويل التأويل للأحداث، والشخصيات وفق أنواع القراء الذين أسهبتْ في الحديث عنهم نظرية التلقي، فبقدر أولئك القراء تختلف القراءات، ولكن أيّ قرّاء؟ أقول تختلف القراءات وتتنوّع، ومن هنا تتراكم الدراسات، ويتعمّق الموضوع ثراءً، وتجدّدا، ولا ننسى هنا ثالثاً تعدّد المناهج النقدية التي تمكّن صاحبها من توجيه النظر إلى أماكن وفق المنهج الذي يختاره للدخول إلى عالم نجيب محفوظ الروائي، وهو ما لم يكن متاحاً قبل ثلاثين سنة مثلاً، يوم لم تكن المكتبة العربية تمتلك كما تمتلك اليوم هذا الرصيد الضخم من المؤلفات، والمترجمات عن المناهج النقدية، بل تأصّلت بعض تلك المناهج من خلال التطبيق الناجح فأصبحت جزءاً من نسيج النقد العربي، لا يمكن تبيّن مرجعياته المعرفية إلاّ بعد جهد، وتفتيش·
هذه أسباب ثلاثة لعلَّ فيها مقنعاً يبرّر الدخول إلى عالم نجيب محفوظ مرة أخرى من خلال نقطة ضيقة يرى الباحث أنّها لم تستوفِ حقّها من الدرس(4)، وهي (النصّ الغائب في أولاد حارتنا)، صحيح أنَّ (أولاد حارتنا) نالت نصيباً من الدرس - كما سنرى - لا يستهان به شأنها شأن روايات نجيب محفوظ الأخرى، ويزاد هنا فيقال إنّه بعد الضجة المتّسعة حولها، تلك التي أثيرت بعد إعادة طبعها في مصر برزت إلى المقدمة باعتبارها واحدة من أكثر الروايات تعقيداً من جهة، واختلافاً من جهة أخرى، إنَّ هذا صحيح كلّه غير أنَّ هذا الجانب الذي ننوي درسه لم ينل من اهتمام الدارسين الكثير مع أنّه يدخل في صلب العملية النقدية، وخصوصاً بعد التقدّم الكبير الذي أحرزته (نظرية النّص)(5)، واحتلالها حيزاً كبيراً في الدرس النقدي العربي الحديث، ولذلك تطمح هذه الدراسة إلى تبنّي موقف وسط بين الموقفين اللذين يفصم أولهما بين (أولاد حارتنا)، وما تكتنزه من رموز ورؤى، ويراها بنية لغوية مغلقة، ويسلّط عمله على تلك البنية وحدها مغفلاً ما سواها من ظلال واستتار، بينما يعمد الثاني إلى (المطابقة) الكلية متناسياً رعشة الفنّ فيها من حيث إنّها (رواية) وليست تاريخاً للأديان، ليعبر هذا الموقف بعد هذا إلى ضفة مغايرة تحترم حقّ محفوظ في تقديم تصوّره الخاص للكون، والدين، والإنسان بأسلوبه الذي ارتضاه، وهو (السرد) وقوانينه، فكأنَّ هناك شبكة من الأدوات تعمل بتكامل مبدؤها الفحص والاختبار، ووسطها (الحفر) والغوص، ومنتهاها الكشف والرسو عند النتائج، وهذا حسبها·
-2-
تقف (أولاد حارتنا) معلماً متميزاً في مسيرة نجيب محفوظ الإبداعية لأسباب ثلاثة تتضافر فيما بينها لتوصلنا إلى هذه النتيجة، ونرى من الضروري التوقف عندها بالتفصيل·
أما السبب الأول فهو اختلاف النقاد في قراءتها اختلافاً جوهرياً بحيث تقدّم كلّ فئة منهم قراءتها الخاصة، وهي تتناقض في بعض الأحيان مع القراءات الأخرى، ومردّ ذلك إلى فضاء الرواية المتّسع، وعمق أفكارها، وفرادة أسلوبها، ومجيئها على هيئة (متواليات) تصويرية مترابطة ترابطاً محكماً بحيث يفضي أولها إلى آخرها، ويشير آخرها إلى أولها بانسجام متلاحم، فيراها د· محمد حسن عبد الله دفاعاً حاراً عن القيم الدينية السامية، وملحمة بطولة لنبيّ الإسلام، وما رسخ في الضمير الإسلامي من معانٍ تجاوزت قدرات عصره، وما يتبع عصره من عصور(6)، بينما يرى فيها ساسون سميخ توقاً من نجيب محفوظ إلى أن يرى الحياة تسير على هدى الاشتراكية الصوفية(7)، ويذهب د· عبد الرحمن أبو عوف إلى أنّها تعبّر عن حقائق العدالة، والتقدم، والخلاص في العلم، تنتشر الآن في الحاضر الدائم، لكنّ هذا الحاضر المتعاقب يخلق في تتابع هذه الأحداث بحارة الجبلاوي زماناً لا مندوحة لنا في النهاية عن الشعور به، إنّه زمان الرجوع الأبدي لكنّه ليس رجوع التاريخ··· فالمقصود هنا بالحارة تاريخ البشرية، وصراعها ضدّ القهر وهي تبشّر برؤية حسية تكشف في العِلم الخلاص(8)وهي تأتي لتقدّم لنا قضية الإنسان في محيط أبعادها الممتد، فهي استعراض متّسع زمنياً لحياة البشر منذ الأصول حتى يومنا هذا، وتتبّع لتلك الأفكار العظيمة التي تولّت قيادة البشر منذ بداية النشوء مروراً بالقيم الكبرى، والمتمثلة بالرسـالات الثلاث، وانتهاء بالعصر الحديث الذي برز العلم فيه شعاراً(9)، وهي عند فؤاد دوارة ملحمة روائية تعتمد على التأمل الطويل العميق في تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة حتى عصرنا هذا، تاريخ عقائدها ودياناتها، وتاريخ كفاحها المستمر المستميت من أجل العدالة، والحرية، والكرامة··· وكما جرّد نجيب محفوظ تاريخ البشرية من كلّ عناصره الميتافيزيقية، والغيبية جرّده كذلك من عناصر القدم الزماني، والبعد المكاني فحصره في حارة مصرية معروفة، وحرّك الأحداث القديمة في ظلّ ظروف شبيهة بظروفنا المعاصرة، أو قريبة منها، فأصبحت الرواية بذلك ملحمة شعبية معاصرة(10)، والرواية عند د· مصطفى عبد الغني تتحدّث عن حارة تصوّر فيها الصراع الأزلي بين السلطة، والشعب في حضور القوى الإلهية التي تُطلّ علينا دائماً من علُ، وهذا الصراع أخذ مصر كنموذج دالّ، وتوالت المدلولات العديدة طيلة الحكي، متّخذاً في الظاهر توالي الأحداث منذ هبوط آدم إلى الأرض، وربّما قبل ذلك، وفي الباطن هذا الصراع الاجتماعي، والسياسي في مصر الناصرية حينئذ(11)، ويرى جورج طرابيشي أنَّ المحاولة التي أخذها نجيب محفوظ على عاتقه في أولاد حارتنا محاولة جبّارة بلا أدنى ريب ··· إنَّ ما أراده ··· هو أن يعيد كتابة تاريخ البشرية منذ أن وجد في الكون الإنسان الأول، وهذا لا يعني بالطبع أنَّ محفوظ استحال إلى مجرّد مؤرخ، فهو يظلّ في أولاد حارتنا، كما في الكثير من أعماله الأخرى، روائياً مؤرخاً(12)، ويبيّن الأستاذ محمود أمين العالم أنَّ نجيب محفوظ قصدفي أولاد حارتنا تحويل رموز، وقيم الأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام إلى رموز ومعطيات إنسانية(13)، ويرى د· رشيد العناني أنَّ أولاد حارتنا رؤيا بانورامية لتاريخ الإنسان، والمجتمع منحيث علاقتهما بالدين، من الخلق، وإلى اليوم الحاضر، وفيها نجد شخوصاً ترمز إلى الله، وآدم، والشيطان، وإلى موسى، والمسيح، ومحمد إلاّ أنّهم جميعاً يجرّدون في الرواية من كساء الأسطورة، وهالة القداسة(14)، وترى د· فاطمة الزهراء أنَّ أولاد حارتنا هي وجدان المؤلف إزاء قضية الحرية المهدورة، وهي تعبير عن ألمه العميق لقضية الانتكاس الذي يلحق بأعظم القيم، والمبادئ التي تحقّق الحياة الإنسانيةالكاملة للبشر، وهي تعبير عن شفقته العميقة على الجموع المطحونة تحت قبضة الطبقة التي تحكم بالسوط، والإرهاب(15)، فهذه عشرة آراء لعشرة من النقاد متباينة نظراتهم، مختلفة قراءاتهم، متفاوتة مواقفهم من الرواية، جئنا بها على سبيل التمثيل لا الحصر، إذ هناك المزيد، وهو يؤكد ما ذهبنا إليه، ولا نعتقد أنَّ أيّاً من روايات نجيب محفوظ الأخرى نالت مثل هذه العناية، أو اشتجر الدارسون حولها مثل ذلك الاشتجار الذي رأينا أطرافاً منه فيما سبق·
ويكمن السبب الثاني في أنّها الرواية الوحيدة التي أثارت من الضجيج، والمعارك الفكرية بما لم تثره رواية أخرى لمحفوظ ابتداء من طبعها كاملة للمرة الأولى خارج مصر(16)، وانتهاء بالاعتداء الشخصيالواقععلى محفوظ بسبب هذه الرواية(17)، فمن المعلوم أنَّ محفوظ بدأ بنشرها منجّمة في (الأهرام) من 21/9/1959، وحتى 25/12/1959(18)، ثم رافق ذلك النشر لغط نجد تفاصيله عندرجاءالنقاش(19)ممّا أدّى إلى منع نشرها داخل مصر، ونجد محفوظ نفسه يقول: ربّما تكون أولاد حارتنا أكثر رواياتي إثارة للأزمات، والجدل، وهذا الأمر لا يتّفق مع حسن النية الذي كان وراءكتابتيلهذهالرواية(20)، ويقول أيضاً: إلى جانب تلك المتاعب التي سبّبتها لي رواية أولاد حارتنا من صدام مع الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية، وفتاوى التكفير كنت أتلقّى أحياناً رسائل مليئة بالشتائم،وبأقذع الألفاظ، ولكنّها لم تصل إلى حدّ التهديد بالقتل(21)، وما سبق يشير إلى أنَّ أوساطاً كثيرة، وجهات مختلفة اشتركت في الحديث عن الرواية بعلم قليل، وضباب كثير، ولعلَّ الجمهرة الواسعة من الذين وقفوا في مواجهة الرواية لم يكونوا قد قرأوها أصلاً، ناهيك عن فهمها، والتمكّن من تحليلها، ولهذا الأمر تاريخ معرق في الثقافة العربية في العصر الحديث، أعني اتخاذ موقف معادٍ من مفكّر، أو أديب، أو كتاب بلا قراءة له، ونعني بالقراءة هنا مجرّد الإطلاع على الكتاب ذي الموضوع المشكل، وبكلمة أخرى لا نريد بالقراءة ذلك المصطلح الشائع اليوم في الدرس النقدي الحديث، وله قوانينه، ومتخصّصوه، فهذا أمر بعيد المنال، ولا يتسع المقام هنا للإفاضة في هذا الموضوع، ويكفي أن نشير إلى كتاب د· صادق جلال العظم (ذهنية التحريم)(22)الذي تعقّب في قسم منه قضية سلمان رشدي وكتابه (الآيات الشيطانية)، أقول يكفي هذا الكتاب ليبيّن بجلاء أنَّ قسماً كبيراً من الذين كتبوا عن هذا الكتاب - الرواية لم تقترب منه البتّة، ولذلك يتملّكنا العجب من فتوى الشيخ عمر عبد الرحمن الذي قال في حديث صحفي نشرته له جريدة الأنباء الكويتية: إنّنا لو كنّا قتلنا نجيب محفوظ عندما نشر رواية أولاد حارتنا ما ظهر إلى الوجود سلمان رشدي(23)، وكأنّه يوهمنا أنّه (قرأ) سلمان رشدي (قراءة) خبير يحقّ له الحكم عليه، وكأنّه مرة أخرى يظنّ أنَّ بروز أديب، أو اختفاءه مرهون بتكميم الأفواه، وعصب العيون، وسفك الدماء أخيراً· والمهم في ذلك كلّه أنَّ (أولاد حارتنا) كانت أشبه بالعلامة الفارقة بين روايات محفوظ، ولم يكن لها أن تحتلّ تلك المكانة لولا فضاؤها الواسع، وخصوبة ما تطرحه، وهو ما يقبل الآراء المتنوعة، بل المتصادمة كما رأينا·
ويتمثّل السبب الثالث، وهو ما نعتقد أنّه أهمّ الأسباب، وذلك لاتصاله الحميم بهذه الدراسة، أقول يتمثّل السبب الثالث في صمت محفوظ العميق قبل كتابة هذه الرواية بسنوات لا تقلّ عن خمس، وربّما وصلت إلى سبع سنوات، إذ لم ينشر محفوظ خلالها شيئاً أبداً، فمنذ أن أصدر الثلاثية كاملة ابتداءً من سنة 1948م وحتى 1952، اعتزل النشر(24)، فهو نفسه يقول: ··· وحينما ذهب المجتمع القديم ذهبت معه كلّ رغبة في نفسي لنقده، وظننت أنّني انتهيت أدبياً، ولم يعد لديّ ما أقوله، أو أكتبه، وظللت على هذه الحال من سنة 1952 حتى سنة 1957 لم أكتب كلمة واحدة، ولم تنبعث في نفسي رغبة في الكتابة، وكنت أعتبر المسألةمنتهيةتماماً حتى وجدتني أكتب أولاد حارتنا، وأنشرها سنة 1959(25)، ويضيف قائلاً: في عام 1957م شعرت بدبيب غريب يسري في أوصالي، ووجدت نفسي منجذباً مرة أخرى نحو الأدب، وكانتفرحتيغامرة عندما أمسكت بالقلم مرة أخرى··· وكانت كلّ الأفكار المسيطرة عليّ في ذلك الوقت تميل ناحية الدين، والتصوف، والفلسفة، فجاءت فكرة رواية أولاد حارتنا(26)، فكأنَّ (فترة) الصمت، والابتعاد عن الكتابة لم تكن لتقلّ عن خمس سنوات، فماذا كان محفوظ يصنع فيها، وهو الذي ثابر على الكتابة والنشر ممّا هو معروف عنه؟ حاول بعض الباحثين تقديم أسباب لذلك الصمت، بل رأينا محفوظ نفسه - كما تقدّم - يعزو الأمر إلى انعدام الرغبة في الكتابة بعد تقوّض المجتمع القديم، فلم يعد هناك ما يكتب عنه على حدّ قوله· تقف د· فاطمة الزهراء عند هذه النقطة المفصلية، وتنقل عن فريق من النقاد رأيهم في أنَّ محفوظ كاتب قدّم كلّ ما عنده حتى أصبح لا يجد جديداً يمكن أن يضيفه، ومن ثمّ آثر الامتناع عن الكتابة(27)، أمّا الفريق الآخر فيرى أنَّ محفوظ يجهد في البحث عن شكل جديد في التعبير، وهذا الرأي - تعلّق الباحثة -غيرمرفوض بدليل أنَّ المرحلة الثالثة من أدبه تثبت أنّه جهد للبحث عن شكل جديد(28)، وهناك فريق ثالث يعتقد أنّه وجد في الثورة تحقيقاً لكلّ آماله، ومن ثمّ فهو لا يعرف عمّا يكتب بعد أن تخلّص مجتمعه منمشكلاته التي اهتمّ بعرضها منذ بدأ الكتابة الروائية(29)، وتتبنّى الباحثة رأياً يفسّر ذلك الصمت، هو إنَّ صمته كان مراقبة لتجربة الثورة، وعملية شحذ لقلمه ليخرج بمضمون جديد يعبّر عن حركة التغيير فيالبيئة التي كان يستقي منها مادته(30)وأعتقد أنّ تلك الآراء - على وجاهتها - لم تستطع التوصّل إلى المكمن الجوهري لذلك الصمت الذي من الممكن تلخيص أسبابه بكلمتين هما التهيؤ والتأمل، ذلك أنَّ البحث عن شكل جديد، أو انتظار ما تسفر عنه الأحداث الجديدة، أو حتى انعدام الرغبة كما يقول محفوظ نفسه، أقول إنَّ تلك التبريرات ما كان لها أن تثني محفوظ عن الكتابة، فليس الشكل الجديد بمعجزه، وليس الانتظار من سمات الأديب الحقّ ذي الرؤيا الواضحة، والنظرة المستقبلية، وممّا يؤكد هذا أنَّ الكتابة عند محفوظ أقرب إلى أن تكون (صنعة) كما يصرّح هو بنفسه، بحسبان أنّه يكتب في وقت معين، ويترك الكتابة في وقت معين آخر ليستأنفها في اليوم القابل بلا مفاجآت، أو إشكالات نفسية، أو إبداعية، وقد مرَّ سؤال فيما سبق، وهو ماذا كان يصنع محفوظ في (سنوات الصمت) تلك ؟ ولعلّي أفزع هنا إلى نيتشه الذي أراه يكتب: كلّ مَنْ قُدِّر له أن يذيع شيئاً جليلاً في يوم من الأيام، لابدَّ له أن يظلّ وقتاً طويلاً مطويّاً في داخل صمته، وكلّ مَنْ قُدّر له أن يشعـل البرق يوماً مـا، لابدّ أن يظلّ سحاباً مدة طويلة(31)، نعم، لقد ظلّ محفوظ مطويّاً داخل الصمت مدة طويلة، وبقي سحاباً ينتظر التفجّر مدى ليس بالقصير، غير أنّه بعد أن طوى تلك المرحلة التي اختصرناها بكلمتين هما التهيؤ والتأمل، وهذا يعني أنَّ محفوظ قرّر أن يأتي بشيء مختلف تماماً عمّا كتبه سابقاً، وهو كما وقر في نفسه إزاء عمل جديد غير أنّه ضخم متّسع، محتاج إلى أدوات، وكدّ للذهن، ولم تكن تلك الأدوات جميعها في متناول يده، فعمد إلى تحصيلها، فاء أولاً إلى مخزونه الفلسفي الذي تلقّاه طالباً في الجامعة، وعمّقه، ووسّع من آفاقه من خلال قراءاته الواسعة في الفلسفة، وتاريخها، وأعلامها، ثمّ انتهى إلى التاريخ، التاريخ العام، وتاريخ الأديان خصوصاً فاغترف منه ما شاء له الاغتراف، ودعم ذلك كلّه بالجديد من الأفكار، والتيارات، ولا ننسى أنّه سليل رواد التنوير في مصر أمثال فرح أنطون (1874 - 1922)، وشبلي شميل (1853 - 1917)، ويعقوب صروف (1852 - 1927)، ولطفي السيد(1872 -1963)، ولكلّ واحد من هؤلاء أثر بالغ عليه محتاج إلى بحث منفصل، أمّا سلامة موسى(32)(1887 - 1958) فقد كان الباقعة بينهم من حيث تأثيره عليه، فقد كان ذلك التأثير كبيراً في جيلنا، ولقد أضاءت كتبه، ومؤلفاته الطريق أمامنا نحو الحياة الحديثة، والأفكار المعاصرة، فمن خلاله عرفنا معنى الفابية، والاشتراكية، وحرية الفكر، وكلّ المصطلحات الغربية الجديدة بالنسبة لنـا ··· واستمرت علاقتـي مع سلامة موسى ··· وما يزال تأثيـره حيّاً في نفسي(33)، على حدّ قول محفوظ نفسه، وقد نقل سلامة موسى في كتبه، وأحاديثه، ومقالاته أفكار أولئك الرواد الذين تأثر بهم هو الآخر، وتبنّى بعض آرائهم، وقدّم أخرى من خلال قناعاته الفكرية التي من الممكن تلخيصها بقوله: إنَّ في العالم روحاً جديدة: حرية الفكر، النزعة العلمانية، الحركة الاشتراكية، الاستضاءة بالتطور، غايتها الانطلاق من قيود التقاليد بوضع التجارب فوق العقائد، وتحسين نسل الإنسان··· وذلك بإزالة جميع العراقيل التي تعترض ذلك(34)، وقد احتشد محفوظ لنهل ذلك الفكر (الجديد)، وتسرّبت بذوره إلى فكره، وبعد هذا إبداعه بحيث أصبح معالم فيه لا تخطؤها العين، يكتب محفوظ سنة 1972: ولعلَّ الاضطراب الناشيء من قراءة أدبي أحياناً مصدره أنَّ قلبي يجمع بين التطلّع لله، والإيمان بالعِلم، والإيثار للاشتراكية، ومحاولة الجمع بين الله، والاشتراكية مثارللظنّبالإلحاد عند قوم، وبالمحافظة عند آخرين(35)، فما نثره سلامة موسى وهو مثقل بالفكر، والأدب الغربيَّين، ومعه أولئك الرواد، أقول ما نثره سلامة موسى في كتبه تلقّاه محفوظ بوعي، وإحساس عاليين، واستضافه بعد هذا في إبداعه ولكن في صورة مغايرة تتناسب مع ذلك الإبداع· إنَّ ذلك الذي تقدّم محتاج إلى وقت طويل للفهم، والاستيعاب، ولو توقفت القضية عند (القراءة) وحدها لهان الأمر، بل تأتي المرحلة الثانية، وهي كالأولى صعبة عسيرة، إن لم تكن أصعب، ونريد بها التأمل، وأقلّ ما يقال في التأمل هو السعي للخروج من عنق الزجاجة، وذلك من خلال اعتماد الكاتب آلية انتخاب ما يراه ضرورياً لعمله، ويسبق ذلك الانتخاب عمليات معقّدة من الأخذ، والترك، والتمثّل، بحيث يخرج بعد هذه السلسلة من العمليات ذاتاً أخرى، هي ذاته هو، وفرادته هو، وخصوصيته هو، وهنا مكمن الأصالة، فالأصالة أو شهوة الأصالة على حدّ قول بول فاليري هي أمّ الاقتباسات كلّها، وأمّ المحاكاة، لا شيء أكثر أصالة، لا شيء هو ذاتك أكثر من أن تتغذّى ذاتك من الآخرين، لكن يجب هضمهم(36)، ويقول محفوظ ما يقترب من هذا، وهو: يخيّل إليّ أنَّالثقافة الحقّة كالغذاء يتمثّله الجسم، ويستفيد منه، وإن لم يبق له أثر واضح فيه(37)، وهذا هو الذي اصطنعه محفوظ، ولم يكن له من خيار سواه، الامتلاء المعرفي أولاً، ثم الاختيار، والتسرّب، فالحوار لينفتح ذلك الامتلاء المعرفي بعد هذا - ثانياً - على آفاق دلالية جديدة تكون ملكاً لمحفوظ وحده تشير إلى شخصيته المستقلّة عن الغير·
تلك هي الأسباب الثلاثة التي جعلت من (أولاد حارتنا) علامة متميزة في مسيرة محفوظ الإبداعية، ولعلَّ الطريق أصبح ميسّراً إلى حدّ ما للدخول إلى فضاء تلك الرواية في محاولة للبدء بعملية (الحفر) في بناء النّص لعلّنا نصل إلى شيء من طبقاته المستترة التي تراكمت عليها طبقات أخرى كثيفة من تلاوين التعبير الشخصي، والرؤيا الخاصة، وهو ممّا يضفي على الأمر برمّته صعوبات شتى(38)، غير أنَّ (النص الغائب) يظلّ ثاوياً مستقراً في الأعماق ينتظر مَنْ يزيح عنه ما تراكم عليه من تبر (الأصالة) و(رحيق) الانتقاء·