صفحة 1
تعريف بالكتاب
تتمتع دراسات بلتيمور في القومية والدولية Baltimore Studies in Nationalism and Internationalism برعاية مركز القانون الدولي والمقارن The Center for International and Comparative Law· وقد تأسس المركز عام 4 9 9 1 كمركز أبحاث لجامعة ماريلند المندمج مع كلية الحقوق بجامعة بلتيمور· وتبحث السلسلة قضايا الهوية الثقافية والدور السليم للانتماءات القومية والعرقية في البُنى العالمية للسلطة القانونية والسياسية·
وجاء الكتاب نتاجاً لورشة عمل حول دراسات المنظمات الدولية، التي عقدت في جامعة براون في شهر تموز عام 4 9 9 1 وساهم في رعايتها المركز الأكاديمي لمنظومة الأمم المتحدة والجمعية الأمريكية للقانون الدولي· وتبع المناقشات النابضة بالحيوية والممتدة في بروفيدنس المزيد من الأفكار والمراسلات التي تمخضت في النهاية عن المقالات المنشورة هنا· وقد ترأس كل من ديفيد فورسايث David Forsythe وهيرست هانوم Hurst Hannum ونيقو شرايفر Nico Schrijver وميليسا فيليبس Melissa Phillips وتوماس وايس Thomas Weiss جلسات المؤتمر وقاموا بتوجيهها· ولولا قيادتهم وتشجيعهم لما قُدّر لهذا الكتاب الظهور·
وممن يستحقون الشكر دونابينيباكر Donna Pennepacker المساعدة الادارية في مركز القانون الدولي والمقارن، وكلمنت اديـــب Clement Adibe، وماكسْويــــل شيوبونــــدو Maxwell Chibundu؛ ووليم دي مارس William De Mars، وليندا فروسْت Lynda Frost، وكاترين ايورنز Catherine Iorns، وباربراجونز Barbara Jones ومارك موكويت Marc Moquette وانطوني أوفوديل Anthony Ofodile وزوران باجيــــك Zoran Pajic، وراوول بانغالانغـــــان Raul Pangalangan، وكاثرين رحمان Katherine Rahman، وباولا رودس Paula Rhodes، وغيليان روبنسن Gillian Robinson ووليم شاباس William Schabas، والبرخت شانل Albrecht Schabel، ووليم ستانلي William Stanley وزيليم تسخوفريبوف Zelim Tskhovrebov وأنجو اباديايا Anjoo Apadhyaya وماري ياماشيتا Mari Yamashita· وتولت كاثرين إيرل Kathryn Earle الريادة في اقتراح النشر· وكما هو الحال في جميع احداث المركز ومنجزاته فان هذا الكتاب لم يكن ليخرج الى حيّز الوجود لولا الالهام والتشجيع من جانب جون سيبرت John Sebert واريك شنايدر Eric Schneider وفرانسيز ستيدْ Frances Stead Sellers·
صفحة 2
الكتّاب المشاركون
غيان لوكابوركي Gian Luca Burci: مسؤول قانوني في مكتب الأمم المتحدة للشؤون القانونية·
نرجس كانيفي Nergis Canefe: طالبة دكتوراه في جامعة يورك، اونتاريو، كندا·
فيليب ش · أ· غويلوت Phillipe Ch. A. Guillot : محاضر في القانون العام بجامعة روان·
سهيل هـ· هاشمي : استاذ مساعد في العلاقات الدولية بكلية ماونت هوليوك·
ستيفاني لوسن Stephanie Lawson زميلة في العلاقات الدولية بالجامعة الوطنية الاسترالية·
روبرت مكوركوديل Robert Mc Corquodale : كبير محاضرين في القانون بالجامعة الوطنية الاسترالية· وقد كتب اسهامه في هذا الكتاب عندما كان زميلاً ومحاضراً في القانون في كلية سانت جونز بجامعة كمبردج·
رينيه بروفوست Rene Provost: استاذ مساعد في القانون بجامعة ماكجيل، في مونتريال بكندا·
فلاديمير رودنيتسكي Vladimir Rudnitsky: مسؤول قانوني في قسم التدوين/ في مكتب الأمم المتحدة للشؤون القانونية·
مورتمر سيلرز Mortimer Sellers: مدير مركز القانون الدولي والمقارن واستاذ مشارك في القانون في كلية الحقوق بجامعة بلتيمور·
جيري ج· سمبسُنْ Gerry J. Simpson: كبير محاضرين في القانون بالجامعة الوطنية الاسترالية· وقد كتب اسهامه في هذا الكتاب عندما كان محاضراً في القانون بجامعة ملبورن·
نيرا ويكرا ماسنغي Nira Wickramasinghe : كبير محاضرين في قسم التاريخ والعلوم السياسية بجامعة كولومبو ومستشارة في المركز الدولي للدراسات العرْقية، كولومبو، سري لانكا·
صفحة 3
مقدمة
بقلم مورتمر سيلرز Mortimer Sellers
لقد أخِذَت في الحسبان السيادة وحقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير المصير وحَظِيت بنوع من الحماية في ظل النظام الدولي الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية حسبما تم إدراجه في ميثاق الأمم المتحدة· فقد مثّلت تلك الأمور ثلاثة أهداف مركزية في هيئة الأمم المتحدة منصوصاً عليها في المادة الأولى من الميثاق وهي : وضع حدْ للعدوان، واحترام حق تقرير المصير، وتعزيز حقوق الانسان· ويكشف الترتيب الذي تظهر فيه هذه الأهداف وتناقص حدة لهجة الكلمات عن الأهمية النسبية لكل مفهوم من مفاهيم نظام ما بعد الحرب· والسيادة هي اقدم المفاهيم الثلاثة وأكثرها رسوخاً حيث كان ايمريخ دي فاتيل Emmerich de Vattel قد عرّفها تعريفاً عاماً منذ زمن طويل يعود الى عام 8 5 7 1· أما تقرير المصير فلم يكتسب أهمية ملحوظة الا بعد الحرب العالمية الأولى ومداخلات الرئيس الأمريكي وودرو ولسن Woodroo Wilson· وأما حقوق الانسان فلم يكن لها دور يذكر في القانون الدولي قبل محاكمات نورمبرغ·
وكان لمفهوم فاتيل الواسع لسيادة الدولة معنى معقول في نظام دولي يسيطر عليه طغاة خطرون معنيّون بمصالحهم الشخصية· وأسبغ الاستقلال القومي حمايته على حقوق الانسان وتقرير المصير من خلال الدفاع عن حرية العدد القليل من الدول الحرة في العالم لتطوير مواثيق الحقوق والمؤسسات الديمقراطية لتلك الدول· غير أن سقوط جدار برلين وتفكك الامبراطورية السوفياتية يفتحان المجال الآن للاحتمال القائل ان سيادة الدولة القوية لم تعد تخدم الأهداف التي جاءت ابتداءً من أجل حمايتها· فهل دخل العالم عصراً جديداً أصبح فيه لزاماً على حقوق الانسان وحق تقرير المصير الوطني والقومي أن يعدِّلا من سيادة الدولة أو يحلاْ محلها لصالح الحرية القومية والعدالة؟
أما الفكرة التي مفادها ان نظاماً عالمياً جديداً لا بد وأن يحل مكان نظام الدول القديم فقد اكتسبت رواجاً واسعاً حتى بين من يتخوفون مما ينطوي عليه من مضامين· ولا يقتصر تأثير حقوق الانسان وحق تقرير المصير الوطني على مفاهيم سيادة الدولة بل يمتد ليشمل تأثير أحدهما على الآخر· فقد تتحدى حقوق الانسان التفويضات والتكاليف الديمقراطية، وقد تهدّد الديمقراطية حقوق الانسان، أو ربما تهدد الديمقراطيةُ نفسَها عندما تطالب شعوب جديدة الدول والامبراطوريات القديمة باستقلالها·
صفحة 4
ويعالج هذا الكتاب المسائل الأخلاقية الأساسية للنظام القانوني العالمي من خلال رؤية عشرة من العلماء والدارسين الشبان ينتمون الى تسع أمم وإلى تقاليد قانونية مختلفة· وتمثلت أهدافهم في تعريف وتحديد العلاقة السليمة بين المؤسسات الوطنية والدولية بعد الحرب الباردة مع اشارة خاصة لحماية حقوق الانسان في أوضاع محلية مختلفة· اذ تبدأ المقالات الأكثر عمومية في عملية الجمع، تتبعها مناقشات مفصلة متعددة لتطبيقات ودراسات تاريخية محددة المعالم· ويقوم الكتاب العشرة جميعاً بدراسة القاعدة الأخلاقية للمؤسسة الدولية من منظورات جديدة وذلك في ضوء الظروف المعاصرة التي أصابتها تغييرات مثيرة·
ويقوم روبرت مكوركوديل Robert McCorquodale (في الفصل الثاني) بعرض للصراع الحديث بين سيادة الدولة وتقرير مصير الشعوب ابتداءً من معاهدة فرساي ويقترح حلاً توفيقياً قائماً على مبدأ حقوق الانسان· ويرتأي مكوركوديل ان الاعتراف الدولي الحديث العهد· بحماية حقوق الانسان يستلزم أيضاً حماية الحقوق في الحصول على تقرير مصير داخلي كأساس لا غنى عنه للحريات الأساسية الأخرى· ولا يعني ذلك في العادة الحق في الانفصال بل اتاحة الفرصة لمشاركة كاملة في شؤون وأعمال الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية· وعلى الدولة حماية جميع سكان اراضيها أو مواجهة السيادة المقيّدة· غير أن النظام الدولي القائم يقدم امتيازات مناسبة للسلامة الاقليمية في غياب الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان· ويتوصل مكوركوديل الى استنتاج مؤدّاه أنّ بناء تقرير المصير على حماية حقوق الانسان يزيل بعضاً من أكثر مظاهر التحديد الذاتي لهويات الشعوب اثارة للخلاف، وأن مبدأ حقوق الانسان يوفر أفضل الأطر القانونية للحل السلمي للخلافات التي تنطوي على حق تقرير المصير·
أما جيري سمبْسن Gerry Simpson (في الفصل الثالث) فيتحدى المفهوم الاستعماري السائد لتقرير المصير في القانون الدولي· ويستعرض سمبسن المعاني المتنافسة القومية والديمقراطية والتفويضية devolutionary والانفصالية لتقرير المصير ويتوصل الى نتيجة مضمونها أن كلاً منها يحتوي على تناقض معطِّل ناجم عن اخفاقه في استيعاب المفاهيم والمعاني الأخرى· ويواصل سمبسن قوله فيقترح فهماً أو تصوراً مبنياً على المشاركة لتقرير المصير يقوم على الاعتراف القانوني بمختلف اشكال السيادة·
صفحة 5
ويستند تقرير المصير المبني على المشاركة الى فكرة حماية الحقوق الانسانية والديمقراطية الجماعية للأقليات والشعوب المنقوصة التمثيل بدلاً من تشجيع المطالبات بالانفصال الاقليمي أو الاصرار على الوضع الاستثنائي القومي والعنصري، ويأمل سمبسن عن طريق توسيع المعاني الممكنة للسيادة في تسهيل عملية التفاوض والمواءمة التي تستطيع وحدها التوفيق بين المطالبات المتعارضة من أجل التعبير عن الذات قومياً وثقافياً·
ويشارك فلاديمير رودنتسْكي Vladimir Rudnitsky (الفصل الرابع) سمْبسن الرأي في أن الصلة التي تربط مفاهيم تقرير المصير المعادية للاستعمار بالحقائق السياسية صلة محدودة· بيد أن رودْنِتْسكي يرى في الأمم المتحدة المصدر الرئيس للمقاربات الجديدة المنسَّقة لقضايا حقوق الانسان والتنمية والأمن التي تثيرها المطالبات بالتحرر الوطني أو القومي· وذلك حسب رأيه : لأن الاعتماد الدولي المتبادل أو التكافل يقوض الاستقلال التقليدي للدول ذات السيادة، فان الأمم المتحدة وحدها تتمتع بالوضع والصلاحيات اللازمة لتطوير معايير ثابتة متماسكة لتقرير المصير· ويرى رودتنسكي ان هذه العملية سائرة في طريقها بالفعل كما يعكسها اعلان الجمعية العمومية حول حقوق الأشخاص الذين ينتمون الى أقليات قومية أو عرقية ودينية ولغوية (الذي أقر يوم الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) سنة 2 9 9 1م)· لكن الاعلان لم يحدد من هي الفئات الاجتماعية التي يجب اعتبارها ذات حقوق متمتعة بالحماية الدولية بما في ذلك حق تقرير المصير· كما يرى رودتنسكي ان التوازن المناسب بين تقرير المصير وسيادة الدولة يتطلب اطاراً مؤسسياً أكثر مما يتطلب وصفات قانونية جامدة صارمة· إذ ليس من الضروري أبداً أن ينطوي تقرير المصير على وضع الدولة أو السيادة· ومن شأن المؤسسات الديمقراطية جيدة التصميم أن تتجنب الحاجة الى الانفصال السياسي· ويخلص رودتنسكي الى أن خلق دول جديدة ذات سيادة يجب أن يكون ملجأً أخيراً عندما يكون قد تم استخدام الأمم المتحدة لجميع العلاجات الأخرى·
وتشكك نرجس كانيفي Nergis Canefe(الفصل الخامس) في نموذج الدولة القومية للمجتمع السياسي الموحّد· كما تشكّك في قيمة القومية ونتيجتها الطبيعية التي هي مبدأ السيادة· وبدلاً من ذلك تطرح كانيفي رأيا مؤدّاه تجاوز المقولات الأوروبية القديمة القائمة على مطابقة الجنسية مع المواطنة وذلك بالتمييز بين الدولة الاقليمية والأمة· وتحاجّ بالقول إن القومية التقليدية للدولة ترى في الأقليات العرقية وغيرها حالات شاذة (في أحسن الأحوال) يقتضي دمجها ضمن الأمة المتجانسة وان نموذج دولة واحدة، أمة واحدة يعزز سلسلة لا نهاية لها من الانفصال والقمع الذي يحوّل جميع حقوق الأقليات الى تهديدات جوهرية للدولة· كما تقترح كانيفي توزيعاً اقليمياً محضاً للحقوق المدنية والسياسية مقروناً بالحماية الدولية لمطالبات المواطنين كأفراد بهويتهم· وبينما تسلم كانيفي بأن الديمقراطية التحررية أو الليبرالية قد خففت من غلواء التجاوزات الداخلية لبعض الدول القومية الأوروبية، فانها تصرّ على ان التعدّدية الدستورية لن تظهر في أماكن أخرى الى أن تفسح المفاهيم الأوروبية المجال لمفاهيم للدولة ذات طابع أكثر شمولية·
صفحة 6
ويقدم سهيل هاشمي (في الفصل السادس) أحد هذه المفاهيم بتحليله لتقرير المصير والانفصال حسبما ورد في الفكر الاسلامي· وتشمل الأخلاقيات اسلامية الهدف المعياري للمجتمع الشامل بين المؤمنين الذي يتجاوز عمليات التمييز العرقية والقبلية والعنصرية وغيرها من ضروب التمييز القومي أو الاقليمي· ومن شأن ذلك أن يجعل المطالبات بحق تقرير المصير القومي والانفصال مبعث مشكلات داخل الدول الاسلامية القائمة على الأقل· ويصرّ الاسلام على أن القواعد الأخلاقية للعدالة والأخوة والسلام يجب تحل مكان الهويات القبلية الضيقة، مقيّدةً الحق في الانفصال اذا كان الانفصال يعني اقتطاع ارض منفصلة وعدم السماح بوجود جماعات قومية أو عرقية أخرى داخلها· ويقول هاشمي ان العلاج الاسلامي المناسب لأنظمة الحكم القمعية هو الثورة وليس الانفصال أو الرحيل·
أما ستيفاني لوسُنْ Stephanie Lawson (في الفصل السابع) فتتناول المشكلات ذاتها من منظور منطقة جنوب المحيط الهادي· ففي أماكن مثل فيجي وبابوا غينيا الجديدة Papua New Guninea، جمعت الكيانات السياسية التي شكّلها الاستعمار الأوروبي بين أناس ينتمون الى خلفيات عرقية وثقافية شتّى· وكثيراً ما ضخّمت عملية تصفية الاستعمار التي ترعاها الأمم المتحدة من قابلية الدول الجديدة للبقاء على حساب الوحدة العرقية أو القبلية· وقد حال ذلك دون أي تكافؤ سهل بين الأمم العرقية والدولة، وهكذا سعت القومية العرقية في جنوب المحيط الهادي الى توحيد مناطق مع شعوب بمعاملة بعض المواطنين على أنهم غُرباء· وتؤيد لوسُنْ مفهوماً أكثر تعددية واحتوائية للشعب يجعل المساواة السياسية تطال جميع المواطنين بغض النظر عن الهوية الدينية أو اللغوية أو الثقافية· ويجب أن لا يعني ذلك أنكار حقوق السكان الوطنيين الأصليين، بل قَرْنُها بحقوق الإنسان الأساسية الأخرى بحيث لا يعاني أيٌّ كان من الاضطهاد لأسباب تعود الى العرْق أو اللون أو الدين أو اللغة أو الجنس (كون المرء ذكراً أو أنثى) أو أي مظهر آخر بمفرده من مظاهر الهوية الانسانية· وتنتتهي لوسن باستنتاج مفاده أن السيادة الداخلية وتقرير المصير لا يتطلبان فقط شمول شعب غير معين بل شمول الشعب بكل ما ينطوي عليه ذلك من تعقيد·
وأما رينيه بروفُسْت RenéProvost (في الفصل الثامن) فيقارن بين حروب التحرير الوطني والصراعات المسلحة الأخرى وينظر في مشكلات الغموض والتوصيف بمعنى اعطاء الصفات المميزة التي تنجم عن تطبيق القانون الانساني على الصراعات التي قد تكون اما داخلية أو دولية وذلك حسب رؤية المرء لها· ويستكشف بروفُسْت طبيعة وتأثير التوصيف أي الرسم بصفات مميزة على يد جهات فاعلة متنوعة· وتقرر درجةُ غموض معيار ما الحاجة الى آليات اجرائية لجعل هذا المعيار أكثر تأكُّداً ووضوحاً· أما التوصيف فيمكن ان تقوم به الدولة نفسها أو دول أخرى، أو الأجهزة السياسية لمنظمات دولية أو هيئات متخصصة من قبيل اللجنة الدولية للصليب الأحمر· ويتوصل بروفوست الى أنه في حالة تعذر اللجوء الى هيئات متخصصة تقدم ضمانات للحياد والشرعية، فان كلاً من هذه الأوصاف المميزة يبقى سليماً ضن مجال صلاحيته المناسب· ويقترح بناءَ الاجماع كحلّ للخلافات حول التوصيف· وقبل الاجماع لا بد للجهات العاملة من تحمّل مخاطر اخطائها في التوصيف· ويعكس هذا الاستنتاج، المسلَّم بأنه استنتاج غير مُرْض، الحالة الراهنة للقانون الدولي· ويرى بروفوست ان المعايير الدوليّة قد سبقت الآليات التي وجدت من أجل تنفيذ هذه المعايير· والى أن يقوم المجتمع الدولي بتطوير هيئات دائمية· قادرة على توجيه دفة تطوّر القانون الدولي وتطبيقه، فان حالات التنافر والتقلّب ستظل أمراً لا مفرّ منه·
صفحة 7
ويصف غيان لوكابورْكي Gian Luca Burci (الفصل التاسع) بعض الآليات الدولية التي قد تفيد في تفادي الخلافات حول التوصيف وتعمل على تهدئة الأوضاع في حالات الصراع الداخلي· وتجد الأمم المتحدة نفسها متورطة بالفعل في عمليات صنع السلام والمحافظة عليه بعد فترة الحرب الباردة· ويحلل بورْكي هذه الفعاليات في ضوء القانون والممارسة الآخذين في الظهور على يد الأمم المتحدة في مجالات الأمن والمساعدة الانسانية· أما الدول التي تخفق في القيام بواجباتها الأساسية تجاه مواطنيها فقد تجد أن حقوقها السيادية قد تقلصت أو تعطّلت مؤقتاً وذلك حسب عمليات صنع القرار المتعددة الأطراف· غير أن بوركي يخلص الى أن على الأمين العام والقوات التي تحت امرته التركيز على ما يميلون اليه بطبيعتهم ويتمتعون بأقصى قدر من الملاءمة للقيام به وهو: المفاوضة والاقناع ومحاولة جر الأطراف المتصارعة الى عملية سياسية يمكن السير بها قُدُماً ولكن دون أن يتم ارغام هذه الأطراف على قبول وجود خارجي يقوم بحفظ السلام أو بمهام انسانية·
أما فيليب غويلوت Philipp Guillot (الفصل العاشر) فيشبّه الممارسة الراهنة للأمم المتحدة بالنظام الدولي للدول ذات السيادة الذي جرى تطويره منذ صُلْح وستفاليا عام 8 4 6 1· وتحاول هيئة جديدة الآن تحت اشراف الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن طرح حلول ديمقراطية ليبرالية للصراعات الداخلية والترويج في أنحاء العالم كافة لمعايير الحكْم الغرْبية· ويرى غويلوت ان بالامكان العثور على عمليات المساعدة في الانتقال والتحوّل في جميع مراحل تاريخ عملية حفظ السلام لكن الهندسة الدستورية السابقة للديمقراطية تطورت في فترة أحدث· وأصبح ثمن المساعدة والحماية التي تقدمها الأمم المتحدة متمثّلاً في تقييد السيادة الدستورية· ويتوصل غويلوت الى استنتاج مضمونه ان أضمن الطرق لبناء السلام تأتي من خلال ما يختاره الناس االمعنيون ويوافقون عليه بعد أن يتمّ إقراره عن طريق استفتاء· وسترفض الأمم في النهاية المؤسسات القانونية والسياسية المفروضة عليها· ولا مفر من اخفاق حلول الأمم المتحدة التي لا توجهها الظروف المحلية والسياق الثقافي كما أنها قد تجرّ معها هذه المنظمة الدولية الى الانهيار·
وتعالج نيرا ويكراماسنغي Nira Wickramasinghe (الفصل الحادي عشر) مخاطر الحلول المفروضة في المشكلات المحلية والاقليمية مع اشارة خاصة لنظام المعونة في سري لانكا· اذ ان القدرة على التحرك دولياً لرأس المال والأفكار والتقنيات والأشخاص قد قلصت الأهمية الحقيقية لوضع الدولة وأدّت الى تآكل مثير في أهمية السيادة الاسمية للدولة· فالدول المانحة تربط بصورة متزايدة بين المعونات التنموية من ناحية وحقوق الانسان وغير ذلك من الاعتبارات الانسانية والأخلاقية من ناحية أخرى· كما تعترف ويكراما سنغي بأهمية حقوق الانسان لكنها تضع موضع تساؤل ظهور مبدأ الحُكْم الجيّد أو الخيّر كعامل حاسم في سياسة منح المعونات والمساعدة التنموية· والواقع ان الدول التي أقرّت الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية أو الميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية توافق على التنازل عن جزء من سيادتها للمؤسسات العالمية· غير أن من شأن الحكْم الجيد أو الخيّر كما عرّفه البنك الدولي أن يعمل على تحويل السلطة إلى الجماعات دون القومية· ويقترح ويكرهاماسنغي دوراً جديداً للأمم المتحدة كحارس للمؤسسات الاقتصادية الدولية غير الحساسة جاعلة برامج التنمية أكثر اهتماماً بالعواقب الاجتماعية والثقافية والسياسية المترتبة على تدخلها·
صفحة 8
وترى جميع المقالات العشر التي تم جمعها في هذا الكتاب روابط هامة بين السيادة وحقوق الانسان وتقرير المصير القومي· وتميل معظمها الى جعل بعض مظاهر استقلال الدولة خاضعة لاحترام الحريات الفردية وسيادة الشعب· وتبقى نظرة فاتيل الثاقبة الأساسية موجودة وهي النظرة القائلة إن على كل أمة أن توجد نظامها وقوانينها الخاصة بها، مع تعديل هذه الأخيرة بناء على المفاهيم الجديدة لما يكوّن الأمّة· وبعبارة في غاية الايجاز، فان تقرير المصير يعني أن الشعب يقرر مصيره بنفسه· ومعنى الشعب من ناحية سياسية سكان منطقة معيّنة· بيد أن تقرير المصير لا يمكن أن يوجد دون حماية حقوق اساسية معينة للانسان بما في ذلك حق المرء في تطوير هويته الجماعية ضمن نطاق مجتمع سياسي أكبر· ويبدو أن هذه هي الشروط الأساسية للسيادة بعد انتهاء الحرب الباردة·
أما دور المؤسسات الدولية في حماية هذا النظام العالمي الجديد فأمر أقل توكيداً· فمن جانب يبدو أن الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى تَعِدُ بتطبيق حيادي نزيه لمبدأ آخذ في النشوء والتطوّر ضد الطغاة المحلّييّن· ومن جانب آخر فانها تهدد بتدخل خارجي دون مراعاة لظروف محددة وللسياق الثقافي· ولعل الأرضية المشتركة التي تجمع بين المساهمين في تأليف هذا الكتاب تتمثل في نزعة مشتركة ترمي الى تشجيع التعاون والتحرك الدولي القائمين على الموافقة وذلك للتوصل الى أجندة مشتركة· غير أنه يبقى هناك قدر كبير من العزوف عن السماح للمؤسسات بالتحرك بخطوات تسبق الاجماع· ويمكن أن تقوم الأمم المتحدة بدور قيادي في تطوير المعايير شريطة أن تحترم حق تقرير المصير للدول المكوِّنة لها·
اذن كيف يختلف العلماء والدارسون الشبان والمواقف التي أعقبت الحرب الباردة عما كانت الأمور عليه من قبل؟ ربما في رغبتهم الجديدة في النظر بجدّية الى حقوق الانسان وتقرير المصير، حتى لو كان ذلك على حساب السلطة الواقعية· ان القانون الوطني والدولي موجودان لتوحيد مصالح الدول والأفراد مع مصالح المجموع· وفي حال استبعاد أي كان عن نطاق هذا الخطاب، تضيع الحقيقة وتعاني العدالة، ولا يتمتع أحد بالسلام والأمن المنطلقين من الاحترام المتبادل لانسانيتنا التي نشترك فيها جميعاً·
صفحة 9
حقوق الانسان وتقرير المصير
بقلم روبرت مكوركوديل Robert McCorquodale
اذا طالبت كل مجموعة عرقية أو دينية أو لغوية بأن يكون لها وضع الدولة فلن يكون هناك حدّ للتفكّك كما ستتزايد باستمرار صعوبة تحقيق السلام والأمن والرفاهية الاقتصادية· وهناك متطلّْب واحد لحلول هذه المشكلات يكمن في الالتزام بحقوق الانسان
بطرس غالي، أجندة من أجل السلام
صفحة 10
مقدمـة
يعبّر القول الوارد أعلاه الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة عن القلق حول عواقب الممارسة غير المحددة لحق تقرير المصير من أجل خدمة الاستقرار المستقبلي للنظام الدولي· وفي الوقت عينه يشير القول المذكور الى الطريق المؤدي نحو حل الصراعات العديدة بين الجماعات المطالبة بحق تقرير المصير من ناحية واصرار الدول على السيادة المطلقة على أراضيها من ناحية أخرى· ويكمن الحل في الالتزام بحقوق الانسان·
وحقوق الانسان امر بالغ الأهمية بالنسبة لتوضيح حق تقرير المصير وتطبيقه· وكان تطوير حق تقرير المصير جزءاً من محاولات المجتمع الدولي النشطة لاجتثاث الظلم الواقع على الأفراد والجماعات من جانب الدول· وقد تطور ذلك الحق من اطار الحماية القانونية الدولية المتزايدة لحقوق الانسان وتقبُّل الدول الشامل للمقولة التي مفادها أن تعزيز حقوق الانسان كافة وحمايتها مبعث اهتمام مشروع للمجتمع الدولي
والواقع أنه جرى توضيح حق تقرير المصير كأحد حقوق الانسان في المعاهدات والوثائق الدولية الأخرى ذات الصلة بحقوق الانسان·
أما مدى الحماية التي منحها حق تقرير المصير فقد ازداد اتساعاً وعمقاً عما كان عليه بعد الحرب العالمية الأولى وخلال فترة التخلص من الاستعمار· فهو ينطبق الآن على جميع الشعوب في جميع المناطق ولا يقتصر على المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار· كما ينسحب على جميع الشعوب الواقعة ن اطار الدولة· وفي يومنا هذا يمتد حق تقرير المصير ليشمل جميع الشعوب التي تعاني من العسف نتيجة تسلّط الآخرين وسيطرتهم عليها واستغلالهم لها·
لكن من أجل تسوية المطالبات والالتزامات المتضاربة المحتملة المتعلقة بحق تقرير المصير فإنّ ثمة حاجة الى تطوير اطار قانوني مترابط· كما يقتضي ذلك ان تكون القواعد والأحكام التي يقدمها هذا الاطار ممكنة التطبيق على مختلف الظروف دون احداث تهديد متزايد للأمن الدولي· حيث يجب أن تحترم حقوق جميع أعضاء المجتمع الدولي ومصالحهم· ويقوم الاطار القانوني الوحيد الملائم لتلبية هذه المطالب العسيرة على القواعد القانونية العامة لقانون حقوق الانسان الدولي· لذا لا مندوحة عن تبني مقاربة تقوم على حقوق الانسان لحق تقرير المصير·