صفحة 1
المقدمة
بدأت الجامعات الغربية اعطاء أهمية كبيرة لمادة تركيا، وعلى مستويين: مستوى السياسة الداخلية، والذي انصب على دراسة الحياة السياسية فيها والتي تضمنت: النظام السياسي، ابتداءً من نظام الحزب الواحد والذي تم تطبيقه منذ اعلان الجمهورية في عام 1923، واستمر حتى عام 1945، إذ تم الانتقال وبصورة سلمية الى ظاهرة التعدد الحزبي، وقد ساعد هذا الانتقال تركيا، على التقرب من المجتمعات الغربية، إذ اقتبست معالم كثيرة من الفكر الغربي، وكانت الغاية من ذلك الاندماج مع هذه المجتمعات، ولاسيما ان ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، دفعت دولاً كثيرة لتبني التعددية الحزبية بعد انهيار نظام الحزب الواحد في اوربا، وتركيا التي حاولت التقرب من الاسرة المسيحية الاوربية كانت لاتقبل فيها بنظام الحزب الواحد، ولاسيما ان تركيا اتهمت في هذه الحقبة بالاوليكارشية العسكرية، وعليه حاول عصمت اينونو بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار نظام موسوليني في ايطاليا والنظام النازي في المانيا، الاقرار بالتعددية الحزبية، والتي اصبحت الآن تعدّ من أهم مظاهر الحياة السياسية في الوقت الحاضر.أما المستوى الثاني، فانه يكمن في السياسة الخارجية التركية، والذي يتركز في اندماج تركيا في المجتمع الغربي ومن خلال عضويتها في حلف شمال الاطلسي، وبعض الاندية الاوربية.
ولكل هذه الاسباب، بدأت الجامعات العربية بصورة عامة والجامعات العراقية بصورة خاصة تدريس مادة تركيا والتركيز على النظام السياسي فيها. وعلى مستوى كليات العلوم السياسية في الوطن العربي، رأينا ان هناك اقبالاً شديداً من طلبة الدراسات العليا في اعداد رسائلهم عن تركيا. وعليه وجدنا انه من الاوفق ان تكون في حوزة طلبة البكالوريوس وطلاب الدراسات العليا مادة تحت عنوان " النظام السياسي في تركيا" لتقدم العون في دراستهم المستقبلية.
وقد استخدمنا في كتابنا هذا، مناهج متعددة، ابتداءً من المناهج التقليدية والتي القت الضوء على دراسة تأريخ النظام السياسي في تركيا، وانتهاءً بالمناهج المعاصرة من حيث استخدام المنهج المقارن والمنهج التحليلي والمنهج النظمي. وقد قسمنا الدراسة الى فصل تمهيدي مع خمسة فصول، حيث خصصنا الفصل التمهيدي منها الحديث عن حركة التحديث في الدولة العثمانية، ومن خلال دراسة عهد التنظيمات والذي يعدّ مقدمة للانتقال الى دستور عام 1876 إذ عاد تطبيقه من جديد في 23 تموز 1908. وفي فصول لاحقة منه، تم التأكيد على العهد الجمهوري الاول والذي يبدأ في 29 تشرين اول 1923، تناولنا فيه النظام السياسي في تركيا بموجب دستور عام 1924 مع دراسة تجربة نظام الحزب الواحد في المدة الواقعة بين 1924ـ1938، وظاهرة التعدد الحزبي فيها والتي تبدأ في حقبتين تأريخيتين: 1945ـ1980، 1980ـ2005. وقد تضمنت الحقبتان: دراسة دستور عام 1982 وقانون الاحزاب السياسية في 24 نيسان 1983 وقانون الانتخابات في 13 حزيران 1983 مع دراسة الاحزاب السياسية التركية المعاصرة.
بدأت الجامعات الغربية اعطاء أهمية كبيرة لمادة تركيا، وعلى مستويين: مستوى السياسة الداخلية، والذي انصب على دراسة الحياة السياسية فيها والتي تضمنت: النظام السياسي، ابتداءً من نظام الحزب الواحد والذي تم تطبيقه منذ اعلان الجمهورية في عام 1923، واستمر حتى عام 1945، إذ تم الانتقال وبصورة سلمية الى ظاهرة التعدد الحزبي، وقد ساعد هذا الانتقال تركيا، على التقرب من المجتمعات الغربية، إذ اقتبست معالم كثيرة من الفكر الغربي، وكانت الغاية من ذلك الاندماج مع هذه المجتمعات، ولاسيما ان ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، دفعت دولاً كثيرة لتبني التعددية الحزبية بعد انهيار نظام الحزب الواحد في اوربا، وتركيا التي حاولت التقرب من الاسرة المسيحية الاوربية كانت لاتقبل فيها بنظام الحزب الواحد، ولاسيما ان تركيا اتهمت في هذه الحقبة بالاوليكارشية العسكرية، وعليه حاول عصمت اينونو بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار نظام موسوليني في ايطاليا والنظام النازي في المانيا، الاقرار بالتعددية الحزبية، والتي اصبحت الآن تعدّ من أهم مظاهر الحياة السياسية في الوقت الحاضر.أما المستوى الثاني، فانه يكمن في السياسة الخارجية التركية، والذي يتركز في اندماج تركيا في المجتمع الغربي ومن خلال عضويتها في حلف شمال الاطلسي، وبعض الاندية الاوربية.
ولكل هذه الاسباب، بدأت الجامعات العربية بصورة عامة والجامعات العراقية بصورة خاصة تدريس مادة تركيا والتركيز على النظام السياسي فيها. وعلى مستوى كليات العلوم السياسية في الوطن العربي، رأينا ان هناك اقبالاً شديداً من طلبة الدراسات العليا في اعداد رسائلهم عن تركيا. وعليه وجدنا انه من الاوفق ان تكون في حوزة طلبة البكالوريوس وطلاب الدراسات العليا مادة تحت عنوان " النظام السياسي في تركيا" لتقدم العون في دراستهم المستقبلية.
وقد استخدمنا في كتابنا هذا، مناهج متعددة، ابتداءً من المناهج التقليدية والتي القت الضوء على دراسة تأريخ النظام السياسي في تركيا، وانتهاءً بالمناهج المعاصرة من حيث استخدام المنهج المقارن والمنهج التحليلي والمنهج النظمي. وقد قسمنا الدراسة الى فصل تمهيدي مع خمسة فصول، حيث خصصنا الفصل التمهيدي منها الحديث عن حركة التحديث في الدولة العثمانية، ومن خلال دراسة عهد التنظيمات والذي يعدّ مقدمة للانتقال الى دستور عام 1876 إذ عاد تطبيقه من جديد في 23 تموز 1908. وفي فصول لاحقة منه، تم التأكيد على العهد الجمهوري الاول والذي يبدأ في 29 تشرين اول 1923، تناولنا فيه النظام السياسي في تركيا بموجب دستور عام 1924 مع دراسة تجربة نظام الحزب الواحد في المدة الواقعة بين 1924ـ1938، وظاهرة التعدد الحزبي فيها والتي تبدأ في حقبتين تأريخيتين: 1945ـ1980، 1980ـ2005. وقد تضمنت الحقبتان: دراسة دستور عام 1982 وقانون الاحزاب السياسية في 24 نيسان 1983 وقانون الانتخابات في 13 حزيران 1983 مع دراسة الاحزاب السياسية التركية المعاصرة.
صفحة 2
الفصل التمهيدي
المؤسسات الدستورية في الدولة العثمانية
المبحث الاول:الدولة العثمانية والحضارة الغربية
تعرضت ادوات العمل السياسي في النظام السياسي العثماني الى تغييرات متعددة منذ نشأة الدولة العثمانية، لان قادة الاخيرة مزجوا بين التقاليد الدينية والسلطة الزمنية، وهذا يعني ان النظام السياسي العثماني كان نظاماً اسلامياً. ان ظروف القرن التاسع عشر هي التي ادت الى تغييرات ملموسة في الحياة السياسية العثمانية ومن هذه التغييرات المحاولات التي جرت ادخال النظام الدستوري في اجهزة الدولة(1).
والحق، ان هذه المحاولات كانت لها علاقة عضوية بين الافكار السياسية التي ظهرت في الدولة العثمانية في هذه الحقبة وافكار الثورة الفرنسية التي بدأت بالانتشار في الدول الاخرى. ان تأثير الثورة الفرنسية التي قامت في عام 1789 في النظام السياسي قد حملت الثورة معها افكاراً جديدة في الحرية والاخاء والمساواة ومفهوم حقوق الانسان إذ ان الافكار الاخيرة كانت غريبة على الفقه العثماني. كما ان قادة الاصلاح العثماني لم يفهموا طبيعة الثورة الفرنسية وظروفها، إذ كانت ثورة على الكنيسة والاستبداد السياسي الى درجة ان الثوار اقاموا حكماً يستند الى الافكار القومية، والرجوع الى الشعب في المفاهيم الدستورية(2).
في اعتقادنا، انه لا يمكن المقارنة بين طبيعة الحياة السياسية في الدولة العثمانية وطبيعة الحياة السياسية التي كانت سائدة في فرنسا قبل نشوب الثورة فيها. ذلك ان مقارنة من هذا النوع تؤدي الى المقارنة بين الفكر الاسلامي والفكر المسيحي، لان الاخير يقوم على الثيوقراطية وتحكم رجال الدين، وهذا يعني ان السلطة في فرنسا كانت بيد رجال الدين، بحيث كانت لهؤلاء صبغة دينية وسياسية على المجتمع، إذ كان الحاكم يستمد قوته من رجال الدين، على العكس مما كانت عليه هذه الحالة في الدولة العثمانية، لان التعاليم الاسلامية التي طبقت فيها كانت تنظم بين الحياة الدينية والسياسية على حد سواء، وبالتالي فان الدولة لم تكن تقوم على حكومة دينية كالحالة في اوربا في القرون الوسطى.
وفي هذه الحقبة بالذات اصبحت اللغة الفرنسية واضحة في الثقافة العثمانية ونرى هذا الوضوح والتأثير في مذكرات خالدة أديب، التي جاء فيها:( ان الدول الاوربية قد زودت تركيا بالافكار الحديثة، واوجدت الروح الجديدة في ادبيات الكتّاب الاتراك )(3).
وقد وصلت مبادىء الثورة الفرنسية الى الدولة العثمانية عن طريق حملة نابليون على مصر، إذ ان نابليون حمل اساليب الحضارة الاوربية الى الشرق(4).
وتجدر الاشارة في هذا المجال ان سليم الثالث قد اتخذ قراراً منذ عام 1793 بارسال بعثات تعليمية عسكرية الى فرنسا، كما قام بتعيين سفراء الدولة العثمانية الى كل من لندن وباريس وفينا(5).
المؤسسات الدستورية في الدولة العثمانية
المبحث الاول:الدولة العثمانية والحضارة الغربية
تعرضت ادوات العمل السياسي في النظام السياسي العثماني الى تغييرات متعددة منذ نشأة الدولة العثمانية، لان قادة الاخيرة مزجوا بين التقاليد الدينية والسلطة الزمنية، وهذا يعني ان النظام السياسي العثماني كان نظاماً اسلامياً. ان ظروف القرن التاسع عشر هي التي ادت الى تغييرات ملموسة في الحياة السياسية العثمانية ومن هذه التغييرات المحاولات التي جرت ادخال النظام الدستوري في اجهزة الدولة(1).
والحق، ان هذه المحاولات كانت لها علاقة عضوية بين الافكار السياسية التي ظهرت في الدولة العثمانية في هذه الحقبة وافكار الثورة الفرنسية التي بدأت بالانتشار في الدول الاخرى. ان تأثير الثورة الفرنسية التي قامت في عام 1789 في النظام السياسي قد حملت الثورة معها افكاراً جديدة في الحرية والاخاء والمساواة ومفهوم حقوق الانسان إذ ان الافكار الاخيرة كانت غريبة على الفقه العثماني. كما ان قادة الاصلاح العثماني لم يفهموا طبيعة الثورة الفرنسية وظروفها، إذ كانت ثورة على الكنيسة والاستبداد السياسي الى درجة ان الثوار اقاموا حكماً يستند الى الافكار القومية، والرجوع الى الشعب في المفاهيم الدستورية(2).
في اعتقادنا، انه لا يمكن المقارنة بين طبيعة الحياة السياسية في الدولة العثمانية وطبيعة الحياة السياسية التي كانت سائدة في فرنسا قبل نشوب الثورة فيها. ذلك ان مقارنة من هذا النوع تؤدي الى المقارنة بين الفكر الاسلامي والفكر المسيحي، لان الاخير يقوم على الثيوقراطية وتحكم رجال الدين، وهذا يعني ان السلطة في فرنسا كانت بيد رجال الدين، بحيث كانت لهؤلاء صبغة دينية وسياسية على المجتمع، إذ كان الحاكم يستمد قوته من رجال الدين، على العكس مما كانت عليه هذه الحالة في الدولة العثمانية، لان التعاليم الاسلامية التي طبقت فيها كانت تنظم بين الحياة الدينية والسياسية على حد سواء، وبالتالي فان الدولة لم تكن تقوم على حكومة دينية كالحالة في اوربا في القرون الوسطى.
وفي هذه الحقبة بالذات اصبحت اللغة الفرنسية واضحة في الثقافة العثمانية ونرى هذا الوضوح والتأثير في مذكرات خالدة أديب، التي جاء فيها:( ان الدول الاوربية قد زودت تركيا بالافكار الحديثة، واوجدت الروح الجديدة في ادبيات الكتّاب الاتراك )(3).
وقد وصلت مبادىء الثورة الفرنسية الى الدولة العثمانية عن طريق حملة نابليون على مصر، إذ ان نابليون حمل اساليب الحضارة الاوربية الى الشرق(4).
وتجدر الاشارة في هذا المجال ان سليم الثالث قد اتخذ قراراً منذ عام 1793 بارسال بعثات تعليمية عسكرية الى فرنسا، كما قام بتعيين سفراء الدولة العثمانية الى كل من لندن وباريس وفينا(5).
صفحة 3
ان الدبلوماسيين الفرنسيين وبالذات في عهد السلطان سليم الثالث قد احتكوا بالموظفين ورجال الحكم في الدولة العثمانية، كل ذلك قد دفع السلطان المذكور ان يقوم بمحاولة تنسيق افكار التقرب من العالم الاوربي وذلك اعتباراً من عام 1792، فقد طلب من رجال الحكم البارزين في الدولةالعثمانية كتابة تقارير حول حاجات الدولة في هذا المجال. وقد انصبت جلّ هذه التقاريرعلى وجوب ادخال الاصلاحات في الجيش العثماني، وذلك بمعاونة خبراء عسكريين في اوربا شريطة عدم تعارض ذلك مع الشريعة الاسلامية(6).
ان اتخاذ قرار ارسال بعثات عسكرية الى فرنسا قد اوجد بعد مدة من الزمن طبقة اجتماعية، استطاعت بعد ذلك التغلغل في الجيش، فقد اصبح لها نفوذ وقوة في داخل الجيش العثماني(7).
ان تأثير الثورة الفرنسية على الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر كان واضحاً في هذا المجال. ان قيام الثورة الدستورية عام 1908 ونمو حركة القومية التركية ثم تأسيس الجمهورية التركية، كان ذلك بتأثير من الثورة الفرنسية(8).
وبامكاننا ان نقول ان حركة التحديث في تركيا العثمانية وبشكل ملموس دخلت الى حيز الوجود على عهد سليم الثالث، وتسمى هذه الحقبة مرحلة(الدفاع عن التمدن)، وبموجب ذلك تبنت الدولة العثمانية نظام التعليم الاوربي واللغة الاوربية والابجدية العسكرية.وفي هذه الحقبة وضع السلطان(وثيقة الاتفاقية) ـ Sende ltti fack وذلك في عام 1808 والتي تتضمن تعهد الحكومة المركزية واقطاب المقاطعات بالاحترام المتبادل للحقوق الثابتة. ان هذه الوثيقة تعدّ بمثابة نجاح لسلطة الوجهاء المحليين، وتشبه وثيقة ماكناكارتا(9).
وقد قام سليم الثالث بانشاء مجموعة من المدارس والمعاهد العسكرية ذات الطابع الغربي، وقد تم تبادل الخبراء وارسال البعثات العسكرية الى الدول الاوربية لمواكبة التطور الذي وصلت اليه الجيوش الاوربية، فضلاً عن طبع الكتب فيما يخص النواحي العسكرية، وترجمتها الى اللغة التركية العثمانية. وبالامكان ان نذهب بالقول الى ان هذا النوع من التبادل الثقافي بين تركيا العثمانية والدول الاوربية يعدّ نقطة البداية للاحتكاك العلمي والثقافي مع العالم الغربي، زد على ذلك ان المدارس العسكرية التي انشئت في هذه الحقبة وتزايدت في عهد السلطان محمود الثاني قدمت دراسة جيدة على النمط الغربي، اذا تذكرنا جيداً ان المدارس والمعاهد حتى في هذه الحقبة كانت تقوم اساساً على المدارس الدينية(10).
وقد تبنى السياسة نفسها السلطان محمد الثاني، وكان النجاح حليفه عندما استطاع عام 1826 الغاء التنظيم العسكري الذي كان بالياً، وذلك عند قيامه بالغاء الوحدات العسكرية المعروفة بوحدات الانكشارية(11).
وبغية ادخال المدنية الغربية الى الدولة العثمانية فقد تبنى القادة العثمانيون القوانين الدنيوية( الوضعية) وذلك قبل بزوغ القرن الثامن عشر وتحت عنوان Kanun. والحق ان مثل هذه القوانين قد اعدها السلطان سليمان الذي عرف في التاريخ العثماني بالقانوني Kamuni أي صانع القوانين.
وبعبارة أدق ايجاد قوانين خارج حدود الشريعة الاسلامية. ان هذه القوانين في بداية الامر لم تلفت انظار السلطة الدينية، الا انها اثيرت من قبل الاخيرة عندما اشار السلطان في كون هذه القوانين بمثابة ادخال المدنية الغربية الى الدولة العثمانية(12).
وقد انتهج بعد ذلك السياسة نفسها السلطان محمد الثاني، حيث جرّب نظام فيالق الانكشارية وحل محله التدريب الاوربي. هذه السياسة أدت الى انتهاء سمو الشريعة في عملية صنع القرار في سياسة الدولة(13).
ان هذه السياسة من قبل السلطان محمد الثاني مهّدت الطريق امام استخدام البرامج الغربية من قبل حلفائه الذين جاءوا بعده، إذ قاموا باصدار المراسيم الامبراطورية في عام 1839 التي عرفت بمرحلة التنظيمات(1839ـ1876) حيث بدأت في نهاية حكم السلطان محمود(14).
ان ادخال عهد التنظيمات الى حيز الوجود يرجع في حقيقة الامر الى ان الدبلوماسية الاوربية عن طريق بريطانيا وفرنسا مارست ضغطها على الدولة العثمانية بعد معاهدة Adrianople التي أبرمت في عام 1829، وكانت تنص على ادخال المدنية الغربية الى الدولة العثمانية. وفيالحقيقة ان مراسيم 1839 و1856 ودستور 1876، كانت نتيجة من نتائج هذه الضغوط(15).
وقد انتهجت الدول الغربية مجموعة من الاساليب لادخال المدنية الغربية الى تركيا العثمانية، ففي عام 1839 وصل الى عرش السلطنة عبد المجيد الاول حيث كان يشبه السلطان سليم الثالث من حيث الرغبة في الاصلاح(16). وفي هذه المرحلة كان رشيد باشا سفيراً فوق العادة للدولة العثمانية في لندن، فما كان من عبد المجيد الا ان عينه وزيراً للخارجية(17).
ان اتخاذ قرار ارسال بعثات عسكرية الى فرنسا قد اوجد بعد مدة من الزمن طبقة اجتماعية، استطاعت بعد ذلك التغلغل في الجيش، فقد اصبح لها نفوذ وقوة في داخل الجيش العثماني(7).
ان تأثير الثورة الفرنسية على الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر كان واضحاً في هذا المجال. ان قيام الثورة الدستورية عام 1908 ونمو حركة القومية التركية ثم تأسيس الجمهورية التركية، كان ذلك بتأثير من الثورة الفرنسية(8).
وبامكاننا ان نقول ان حركة التحديث في تركيا العثمانية وبشكل ملموس دخلت الى حيز الوجود على عهد سليم الثالث، وتسمى هذه الحقبة مرحلة(الدفاع عن التمدن)، وبموجب ذلك تبنت الدولة العثمانية نظام التعليم الاوربي واللغة الاوربية والابجدية العسكرية.وفي هذه الحقبة وضع السلطان(وثيقة الاتفاقية) ـ Sende ltti fack وذلك في عام 1808 والتي تتضمن تعهد الحكومة المركزية واقطاب المقاطعات بالاحترام المتبادل للحقوق الثابتة. ان هذه الوثيقة تعدّ بمثابة نجاح لسلطة الوجهاء المحليين، وتشبه وثيقة ماكناكارتا(9).
وقد قام سليم الثالث بانشاء مجموعة من المدارس والمعاهد العسكرية ذات الطابع الغربي، وقد تم تبادل الخبراء وارسال البعثات العسكرية الى الدول الاوربية لمواكبة التطور الذي وصلت اليه الجيوش الاوربية، فضلاً عن طبع الكتب فيما يخص النواحي العسكرية، وترجمتها الى اللغة التركية العثمانية. وبالامكان ان نذهب بالقول الى ان هذا النوع من التبادل الثقافي بين تركيا العثمانية والدول الاوربية يعدّ نقطة البداية للاحتكاك العلمي والثقافي مع العالم الغربي، زد على ذلك ان المدارس العسكرية التي انشئت في هذه الحقبة وتزايدت في عهد السلطان محمود الثاني قدمت دراسة جيدة على النمط الغربي، اذا تذكرنا جيداً ان المدارس والمعاهد حتى في هذه الحقبة كانت تقوم اساساً على المدارس الدينية(10).
وقد تبنى السياسة نفسها السلطان محمد الثاني، وكان النجاح حليفه عندما استطاع عام 1826 الغاء التنظيم العسكري الذي كان بالياً، وذلك عند قيامه بالغاء الوحدات العسكرية المعروفة بوحدات الانكشارية(11).
وبغية ادخال المدنية الغربية الى الدولة العثمانية فقد تبنى القادة العثمانيون القوانين الدنيوية( الوضعية) وذلك قبل بزوغ القرن الثامن عشر وتحت عنوان Kanun. والحق ان مثل هذه القوانين قد اعدها السلطان سليمان الذي عرف في التاريخ العثماني بالقانوني Kamuni أي صانع القوانين.
وبعبارة أدق ايجاد قوانين خارج حدود الشريعة الاسلامية. ان هذه القوانين في بداية الامر لم تلفت انظار السلطة الدينية، الا انها اثيرت من قبل الاخيرة عندما اشار السلطان في كون هذه القوانين بمثابة ادخال المدنية الغربية الى الدولة العثمانية(12).
وقد انتهج بعد ذلك السياسة نفسها السلطان محمد الثاني، حيث جرّب نظام فيالق الانكشارية وحل محله التدريب الاوربي. هذه السياسة أدت الى انتهاء سمو الشريعة في عملية صنع القرار في سياسة الدولة(13).
ان هذه السياسة من قبل السلطان محمد الثاني مهّدت الطريق امام استخدام البرامج الغربية من قبل حلفائه الذين جاءوا بعده، إذ قاموا باصدار المراسيم الامبراطورية في عام 1839 التي عرفت بمرحلة التنظيمات(1839ـ1876) حيث بدأت في نهاية حكم السلطان محمود(14).
ان ادخال عهد التنظيمات الى حيز الوجود يرجع في حقيقة الامر الى ان الدبلوماسية الاوربية عن طريق بريطانيا وفرنسا مارست ضغطها على الدولة العثمانية بعد معاهدة Adrianople التي أبرمت في عام 1829، وكانت تنص على ادخال المدنية الغربية الى الدولة العثمانية. وفيالحقيقة ان مراسيم 1839 و1856 ودستور 1876، كانت نتيجة من نتائج هذه الضغوط(15).
وقد انتهجت الدول الغربية مجموعة من الاساليب لادخال المدنية الغربية الى تركيا العثمانية، ففي عام 1839 وصل الى عرش السلطنة عبد المجيد الاول حيث كان يشبه السلطان سليم الثالث من حيث الرغبة في الاصلاح(16). وفي هذه المرحلة كان رشيد باشا سفيراً فوق العادة للدولة العثمانية في لندن، فما كان من عبد المجيد الا ان عينه وزيراً للخارجية(17).
صفحة 4
وجدير بالذكر ان رشيد باشا كان من المنادين بالنظام الدستوري البرلماني وعليه اعلن منذ البداية ان يرتفع بالدولة العثمانية الى مصاف الدول المتقدمة عن طريق دستور ينص على حقوق المواطنين. وقد استتطاع فعلاً اقناع السلطان عبد المجيد بخطبته هذه واعداد وثيقة الدستور بكتمان كلي(18).
وقد اصدر السلطان عبد المجيد هذا الدستور باسم( كلخانة) Hattei sherif(19) في 23 تشرين الثاني 1839 بمرسوم امبراطوري، وقرأ من قبل رشيد باشا(20). وفي الحقيقة ان مشروع خط كلخانة يعكس بعض مبادىء الفكر الليبرالي للقرن الثامن عشر(21).
ويوصف أيضاً مشروع كلخانة عموماً بلائحة الحقوق. وقد القت هذه اللائحة عقوبة الاعدام بدون محاكمة وضمنت العدالة للجميع، وفيما يخص الحياة والشرف والملكية، فان اللائحة اشارت الى تأسيس مجلس العدالة لصياغة قوانين جديدة من ضمنها قانوني عقابي والذي نص على عدم التسامح مع التجاوزات بسبب من الوظيفة او التأثير الشخصي. وقد انهى مشروع شريف كلخانة نظام الضريبة الزراعية، واوجد نظاماً جديداً للضريبة فضلاً عن ايجاد اجراءات رسمية للتجنيد من قبل القوات المسلحة والخدمة المدنية(22) وقد قصد من هذه الاجرءاات البرهنة للقوى الاوربية ان الدولة العثمانية مصممة على اعادة تنظيم نفسها في مواجهة الضغوط الجارية من الجماعات غير التركية المطالبة بالاستقلال او بتكريس الامر الواقع(23).
وكان مشروع كلخانة مقدمة لانشاء القانون التجاري الجديد وقانون العقوبات الجديد على أسس الانموذج الفرنسي.
ان حركة التنظيمات كانت نتيجة للضغوطات الداخلية، وتمت وبصورة خاصة نتيجة للزيادة الكبيرة في التجارة الدولية او التبادل الفكري الدولي(24).
ان الضغط الداخلي للاصلاح جاء أساساً من قبل عدد من الاتراك الذين تعلموا في الغرب او بطريقة أخرى عن طريق احتكاكهم مع الغرب(25).
والحق، يعدّ هذا الدستور أول محاولة من نوعها ليثني معالم النظام الدستوري في الداخل. الا ان هذا المرسوم لم يدخل الى حيز الوجود.
ومع ذلك فان الدول الغربية لم تيأس في الضغط على السلطان لاصدار وثيقة جديدة، إذ اصدر السلطان تحت ضغط هذه الدول منشور اصلاح عرف باسم( خط همايون )(26).
وفيما يخص الخط الهمايوني، نرى ان حرب القرم عام 1854، دفعت الباب العالي الى منح مزيد من التنازلات من قبل الحكومة العثمانية، حيث قامت باعلان هذا الخط في 18 شباط 1856(27).
فضلاً عن ذلك، هناك اسباب داخلية دفعت الحكومة العثمانية الى اصدار الخط الهمايوني، بالامكان ايجازها في النقاط الآتية:
1. المفاهيم الغربية التي ظهرت في الدولة العثمانية التي أثرت في السلطة الحاكمة.
2. ظهور حركات ليبرالية في داخل الحكومة العثمانية(28).
3. اصبحت سياسة التقريب مستقرة في الدولة العثمانية عن طريق قراءة الكتب الاوربية والمراقبين الاجانب.
4. انتقلت سياسة التقريب الى الدولة العثمانية عن طريق الاشخاص الذين تركوا الدولة العثمانية بسبب النفي والاكراه، حيث عاشوا في العواصم الاوربية وتأثروا بمعالمها،وبعد عودتهم اليها قاموا بترجمة الثقافة الاوربية(29).
ان الدبلوماسية الاوربية التي مارست الضغط على الدولة العثمانية من اجل ادخال سياسة التقريب، كانت ترمي من ورائها تحقيق الاهداف الآتية(30):
وقد اصدر السلطان عبد المجيد هذا الدستور باسم( كلخانة) Hattei sherif(19) في 23 تشرين الثاني 1839 بمرسوم امبراطوري، وقرأ من قبل رشيد باشا(20). وفي الحقيقة ان مشروع خط كلخانة يعكس بعض مبادىء الفكر الليبرالي للقرن الثامن عشر(21).
ويوصف أيضاً مشروع كلخانة عموماً بلائحة الحقوق. وقد القت هذه اللائحة عقوبة الاعدام بدون محاكمة وضمنت العدالة للجميع، وفيما يخص الحياة والشرف والملكية، فان اللائحة اشارت الى تأسيس مجلس العدالة لصياغة قوانين جديدة من ضمنها قانوني عقابي والذي نص على عدم التسامح مع التجاوزات بسبب من الوظيفة او التأثير الشخصي. وقد انهى مشروع شريف كلخانة نظام الضريبة الزراعية، واوجد نظاماً جديداً للضريبة فضلاً عن ايجاد اجراءات رسمية للتجنيد من قبل القوات المسلحة والخدمة المدنية(22) وقد قصد من هذه الاجرءاات البرهنة للقوى الاوربية ان الدولة العثمانية مصممة على اعادة تنظيم نفسها في مواجهة الضغوط الجارية من الجماعات غير التركية المطالبة بالاستقلال او بتكريس الامر الواقع(23).
وكان مشروع كلخانة مقدمة لانشاء القانون التجاري الجديد وقانون العقوبات الجديد على أسس الانموذج الفرنسي.
ان حركة التنظيمات كانت نتيجة للضغوطات الداخلية، وتمت وبصورة خاصة نتيجة للزيادة الكبيرة في التجارة الدولية او التبادل الفكري الدولي(24).
ان الضغط الداخلي للاصلاح جاء أساساً من قبل عدد من الاتراك الذين تعلموا في الغرب او بطريقة أخرى عن طريق احتكاكهم مع الغرب(25).
والحق، يعدّ هذا الدستور أول محاولة من نوعها ليثني معالم النظام الدستوري في الداخل. الا ان هذا المرسوم لم يدخل الى حيز الوجود.
ومع ذلك فان الدول الغربية لم تيأس في الضغط على السلطان لاصدار وثيقة جديدة، إذ اصدر السلطان تحت ضغط هذه الدول منشور اصلاح عرف باسم( خط همايون )(26).
وفيما يخص الخط الهمايوني، نرى ان حرب القرم عام 1854، دفعت الباب العالي الى منح مزيد من التنازلات من قبل الحكومة العثمانية، حيث قامت باعلان هذا الخط في 18 شباط 1856(27).
فضلاً عن ذلك، هناك اسباب داخلية دفعت الحكومة العثمانية الى اصدار الخط الهمايوني، بالامكان ايجازها في النقاط الآتية:
1. المفاهيم الغربية التي ظهرت في الدولة العثمانية التي أثرت في السلطة الحاكمة.
2. ظهور حركات ليبرالية في داخل الحكومة العثمانية(28).
3. اصبحت سياسة التقريب مستقرة في الدولة العثمانية عن طريق قراءة الكتب الاوربية والمراقبين الاجانب.
4. انتقلت سياسة التقريب الى الدولة العثمانية عن طريق الاشخاص الذين تركوا الدولة العثمانية بسبب النفي والاكراه، حيث عاشوا في العواصم الاوربية وتأثروا بمعالمها،وبعد عودتهم اليها قاموا بترجمة الثقافة الاوربية(29).
ان الدبلوماسية الاوربية التي مارست الضغط على الدولة العثمانية من اجل ادخال سياسة التقريب، كانت ترمي من ورائها تحقيق الاهداف الآتية(30):
صفحة 5
1. التدخل في الشؤون الداخلية العثمانية عن طريق استخدام(المسألة الشرقية)(31).
2. الدفاع عن قضية حقوق الاقليات المسيحية في الدولة العثمانية، وقد أصبح هؤلاء تحت حماية بعض القوى الاوربية، وقد استخدمت الدبلوماسية الاوربية هذه القضية كي تشجع قيام الدولة القومية المستقلة.
3. تعزيز مصالحها التجارية والاقتصادية والسياسية في الدولة العثمانية.
وكان خط همايون اداة لاهداف الرعايا المسيحيين في الدولة، حيث اعطى لهم الحقوق والامتيازات المتساوية المعطاة دستورياً للمواطنين المسلمين. ان الطائفة المسيحية سمح لها السيطرة عن طريق الانتخاب في الجمعية المنتخبة، كما أشار هذا المرسوم الى الحرية الدينية مشيراً الى عدم الاكراه في تغيير الدين، واعطاء المساواة في تسلم الوظائف العامة في الجيش والوظائف المدنية والخدمات الاخرى مثل المدارس بغض النظر عن الاختلافات الدينية(32).
وبموجب هذا المرسوم هناك محاكم مختلطة قد تم تكوينها كالمحاكم المختصة في القضايا التجارية والجنائية بين المسلمين وغير المسلمين وبين غير المسلمين على اختلاف طوائفهم.وأشار المرسوم الى اصلاحات أخرى تضمنت الغاء العقوبة الجسدية والتعهد باصلاح القانون الجنائي والانظمة العقابية والسجون(33).
والحق، ان الاوامر الدستورية لعام 1839 و1856 لم تحاول ايجاد اجهزة مؤثرة لضمان تطبيق نصوص هذه المراسيم. وقد احتوت هذه الاوامر جانباً احادياً لضمان حقوق الانسان(34).
اطلق كتّاب الغرب على عهد التنظيمات في الدولة العثمانية، مرحلة العلمانية(35) حيث بدا هؤلاء يتحدثون عن العلمانية المعيارية المضادة للتدين Normative Secularization عندما شعر العثمانيون بالحاجة الى اعادة ترتيب مؤسساتهم العسكرية والمدنية بموجب النظام الغربي، وكان هذا يعني من وجهة نظر كتّاب الغرب تغيير نظام التعليم ونظام النوعية والمناهج والملاكات. وقد ترتب على ذلك النتيجتان الآتيتان:
1. كان يجب على العثمانيين تدريب اجيال جديدة بموجب المفاهيم العلمانية غير الدينية. وقد اطلق على هذه الحالة كتّاب الغرب بالعلمانية المعيارية.
2. وكان من نتائج ذلك الصراع بين المجددين والتقدميين والعلمانيين والمحافظين. وفي الحقيقة منذ ان طبقت التعاليم العلمانية في الدولة العثمانية، فقد علماء الدين مركزهم الاجتماعي ونفوذهم السياسي وقربهم من عملية صنع القرار. كل ذلك قد أدى الى تكوين حركة طلابية في الدولةالعثمانية، قادها طلاب في مدارس دينية، احتجاجاً على انشاء المدارس العلمانية(36).
ولكن يجب ان نؤكد في هذا المجال، ان ادخال وسائل المدنية الحديثة من تطوير العلم والمدارس، وادخال التقنية الحديثة في الجيش، وانشاء مدارس على النمط الغربي، لا يعني في الحقيقة، تبني العلمانية في الدولة العثمانية لان الاسلام لم يكن ليمنع هذه الامور جميعاً لان التسليم بذلك يعني ان الحضارة الغربية تشجع وتعزز هذه الامور، أما الاقطار الاسلامية فانها متخلفة بسبب الدين الاسلامي.
ومن ناحية اخرى، ان العلمانية بموجب الانموذج الغربي، تعني فصل الدين عن الدولة، على النقيض من ذلك، كانت هناك في الدولة العثمانية علاقة بين الدين والدولة، فقد كان رجال الدين في خدمة الدولة،ولم يتخذوا موقف المعارضة منها، كما ان العلمانية في الغرب كانت لها هياكل متعددة، لان كلاً منهما يعمل في اطارمعين، فقد كان هناك الهيكل الهرمي للكنيسة من جهة، والصراع الطبقي بين البرجوازيين والاقطاع من جهة أخرى، وقد أدى هذا الى فصل الكنيسة عن الدولة، وعلى العكس من ذلك فان الدولة العثمانية(37) شعرت بالحاجة الى تأسيس مؤسسات حديثة، للتمييز فيما بينها فقط ليس غير. والحق ان الاصلاحات التي تمت في الدولة العثمانية كانت لها العلاقة كما رأينا بالقوى الغربية، وروسيا القيصرية، حيث كانت روسيا تهدد بالتدخل في شؤون الدولة العثمانية لتحقيق الغرض نفسه، الامر الذي أدى الى قبول الحكومة العثمانية هذه الاصلاحات(38).
وقد ايدت العناصر غير المسلمة عهد التنظيمات وذلك عن طريق اعلان التعاليم العثمانية وهو مخطط يهدف ربط جميع القوميات عن طريق الشعور بالانتماء الى الدولة العثمانية ويدعو هذا الشعور الى المساواة القانونية والاسهام في حقوق المواطنة لجميع الشعوب الواقعة تحت السيطرة العثمانية(39).
وقد اتجه المسيحيون الى حماية الاوربيين من الخارج، وفي الحقيقة استطاعت القوى الاوربية وعن طريق الاقلية المسيحية التغلغل في الدولة العثمانية، ونتيجة لذلك فقد اعلنت معظم القوى الاوربية الرئيسة مسؤوليتها الكاملة للدفاع عن حقوق الاقلية المسيحية عن طريق التدخل في الشؤون الداخلية العثمانية وقد اقترن ذلك استخدام القوة او التهديد باستخدامها. كل ذلك قد ادى الى ان تقدم الدولة العثمانية التنازلات للقوى الغربية، إذ حصلت بموجبها على حقوق تجارية في الدولة العثمانية، فضلاً عن حصولها على مركز خاص غيرمشمول بالقوانين التشريعية لرعاياها العاملين هناك(40).
2. الدفاع عن قضية حقوق الاقليات المسيحية في الدولة العثمانية، وقد أصبح هؤلاء تحت حماية بعض القوى الاوربية، وقد استخدمت الدبلوماسية الاوربية هذه القضية كي تشجع قيام الدولة القومية المستقلة.
3. تعزيز مصالحها التجارية والاقتصادية والسياسية في الدولة العثمانية.
وكان خط همايون اداة لاهداف الرعايا المسيحيين في الدولة، حيث اعطى لهم الحقوق والامتيازات المتساوية المعطاة دستورياً للمواطنين المسلمين. ان الطائفة المسيحية سمح لها السيطرة عن طريق الانتخاب في الجمعية المنتخبة، كما أشار هذا المرسوم الى الحرية الدينية مشيراً الى عدم الاكراه في تغيير الدين، واعطاء المساواة في تسلم الوظائف العامة في الجيش والوظائف المدنية والخدمات الاخرى مثل المدارس بغض النظر عن الاختلافات الدينية(32).
وبموجب هذا المرسوم هناك محاكم مختلطة قد تم تكوينها كالمحاكم المختصة في القضايا التجارية والجنائية بين المسلمين وغير المسلمين وبين غير المسلمين على اختلاف طوائفهم.وأشار المرسوم الى اصلاحات أخرى تضمنت الغاء العقوبة الجسدية والتعهد باصلاح القانون الجنائي والانظمة العقابية والسجون(33).
والحق، ان الاوامر الدستورية لعام 1839 و1856 لم تحاول ايجاد اجهزة مؤثرة لضمان تطبيق نصوص هذه المراسيم. وقد احتوت هذه الاوامر جانباً احادياً لضمان حقوق الانسان(34).
اطلق كتّاب الغرب على عهد التنظيمات في الدولة العثمانية، مرحلة العلمانية(35) حيث بدا هؤلاء يتحدثون عن العلمانية المعيارية المضادة للتدين Normative Secularization عندما شعر العثمانيون بالحاجة الى اعادة ترتيب مؤسساتهم العسكرية والمدنية بموجب النظام الغربي، وكان هذا يعني من وجهة نظر كتّاب الغرب تغيير نظام التعليم ونظام النوعية والمناهج والملاكات. وقد ترتب على ذلك النتيجتان الآتيتان:
1. كان يجب على العثمانيين تدريب اجيال جديدة بموجب المفاهيم العلمانية غير الدينية. وقد اطلق على هذه الحالة كتّاب الغرب بالعلمانية المعيارية.
2. وكان من نتائج ذلك الصراع بين المجددين والتقدميين والعلمانيين والمحافظين. وفي الحقيقة منذ ان طبقت التعاليم العلمانية في الدولة العثمانية، فقد علماء الدين مركزهم الاجتماعي ونفوذهم السياسي وقربهم من عملية صنع القرار. كل ذلك قد أدى الى تكوين حركة طلابية في الدولةالعثمانية، قادها طلاب في مدارس دينية، احتجاجاً على انشاء المدارس العلمانية(36).
ولكن يجب ان نؤكد في هذا المجال، ان ادخال وسائل المدنية الحديثة من تطوير العلم والمدارس، وادخال التقنية الحديثة في الجيش، وانشاء مدارس على النمط الغربي، لا يعني في الحقيقة، تبني العلمانية في الدولة العثمانية لان الاسلام لم يكن ليمنع هذه الامور جميعاً لان التسليم بذلك يعني ان الحضارة الغربية تشجع وتعزز هذه الامور، أما الاقطار الاسلامية فانها متخلفة بسبب الدين الاسلامي.
ومن ناحية اخرى، ان العلمانية بموجب الانموذج الغربي، تعني فصل الدين عن الدولة، على النقيض من ذلك، كانت هناك في الدولة العثمانية علاقة بين الدين والدولة، فقد كان رجال الدين في خدمة الدولة،ولم يتخذوا موقف المعارضة منها، كما ان العلمانية في الغرب كانت لها هياكل متعددة، لان كلاً منهما يعمل في اطارمعين، فقد كان هناك الهيكل الهرمي للكنيسة من جهة، والصراع الطبقي بين البرجوازيين والاقطاع من جهة أخرى، وقد أدى هذا الى فصل الكنيسة عن الدولة، وعلى العكس من ذلك فان الدولة العثمانية(37) شعرت بالحاجة الى تأسيس مؤسسات حديثة، للتمييز فيما بينها فقط ليس غير. والحق ان الاصلاحات التي تمت في الدولة العثمانية كانت لها العلاقة كما رأينا بالقوى الغربية، وروسيا القيصرية، حيث كانت روسيا تهدد بالتدخل في شؤون الدولة العثمانية لتحقيق الغرض نفسه، الامر الذي أدى الى قبول الحكومة العثمانية هذه الاصلاحات(38).
وقد ايدت العناصر غير المسلمة عهد التنظيمات وذلك عن طريق اعلان التعاليم العثمانية وهو مخطط يهدف ربط جميع القوميات عن طريق الشعور بالانتماء الى الدولة العثمانية ويدعو هذا الشعور الى المساواة القانونية والاسهام في حقوق المواطنة لجميع الشعوب الواقعة تحت السيطرة العثمانية(39).
وقد اتجه المسيحيون الى حماية الاوربيين من الخارج، وفي الحقيقة استطاعت القوى الاوربية وعن طريق الاقلية المسيحية التغلغل في الدولة العثمانية، ونتيجة لذلك فقد اعلنت معظم القوى الاوربية الرئيسة مسؤوليتها الكاملة للدفاع عن حقوق الاقلية المسيحية عن طريق التدخل في الشؤون الداخلية العثمانية وقد اقترن ذلك استخدام القوة او التهديد باستخدامها. كل ذلك قد ادى الى ان تقدم الدولة العثمانية التنازلات للقوى الغربية، إذ حصلت بموجبها على حقوق تجارية في الدولة العثمانية، فضلاً عن حصولها على مركز خاص غيرمشمول بالقوانين التشريعية لرعاياها العاملين هناك(40).
صفحة 6
فضلاً عن الضغوط الخارجية على الدولة العثمانية، كانت هناك الاسباب الداخلية والتي اسهمت على تنفيذ عهد التنظيمات، وتتركز هذه الاسباب حول دور الطبقة المثقفة لترجمة الافكار الغربية في داخل الدولة العثمانية، وفي هذا المجال تقول خالدة أديب:( ان صراع الغرب والشرق يعود بالدرجة الاولى الى حقبة(1774ـ1876)، ان الغرب دخل الى الدولة العثمانية عن طريق الفكر،ونتيجة لذلك فقد تغيرت المؤسسات، ولكنها سايرت روح التقليد القديم، حيث ان حقوق الانسان التي اكدها الغرب تماشت مع الافكار الاسلامية )(41).
الى جانب عهد الاصلاحات، كان هناك سلاطين اهتموا بايجاد مدارس حديثة، وكليات ومعاهد عليا، ويكفي في هذا المجال، ان نتحدث وبشيء من الايجاز عن التعليم على عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
كان للسلطان عبد الحميد الثاني منهجه الخاص في تبني مفهوم المدنية، فهو لا يريد من الغرب الحضارة التي تساوي الثقافة والتراث، لانه كان يعتقد ان للشرق الحضارة التي تقوم على الشريعة الاسلامية وهي متكاملة تفوق على الحضارة الغربية.وكان يؤمن ايضاً الاستفادة من الغرب في مجال العلوم الحديثـة وبصورة تدريجية(42).
ونتيجة لهذه المفاهيم، ازدادت عدد المدارس منذ وصول عبد الحميد الى الحكم الى عشرة اضعاف ما كانت عليه، حيث وصل عددها الى 000ر200 مدرسة. ومع ذلك فان عبد الحميد كان يعتقد ان هذه المدارس لا تفي بالغرض المطلوب، وعليه فقد اكد فتح مدارس اعدادية بغية تهيئةالطلاب الى مراحل جديدة من التعليم(43).
فضلاً عن ذلك، فان عبد الحميد استفاد من الغرب في شتى المجالات التي رأى انها بحاجة الى خبرة اجنبية، ونتيجة لذلك فقد أسس كلية العلوم والآداب والحقوق(مكتب حقوق شاهانة) كما اوجد كلية العلوم السياسية(مكتب ملكية شاهانة) واكاديمية الفنون الجميلة (مكتب شاهانة صنايع نفسية)(44).
الى جانب اهتمام عبد الحميد الثاني بالتعليم، فانه اولى عناية مركزة الى تقديم الخدمات الادارية للدولة العثمانية، فقد اقام مؤسسة حديثة للمياه وغرفاً للصناعة والزراعة والتجارة وتأسيس البلديات وبناء الغواصة، واوجد خطوط البرق وادارة البريد ومد السكك الحديد، وادخال الترامواياك(45).
وقد قوّم السلطان عبد الحميد الثاني في مذكراته السياسية عهد الاصلاحات قائلاً:( اذا اردنا ان نتبنى بعض الاصلاحات، فعلينا ان نأخذ في الحسبان الظروف السائدة في البلاد، والا نقيس الاوضاع على اساس المستوى الفكري بحفنة قليلة من الموظفين. ويجب ان يكون في الحسبان شكوك طبقة العلماء في كل ما هو اوربي. انهم يمزقون الاوامر فور تلقيها وان كانت اوامر سلطانية. اني على يقين من صحة تصرفاتي في تلمس الظروف المواتية قبل اتخاذ أية خطوة في تنفيذ الاصلاحات، والتقدم البطيء في هذا المجال.وستأتي الاجيال القادمة بعدنا، فتأخذ الجانب الحسن من الحضارة الغربية فتصقله بمفاهيم شرقية وتصنع منهما حضارة جديدة متكاملة)(46).
ويردف عبد الحميد قائلاً:( والاوربيون يتوهمون ان السبيل الوحيد في الخلاص هو الاخذ بحضارتهم جملة وتفصيلا. مع ان اكثر رجال العلم يعترفون في ان الثقافة العثمانية الاسلامية جديرة بالهيمنة، كالثقافة الغربية على اقل تقدير، ولا شك ان طراز التطور عندنا هو غير ما عند الاوربيين. علينا ان نتطور تحت ظروف طبيعية ومن تلقاء انفسنا، وان نستفيد من الظروف الخارجية في حالات خاصة، من الظلم الفادح ان نتهم بمعاداة كل شيء جديد يأتي من الغرب. يجب الا ننسى ان في التأني السلامة والنجاة، وفي العجلة الندامة)(47).
يتضح مما تقدم، ان هناك مجموعة من الخصائص تميزت بها الدولة العثمانية في عصر التنظيمات، بالامكان ايجازها في النقاط الآتية:
1. وضع قيود على الصلاحيات المعطاة للولاة في الولايات التابعة للدولة العثمانية، عن طريق تركيز السلطة بيد السلطان،وكان هذا يعني اعطاء صفة الموظف للوالي في الدولة العثمانية.
2. تقنين مجموعة من الانظمة والقوانين في الدولة العثمانية، كانت الغاية منها تنظيم الجهاز الاداري والاقتصادي والقضائي للدولة.
3. قامت الدولة العثمانية الاستدانة من الدول الغربية، وكان من نتيجة ذلك ظهور مشكلة الدائنين والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية، وايجاد مجلس الدين، الذي قام بتوزيع الديون بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى على الممتلكات العثمانية التابعة لها(48).
4. تأثرت الدولة العثمانية في هذه الحقبة بمعالم الفكر الغربي، وكان هذا التأثير واضحاً في الجوانب الثقافية والسياسية والاجتماعية، فقد اخذ المواطن العثماني ترجمة الحياة الغربية في جميع صورها، كان من نتائج ذلك الصراع الذي احتدم بين المتجددين والمحافظين وقيام انقلاب نيسان 1909 ضد السلطان عبد الحميد الثاني، وتحديد سلطة العلماء في عملية صنع القرار على مستوى السلوك السياسي الداخلي، كل هذا يعني بروز دور السلطة المدنية واضمحلال دور سلطة العلماء في هذه الحقبة، فقد برزت الى الوجود مجموعة من الاحزاب الليبرالية بعد خلع السلطان عبد الحميد، وهي تطالب بتبني العلمانية والتقرب من المدنية الغربية.
وقد انعكست هذه الظروف جميعاً على قادة حرب الاناضول بعد الحرب العالمية الاولى، ولاسيما ان قسماً من هؤلاء كانوا اعضاء في جمعية الاتحاد والترقي، وقد ترجموا فيما بعد الحياة السياسية الغربية في تركيا في العشرينات من هذا القرن.
الى جانب عهد الاصلاحات، كان هناك سلاطين اهتموا بايجاد مدارس حديثة، وكليات ومعاهد عليا، ويكفي في هذا المجال، ان نتحدث وبشيء من الايجاز عن التعليم على عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
كان للسلطان عبد الحميد الثاني منهجه الخاص في تبني مفهوم المدنية، فهو لا يريد من الغرب الحضارة التي تساوي الثقافة والتراث، لانه كان يعتقد ان للشرق الحضارة التي تقوم على الشريعة الاسلامية وهي متكاملة تفوق على الحضارة الغربية.وكان يؤمن ايضاً الاستفادة من الغرب في مجال العلوم الحديثـة وبصورة تدريجية(42).
ونتيجة لهذه المفاهيم، ازدادت عدد المدارس منذ وصول عبد الحميد الى الحكم الى عشرة اضعاف ما كانت عليه، حيث وصل عددها الى 000ر200 مدرسة. ومع ذلك فان عبد الحميد كان يعتقد ان هذه المدارس لا تفي بالغرض المطلوب، وعليه فقد اكد فتح مدارس اعدادية بغية تهيئةالطلاب الى مراحل جديدة من التعليم(43).
فضلاً عن ذلك، فان عبد الحميد استفاد من الغرب في شتى المجالات التي رأى انها بحاجة الى خبرة اجنبية، ونتيجة لذلك فقد أسس كلية العلوم والآداب والحقوق(مكتب حقوق شاهانة) كما اوجد كلية العلوم السياسية(مكتب ملكية شاهانة) واكاديمية الفنون الجميلة (مكتب شاهانة صنايع نفسية)(44).
الى جانب اهتمام عبد الحميد الثاني بالتعليم، فانه اولى عناية مركزة الى تقديم الخدمات الادارية للدولة العثمانية، فقد اقام مؤسسة حديثة للمياه وغرفاً للصناعة والزراعة والتجارة وتأسيس البلديات وبناء الغواصة، واوجد خطوط البرق وادارة البريد ومد السكك الحديد، وادخال الترامواياك(45).
وقد قوّم السلطان عبد الحميد الثاني في مذكراته السياسية عهد الاصلاحات قائلاً:( اذا اردنا ان نتبنى بعض الاصلاحات، فعلينا ان نأخذ في الحسبان الظروف السائدة في البلاد، والا نقيس الاوضاع على اساس المستوى الفكري بحفنة قليلة من الموظفين. ويجب ان يكون في الحسبان شكوك طبقة العلماء في كل ما هو اوربي. انهم يمزقون الاوامر فور تلقيها وان كانت اوامر سلطانية. اني على يقين من صحة تصرفاتي في تلمس الظروف المواتية قبل اتخاذ أية خطوة في تنفيذ الاصلاحات، والتقدم البطيء في هذا المجال.وستأتي الاجيال القادمة بعدنا، فتأخذ الجانب الحسن من الحضارة الغربية فتصقله بمفاهيم شرقية وتصنع منهما حضارة جديدة متكاملة)(46).
ويردف عبد الحميد قائلاً:( والاوربيون يتوهمون ان السبيل الوحيد في الخلاص هو الاخذ بحضارتهم جملة وتفصيلا. مع ان اكثر رجال العلم يعترفون في ان الثقافة العثمانية الاسلامية جديرة بالهيمنة، كالثقافة الغربية على اقل تقدير، ولا شك ان طراز التطور عندنا هو غير ما عند الاوربيين. علينا ان نتطور تحت ظروف طبيعية ومن تلقاء انفسنا، وان نستفيد من الظروف الخارجية في حالات خاصة، من الظلم الفادح ان نتهم بمعاداة كل شيء جديد يأتي من الغرب. يجب الا ننسى ان في التأني السلامة والنجاة، وفي العجلة الندامة)(47).
يتضح مما تقدم، ان هناك مجموعة من الخصائص تميزت بها الدولة العثمانية في عصر التنظيمات، بالامكان ايجازها في النقاط الآتية:
1. وضع قيود على الصلاحيات المعطاة للولاة في الولايات التابعة للدولة العثمانية، عن طريق تركيز السلطة بيد السلطان،وكان هذا يعني اعطاء صفة الموظف للوالي في الدولة العثمانية.
2. تقنين مجموعة من الانظمة والقوانين في الدولة العثمانية، كانت الغاية منها تنظيم الجهاز الاداري والاقتصادي والقضائي للدولة.
3. قامت الدولة العثمانية الاستدانة من الدول الغربية، وكان من نتيجة ذلك ظهور مشكلة الدائنين والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية، وايجاد مجلس الدين، الذي قام بتوزيع الديون بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى على الممتلكات العثمانية التابعة لها(48).
4. تأثرت الدولة العثمانية في هذه الحقبة بمعالم الفكر الغربي، وكان هذا التأثير واضحاً في الجوانب الثقافية والسياسية والاجتماعية، فقد اخذ المواطن العثماني ترجمة الحياة الغربية في جميع صورها، كان من نتائج ذلك الصراع الذي احتدم بين المتجددين والمحافظين وقيام انقلاب نيسان 1909 ضد السلطان عبد الحميد الثاني، وتحديد سلطة العلماء في عملية صنع القرار على مستوى السلوك السياسي الداخلي، كل هذا يعني بروز دور السلطة المدنية واضمحلال دور سلطة العلماء في هذه الحقبة، فقد برزت الى الوجود مجموعة من الاحزاب الليبرالية بعد خلع السلطان عبد الحميد، وهي تطالب بتبني العلمانية والتقرب من المدنية الغربية.
وقد انعكست هذه الظروف جميعاً على قادة حرب الاناضول بعد الحرب العالمية الاولى، ولاسيما ان قسماً من هؤلاء كانوا اعضاء في جمعية الاتحاد والترقي، وقد ترجموا فيما بعد الحياة السياسية الغربية في تركيا في العشرينات من هذا القرن.
صفحة 7
المبحث الثاني:دستور عام 1876
شهدت تركيا العثمانية حوادث متعددة منذ بداية حزيران الى اواخر كانون الاول 1876 لفهم التجربة الدستورية الاولى في التاريخ الاسلامي، حيث لم يوجد في أي قطر اسلامي اعداد دستور مكتوب، ويجب ان نؤكد في هذا المجال انه عندما وضع الدستور العثماني لم يكن في اوربا دستور مدون، إذ ان اوربا كانت حديثة العهد في السياسة، حتى لو حاولنا ان نرجع الى دساتير بعض البلدان الاوربية في تلك الحقبة رأينا ان دساتيرها كانت بعيدة عن المفاهيم الصحيحة. وتجدر الاشارة في هذا المجال الى ان الدولة الكبيرة المنافسة للعثمانيين كانت روسيا القيصرية لم يكن لها دستور أو برلمان في هذا المجال(49).
ان دستور عام 1876 جاء نتيجة للضغوط السياسية الدولية، وقد وصلت هذه الضغوط الى قمتها في المدة الواقعة بين 1876ـ1878، وسميت سنوات هذه الازمات بالمسألة الشرقية وفي حقيقة الامر، ان صراع الدول الاوربية وروسيا كان هو السبب الرئيس في قرار فشلالاصلاحات في الدولة العثمانية(50) وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت روسيا القيصرية كدولة منافسة للعثمانيين ولاسيما اذا عرفنا ان غالبية الشعوب المسيحية التي وقعت تحت الحكم العثماني كانت من السلاف ومسحيي الارثوذكس أو كليهما، وفي هذا المجال استخدمت روسيا القيصرية الدين في دعايتها ودبلوماسيتها في مرحلة التجربة الدستورية في تركيا العثمانية عاملاً قوياً لتقوية الموقف الروسي من ذلك، بينما نرى ان الدبلوماسية الغربية ساندت الدولة العثمانية ضد روسيا القيصرية قبل وبعد حرب القرم(51).
ان الافكار الليبرالية والدستورية جاءت ايضاً كما رأينا في الصفحات السابقة نتيجة من نتائج المعارضة السياسية في السياسة الداخلية العثمانية. وقد جاءت هذه الافكار من قبل الشبان العثمانيين الذين اكدوا الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدولة العثمانية وابعادها من التدخل الاجنبي. وقد اعتقد الشبان العثمانيون بان ذلك سيتم عن طريق الثورة الدستورية ضد الاوتقراطية وتحت حكم ممثلي الشعب(52).
وتحـت ضغـط الهجـوم الروسـي علـى الدولـة العثمانيـة، وتأثيـر الدبلوماسيــــــة الغربيـة ولاسيمـا عـن طريـق هنـري ايلـيوت
Henry Elliot السفيـر البريطانـي فـي القسطنطينية. ومجموعـة مـن السياسييـن الاتـراك وعلــى رأسهـم مدحــت باشــا(53)،دخلــت المنـاقشات الدسـتورية الـى حيــز الوجـود كـأداة استـخدمــت ضـــد مـطاليـــب روسـيـــا القيصرية(54).
والحق، ان المحاولات الدستورية في الدولة العثمانية ترجع الى بداية عام 1875، لان مدحت باشا حاول ايجاد نظام برلماني يقوم على دستور مكتوب، وعندما بدأت الحكومة العثمانية القيام بالاصلاحات في نهاية عام 1875 وكان مدحت باشا وزيراً للعدل، حيث حاول ان يدوندستوراً في هذا الشأن(55) ولتعزيز هذا الرأي يقول سير هنري ايليوت:( ان مدحت باشا اخبرني بنيته في ايجاد دستور)، حيث قال لي:( ان الامبراطورية على وشك الانهيار، وعلى هذا الاساس وجب على ان افكر بهذا الدستور بغية انقاذ الامبراطورية من الدمار والانهيار)(56). ويؤكد لنا سير هنري ايليوت:( ان المؤتمر الذي عقد في استانبول لمناقشة الدستور قد اخفق، وان الحركة الدستورية في الدولة العثمانية ترجع الى بداية عام 1875م(57).
وقد استطاع مدحت باشا دعوة البرلمان الى الانعقاد عندما قبل مراد باشا الخامس(58)مناقشة النظام الدستوري المقترح، حيث قـدم مدحت بـاشـا مسـودة الدستـور(59) التي قامت اساساً على مشروع نامق كمال(60).
شهدت تركيا العثمانية حوادث متعددة منذ بداية حزيران الى اواخر كانون الاول 1876 لفهم التجربة الدستورية الاولى في التاريخ الاسلامي، حيث لم يوجد في أي قطر اسلامي اعداد دستور مكتوب، ويجب ان نؤكد في هذا المجال انه عندما وضع الدستور العثماني لم يكن في اوربا دستور مدون، إذ ان اوربا كانت حديثة العهد في السياسة، حتى لو حاولنا ان نرجع الى دساتير بعض البلدان الاوربية في تلك الحقبة رأينا ان دساتيرها كانت بعيدة عن المفاهيم الصحيحة. وتجدر الاشارة في هذا المجال الى ان الدولة الكبيرة المنافسة للعثمانيين كانت روسيا القيصرية لم يكن لها دستور أو برلمان في هذا المجال(49).
ان دستور عام 1876 جاء نتيجة للضغوط السياسية الدولية، وقد وصلت هذه الضغوط الى قمتها في المدة الواقعة بين 1876ـ1878، وسميت سنوات هذه الازمات بالمسألة الشرقية وفي حقيقة الامر، ان صراع الدول الاوربية وروسيا كان هو السبب الرئيس في قرار فشلالاصلاحات في الدولة العثمانية(50) وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت روسيا القيصرية كدولة منافسة للعثمانيين ولاسيما اذا عرفنا ان غالبية الشعوب المسيحية التي وقعت تحت الحكم العثماني كانت من السلاف ومسحيي الارثوذكس أو كليهما، وفي هذا المجال استخدمت روسيا القيصرية الدين في دعايتها ودبلوماسيتها في مرحلة التجربة الدستورية في تركيا العثمانية عاملاً قوياً لتقوية الموقف الروسي من ذلك، بينما نرى ان الدبلوماسية الغربية ساندت الدولة العثمانية ضد روسيا القيصرية قبل وبعد حرب القرم(51).
ان الافكار الليبرالية والدستورية جاءت ايضاً كما رأينا في الصفحات السابقة نتيجة من نتائج المعارضة السياسية في السياسة الداخلية العثمانية. وقد جاءت هذه الافكار من قبل الشبان العثمانيين الذين اكدوا الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدولة العثمانية وابعادها من التدخل الاجنبي. وقد اعتقد الشبان العثمانيون بان ذلك سيتم عن طريق الثورة الدستورية ضد الاوتقراطية وتحت حكم ممثلي الشعب(52).
وتحـت ضغـط الهجـوم الروسـي علـى الدولـة العثمانيـة، وتأثيـر الدبلوماسيــــــة الغربيـة ولاسيمـا عـن طريـق هنـري ايلـيوت
Henry Elliot السفيـر البريطانـي فـي القسطنطينية. ومجموعـة مـن السياسييـن الاتـراك وعلــى رأسهـم مدحــت باشــا(53)،دخلــت المنـاقشات الدسـتورية الـى حيــز الوجـود كـأداة استـخدمــت ضـــد مـطاليـــب روسـيـــا القيصرية(54).
والحق، ان المحاولات الدستورية في الدولة العثمانية ترجع الى بداية عام 1875، لان مدحت باشا حاول ايجاد نظام برلماني يقوم على دستور مكتوب، وعندما بدأت الحكومة العثمانية القيام بالاصلاحات في نهاية عام 1875 وكان مدحت باشا وزيراً للعدل، حيث حاول ان يدوندستوراً في هذا الشأن(55) ولتعزيز هذا الرأي يقول سير هنري ايليوت:( ان مدحت باشا اخبرني بنيته في ايجاد دستور)، حيث قال لي:( ان الامبراطورية على وشك الانهيار، وعلى هذا الاساس وجب على ان افكر بهذا الدستور بغية انقاذ الامبراطورية من الدمار والانهيار)(56). ويؤكد لنا سير هنري ايليوت:( ان المؤتمر الذي عقد في استانبول لمناقشة الدستور قد اخفق، وان الحركة الدستورية في الدولة العثمانية ترجع الى بداية عام 1875م(57).
وقد استطاع مدحت باشا دعوة البرلمان الى الانعقاد عندما قبل مراد باشا الخامس(58)مناقشة النظام الدستوري المقترح، حيث قـدم مدحت بـاشـا مسـودة الدستـور(59) التي قامت اساساً على مشروع نامق كمال(60).
صفحة 8
وقد اقتنع عبد الحميد بقبول فكرة الدستور، حيث طلب الى مدحت ان يقدم له مسودته ليطلع عليه، وبعد تقديم المسودة لعبد الحميد، رفض الاخير المسودة، اذ كتب الى مدحت ما يأتي: (اطلعنا على لائحة القانون الاساسي التي قدمتموها الينا بصورة خاصة، ولاحظنا وجود اشياء فيها لا تتفق واستعداد المملكة وقابليتها، ولما كانت افكارنا متوجهة الى وضع ادارة صحيحة تكفل للمملكة المستقبل الحسن، فاننا سنتلقى المساعدة التي تبذلونها في هذا الشأن بمزيد من التقدير والعطف. وغاية ما نرجوه من التنظيمات الجديدة المنوى اعلانها، التوفيق بين حاجات الامة وحقوق الدولة, وعليه اطلب اليكم ان تبينوا للصدر الاعظم بعد سلامي عليه وجوب طرح مشروع مسودة الدستور على بساط البحث والمذاكرة. ولي وطيد الامل بان حميتكم الاسلامية ستحمّلكم على اظهار رؤيتكم ضمان نطاق مقاصدنا، واحبذ ان تبقى هذا السر مكتوماً بينكم وبين الصدر الاعظم(61).
واجاب مدحت باشا على رسالة عبد الحميد قائلاً:( اننا لا نجد وسيلة للخلاص من موقفنا العصيب الحاضر، الا بسلوك احد الطريقين: أما ان نعمل على اصلاح امورنا الداخلية وفقاً للوعود التي قطعناها لدول اوربا قبل ارفضاض مؤتمر الدول الست المنعقد الآن في الاستانة وسيتم ارفضاضه بعد ثلاثة ايام. واما ان نقبل بما ستقرره دول اوربا بحقنا،، ونرضي بحكم الوصاية الذي سيفرضونه علينا مدى حياتنا، فان لم نتبع الطريق الاول قبل ارفضاض المؤتمر، فالطريق الثاني مهيأ لنا لا محالة)(62).
كان الدستور بالشكل الذي قدمه مدحت باشا يتألف من 140 مادة، وبعد مناقشات طويلة مرهقة حذف منه 21 مادة فبقي 119 مادة، ولما عرض على السلطان اجرى فيه تعديلاً في المادة 113، حيث تقرأ بالشكل الآتي:
( للسلطان الحق بطرد ونفي من يجد فيه خطراً على سلامة الدولة الى خارج حدود المملكة العثمانية(63) وحفظ لنفسه بموجب المادة السابعة(64) حق غلق المجلس متى ما اراد، كما انه اجبر مدحت باشا على جعل الذات الملكية مصونة وغير مسؤولة بموجب المادة الخامسة منه(65).
ان الصدر الاعظم رشدي باشا لم يوافق في بداية الاجتماع اساساً على مناقشة هذا الموضوع، مشيراً على معارضة الشعوب الاوربية للنظام الديمقراطي، مؤكداً عدم ملاءمة النظام الدستوري للدولة العثمانية(66)، أما فيما يخص شيخ الاسلام،فانه اصدر فتوى جاء فيها:( ان الدولة تعهد بكم ـ وهو يخاطب الصدر الاعظم ـ كيف يمكن جمع الاتراك من الاناضول وروميليا لاستشارتهم في شؤون الدولة ؟ انه من الضروري الرجوع الى الشريعة في مسائل الشؤون الخارجية، ومن الممكن ان تستعين بالفتوى المقدس عندما تقع في شك في مسألة من المسائل)(67).
ان الصدر الاعظم وشيخ الاسلام،عارضا اساساً الاصلاحات الدستورية،(68) لان مفهوم السيادة عندهما لا بد ان يقوم على النظرية السياسية الاسلامية والتقاليد العثمانية. وعلى هذا الاساس فقد اتهم الصدر الاعظم رجال الحركة الدستورية بتقليدهم للراديكالية الاوربية، حيث اطلق عليهم مصطلح( الحمر)(69).
وفي نهاية الامر اعلن مدحت باشا الدستور بمرسوم ملكي من قبل السلطان عبد الحميد(70) وذلك في 23 كانون الاول عام 1876 وقد أكد هذا الدستور نقاطاً سبعاً هي:
1- السلطان 2- الوزراء 3- البرلمان 4- القضاء 5- حقوق الافراد 6- ادارة المقاطعات 7- مواد متفرقة(71).
وبموجب دستور عام 1876، تم تشكيل مجلس نيابي على غرار المجالس النيابية في بعض البلدان الاوربية مثل فرنسا وبلجيكا، وقد جاء في هذا الدستور ان الاسلام هو دين الدولة، ولكنه ضمن للناس في الوقت ذاته حرية الفكر والمعتقد ضامناً حقوق جميع الرعايا من المذاهب المختلفةضمن اطار القانون والنظام(72).
فضلاً عن منحه الحريات لجميع الملل الاخرى في الدولة، كما نص هذا الدستور على تكوين المجلس العمومي الذي يتكون من مجلسين، ويسمى مجلس( المبعوثان) ويضم 150 عضواً، ويسمى الثاني مجلس الاعيان، حيث تقوم الدولة بتعيين اعضائه(73). واكد هذا الدستور حرية المطبوعات والغاء مصادرة الاموال واستخدام التعذيب في التحقيقات والسخرة وعزل القضاة دون سبب شرعي(74).كما ذهب هذا الدستور الى افساح المجال امام العثمانيين جميعاً لتسلّم المناصب الرسمية وبصورة من المساواة، كما اكد هذا الدستور مبدأ التمثيل الشعبي عن طريق الرجوع الى مجلس( المبعوثان) واشار الدستور الى ميزانية الدولة التي يشرف على وضعها المجلس(75). كما نص هذا الدستور على تأسيس مجلس وزراء يتولاه رئيس الوزراء الذي يقوم على ادارة السياسة الداخلية والخارجية. ولكن السلطان كان يقوم على تعيين رئيس الوزراء وشيخ الاسلام، أما بالنسبة للوزراء فيتم تعيينهم بأوامر سنية(76).
وتجدر الاشارة في هذا المجال، الى ان الانتخابات سارت في الحقبة الواقعة بين 1876ـ1877 بموجب دستور عام 1876، حيث تم وضع قانون للانتخاب في عام 1877، ولكنه لم يصبح قانوناً حتى بعد عودة دستور عام 1876 في عام 1908. إذ كانت الانتخابات تجري بموجبنظام المقاطعات(77).
وقد انتخب مجلس للنواب وجرت الانتخابات تحت اشراف الموظفين المحليين، وحريّ بالذكر في هذا المجال ان النواب لم تكن لهم خبرة في ادارة المناقشات البرلمانية، ومع ان رئيس المجلس كان احمد وفيق باشا والذي لم تغير الشيخوخة رأيه في ضرورة تجنب كل ما من شأنه اضعاف القوى التي توحد الدولة(78).
ان المناقشات البرلمانية لم تكن لم تكن مصطنعة بل حقيقة عرضت فيها الآراء السياسية، وانتقد الوزراء وموظفو البلاط، لا بل ظهرت خلالها الى الوجود فئة معارضة(79).
واجاب مدحت باشا على رسالة عبد الحميد قائلاً:( اننا لا نجد وسيلة للخلاص من موقفنا العصيب الحاضر، الا بسلوك احد الطريقين: أما ان نعمل على اصلاح امورنا الداخلية وفقاً للوعود التي قطعناها لدول اوربا قبل ارفضاض مؤتمر الدول الست المنعقد الآن في الاستانة وسيتم ارفضاضه بعد ثلاثة ايام. واما ان نقبل بما ستقرره دول اوربا بحقنا،، ونرضي بحكم الوصاية الذي سيفرضونه علينا مدى حياتنا، فان لم نتبع الطريق الاول قبل ارفضاض المؤتمر، فالطريق الثاني مهيأ لنا لا محالة)(62).
كان الدستور بالشكل الذي قدمه مدحت باشا يتألف من 140 مادة، وبعد مناقشات طويلة مرهقة حذف منه 21 مادة فبقي 119 مادة، ولما عرض على السلطان اجرى فيه تعديلاً في المادة 113، حيث تقرأ بالشكل الآتي:
( للسلطان الحق بطرد ونفي من يجد فيه خطراً على سلامة الدولة الى خارج حدود المملكة العثمانية(63) وحفظ لنفسه بموجب المادة السابعة(64) حق غلق المجلس متى ما اراد، كما انه اجبر مدحت باشا على جعل الذات الملكية مصونة وغير مسؤولة بموجب المادة الخامسة منه(65).
ان الصدر الاعظم رشدي باشا لم يوافق في بداية الاجتماع اساساً على مناقشة هذا الموضوع، مشيراً على معارضة الشعوب الاوربية للنظام الديمقراطي، مؤكداً عدم ملاءمة النظام الدستوري للدولة العثمانية(66)، أما فيما يخص شيخ الاسلام،فانه اصدر فتوى جاء فيها:( ان الدولة تعهد بكم ـ وهو يخاطب الصدر الاعظم ـ كيف يمكن جمع الاتراك من الاناضول وروميليا لاستشارتهم في شؤون الدولة ؟ انه من الضروري الرجوع الى الشريعة في مسائل الشؤون الخارجية، ومن الممكن ان تستعين بالفتوى المقدس عندما تقع في شك في مسألة من المسائل)(67).
ان الصدر الاعظم وشيخ الاسلام،عارضا اساساً الاصلاحات الدستورية،(68) لان مفهوم السيادة عندهما لا بد ان يقوم على النظرية السياسية الاسلامية والتقاليد العثمانية. وعلى هذا الاساس فقد اتهم الصدر الاعظم رجال الحركة الدستورية بتقليدهم للراديكالية الاوربية، حيث اطلق عليهم مصطلح( الحمر)(69).
وفي نهاية الامر اعلن مدحت باشا الدستور بمرسوم ملكي من قبل السلطان عبد الحميد(70) وذلك في 23 كانون الاول عام 1876 وقد أكد هذا الدستور نقاطاً سبعاً هي:
1- السلطان 2- الوزراء 3- البرلمان 4- القضاء 5- حقوق الافراد 6- ادارة المقاطعات 7- مواد متفرقة(71).
وبموجب دستور عام 1876، تم تشكيل مجلس نيابي على غرار المجالس النيابية في بعض البلدان الاوربية مثل فرنسا وبلجيكا، وقد جاء في هذا الدستور ان الاسلام هو دين الدولة، ولكنه ضمن للناس في الوقت ذاته حرية الفكر والمعتقد ضامناً حقوق جميع الرعايا من المذاهب المختلفةضمن اطار القانون والنظام(72).
فضلاً عن منحه الحريات لجميع الملل الاخرى في الدولة، كما نص هذا الدستور على تكوين المجلس العمومي الذي يتكون من مجلسين، ويسمى مجلس( المبعوثان) ويضم 150 عضواً، ويسمى الثاني مجلس الاعيان، حيث تقوم الدولة بتعيين اعضائه(73). واكد هذا الدستور حرية المطبوعات والغاء مصادرة الاموال واستخدام التعذيب في التحقيقات والسخرة وعزل القضاة دون سبب شرعي(74).كما ذهب هذا الدستور الى افساح المجال امام العثمانيين جميعاً لتسلّم المناصب الرسمية وبصورة من المساواة، كما اكد هذا الدستور مبدأ التمثيل الشعبي عن طريق الرجوع الى مجلس( المبعوثان) واشار الدستور الى ميزانية الدولة التي يشرف على وضعها المجلس(75). كما نص هذا الدستور على تأسيس مجلس وزراء يتولاه رئيس الوزراء الذي يقوم على ادارة السياسة الداخلية والخارجية. ولكن السلطان كان يقوم على تعيين رئيس الوزراء وشيخ الاسلام، أما بالنسبة للوزراء فيتم تعيينهم بأوامر سنية(76).
وتجدر الاشارة في هذا المجال، الى ان الانتخابات سارت في الحقبة الواقعة بين 1876ـ1877 بموجب دستور عام 1876، حيث تم وضع قانون للانتخاب في عام 1877، ولكنه لم يصبح قانوناً حتى بعد عودة دستور عام 1876 في عام 1908. إذ كانت الانتخابات تجري بموجبنظام المقاطعات(77).
وقد انتخب مجلس للنواب وجرت الانتخابات تحت اشراف الموظفين المحليين، وحريّ بالذكر في هذا المجال ان النواب لم تكن لهم خبرة في ادارة المناقشات البرلمانية، ومع ان رئيس المجلس كان احمد وفيق باشا والذي لم تغير الشيخوخة رأيه في ضرورة تجنب كل ما من شأنه اضعاف القوى التي توحد الدولة(78).
ان المناقشات البرلمانية لم تكن لم تكن مصطنعة بل حقيقة عرضت فيها الآراء السياسية، وانتقد الوزراء وموظفو البلاط، لا بل ظهرت خلالها الى الوجود فئة معارضة(79).
صفحة 9
وقبل اجتماع مجلس( المبعوثان) تم اعتقال مدحت باشا وارساله الى الخارج(80) وتم في الوقت نفسه حل البرلمان وذلك في عام 1877(81). ويعزى السبب في اعتقال مدحت باشا الى تذمره من الحرب الروسية والصعوبات الداخلية التي واجهتها الدولة العثمانية في تلك الحقبة(82).
ولا بد تكون هناك اسباب عديدة لتعليق دستور عام 1876، بالامكان ايجازها في الآتي:
1. كان هناك مناوئون للدستور في داخل الدولة العثمانية( العلماء والمحافظون والسلطان)(83)، والاخير نفسه لم يكن ليؤمن به عندما وافق على اعلان الدستور(84) اراد في الحقيقة تحقيق بعض الاهداف على المستويين الداخلي والخارجي، اذ ارتأى اسكات المعارضة السياسية في الداخل والحصول على تأييد الدول الاوربية له في الخارج(85). والسلطان نفسه الذي لم يكن مستعداً بالرغم من بعض اتصالاته مع جماعة (الاتحاد والترقي) قبل اعتلائه العرش، التنازل عن سلطته الشخصية. كان السلطان قد سلم بالدستور لكن بضغط من الدول، ولما خف الضغط شعر بقدرته التخلص منه. وهكذا فعندما تمادت المعارضة من جرائها، واخذت تسمي الوزراء الذين لم تثق بهم باسمائهم وتطالب بمحاكمة الوزراء وكبار القواد الذين اثبتوا عجزهم في اثناء الحرب الاخيرة مع روسيا، حل مجلس( المبعوثان) لاجل غير مسمى، وعلق الدستور(86).
2. ان المادة 113 من دستور 1876، كانت قد اكدت خدمة الصدر الاعظم للسلطان، وقد ادت ذلك الى وقوع خلافات بين الصدر الاعظم والسلطان(87).
3. كانت هناك اتجاهات في داخل الحكومة العثمانية وقصر ييلدز ضد مدحت باشا وقد تبنى هذه الاتجاهات ضياء باشا ونامق كمال(88) واسماعيل كمال وآخرون. ان ردود فعل السلطان من تنظيمات الشبان العثمانيين قد دفع عبد الحميد الى ان يعطي الاوامر لمدحت باشا بمعاقبة هؤلاء وبصورة خاصة نامق كمال وضياء باشا، واخراجهما من القسطنطينية الى مكان آخر، الا ان مدحت باشا رفض ذلك، أما بالنسبة لضياء باشا فقد تم تعيينه سفيراً في برلين وبأمر من عبد الحميد، علماً ان هذا التعيين كان يدخل في اختصاص مدحت باشا. وفي هذا المجال فقد بعث مدحت برسالة الى كجوك سعيد باشا السكرتير الاول لعبد الحميد اكد فيها تدخل السلطان في شؤونه وصلاحياته(89).
4. ان مرحلة وجود مدحت باشا في الحكم كصدر اعظم كانت مرحلة قصيرة، ولم تكن تتجاوز شهراً واحداً وسبعة عشر يوماً(90).
5. ان الثورة التي نشبت في بوسنة Herzegovina التي قادت الى الحرب مع صربيا و Montenegro، وخلع سلطانين في هذه الحقبة في آن واحد، ومذبحة بلغاريا ومذكرة Andrassy ومذكرات برلين ومؤتمر قسطنطينية والحرب الروسية التركية عام 1877، كل ذلك قد اسهمفي تعليق دستور عام 1876(91).
6. اشيعت في هذه المرحلة من قبل الدوائر الغربية دعاية مفادها: ان روسيا القيصرية كانت تحاول عرقلة الجهود في الدولة العثمانية بغية ايقاف المحاولات الاصلاحية كي تبقى الدولة في حالة ضعف(92).
ومن وجهة نظر كتّاب الغرب يعدّ دستور عام 1876 حادثاً مهماً، إذ نقل هذا الدستور وبصورة نظرية الدولة العثمانية من الحكم الاوتوقراطي الى حكم الملكية الدستورية(93)، إذ انه ولاول مرة بعد ستمائة سنة من وجود الدولة العثمانية يصبح السلطان العثماني اقل صلاحية من الناحية الدستورية، ويشبه Robert Devereux هذه الحالة بالوضع السياسي للولايات المتحدة بعد اعلان الاستقلال فيها(94).
ولكن من ناحية أخرى اعلن عبد الحميد في الصحف ان سبب عزله لمدحت باشا يرجع مباشرة الى ان الاخير حاول قلب نظام الحكم في الدولة، واقامة حكومة جمهورية يقوم هو على رأسها. وانه عثر على اوراق تثبت تآمره، كما اتهم بالخيانة وسياسة التقرب من الانكليز وبيع البلاد لهم(95).
وقد صدر العفو العام عن مدحت باشا في عام 1878، إذ أختير الحاكم الاول لمقاطعات الروميلي ودمشق وسوريا، وعندما كان مدحت باشا حاكماً في Smyrna استدعي من قبل قصر ييلدز، ووجهت له تهمة قتل السلطان عبد العزيز(96) إذ تشكلت محكمة بهذا الخصوص، واصدرت حكمها باعدام مدحت باشا وثمانية آخرين(97).
وقد كان هناك رد فعل في اوربا،وعليه منذ ان قابل اللورد دوفرين في القسطنطينية عبد الحميد اكثر من مرة، ونصحه بالاقلاع عن تنفيذ حكم الاعدام في مدحت باشا والغائه، وافهمه النتائج الوخيمة التي ستلحق بسمعة دولته من الخارج ثم اجتمع سفراء الدول عند الكونت كورتي سفير بريطانيا وقرروا العمل على انقاذ المحكومين باتباع كل الطرق الدبلوماسية(98).
ولا بد تكون هناك اسباب عديدة لتعليق دستور عام 1876، بالامكان ايجازها في الآتي:
1. كان هناك مناوئون للدستور في داخل الدولة العثمانية( العلماء والمحافظون والسلطان)(83)، والاخير نفسه لم يكن ليؤمن به عندما وافق على اعلان الدستور(84) اراد في الحقيقة تحقيق بعض الاهداف على المستويين الداخلي والخارجي، اذ ارتأى اسكات المعارضة السياسية في الداخل والحصول على تأييد الدول الاوربية له في الخارج(85). والسلطان نفسه الذي لم يكن مستعداً بالرغم من بعض اتصالاته مع جماعة (الاتحاد والترقي) قبل اعتلائه العرش، التنازل عن سلطته الشخصية. كان السلطان قد سلم بالدستور لكن بضغط من الدول، ولما خف الضغط شعر بقدرته التخلص منه. وهكذا فعندما تمادت المعارضة من جرائها، واخذت تسمي الوزراء الذين لم تثق بهم باسمائهم وتطالب بمحاكمة الوزراء وكبار القواد الذين اثبتوا عجزهم في اثناء الحرب الاخيرة مع روسيا، حل مجلس( المبعوثان) لاجل غير مسمى، وعلق الدستور(86).
2. ان المادة 113 من دستور 1876، كانت قد اكدت خدمة الصدر الاعظم للسلطان، وقد ادت ذلك الى وقوع خلافات بين الصدر الاعظم والسلطان(87).
3. كانت هناك اتجاهات في داخل الحكومة العثمانية وقصر ييلدز ضد مدحت باشا وقد تبنى هذه الاتجاهات ضياء باشا ونامق كمال(88) واسماعيل كمال وآخرون. ان ردود فعل السلطان من تنظيمات الشبان العثمانيين قد دفع عبد الحميد الى ان يعطي الاوامر لمدحت باشا بمعاقبة هؤلاء وبصورة خاصة نامق كمال وضياء باشا، واخراجهما من القسطنطينية الى مكان آخر، الا ان مدحت باشا رفض ذلك، أما بالنسبة لضياء باشا فقد تم تعيينه سفيراً في برلين وبأمر من عبد الحميد، علماً ان هذا التعيين كان يدخل في اختصاص مدحت باشا. وفي هذا المجال فقد بعث مدحت برسالة الى كجوك سعيد باشا السكرتير الاول لعبد الحميد اكد فيها تدخل السلطان في شؤونه وصلاحياته(89).
4. ان مرحلة وجود مدحت باشا في الحكم كصدر اعظم كانت مرحلة قصيرة، ولم تكن تتجاوز شهراً واحداً وسبعة عشر يوماً(90).
5. ان الثورة التي نشبت في بوسنة Herzegovina التي قادت الى الحرب مع صربيا و Montenegro، وخلع سلطانين في هذه الحقبة في آن واحد، ومذبحة بلغاريا ومذكرة Andrassy ومذكرات برلين ومؤتمر قسطنطينية والحرب الروسية التركية عام 1877، كل ذلك قد اسهمفي تعليق دستور عام 1876(91).
6. اشيعت في هذه المرحلة من قبل الدوائر الغربية دعاية مفادها: ان روسيا القيصرية كانت تحاول عرقلة الجهود في الدولة العثمانية بغية ايقاف المحاولات الاصلاحية كي تبقى الدولة في حالة ضعف(92).
ومن وجهة نظر كتّاب الغرب يعدّ دستور عام 1876 حادثاً مهماً، إذ نقل هذا الدستور وبصورة نظرية الدولة العثمانية من الحكم الاوتوقراطي الى حكم الملكية الدستورية(93)، إذ انه ولاول مرة بعد ستمائة سنة من وجود الدولة العثمانية يصبح السلطان العثماني اقل صلاحية من الناحية الدستورية، ويشبه Robert Devereux هذه الحالة بالوضع السياسي للولايات المتحدة بعد اعلان الاستقلال فيها(94).
ولكن من ناحية أخرى اعلن عبد الحميد في الصحف ان سبب عزله لمدحت باشا يرجع مباشرة الى ان الاخير حاول قلب نظام الحكم في الدولة، واقامة حكومة جمهورية يقوم هو على رأسها. وانه عثر على اوراق تثبت تآمره، كما اتهم بالخيانة وسياسة التقرب من الانكليز وبيع البلاد لهم(95).
وقد صدر العفو العام عن مدحت باشا في عام 1878، إذ أختير الحاكم الاول لمقاطعات الروميلي ودمشق وسوريا، وعندما كان مدحت باشا حاكماً في Smyrna استدعي من قبل قصر ييلدز، ووجهت له تهمة قتل السلطان عبد العزيز(96) إذ تشكلت محكمة بهذا الخصوص، واصدرت حكمها باعدام مدحت باشا وثمانية آخرين(97).
وقد كان هناك رد فعل في اوربا،وعليه منذ ان قابل اللورد دوفرين في القسطنطينية عبد الحميد اكثر من مرة، ونصحه بالاقلاع عن تنفيذ حكم الاعدام في مدحت باشا والغائه، وافهمه النتائج الوخيمة التي ستلحق بسمعة دولته من الخارج ثم اجتمع سفراء الدول عند الكونت كورتي سفير بريطانيا وقرروا العمل على انقاذ المحكومين باتباع كل الطرق الدبلوماسية(98).
صفحة 10
ثم اجتمعوا مرة اخرى عند سفير ايران( محسن خان) وكتبوا الى السلطان رسالة وقعوا عليها جميعاً. قدمها اليه محسن خان عميد السفراء في القسطنطينية جاء في قسم منها(99):( ان الاجانب الذين تتبعوا سير المحاكمة، تبينوا بانفسهم اعمال العنف والشدة التي استعملت بحق المتهمين، كما ان الحكم الصادر بحقهم لا يستند الى ادلة كافية واسباب معقولة، فالموقعون: سفراء الدول الاجنبية يلتمسون شفقة السلطان بحق المتهمين، وفي حالة عفوه عنهم، يكون قد ادى الى دولته خدمة سياسية كبيرة).
وقد جاء في تقرير ارسله السر مكتنوي وولسل مراسل صحيفة التايمز اللندنية ومن الخبراء السياسيين البارزين في ذلك العهد:( اذا نفذ قرار الاعدام الصادر بحق مدحت باشا، فسيعدّه التأريخ جرماً سياسياً ارتكبه السلطان لغرض الانتقام السياسي. وستذكر الانسانية هذه المحاكمة باللعنة الى الابد، أما الجرائم التي اسندت الى بقية المتهمين،وان لا يسعني الآن البت في امر صحتها وعدمه، ولكنني اصرح بدون تردد، بانه لم يتوافر الدليل الكافي لاتهامهم)(100).
ان جهود المعارضة السياسية كانت مستمرة لاحياء دستور عام 1876، وفي هذا الصدد جاء في المذكرات السبع لاحمد رضا التي طبعت في لندن عام 1894، دعا فيها عبد الحميد لتغيير سياسته والبحث بصورة مباشرة عن طريق العدل والجدل لتفادي الثورة، وجاء في مذكراته:( انالشعب لا يريد الدستور او الجمهورية او حتى الاحزاب، ولكنهم يريدون ادارة لا تضحي بحقوقها العامة لشؤون الحياة والموت للطمع او الجشع )(101).
وقد استطاعت المعارضة السياسية دفع الاهالي الى مظاهرات صاخبة في سلانيك ومناستر واسكوب وسوس، مطالبين باعادة الدستور، فضلاً عن المتظاهرين هددوا بالزحف الى القسطنطينية، الامر الذي ادى بالسلطان الى الرضوخ، فقد قام باعلان الدستور واحياء البرلمان وذلك في 24 تموز 1908(102).
ولا بد ان تكون هناك بعض الاسباب التي اسهمت في قيام الثورة الدستورية في الدولة العثمانية، إذ تم الاتفاق بين القيصر نيكولاس والملك ادوارد في عام 1907على خطة تقسيم الدولة العثمانية، ونتيجة لذلك فقد اعلن الاتحاد والترقي الدستور في مقدونيا، واجبروا السلطان علىقبوله(103).
وبعودة دستور عام 1908، اعطيت صلاحيات دستورية واسعة لرئيس الوزراء، إذ كان من حقه اختيار الوزراء باستثناء شيخ الاسلام، فقد اصبح تعيينه بيد السلطان(104).
وقد اعيد تشكيل مجلس( المبعوثان) في عام 1908، إذ تم تأسيس مجلس جديد برئاسة احمد رضا أحد قادة لجنة الاتحاد والترقي، ولكنه ظل بدوره مجالاً للصراع بين السلطان ولجنة الاتحاد والترقي، وكان بعيداً عن مفهوم الجهاز التمثيلي ذي الحصانة القانونية، ساعد على ذلك اتساعرقعة الدولة العثمانية مع تباين العناصر القومية والدينية(105).
ان التحول في النظام السياسي العثماني اصبح واضحاً بعد دستور عام 1908 واقسم البرلمان بموالاته في عام 1908،واقسم هو من جانبه بالولاء للبرلمان(106).
وقد جاء في تقرير ارسله السر مكتنوي وولسل مراسل صحيفة التايمز اللندنية ومن الخبراء السياسيين البارزين في ذلك العهد:( اذا نفذ قرار الاعدام الصادر بحق مدحت باشا، فسيعدّه التأريخ جرماً سياسياً ارتكبه السلطان لغرض الانتقام السياسي. وستذكر الانسانية هذه المحاكمة باللعنة الى الابد، أما الجرائم التي اسندت الى بقية المتهمين،وان لا يسعني الآن البت في امر صحتها وعدمه، ولكنني اصرح بدون تردد، بانه لم يتوافر الدليل الكافي لاتهامهم)(100).
ان جهود المعارضة السياسية كانت مستمرة لاحياء دستور عام 1876، وفي هذا الصدد جاء في المذكرات السبع لاحمد رضا التي طبعت في لندن عام 1894، دعا فيها عبد الحميد لتغيير سياسته والبحث بصورة مباشرة عن طريق العدل والجدل لتفادي الثورة، وجاء في مذكراته:( انالشعب لا يريد الدستور او الجمهورية او حتى الاحزاب، ولكنهم يريدون ادارة لا تضحي بحقوقها العامة لشؤون الحياة والموت للطمع او الجشع )(101).
وقد استطاعت المعارضة السياسية دفع الاهالي الى مظاهرات صاخبة في سلانيك ومناستر واسكوب وسوس، مطالبين باعادة الدستور، فضلاً عن المتظاهرين هددوا بالزحف الى القسطنطينية، الامر الذي ادى بالسلطان الى الرضوخ، فقد قام باعلان الدستور واحياء البرلمان وذلك في 24 تموز 1908(102).
ولا بد ان تكون هناك بعض الاسباب التي اسهمت في قيام الثورة الدستورية في الدولة العثمانية، إذ تم الاتفاق بين القيصر نيكولاس والملك ادوارد في عام 1907على خطة تقسيم الدولة العثمانية، ونتيجة لذلك فقد اعلن الاتحاد والترقي الدستور في مقدونيا، واجبروا السلطان علىقبوله(103).
وبعودة دستور عام 1908، اعطيت صلاحيات دستورية واسعة لرئيس الوزراء، إذ كان من حقه اختيار الوزراء باستثناء شيخ الاسلام، فقد اصبح تعيينه بيد السلطان(104).
وقد اعيد تشكيل مجلس( المبعوثان) في عام 1908، إذ تم تأسيس مجلس جديد برئاسة احمد رضا أحد قادة لجنة الاتحاد والترقي، ولكنه ظل بدوره مجالاً للصراع بين السلطان ولجنة الاتحاد والترقي، وكان بعيداً عن مفهوم الجهاز التمثيلي ذي الحصانة القانونية، ساعد على ذلك اتساعرقعة الدولة العثمانية مع تباين العناصر القومية والدينية(105).
ان التحول في النظام السياسي العثماني اصبح واضحاً بعد دستور عام 1908 واقسم البرلمان بموالاته في عام 1908،واقسم هو من جانبه بالولاء للبرلمان(106).