eKtab
EN ع
النظم بين القرآن والشعر في دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني
اقرأ عينة مجانية

النظم بين القرآن والشعر في دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني

بقلم فطنة بن ضالي

صفحة 1

تصدير

بقلم الأستاذ الدكتور عبد القادر سلاّمي

أستاذ اللسانيات بجامعة تلمسان-الجزائر

الأستاذة الفاضلة "فطنة بن ضالي" واحدة من اللآئي شُغفنَ بالقرآن الكريم فتدبّرْنَه ففُزْنَ، وبالشعرفاستمتعنَ، من حيث استعرضت العلاقة التلازمية بين نَظم القرآن ونَظم الشعر، مقرَّةً بأنّ العرب قد اتّخذوا الشّعر مطيّةً لبلوغ بعض غايات آي الذّكر الحكيم و مراميه البلاغية والإعجازية، فتمّت بذلك المفارقة قياسية بين النّظمَيْن.

ولئن رأت الباحثة في "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني(ت471 هـ) ما يمثّل نظرية متكاملة عن النّظم ودوائره التطبيقية، إلاّ أنّها ترى ضمناً أنّ أمر النّظم قبله، على النحو الذي بسط له أمثال الرمّاني (ت384هـ)في النُّكْت في إعجاز القرآن وعند الخطّابي(ت388 هـ) في بيان إعجاز القرآن و عند الباقلاّني (ت403 هـ) في إعجاز القرآن، ما يدلّ على أنّ عبد القاهر أوّل من وسّع إطار المفهوم فجعله عاما، يحتوي أبواب البلاغة وفصولها وأقسامها.

فقد تعرّض للعلاقة بين الدّال والمدلول وانتهى إلى أنّ الصلة بينهما اعتباطية غير معَلَّلة، ونظر في معاني المفردات ومعاني التراكيب والنَّظم، وفطن إلى دور السياق والمقام في الوقوف على الإعجاز القرآني، وفهم النّصوص الأدبية اعتماداً على أنّ اللفظة وحدها ليست ذات قيمة إلى أن يأتي التركيب أو الأسلوب بتحديدها.

فالجرجاني يرى بذلك أنّ موطن الإعجاز هو في النّظم وحده، والمقصود به توخّي معاني النّحو الذي لا يقتصر أمره على معرفة الصّحة أو الخطأ في العبارة، وإنّما يتجاوز ذلك إلى مواطن الجمال، والتفريقة بين الأساليب المتفاوتة في الجودة ودون ذلك.

ومن هذا المنطلق يُنكر عبد القاهر الجرجاني مبدأ التفاضل بين الألفاظ؛ لأنّ اللفظ لا يحمل دلالة طبيعية أو ذاتية من تركيب حروفه، وإنّما الدلالة التي يحملها هي دلالة وضعية، فهل يتصوَّر أن يكون بين اللفظ تفاضل في الدلالة حتّى تكون هذه اللفظة أدلّ على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به حتّى يقال إنّ "رجلاً" أدلّ على معناها من "فرس" على ما سمّي به وحتّى يُتصوَّر في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون هذا أحسن نبأً عنه وأَبين كشفاً عن صورته من الآخر ؟ فيكون " الليث" مثلا أدلّ من السَّبُع المعلوم من "الأسد "، وحتّى أنّا لو أردنا الموازنة بين اللغتين كالعربية والفارسية ساغَ لنا أن نجعل لفظة " رجُل " أدلّ على الآدمي الذًّكَر من نظيره في الفارسية.

فالذي رآه عبد القاهر الجرجاني أنّ المزيّة من حيّز المعاني دون الألفاظ، من حيث يجعل الفصاحة في اللفظ متعلّقة النّظم، فهو لا يعدّ اللفظ فصيحا في حدّ ذاته، بل فصاحته تأتي من تلاؤم معناه مع الألفاظ المجاورة، ومن ثم فالفصيح هو اللفظ الحسن المألوف في الاستعمال، والمتوافق معناه مع غيره في التركيب، والفصاحة هي التكلّم على السليقة التي فُطر العربي عليها منذ نشأته في بيئته العربية اللسان، القوية البيان.

أمّا أمر الدلالة في بعديها المركزي والهامشي، فقد أثارت اهتمام عبد القاهر الجرجاني حين فرّق بين مستوييْن من المعاني:"المعاني الحقيقية أو المعاني المعجمية" و"المعاني المجازية أو معاني العلاقات"، فأطلق على الفرع الأوّل:" المعنى"، وعلى الثاني" معنى المعنى"، وقد مثّل لمصطلح( المعنى) بما يُفهَم من دلالة اللفظ ( خَرَجَ زيْدٌ ) و( عمْرٌو منْطَلِقٌ) عند قصد الإخبار عن زيدٍ بالخروج وعن عمرو بالانطلاق، ومن الأمثلة التي أوضح بها مراده من مصطلح( معنى المعنى) قول أحدهم:" بلَغَني أنَّك تقّدِّمُ رِجْلاً وتُؤَخِّرُ أُخْرى"، فتعْلَمُ من قوله هذا أنَّه أرَادَ الترَدُّدَ في أمر البَيْعًة واختلاف العَزْم في الفِعْل وترْكِه على ما مضى. "وإذ قد عَرفْتَ هذه الجملَة، فها هنا عبارةٌ مختَصَرةٌ وهي أن نقولَ" المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تَصِلُ إليه بغير واسِطَةٍ وبمعنى المعنى أن تعْقِلَ من اللفظ معنًى ثمّ يُفْضي بِكَ المعنى إلى معنًى آخَرَ كالذي فَسَّرْتُ لَكَ".

هذا، وقد غطّت الباحثة "فطنة بن ضالي" بفصول كتابها، جلّ مباحث النّظم وتجلياته الإعجازية في القرآن الكريم، وظلاله البلاغية في الشعر، إذ خصّصت للنّظم وتحليل القرآن فصلاً ، وللنّظم وتحليل الشّعر فصلاً ثانياً، وللنّظم وقضايا النّقد فصلاً ثالثاً، ثمّ عقدت لطريقة الجرجاني في التحليل فصلاً رابعاً، مستعرضة مناقشة عبد القاهر للآراء والردّ عليها، ومحاولته الإقناع عن طريق الحِجاج والمناظرة ؛ وذيّلت بحثها بخاتمة ضمّت أهمّ النتائج المتوصّل إليها.

والبحث كما هو عليه مفيدٌ لكلّ طالب علمٍ أو مُتدبّر مُراجع يرمي إلى ما رمت إليه الأستاذة الكريمة " فطنة بن ضالي" من علمٍ مُستطيلٍ دلّت به على أنّ النّظم أقلّ بضائعها لما هي عليه من دقّة في التبويب و التوثيق والتحليل وقدرة على الاستنتاج، وهي مزيّة تضاف إلى رغبتها الأكيدة في التواصل العلمي بين الأشقاء.

فهنيئاً للمكتبة العربية بهذا الإنجاز العلمي، ومتمنياً للباحثة السّداد فيما يُستقبل من تصانيف وأبحاث، والله من وراء القصد.

جامعة تلمسان في :20 أكتوبر2010

صفحة 2

مقـدمــة

ظل البحث في إعجاز القرآن الكريم، وفي تفسيره، مرتبطا باللغة العربية وبأسرارها، ومكامن جمالها، فولدت هذه الدراسات نظرية نمت وتطورت في النقد العربي وهي نظرية "النظم" التي تعنى بتفسير الأسس الفنية، والجمالية، في النصوص الأدبية، نثرية وشعرية ، من هنا يجد الموضوع مسوغا لطرحه .

"النظم"، نظرية وجدت اكتمال مجالها على يد الشيخ الإمام، المشهور بأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، النحوي، المتوفى سنة (471 أو 474) للهجرة، وإن اختلف النقاد في سبب نضج هذه النظرية عنده، أهو التأثر بالنقد اليوناني، أم هو المسار الطبيعي للنقد العربي في التطور؟ .

مهما يكن، فإن الجرجاني أول من وسع إطار المفهوم فجعله عاما، يحتوي أبواب البلاغة وفصولها وأقسامها، من هنا تأتي أهمية كتاب "دلائل الإعجاز"، لأنه أسس لنوع خاص من الدراسة النقدية التي قربت الجرجاني من النقاد الحداثيين، ذلك، لأنه ينظر ويدرس في دلائل أكثر من خطاب وجنس أدبي، من أجل ذلك، يثير اهتمام الدارسين والنقاد. وإن كانت نظرية النظم قد ظهرت أساسا عند المتكلمين والنحاة والمفسرين ارتباطا بتفسير إعجاز القرآن الكريم، فإنها عند عبد القاهر الجرجاني اهتمت زيادة على ذلك، بتفسير الإبداع، وتفسير الأدبية والشعرية.

ولما كان "دلائل الإعجاز" من أبرز مصادر النقد الأدبي في التراث العربي، فإن مطالب قراءة مثل هذه الأصول النقدية متعددة بتعدد الدارسين والأجيال. وموضوع الكتاب هو التنظير، والتطبيق في قراءة خطابين مختلفين: الخطاب الديني من جهة، والخطاب الأدبي من جهة ثانية.

وتتجسد أهداف هذا الكتاب في محاورة متن "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني، محاورة تجد لنفسها ما يسمها ابتداءً من طرح الأسئلة إلى طريقة التحليل، وإلى تلمس النتائج، إيمانا مني، بأنه مهما تعددت دراسات هذا المصدر، فلم ينته القول بعد حوله، وأن النص يبقى مفتوحا على صياغة الأسئلة، وعلى القراءات بجميع أشكالها وأدواتها.

إن البحث في النظم، هو بحث في الأسلوب، وفي المعاني، وتجريب على مستويات الكلام، وهو استكشاف الإمكانات اللغوية، وبحث في الفني والجمالي، وكل هذا يغري الباحث، فقد تتبعت قواعد الكلام البليغ من خلال:

تحديد المفاهيم والمصطلحات التي ينظّر لها عبد القاهر الجرجاني المتمثلة في النظم، والفصاحة، والبلاغة، والمزية...من خلال الأساليب المعتمدة في تحليله للآيات القرآنية الكريمة و الأساليب المعتمدة في تحليله للشعر، ووقفت على بعض المصطلحات الإجرائية التي توسل بها إلى تحليل هذه النصوص.

ورغم غنى مادة المتن، وكون الموضوع تتجاذبه علوم وحقول جمة، مع غزارة ما كتب حوله من زوايا مختلفة ومتعددة، بناء على تلك العلوم التي تجاذبته، فإني لأرجو أن أوفّق في تناول الموضوع، ومحاورة المتن، وأن أحيل – على الأقل - إلى طرح أسئلة أخرى مغايرة حوله.

والله الموفق.

صفحة 3

الفصــــل الأول :النظــــــم وتحليــــــل القــــــــرآن

المبحث الأول: الدراسات الإعجازية والأدبية

المبحث الثاني: النظم والاتساق والانسجام

المبحث الثالث: التقديم والتأخير

المبحث الرابع: الحذف والذكر

المبحث الخامس: الفروق في الخبر وفي الحال

المبحث السادس: الفصل والوصل

المبحث الأول :الدراسات الإعجازية والدراسات الأدبية

كان للدراسات التي أنجزت في إطار إعجاز القرآن الكريم الأثر الكبير في حقل الأدب، وبالخصوص في الدراسات النقدية لما قدمته من تحليلات للنصوص القرآنية من جهة، وللنصوص الشعرية من جهة ثانية، وذلك حين الاستشهاد على الظاهرة اللغوية أو البلاغية التي ينحو التفسير نحوها في كل دراسة. إذ لا تخلو دراسة الإعجاز من تحليل للشعر وآراء أدبية، وأحكام نقدية أغنت الدرس اللغوي والبلاغي والنقدي وعمّقته، وساهمت في تطوره و نضجه.

وقد اعتبر الدكتور عباس ارحيلة هذه الدراسات تيارا في النقد العربي سماه التيار العربي في النقد الأدبي، يقول: « من هنا تجند التيار العربي لإثبات كيانه داخل شعوب الإمبراطورية الإسلامية بتمسكه بكتاب الله وإظهار مناحي الإعجاز فيه، بل إثبات حقيقة الإعجاز فيه. فلم تكن الدراسة النقدية بمعزل عن خوض هذه المعركة. إذ القرآن نص أدبي جميل؛ والناقد الأدبي يميز بين ما هو جميل وما هو رديء. وهكذا واجهت دراسة إعجاز القرآن بمحاذاة دراسة نقد الشعر"في القرن الرابع" كل انحراف عن أنماط التعبير العربي، يقصد به طمس خصائص الأساليب المؤدية إلى كشف أسرار التعبير في كلام الخالق والمخلوق. ورفضتا كل صيغة مدرسية تعليمية لمناهج البلاغة والنقد.

ولعل أول خطوة في دراسة الإعجاز كانت محاولة إثبات عربية القرآن، ومحاذاته للأنماط الأسلوبية المأثورة عن العرب، فكانت العودة إلى تقاليد اللغة والشعر مَبْدَأً ثابتًا عند المفسرين والمحدثين والنقاد والبلاغيين ودارسي الإعجاز.» ([1])

يبدو من هذا أن علاقة الدراسات القرآنية بالدراسات الأدبية علاقة تأثر وتأثير، فلا يمكن التعمق في دراسة النص القرآني، وفهم أسراره إلا بالتعمق في دراسة النص الأدبي. وارتباط هاتين الدراستين ارتباطا وثيقا سواء عند النقاد الذين يعنون بالإعجاز أو الذين يعنون بدراسة الشعر والأدب، ويبين الدكتور عباس ارحيلة هذا الارتباط بكونه البحث في كشف أسرار التعبير وأسرار الأنماط الأسلوبية المأثورة عن العرب. بيد أن هناك من النقاد من يرى أن هذه الحركة في دراسة الخطاب، والبلاغة، في النص حركة لم تصل نضجها الذي وصلته في الدراسات الغربية، من حيث تفسير آليات الخطاب ومكوناته، فيذهب الدكتور صلاح فضل إلى أن السمة العامة الملموسة في جميع الكتب البلاغية، في الشرق والغرب، هي الطابع المعياري المطلق، الذي تحدده القواعد المنطقية ، ويعنى بالتعريفات والتصنيفات العقلية، مما يجعلها دراسات تتعالى عن حركية الإنتاج الأدبي في واقعه التاريخي، يقول: « وقد يبدو للوهلة الأولى أن الاعتماد على القواعد العامة يضمن الطابع الكلي للعلم ويبعده عن التشذر والجزئية، ولكن الحقيقة أن هذا النوع من (الكلية) لم يكن علميا ـ بالمفهوم الحديث للعلم ـ إذ لا يعتمد على نظرية تلاحظ جملة الوقائع وتقدم تفسيرا شاملا لتجلياتها المختلفة، بقدر ما يقدم فروضا لا يتم اختبارها سوى على بعض الشواهد المنتقاة بطريقة جزئية متعسفة، وهي فروض منطقية قبلية، لا تتعرض للاختبار ولا قياس درجة المصداقية، وقد أدى هذا التعالي المعياري الدائم إلى انفصام حاد بين الأشكال والأحكام البلاغية من جانب، والإبداع الأدبي والشعري من جانب آخر، حتى ليمكن القول بأن هذا الانفصام يعد السمة المميزة للبلاغة التقليدية.»([2])،ويضيف: « ولو قمنا بتجميع القطع المبعثرة التي يمكن أن تؤخذ أساسا لنظريات التعبير الأدبي في التراث البلاغي العربي مثلا، واعتمدنا أكثر المؤلفين تماسكا في منظورهم، مثل عبد القاهر الجرجاني في نظريته عن النظم سنجدها مفارقة بشكل واضح للإنتاج الأدبي المحدد، لأنها تضع المبدأ ثم لا تستعرض من الأمثـلة إلا ما يتوافق معه، ولم تعن على الإطـلاق بمناقشة الحالات التي تخرج عليه في ضمن جسد نصيّ متكامل، حتى ولو كان نص الكتاب المقدس ذاته بالإضافة إلى أنها تخلط الشعر بالنثر، وترجعهما لمستوى نصي واحد يكاد يلغي الفوارق النوعية بينهما.»([3])

صفحة 4

وجه الدكتور صلاح فضل مجموعة من الانتقادات في هذا النص، إلى البلاغة العربية القديمة، بما فيها دراسات عبد القاهر الجرجاني، وهذه الانتقادات هي:

· التعقيد والتصنيف وعدم تناول الإنتاج الأدبي في واقعه الاجتماعي.

· انفصام القواعد البلاغية عن التجربة الإبداعية، وذلك بتقديمها فروضا منطقية قبلية.

· البعد عن الطابع الكلي والشامل في تقديم تفسير للتجربة الإبداعية والاكتفاء باختيار الشواهد المنتقاة.

· الخلط بين أنواع النصوص:النص المقدس، النص الشعري، النص النثري، وإرجاعها في الدراسة إلى مستوى واحد.

يشير الدكتور عز الدين الذهبي إلى أن الدراسات اللغوية والنحوية والبلاغية، التي اشتغلت على النصوص المختلفة المستوى والنوع، جعلت النحاة يقفون في تناولهم لبعض الظواهر الأسلوبية مواقف دفاعية في بعض الأحيان. يقول: « فقد اشتغل النحو على اللغة، مثلما اشتغل على القرآن والشعر، دون تمييز منهجي، بين نظام اللغة ونظام النص. ينطبق نظام اللغة على كل النصوص، ولكن نظام نص بليغ لا ينطبق إلا عليه، ويبقى مطلق التفرد للنص القرآني في هذا الباب، كما في كل باب.

ينزع النص البليغ نحو الخروج عن المألوف والمعتاد، والإتيان بالغريب والمدهش، تارة بتقوية قواعد المعيار، وتارة أخرى بانتهاك تلك القواعد. ولم يكن بوسع النحاة أن يضعوا هذا في حسبانهم، لقد جاء عملهم مطبوعا بهاجس الرد على خصوم القرآن، أولئك الذين رأوا في الانزياح الأسلوبي أخطاء وأغاليط، وبذلك أوقعوا النحاة في موقف دفاعي غايته التبرير، والواقع أن الانزياح الأسلوبي في القرآن يدعو إلى المباهاة، ويحمل على إعجاب منقطع النظير.»([4])

نجد أنفسنا أمام الإشكالات التي تقتضي الفصل المنهجي في الدراسة بين النصوص، وهي أن نظام اللغة يسري على كل النصوص، أما نظام النص فهو خاص به وحده، مع ما أضافه الأستاذ عباس ارحيلة من كون الهم الشاغل للعلماء المهتمين بالدراسات الإعجازية حتى القرن الرابع الهجري، هو إثبات انتماء نص غاية في الجمال إلى اللغة العربية. وإذا كانت الدراسات العربية تبحث عن الشاهد للانزياحات في نص آخر، هو النص الشعري والإبداعي والأدبي بصفة عامة، فان النص القرآني ظل نصا غنيا يغذي كل المستويات الأدبية والبلاغية، فمن أجل تفسيره قننت اللغة، ووجدت البلاغة، وفسر الجمال، وظل مدار العلوم كلها في جميع مستوياته النحوية والبلاغية والفكرية.

معنى هذا أن النحو والبلاغة في هذه الفترة؛ عِلمان من العلوم المتسقة في المنظومة العلمية المستوفية لدرجة كبيرة من شروط العلم القديم، كما يذهب إلى ذلك الدكتور صلاح فضل، حيث يقول: « يقول البلاغيون الجدد من المهم توضيح مظهر جوهري في عملية فك شفرة الشكل البلاغي عموما، وهو ما أشار إليه (ريكور) من أننا نضع درجة الصفر ـ التي نقيس عليها انحراف هذا الشكل ـ في منطقه خارج اللغة، وهذا يعني أن القراء أو المتلقين يتخذون موقفا شعوريا، وغير شعوري في الآن ذاته.»([5])

ولعل المستوى النحوي، التركيبي، والدلالي الذي يبدأ به الجرجاني وغيره من النحاة في نحو الجملة يمكن اعتباره الخط الذي ينزاح عنه النحو من المعيارية إلى شيء آخر في التعبير، أي من أدنى درجات التعبيـر المتواضع عليها في اللغة والتواصل، إلى درجات عليا أكثر تعقيدا، حيث تتخلى الجملة أو النص عن القواعد النمطية إلى قواعد أخرى هي قواعد النص التي لا تنطبق إلا عليه، كما يشير إلى ذلك الدكتور عز الدين الذهبي، إذ يجب أن: « يقرأ الانزياح الأسلوبي باعتباره خطأ أحدث عن قصد لغاية جمالية. وبعبارة أخرى لتوليد معنى دقيق لا يأتي باتباع القواعد النمطية. اتسم منهج النحاة ب "تصويب" الانزياح أي بنفيه. وذلك بتعميمه في اللغة، أو بتعويمه في منظومة التصورات والافتراضات المتعلقة بصناعتهم وبذلك أهدروا قيمته، وألقوا على النحو أعباء إضافية فعقدوا مهمته.»([6])، في حين أن النص القرآني مطلق التفرد، وجدير بنا «قراءة الانزياح قراءة أسلوبية تضع الظاهرة في الإطار الشمولي للنص القرآني، وتحللها في نطاق السياق الذي جاءت فيه، من أجل الاقتراب من كنه معانيها، وجلال جمالها.»([7])

ويذهب نصر حامد أبو زيد في تقديم كتابه "إشكالية القراءة وآليات التأويل"، إلى أن الدراسات المتفرقة والمتعددة المجالات والاتجاهات في التراث لا تلغي وحدتها الشمولية، وذلك باكتشاف الروابط الخفية بين مجالات الفكر وصولا إلى وحدته، وكذلـك حال الدراسات القديمة :« فقد تعددت المجالات التي تتناول هذه الدراسات بين "اللغة" و "النقد" و"البلاغة" و"العلوم الدينية". ولما كان هذا التعدد والتنوع لا ينفي الوحدة في إطارها العام، فقد كانت هذه الدراسات بمثابة "تجارب" جزئية متنوعة تهدف إلى اكتشاف الروابط الخفية بين مجالات الفكر التراثي وصولا إلى وحدته. ولعل أهم النتائج التي يمكن تلمسها من هذه "الدراسات" أن التراث منظومة فكرية واحدة تتجلى في أنماط وأنساق جزئية متغايرة في كل مجال معرفي خاص ».([8])

يبدو من كلام نصر حامد أبي زيد أن التراث يجب أ ن يقرأ في وحدته الشمولية، أي في سياق المجالات المكونة أو الموجهة لإطاره العام والمتمثلة في إنجازات اللغويين والفقهاء، والمحدثين والمتكلمين والبلاغيين، ولا تعدو دراسة عبد القاهر الجرجاني إلا أن تكون لبنة من هذه اللبنات المكونة لهذا الفكر، وهي مستوى آخر من مستويات الدراسة. إذ، « ليس من عادة النحاة، ولا من مهام النحو المراقبة الدقيقة للتنويعات، في إطار التصنيف الواحد، بهدف استثمار الاختلافات بينها لأغراض أسلوبية. وعند النحو لا فضل لصواب على صواب، ومتى صحت الوجوه فهي ذات قيمة واحدة، وإذا حصلت مفاضلة فهي في اتجاه الأسفل، بين الصواب من جهة، والشاذ والقبيح من جهة أخرى »([9]). معنى هذا أن النحو يظل مستوى أدنى في دراسة الجملة وما يطرأ عليها من تغييرات، ولا يتعداه إلى مستويات أخرى تظل من اختصاص علم آخر يهتم بتفسير وتعليل ظواهرها البلاغية والجمالية، أي، ما يكسب النص قيمة أخرى من مستوى آخر. ويضيف عز الدين الذهبي في حديثه عن بلاغة عبد القاهر الجرجاني: « إنه يعلو فوق مهام النحو، ويحلق في سماء النص الأدبي، تاركا أمر الصواب والخطأ للنحاة، وهو لا يأخذ عنهم سوى مقولاتهم ليعيد استخدامها بفهم جديد، يناسب المعرفة التي يعمل على ترسيخها.»([10]). ويؤكد كمال أبو ديب في "قراءة التراث النقدي": « أن للنص التراثي حضورين: حضورا (هناك) في تاريخه الخاص، في القرن الثالث أو الرابع أو الخامس للهجرة حين كتب ابن المعتز أو قدامة أو عبد القاهر في علاقات تاريخية محددة وفي شروط إنتاج معرفة معينة؛ وحضورا (هنا) في تاريخنا الخاص في القرن الخامس عشر للهجرة؛ حين نقرأ النص التراثي (هناك) وحضوره (هنا) هو(المركب) الثالث الذي يجمع بين طرفين لكل منهما على السواء».([11])

من هنا، يجب النظر إلى "دلائل الإعجاز" في شروط إنتاجه المعرفية، واعتبارا من كونه تراثا يلتقي فيه الديني بالبلاغي، والأدبي، إذ يقتضي فهم قضاياه أو بعضها بآليات التحليل الحديثة، استحضــار: « القضية في ذهن عبــد القاهر هي قضيــة (إعجاز القرآن) وهي قضية لا يقنع فيها عبد القاهر بآراء السابقين عليه، وهي آراء تراوحت بين رؤية الإعجاز في أمر خارج النص ذاته، ورؤيته في صدق أخباره عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وتقدير الإعجاز في بعض خصائص القرآن الأسلوبية والبلاغية، الإعجاز في رأي عبد القاهر كامن في النص ذاته، بل كامن في كل آية من آيات القرآن طالت أو قصرت. وهذا الإعجاز يمكن اكتشافه والوصول إليه في كل عصر، ولا تتوقف معرفته على العرب الذين كانوا معاصرين له.»([12])، ويحدد الجرجاني، لمعرفة الإعجاز، طريقة التدبر وإعمال الفكر والروية للوقوف على اللطائف والأسرار، وكشف الحجب بالتفسير والتعليل، وطلب الحجة والبرهان، فالدليل إليه دائما موجود، يقول: « وجملة الأمر أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه في ذلك، إلا من جهة نقصه في علم اللغة، لا يَعلم أن هاهنا دقائقَ وأسرارا طريقُ العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هُدوا إليها، ودُلّوا عليها، وكُشف لهم عنها، ورُفعت الحجب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضُل بعضه بعضا وأن يبعد الشأوُ في ذلك، وتمتد الغاية ويعلُوَ المُرتقى، ويَعِز المطلبُ، حتى ينتهي الأمرُ إلى الإعجاز، وإلى أن يخرجَ من طوق البشر.» ([13])

يمكن الإشارة، في قول عبد القاهر الجرجاني إلى أن العلم باللغة وسيلة من وسائل فهم وتفسير آي الذكر الحكيم، والطريقة والمنهج إلى معرفته والعلم بأسرار النص الخفية والثاوية فيه، هي التدبر والتفكير من اجل إيضاح وكشف الحجب، وكل هذا لا يتأتى إلا بالعلم باللغة وأسرارها، والكلام يفضل بعضه بعضا، وإن تحققت المزية والجمالية فـيـه، فهي تتحقق بنسب مختلفة إلى أن يرتقي إلى درجة يصل فيها إلى الإعجاز وهي درجة النص القرآني الذي هو منبع السحر والإبهار حتى اخرس الفصحاء. وسلموا له بالفرادة في كليته تارة، وفي آياته آية آية تارة أخرى.

صفحة 5

المبحث الثاني :النظم والاتساق والانسجام

يحدثنا عبد القادر الجرجاني عن النظم في جميع أحواله ومستوياته، ويفرق بين نظم ونظم، متدرجا في التفسير وطلب الدليل من نظم الحروف والكلمات إلى نظم الجمل، والغاية من كل ذلك، تفسير وتبيين الدلائل وإقامة البرهان على أن النص القرآني يحمل أسرار إعجازه في ذاته وفي نظمه. يقول: « هذا كلامٌ وجيزٌ يطلع به الناظر على أصول النحو جُملة، وكل ما به يكون النظم دَفْعة، وينظر منه في مرآة تُريهِ الأشياء المتباعدة الأمكنة، قد التقت حتى رآها في مكان واحد، ويرى بها مُشئما قد ضُم إلى مُعرق، ومُغَرِّبا قد أَخد بيد مُشَرِّق، وقد وصلت بأخَرَة (إلى) كلام مَن أصغى إليه وتَدَبرَهُ تدبر ذِي دِين وفُتُوة، دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه.»([14])، فإذا كانت غاية الجرجاني هي طلب دلائل الإعجاز، وتفسيرها، والتي هدته إلى مفهوم النظم، فإن السبيل إلى توضيح ذلك أكثر، هو معرفة أصول النحو، والتي تبنى عليها غاية أخرى تعرف بعمق الكلام وتبحث في المبادئ الكبرى التي توحد وتفسر كون النص فصيحا وبليغا وجميلا. إن مرد الكلام إلى الغايات الكبرى والمبادئ العامة التي تحكم الإبداع وتحكم المتكلم، هو غاية تفسير رد الإعجاز إلى النظم في النص القرآني، والإبداع إلى النظم في الكلام البشري. يقول الجرجاني: « ومعلوم أن ليس النظم سوى تعليقُ الكلم بعضِها ببعض، وجعل بعضِها بسببٍ من بعض »([15])، وما صورة النظم في مستوياته المتعددة إلا وجوه تعلق الكلم بعضه ببعض، وتماسك أجزائه حتى يبدو واحدا في الصياغة وينسجم في أجزائه صغرت أم كبرت، والأصل في ذلك هو الإسناد في الجملة أو الربط بين الجمل، « ومُختصرُ كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لابد من مسند ومسند إليه، وكذلك السبيلُ في كل حرفٍ رأيتَه يدخل على جملة، "كـإِن" وأخواتها، ألا ترى أنك إذا قلت: "كأن" يقتضي مشبها ومشبها به"؟ كقولك: "كأن زيدا الأسد". و كذلك إذا قلت "لَوْ" و"لولا"، وجدتهما يقتضيان جملتين، تكون الثانية جوابا للأولى.»([16])

هذا الكلام عن بنيات الجمل البسيطة، أو المركبة، من حيث كونها دالة على معنى من المعاني التي تستفاد في معاني النحو، وذلك أن أوجه التعليق كثيرة هي:

· تعليق اسم باسم

· تعليق اسم بحرف

· تعليق حرف بهما

· تعليق جملة بجملة، حيث تكون الثانية جوابا للأولى.

ولم يكن الجرجاني يعنى إلا بالكلام الفصيح والبليغ، لإثبات الحجة والدليل الذي يؤشر على كون الكلام كلاما في مستوى رفيع، تتحقق فيه البلاغة والفصاحة، فلم يجد بدا من جعل منزلة النحو ومعانيه، والشعر وصوره، منزلة هامة؛ جدا ففيها الدليل القادح زند الشرارة المؤدية إلى حسن النظم، وإلى المزية في الكلام الذي ليس كلاما عاديا. يقول: « وذاك أنّا إذا كُنا نَعْلمُ أن الجهةَ التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أن كان على حد من الفصاحة تقصُر عن قُوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يُطمح إليها بالفكَر، وكان مُحالا أن يعرف كَونَه كذلك، إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان / الأدب، والذي لا يُشَك أنه/ كان ميدان القوم إذا تجارَوْا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيها قَصَبَ الرهان»([17])، فكان طريقةَ البحث عن الدليل، وانتزاع الشاهد من كلامٍ غايةً في الجمال؛ الذي هو الشعر، إلى كلام جماله معجز. لم يكن التعليق إلا جعل الكلام متسقا ومنسجما تامـا من حيث لفظه ومعناه. ويفرق الجــرجاني بين نظم الحـروف الذي هو التواضع في اللغة، ونظم الكلم، « وذلك أن (نظم الحروف) هو تواليها في النطق، وليس نظمُها بمقتضى عن معنى، ولا الناظم بمُقْتَفٍ في ذلك رسما من العقل، وأما "نظم الكَلم" فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وتُرَتِّبُها على حسب تَرَتُّبِ المعاني في النفس. فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضُه مع بعـض، وليس هو"النظم" الذي معناه ضم الشئ إلى الشيء كيف جاء واتفق»([18]). ويزيد على ذلك النظم موضوع الدرس لا يعني الضم في الحروف ولا التحرز عن الخطأ فهذا مستوى أدنى مما هو مقصود؛ « لأنّا لسنا في ذكر تقويم اللسان، والتحرز من اللحن، وزيغ الإعراب، فنعتد بمثل هذا الصواب. وإنما نحن في أمور تُدرك بالفكَر اللطيفة، ودقائق يوصَل إليها بثاقب الفهم، فليس دَرَكُ صواب دَرَكا بما نحن فيه حتى يشرف موضعه، ويصعب الوصول إليه ، وكذلك لا يكون ترْك خطإ تركا حتى يُحتاج في التحفظ منه إلى لُطف نظر، وفضل روية، وقوة ذهن، وشدة تَيَقظٍ. وهذا باب ينبغي أن تراعيَه وأن تُعنى به، حتى إذا وازَنْت بين كلام وكلام دَرَيْتَ كيف تصنع، فَضَمَمْتَ إلى كل شكل شكلَه، وقابلته بما هو نظير له، وميزت ما الصنعةُ منه في لفظه، مما هي منه في نظمه ».([19])

فإذا كان النظم هو سبب حصول المزية للكلام، وهو توخي معاني النحو، فبين النظم والنظم تفاوت في الحسن. يقول الجرجاني: « وجملة الأمر أنك لن تَعْلم في شيء من الصناعات علما تُمِرُّ فيه وتُحْلِي، حتى تكون ممن يَعْرفُ الخطأ فيها من الصواب، ويَفْصلُ بين الإساءة والإحسان، بل حتى تُفَاضِل بين الإحسان والإحسان، وتعرف طبقات المحسنين.»([20])

صفحة 6

يستفاد من هذا الكلام أن الدارس لا يمكنه أن يكون قادرا على الحكم بالإجادة حتى يدرك في النصوص مراحل ثلاثا:

· معرفة الخطأ من الصواب وهي أدنى مرحلة.

· معرفة الحد الفاصل بين الإساءة والإجادة.

· معرفة طبقات و مستويات الإجادة.

ويدل ذلك على أن النظم ضرب من الإجادة، ويحصل فيه التفاوت والتفاضل، وليس معنى هذا أن جهل هذه المزايا والفروق في النظم، مقتصرة على العامة، ولكن في رأي الجرجاني، هي خفية حتى على بعض الخاصة أو كثير، كما قال في باب اللـفـظ والنظم: « واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أن هاهنا فروقا خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنهم يجهلونها في مَوْضِعٍ ويعرفونها في آخر، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل ».([21])

ليس توخي معاني النحو، والجهة المخصوصة، التي يتفاضل بها كلام عن كلام، إلا ما أسماه الجرجاني، في غير ما موضع؛ الالتئام بين الأجزاء، والاتساق، الذي يصفه تارة بالعجيب، وتارة أخرى بالمبهر، يقول في صدد حديثه عن إعجـاز القرآن: « فقلنا: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائصُ صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حُجة وبُرهان، وصفة وتبيان، وبَهَرَهُم أنهم تأملوه سورة سورة، وعُشْرا عُشْرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة يَنْبو بها مكانُها، ولفظة ينكر شأنها أو يُرى أن غيرها أصلحُ هناك أو أشبهُ، أو أحرى وأخْلَقُ، بل وجدوا اتساقا بَهَرَ العقولَ، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حك بيافوخه السماء موضعَ طمع حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقـول »([22])، يحلل الجرجاني الآيات الكريمة مبينا النظم في أرقى صوره من الحسن مستدلا على سببه. قال في تفسير ذلك في قوله تعالى: ﴿َقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾، سورة هود آية 44، « وإن شككت فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل: "ابلعي"، واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وكذلك فاعتبر/ سائر ما يليها»([23])، وأسباب هذا التأليف والترتيب مرده إلى توخي المعاني بالأساليب التالية:

· النداء بيـا من دون أدوات النداء للأرض والسماء.

· إضافة الماء إلى الكاف.

· أمر الأرض، تم بعدها أمر السماء.

· بناء الفعل للمجهول "قضي الأمر" الدالة على أن ذلك بأمر آمر.

· تأكيد ذلك وتقريره بقوله "وقضي الأمر".

· ذكر فائدة ونتيجة هذه الأمور كلها، وهي "استوت على الجودي"

· ثم إضمار السفينة، وهو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن.

· مقابلة قيل في الخاتمة بقيل في الفاتحة.

ويزيد ذلك إيضاحا، ما أورده محمد علي الصابوني، في تفسير الآية الكريمة تحت عنوان؛ "تنبيه": « هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت من الفوائد نهايتها، وجمعت من المحاسن اللفظية والمعنوية ما يضيق عنه نطاق البيان »([24])، وأشار إلى قول أبي حيان التوحيدي، الذي عدد اللطائف في هذه الآية الكريمة، فجعلها، رحمه الله، واحدا وعشرين نوعا من البديع: « المناسبة في قوله "أقلعي ابلعي". والمطابقة بذكر "الأرض والسماء"، والمجاز في "يا سماء اقلعي"، والمراد مطر السماء، والاستعارة في "أقلعي" والإشارة في "غيض الماء" فإنها إشارة كبيرة إلى مجاز، والتمثل في "قضي الأمر"، عبر بالأمر عن إهلاك الهالكين ونجاة الناجين، والإرداف في "واستوت على الجودي" قصدا للمبالغة، والاحتراس في "بعدا للقوم الظالمين" وهو أيضا ذم لهم، والإيجاز وهو ذكر القصة باللفظ القصير مستوعبا للمعاني الجمة، وعدد بقية الوجوه وهي: الإيضاح، والمساواة، وحسن النسق، وصحة التقسيم، وحسن البيان، والتمكين والتجنيس، والتسهيم، والمقابلة، والتهذيب والوصف.»([25])
 

صفحة 7

كثيرا ما يشير الجرجاني إلى هذه الأفكار في كتابه، على مستوى التنظير، وهو يحلل الآيات الكريمة، راصدا فيها ما به يكون النص منسجما والكلام متسقا، معتبرا في كل ذلك النحو والبلاغة والنظم السليم.

يشير محمد خطابي إلى أهمية تناول الاتساق والدراسات النصية في دراسة الخطاب، بقوله: « ويحتل اتساق النص وانسجامه موقعا مركزيا في الأبحاث والدراسات التي تندرج في مجالات تحليل الخطاب، ولسانيات الخطاب / النص ونحو النص، وعلم النص حتى إننا لا نكاد نجد مؤلفا، ينتمي إلى هذه المجالات خاليا من هذين المفهومين (أومن أحدهما) أو من المفاهيم المرتبطة بهما كالترابط والتعالق وما شاكلهما ».([26])

يعبر الجرجاني عن هذا الانسجام بالالتئام، والتلاحم، وائتلاف أجزاء الكلام، ويبحث عن مظاهره وأساليبه في الآيات الكريمة، في أوجه التعالق الترابط وفي مراتب الفصل والوصل، يقول في حديثه عن النظم: « مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكونَ لوَضْع كلٍّ، حيثُ وُضع، علة تقتضي كونَه هناك، وحتى لو وُضع في مكان غيره لم يصلح »([27]). ويقول إبان الحديث عن إن ومواقعها: « أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، حتى كأن الكَلامَيْنِ قد أُفرِغا إفراغا واحدا، وكأن أحدَهما قد سُبك في الأخر ».([28])

يتبع الجرجاني تحليل الشواهد والفروق والأحكام النحوية، باحثا عن الخيط الرابط بين تركيب وتركيب، قاصدا تبيين وجه اختلاف تركيب ومعنى عن آخر، متتبعا أوجه التماسك وائتلاف التراكيب والمعاني، مما يقربه من الدراسات الحديثة التي تتبنى البحث في علم النص، وتحليل الخطاب. ويرصد محمد الخطابي هذه العلاقة بقوله: « يقصد عادة بالاتساق ذلك التماسك الشديد بين الأجزاء المشكلة لنص خطاب ما، ويهتم بالوسائل اللغوية (الشكلية) التي تصل بين العناصر المكونة لجزء خطاب أو خطاب برمته، ومن أجل وصف اتساق الخطاب/النص، يسلك المحلل الواصف طريقة خطية، متدرجا من بداية الخطاب (الجملة الثانية منه غالبا) حتى نهايته، راصدا الضمائر والإشارات المحلية، إحالة قبلية أو بعدية مهتما أيضا بوسائل الربط المتنوعة كالعطـف والاستبدال، والحذف، والمقارنة والاستدراك وهلم جرا. كل ذلك من أجل البرهنة على أن النص الخطاب (المعطى اللغوي بصفة عامة) يشكل كلا متآخذا»([29])، إن اهتمام الجرجاني في "الدلائل" لم يكن بالمعاني التي تَدُلهُ عليها الإشارات والألفاظ فقط، بل، كان اهتمامه بالتركيب كذلك. إذ كان هَمُّهُ البحث في نحو الجملة، من أجل الوصول إلى البحث في النص.

فقد حلل الجرجاني الآيات القرآنية مفسرا الاتساق باحثا عن أسباب الانسجام المحقق للمزية والبلاغة. ويعتبر محمد خطابي الانسجام أعم من الاتساق، حيث يقول: « يترتب على السالف ذكره أن الانسجام أعم من الاتساق كما أنه يغدو أعمق منه بحيث يتطلب بناء الانسجام من المتلقي صرف الاهتمام من جهة العلاقات الخفية التي تُنَظم النص وتولده. بمعنى رصد المتحقق فعلا (أو غير المتحقق) أي الاتساق، إلى الكامن (الانسجام)، ومن ثم، و تأسيسا على هذا التمايز، تصبح بعض المفاهيم مثل موضوع الخطاب والبنية الكلية، والمعرفة الخلفية بمختلف مفاهيمها، حشوا، أي أن الوسائل التي يتجلى بها اتساق النص عاجزة عن مقاربة(بناء) موضوع الخطاب، والبنية الكلية لمعطى لغوي.»([30])

وباعتبار هذا فإن الجرجاني يبحث في الخفي الذي يثوي خلف الإنجاز وهو معاني النحو من جهة، أو إعمال الفكر لإدراك البناء الكلي من أجل حصول المزية في الكلام من أخرى، ذلك البناء الذي يسم الكلام، فيسميه النظم ذلك المشترك بين كل النصوص، سواء على المستوى الشكلي، أو على المستوى المعنوي والذي حظي أكثر باهتمام الشيخ. ويرى السيد قطب أن التناسق درجات، وأن الباحثين حتى الآن لم يدرسوا هذه الظواهر الفنية في القرآن الكريم بصفة عامة، بل، اكتفوا بمس بعض درجاتها، يقول: « هناك التناسق الذي يبلغ الذروة في تصوير القرآن، والتناسق ألوان ودرجات، ومن هذه الألوان ما تنبه إليه بعض الباحثين في بلاغة القرآن ؛ ومنها ما لم يمسسه أحد حتى الآن:

1 منها ذلك التناسق في تأليف العبارات، بتأخير الألفاظ، ثم نظمها في نسق خاص، يبلغ في الفصاحة أرقى درجاتها وقد أكثروا من القول في هذا اللون، وبلغوا غايته ومداه؛ بل تجاوزوا الصحيح منه إلى التمحل الذي لا ضرورة له.

2 ومنها ذلك الإيقاع الموسيقي الناشئ من تخير الألفاظ ونظمها في نسق خاص من غرض إلى غرض.

3 أن هذه الظاهرة واضحة حد الوضوح في القرآن، وعميقة كل العمق في بنائه الفني؛ فإن حديثهم عنها لم يتجاوز ذلك الإيقاع الظاهري؛ ولم يرتق إلى إدراك التعدد في الأساليب الموسيقية، وتناسق ذلك كله مع الجو الذي تطلق فيه هذه الموسيقى، ووظيفتها التي تؤديها في كل سياق.

4 ومنها النكت البلاغية التي تنبه لها الكثيرون؛ من التعقيبات المتفقة مع السياق.

5 ومنها التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض. ولعل أعلى نوع من التناسق تنبهوا إليه هو هذا التناسق النفسي بين الخطوات المتدرجة في بعض النصوص، والخطوات النفسية التي تصاحبها.»([31]) *

صفحة 8

المبحث الثالث : التقديم والتأخير

يبحث الجرجاني في الخبر والاستخبار "الاستفهام" وفي ترتيب أجزاء الجمل على اعتبار أن معاني الترتيب يشترك فيها الخبر والاستخبار، يقول:

« لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في "الاستفهام" معنى لا يكون له ذلك المعنى في "الخبر" وذاك أن "الاستفهام"، استخبار، والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك. فإذا كان كذلك، كان مُحالا أن يفترق الحال بين تقديم الاسم و تأخيره في "الاستفهام"، فيكون المعنى إذا قلت:"أزيد قام؟"غيره إذا قلت: "أقام زيد؟"ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر، ويكون قولك:"زيد قام"و "قام زيد" سواء، ذاك لأنه يؤدي إلى أن تَستعْلمَه أمرا لا سبيل فيه إلى جواب، وأن تَسْتَثْبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يُثْبتُه لك بها على ذلك الوجه.

وجملة الأمر، أن المعنى في إدخالك "حرف الاستفهام على الجملة من الكلام، هو أنك تطلب أن يَقفَك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثْبات أو نفي»([32]).

من هنا يتناول الجرجاني التقديم والتأخير في الجمل الخبرية والاستفهامية، مثبتة كانت أم منفية، ويعتبر هذا الأسلوب أصلا في تأدية المعنى على الوجه المخصوص الذي تحصل به الفوائد، ويكسب الكلام مزية يقول: « هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف بعيد الغـايـة، لا يزال يفْتَرُّ لك عن بديعةٍ، ويفضي بك إلى لطيفة.»([33]). فهو السبب في شرف المعنى و به يعظم التفاوت في النظم إلى أن يرتقي إلى مستوى لا يقدر عليه، وإن أردت الدليل على ذلك فهو معرفة وجوه التقديم والـتأخير، يقول :

« ليت شعري، إن كانت هذه أمورا هينة وكان المدى فيها قريبا، والجَدَى يسيرا، من أين كان نظم أشرفَ من نظم؟ وبم عظم التفاوت، واشتد التباين، وترقى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة ؟»([34]).

يبين الجرجاني ما يلي في تناوله لهذه الظاهرة الأسلوبية:

- فائدة التقديم والتأخير.

- تعريف الظاهرة.

- الرد على من قسمها إلى مفيدة وغير مفيدة.

- مواضع التقديم والتأخير في الاستفهام.

- مواضع التقديم والتأخير في النفي.

- مواضع التقديم والتأخير في الخبر.

ويتطرق إلى:

* وجوه تقديم ومعاني المُحدَّثِ عنه.

* وجوه تقديم المحدث عنه بعد واو الحال.

* تقديم النكرة على الفعل.

ويعرِّف التقديم بكونه هو "تحويل" اللفظ عن مكان إلى مكان، ويكون على وجهين:

* تقديمه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررته على حكمه الذي كان عليه.

* تقديمه لا على نية الـتأخير، ولكن على أن تنقل الشيء إلى حكم، وتجعله له بابا غير بابه، وإعرابا غير إعرابه.

وفي هذا السياق يشير إلى التقديم للعناية والاهتمام، وهو يناقش فكرة صاحب الكتـاب التي هي: « كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم »، ويضيف الجرجاني، أن هذا التعليل لا يكفي، بل لابد من ذكر مكمن تلك العناية، ولم كان ذلك!؟ ([35])

ويعتبر الدكتور عز الدين الذهبي رد الجرجاني على سيبويه، في التقديم للعناية والاهتمام دون الإتيان بمثال، اجتهادا وزيادة في الفهم والإدراك، فيقول: « يظهر موقف الجرجاني، وكأنه يهدف إلى أكثر من تكميل قاعدة التقديم للعناية والاهتمام ودعمها بالمزيد من الشرح والتحليل على حين أن تطبيقاته تفصح عن تجاوزه لهذه القاعدة، ثم ينتقد السابقين لكونهم لم يعتمدوا في هذا الباب شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام ».([36])

صفحة 9

ويثبت الجرجاني أن أوجه التقديم أو التأخير في الكلام، يكون لغاية بلاغية، ولإفادة السامع معنى لا يمكنه أن يستفاد في غير هذا الأسلوب على صفته المعلومة وعلى ذلك، فإن التقديم والتأخير لا تكون معه إلا الفائدة ولا يكون إلا مفيدا للسامع ومبينا غرض المتكلم. ويرد على من قسم التقديم والتأخير إلى مفيد وغير مفيد، بتعليل منطقي، مفاده أن الكلام في حد ذاته في الاعتبار على الحال الواحد لا يفيد المعنى ونقيضه في الآن نفسه.

فيقول: « ذاك لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى. فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضيةٌ في كل حال»([37]). ويبدو أن هذا الفصل الخاص بهذا الأسلوب كثير التفاصيل والتفريعات، فهو يتناول التقديم والتأخير في الأحوال، والاستفهام بالهمزة والفعل الماضي:

- تقديم الفعل على الهمزة، إذا كان السؤال عن الفعل نفسه والشك في وقوعه.

- تقديم الفاعل بحيث يلي الهمزة إذا كان الشك في الفاعل.

- ويكون التقديم في الهمزة للتقرير فإذا قدمت الفاعل كان غرضك أن تقرر بأنه الفاعل، ويبين ذلك قوله تعالى، حكاية عن نمرود: ﴿ققَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ سورة الأنبياء، 62، لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام، وهم يريدون أن يقر لهم بأنه منه كان، وكيف وقد أشاروا إلى الفعل في قولهم: "أأنت فعلت هذا؟" وقال هو عليه السلام في الجواب: ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ سورة الأنبياء، 63، ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل.

وهكذا يبين الجرجاني أن الشك لم يكن في وقوع الفعل بل في وقوعه من إبراهيم عليه السلام. إذ التردد في إسناد الفعل للفاعل وليس في تقرير الفعل لأن في حدوثه ما يدل عليه.

وتستعمل الهمزة في التقرير لما يلي:

- تقرير الفاعل.

- تقرير الفعل.

- تقرير الفعل للفاعل.

- كما تكون لإنكار لم كان الفعل، أو لتوبيخ فاعله عليه.

جاء في صفوة التفاسير في تفسير الآية: ﴿ققَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ سورة الأنبياء، 62، أي هل أنت الذي حطمت هذه الآلهة يا إبراهيم؟ والأية : ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ سورة الأنبياء، 63، أي قال إبراهيم: بل حطمها الصنم الكبير لأنه غضب أن تعبدوا معه الصغار فكسرها، والغرض تَبْكِيتُهُمْ وإقامة الحجة عليهم ونقل قول القرطبي: والكلام خرج مخرج التعريض وذلك أنهم يعبدونهم آلهة من دون الله والغاية من هذا الأسلوب هو فرض الحجة والدليل على ما ذهب إليه إبراهيم عليه السلام، وذلك ما يستفاد من جوابه عليه السلام.([38])

يتبين مما سبق أن مواضيع التقديم والتأخير في الاسم والفعل ماض تكون إما أن تجعل الشيء في صورة غلط، أو لمعرفة عين الشيء، أو عين الفاعل، أو لبيان وقت فعل الفعل. ففي إنكار الفعل "قد يكون إنكار الفعل من أصله تم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل مثال ذلك قوله تعالى:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ سورة يونس، الآية 59. ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك »([39])، أي جعلوه صورة غلط فأضافوه إلى الله. ورد في تفسير الآية في صفوة التفاسير: « "خطاب لكفار العرب والمعنى: أخبروني أيها المشركون عما خلقه الله لكم من الرزق الحلال فجعلتم منه حراما حلالا أي فحرمتم بعضه وحللتم بعضه، كالبحيرة والسائبة والميتة. قال ابن عباس: نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والحرث والأنعام ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ أي قل لهم يا محمد أخبروني: "أحصل إذن من الله لكم بالتحليل والتحريم، فأنتم فيه ممتثلون لأمره، أم هو مجرد افتراء وبهتان على ذي العزة والجلال؟"»([40]) أي أن التحليل والتحريم كان منهم من أنفسهم فنسبوه إلى الله غلطا ظنا منهم أن الله تعالى يصفح عنهم ويغفر يوم القيامة؟ ونظير هذا قوله تعالى:

صفحة 10

﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾سورة الأنعام، الآية 143. أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد تبث تحريم في أحد الأشياء، تم أريد معرفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ونفي أن يكون قد حرم مما ذكروا أنه محرم وذلك أن الكلام وضع على أ ن يجعل التحريم كأنـه قد كان، ثم يقال لهم: « "أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم، فيما هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟" ليتبين بطلان قولهم، ويظهر مكان الفرية منهم على الله تعالى»([41])، أو أن تضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان، تم تطالبه ببيان وقته، طلبا لإقامة الحجة العقلية، والدليل على ما يدعونه، ومثاله تفسيره لقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ سورة هود، الآية28، أنَّا لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام، وأن غيرنا يفعله.([42])

وقد فسر قوله تعالى في تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل مضارع في الاستفهام وذلك أن تبدأ بالفعل، فتعمد إلى الإنكار فيه، وتزعم أنه لا ينبغي أن يكون، أو أن تبدأ بالاسم وتنكر عليه الفعل فانك تجعله ممن لا يكون منه الفعل: إما لعجزه عن ذلك، وإما أنه لا يجيء منه، وإما أنه يتعالى عن ذلك. وحلل الآية الكريمة: ﴿ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِين ﴾ سورة الزخرف، الآية 40. إذ المعنى فيه التمثيل والتشبيه، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون أو أنه يستطيع إسماعهم، منزلة من يرى ويسمع الصم ويهدي العمي، ثم المعنى في تقديم الاسم وإن لم يقل "أتسمع الصم؟" بتنزيله منزلة من يستطيع ذلك، وتفسير الاستفهام الدال على الإنكار: إما أن يدعي القدرة على فعل لا يقدر عليه، وإما أنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله. واستشهد بقوله ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ سورة الأنعام، الآية 14، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة الأنعام، الآية 40. في تفسير تقديم المفعول على الفعل وهو فعل لم يكن إذ جعل في الآية الأولى بالتقديم معنى قولك :"أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا؟ أو يرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ أيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟([43])، وعلى هذا فإن ذلك ضربين :

الأول: هو أن يكون "يفعل" بعد الهمزة لفعل لم يكن. ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ سورة يونس، الآية 99.

الثاني: هو أن يكون "يفعل" لفعل موجود فإن تقديم الاسم شبيها بما اقتضاه في الماضي، أن يقرّ أنه الفاعل والإنكار أن يكون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ سورة الزخرف، الآية32.

ويعقد الجرجاني فصلا للتقديم والتأخير في النفي، يبين فيه:

ـ نفي فعل عنك لم يثبت أنه مفعول "ما فعلت".

ـ نفي فعل عنك ثبت أنه مفعول "ما أنا فعلت".

ـ وجوه تقديم المفعول وتأخيره: "ما زيدا ضربت" نفيت وقوع الضرب على زيد. ويبين أن في تقديم المفعول لا يجوز إذا نفيت الفعل عن المفعول أن تعقبه بإثبات فعل ضده: "ما ضربت زيدا، ولكني أكرمته". أما إذا نفيت فعلا عن مفعول بعينه فالواجب أن تثبته لمفعول آخر "ما ضربت زيدا ولكن عمرا" ويقاس عليه الجار والمجرور.([44])

والتقديم والتأخير في الخبر المثبت قسمان:

1- قسم ظاهر: الغاية منه إزالة اشتباه الفاعل عن السامع فتبينه وتعينه.

2- قسم خفي: يشك السامع في فاعله، فنزيل الشك عنه، وتمكنه الخبر في نفسه لفاعل واحد. والبين فيه قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾ سورة الفرقان، الآية 3، وقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ﴾ سورة المائدة، الآية 61. ذلك أن قولهم: "آمنا" دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب، "واتخذوا من دونه آلهة" ذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا تكون مخلوقة.

ويفسر تقديم المحدث عنه الذي يفيد التنبيه والتحقيق في الآية ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ سورة الحج، الآية46، بأن التفسير بعد الإضمار يفيد التوكيد. يقول: « وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغثة غفلا، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والأحكام، ومن هاهنا قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدمة إضمار.»([45])، ويضيف: «ويدل على صحة ما قالوه أنَّا نعلم ضرورة في قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾، سورة الحج، الاية 46فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا في قولنا: "فإن الأبصار لا تعمى"، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصة، فقوله: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾سورة المؤمنون، الآية 117، يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: "إن الكافرين لا يفلحون" لم يستفد ذلك، ولم يكن ذلك كذلك إلا لأنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطد ثم بنى ولوح وصرح. ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه هذا الطريق »([46]). وأما تقديم الفعل مما لا يشك فيه السامع ولا ينكره، مع تقديم المتحدث عنه فإنه يحسن وضعه بعد واو الحال في صلة الكلام كأن تقول: «"جئته وقد ركب" والكلام البليغ هو أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه حيث لا يستقيم المعنى فيه إلا على هذا الوجه، ومنه قوله تعالى: ﴿ إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾سورة الأعراف، الآية196، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾سورة الفرقان، الآية5، وقوله:﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾سورة النمل، الآية17، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم فقيل: "إن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين" و"اكتتبها فتملى عليه" و"حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون" لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغـي أن يكون عليها ([47]). ويقتضي تقديم المحدث عنه والخبر منفي ما اقتضاه في المثبت في قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾سورة المؤمنون، الآية59، ويفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم، ما لو قيل: "والذين لا يشركون بربهم، أو بربهم لا يشركون" لم يفد ذلك.»([48]).