eKtab
EN ع
النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث
اقرأ عينة مجانية

النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث

بقلم نبيل عبد الحميد عبد الجبار

صفحة 1

شكر وتقدير

يقتضي مني العرفان بالجميل أن أنوه بالمساعدات القيمة التي تلقيتها وأنا بصدد إعداد هذا البحث، من جانب العديد من الأخوة الكرماء أذكر منهم شقيقي المهندس نضال عبد الحميد والدكتور شيت محمد أمين، وزملائي من أعضاء هيئة التدريس في كلية الآداب بجامعة صلاح الدين، الذين زودوني مشكورين ببعض المصادر الضرورية التي احتجت إليها، اذكر منهم الدكتور أكرم عبد محمد والدكتور محمد سعيد الحافظ والسيد صالح رشيد والسيد نافع منجل والسيد عبد الحميد يعقوب. كما اذكر بكل امتنان المساعدات القيمة التي لقيتها من قبل منتسبات شعبة الدوريات في المكتبة المركزية لجامعة صلاح الدين، جزاهم الله جميعاً آملاً قبول شكري وبالغ تقديري كل خير

صفحة 2

المقدمة

شهدت فترة القرنين الماضيين، الثامن عشر والتاسع عشر، بدايات تكون النهضة الفكرية العربية، وذلك على أثر تنامي الصلات بين بعض أقطار المشرق العربي- وتحديدا مصر وسورية (التي كانت تشمل علاوة على سورية الحالية –لبنان وفلسطين) من جهة، وبعض الدول الأوروبية من جهة أخرى وما لبثت هذه النهضة الفكرية أن تبلورت، مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأخذت تعبر عن نفسها من خلال نزعات واتجاهات عديدة- دينية وسياسية واجتماعية وعلمية.

وعلى الرغم من أن البحث في هذه النهضة الفكرية قد استأثر، منذ بداية هذا القرن، باهتمام العديد من الباحثين، إلا انه مما يلاحظ أن اهتمام هؤلاء قد تركز في الغالب على دراسة النزعات الدينية والسياسية والاجتماعية.

أما النزعة العلمية فإنها لم تحظ إلا بقدر ضئيل من الاهتمام، ومن جانب قلة من الباحثين، وحتى هذه القلة، فإن جمود أفرادها لم تتعد التعريف ببعض نشاطات بعض رواد هذه النزعة واستعراض آرائهم، في سياق بحثهم لمجمل الفكر العربي الحديث، ويمكن إجمال أهم هذه الجهود في ما يلي:

1-مقالة لإسماعيل مظهر نشرها في مجلة المقتطف (مج 68، ج2، شباط 1926، ص 137- 145) بعنوان: ( أسلوب الفكر العلمي ونشوؤه وتطوره في مصر خلال نصف القرن).

2-كتاب مارون عبود: رواد النهضة الحديثة، (بيروت، دار العلم للملايين 1952).

3-كتاب، أو بالأحرى كتيب فؤاد صروف: يعقوب صروف- العالم والإنسان (بيروت، دار العلم للملايين 1960).

4-كتاب ألبرت حوراني:

Arabic Thought in tge liberal Age, 1798-1939 (london oxford university press, 1962)

والذي ترجم إلى اللغة العربية بعنوان: الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939 (بيروت، دار النهار، 1968).

5-الدراسة التي كتبها الدكتور جميل صليبا بعنوان: الانتاج الفلسفي- الفلسفة عموما وفلسفة العلوم، ونشرت ضمن كتاب: الفكر العربية في مائة سنة ( نشر الجامعة الأمريكية في بيروت، 1962).

6-كتاب غالي شكري: سلامة موسى وأزمة الضمير العربي (القاهرة، ومكتبة الخانجي، 1962).

7-الملف الذي أعدته مجلة (الطليعة) القاهرة حول: سلامة موسى والفكر الثوري المعاصر ( السنة الأولى، العدد 8، أغسطس 1965).

8- الملف الذي ساهم في إعداده الدكتور رفعت السعيد عن: شبلي شميل رائد الفكر العلمي في مصر، والذي نشرته مجلة الطليعة (السنة الخامسة العدد 7، يوليه 1969).

9-كتاب هشام شرابي:

Hisham sharabi, Arab intellectuals and tge west- the formative year- 1975- 1914 (Baltimore, tge Johns H Hobikins press, 1970)

10-كتاب منير مشايك موسى: الفكر العربي في العصر الحديث- سوريا من القرن الثامن عشر حتى العالم 1918(بيروت، دار الحقيقة، 1973)

11-الدراسة التي نشرها أمير اسكندر بعنوان: هل هناك حقا فلسفة عربية في مجلة قضايا عربية (العدد5، أيلول 1974).

12- كتاب الدكتور علي المحافظة: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798- 1915( بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 1975).

13- كتاب الدكتور داود سلوم: أثر الفكر الغربي في الشاعر جميل صدقي الزهاوي( بغداد، معهد البحوث الدراسات العربية، 1984).

هذه هي، في الواقع، أهم الجهود التي قام بها الباحثون والتي تضمنت التعريف ببعض أفكار بعض رواد النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث.

أن مما يلاحظ على هذه الكتابات، بوجه عام، أنها في الغالب، اقتصرت على تناول شخصية، أو أكثر من الشخصيات الفكرية العربية الرائدة، بصورة منفردة، وإشارات في سياق البحث في مجمل آرائها إلى نزعتها العلمية، دون أن تحاول التعمق في معالجة تلك النزعة، أو النظر إليها نظرة شمولية باعتبارها تمثل جزء من تيار فكري قائم بذاته، له جذوره وامتداداته التي تتجلى في نشاطات ومساهمات العديد من المفكرين.

مما يعني، استنتاجا أن البحث في النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث كتيار أو كاتجاه له ممثلون يربط بينهم منحنى فكري عام واحد، يظل قائما، على الرغم من تلك الكتابات، وتظل الحاجة إليه ماسة لاستكمال هذا الجانب المهم من جوانب فكر عصر النهضة العربية، الأمر الذي لمست، بعد أن سبرت اغواره وا طلعت عن كثب على خباياه، أنه موضوع جديد وثر، وإن اختياره موضوعا لنيل درجة الدكتوراه اختيار صائب، وزراعة في أرض خصبة رأيت أن من الأفضل حصر أو تحديد نطاقه، سواء من حيث المكان أو من حيث الزمان، أما من حيث المكان، فقد حددت إطار بحثي بحدود بعض أقطار المشرق العربي وتحديدا- مصر وسورية وذلك لأن هذين القطرين، مثّلا البيئة الفعلية للنهضة الفكرية العربية الحديثة وفيهما ظهر المفكرون الرواد الذين قدّر لهم إرساء دعائم النزعة العلمية في الفكر العربي.

صفحة 3

أما من حيث الزمان فقد حصرت بحثي بين حدين، يمثل البداية فيهما حدوث أول شكل من أشكال الاحتكاك الحضاري بين أوروبا وبين أقطار المشرق العربي، ويمثل النهاية فيهما اندلاع الحرب العالمية الثانية. ولابد من الاعتراف بأن طبيعة الموضوع قد حالت دون الالتزام حرفيا بهذا التحديد الزماني، لأنني في الوقت الذي اتخذت فيه من عام 1798، الذي شهد بدء الحملة الفرنسية على مصر، بداية، فإن هذا الحدث لا يمثل أول أشكال الاحتكاك الحضاري بين أوروبا وأقطار المشرق العربي، بلى سبقته أشكال أخرى للاحتكاك كان لها تأثرها غير المباشر في التمهيد لأحداث النهضة الفكرية وكان لابد من التطرق إليها ولو بإيجاز، كما أنني في الوقت الذي اتخذت فيه من عام 1939، الذي شهد بدء الحرب العالمية الثانية، نهاية، فإن استكمال تتبع التطور الفكري لبعض رواد النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث حتى نهاية حياتهم، كما هو الحال بالنسبة لسلامة موسى (ت 1958) وإسماعيل مظهر (ت 1962) قد اضطرني للمضي إلى ما بعد هذا التاريخ بسنوات عديدة.

وعلاوة على ذلك، حاولت تحديد مفهوم (النزعة العلمية) بهدف تحديد روادها الفعليين الذين يتعين عليّ دراستهم، ولقد بدأت بحثي من منطلق أن المقصود بالنزعة العلمية، أسلوب جديد في التفكير يقوم على أساس الانفتاح على إنجازات العلم الأوروبي الحديث وأبرز مذاهبه، واستهداء بها في فهم الحياة ومناظرها المختلفة، بل والاسترشاد بها في تكوين تصور عما ينبغي أن تكون عليه الحياة في المستقبل، وفي ضوء هذا التحديد غدا مجال بحثي منحصرا بأولئك المفكرين العرب الذين قدر لهم التعرف على إنجازات العلم الأوروبي الحديث وأهم مذاهبه ونظرياته، متجاوبون معها بحماس، وكرسوا جهودهم ونشاطاتهم الفكرية من اجل الترويج لها والدعوة إليها، أي، بعبارة أخرى، أوضح، أن بحثي قد تركز على تلك النخبة من المفكرين الرواد الذين كانوا، من بين معاصريهم، لا لضرباً بالتعلم ومذاهبه الحديثة، والذين جعلوا منها محور تفكيرهم وقضية أساسية وكرسوا لها كل أنشطتهم خلال حياتهم، وغدوا، بهذا الاعتبار، الأكثر تمثيلا لنزعة العلمية في الفكر العربي الحديث، وقد شملت هذه النخبة: الدكتور شبلي شميل، الدكتور يعقوب صروف، فرح أنطون، سلامة موسى، جميل صدقي الزهاوي، وإسماعيل مظهر.

ولقد غدا البحث، في صيغته النهائية مؤلفا (فيما عدا هذه المقدمة) من سبعة فصول وخاتمة، أما الفصل الأول، فهو بمثابة تمهيد تاريخي، وقد اشتمل على ثمانية مباحث:

قمت في المبحث الأول بإجراء مسح عام للواقع الفكري في المشرق العربي بهدف التعرف على مظاهر النشاط الفكري بوجه عام، والعلمي بوجه خاص، التي يمكن اعتبارها أساسا تراثيا استندت إليه حركة النهضة، ورافدا محليا استمدت منه النزعة العلمية بعصر مؤثراتها.

أما المبحث الثاني فقد بحثت فيه الجذور التاريخية لصلات المشرق العربي مع الغرب الأوربي، محاولا إجمال العوامل التي ساهمت في تنمية تلك الصلات- وتحديدا العامل الاقتصادي والعامل الديني، والعامل العسكري، وبيان تأثير هذه العوامل في إحداث النهضة الفكرية في المشرق العربي، أما المبحث الثالث فقد استعرضت فيه بإيجاز مجمل ردود الفعل التي نشأت لدى أبناء المشرق العربي من جراء حالات الاحتكاك المباشر بمظاهر الحضارة الأوروبية وإنجازات العلم الحديث، والتي اتخذت، في سبعينات القرن الماضي، شكل التجاوب بحماس مع بعض المذاهب العلمية الحديثة والسعي من أجل نشرها والترويج لها.

أما الفصول الستة التالية: فقد كرست كل فصل منها للحديث عن واحد من رواد النزعة العلمية وممثليها، مراعيا عامل الأسبقية التاريخية وعامل التأثر والتأثير في ما بينهم، فكان الفصل الثاني عن شبلي شميل، والثالث عن يعقوب صروف، والرابع عن فرح أنطون، والخامس عن سلامة موسى، والسادس عن جميل صدقي الزهاوي، والسابع عن إسماعيل مظهر، ولقد حاولت عند تناولي كل شخصية من هذه الشخصيات أن أسلط الضوء على البيئة التي نشأت فيها وتحديد المؤشرات التي ساهمت في تكوينها الفكري واستعراض مجمل آرائها التي تعكس توجهها العلمي، ومن ثم تمحيص تلك الآراء، أو الوقوف منها بقدر الإمكان موقفا نقديا وبيان ما تنطوى عليه من إتساق وانسجام.

ولقد حرصت في إعدادي للبحث على الرجوع إلى أوثق المصادر صلة بالموضوع وبالقدر الذي يوضح جوانبه بصورة وافية وجلية، ومن بين المصادر العديدة التي اعتمدت عليها في الفصل الأول، كان لثلاثة منها، بوجه خاص، أكبر الفائدة بالنسبة لي، وهي حسب تواريخ صدورها:

- بناء الدولة، مصر محمد علي، تأليف: د: محمد فؤاد شكري، عبد المقصود العناني، سيد محمد خليل، (القاهرة، دار الفكر العربي، 1948).

- Arab Rediscovery of Europe, A Study in cultural Encounters By: Ibrahim Abu- Lughod.

(Princeton university press, 1963).

-الحركة الأدبية في بلاد الشام، خلال القرن الثامن عشر، بقلم أسامة عانوتي، (بيروت منشورات الجامعة اللبنانية، 1970)

أما الفصول الستة التي كرستها لدراسة أفكار وآراء المفكرين الرواد، فقد اعتمدت في كل فصل منها، بشكل أساس، على كتابات ومؤلفات المفكر موضوع الفصل، والواقع أن كون آراء معظم هؤلاء المفكرين غير معروفة بشكل تفصيلي وكون مؤلفاتهم ليست في متناول كل قارئ، أو يصعب الحصول عليها، قد جعلني أكثر إلى حد ما من اقتباس أقوالهم، توخيا للدقة في نقل أفكارهم وعرضها، لا سيما وأن معظمهم قد خاض في بعض المسائل الجدلية وأبدى آراء جريئة، أن لم نقل متطرفة.

ولعل مما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال، أن الوقوف على آراء هؤلاء المفكرين وأفكارهم لم يكن أمرا هينا ميسورا، لأنها أما مبثوثة في سياق مقالات نشرت في حينها في مجلات ما لبثت أن توقفت عن الصدور، أو مبثوثة في ثنايا كتب نشرت في أوائل هذا القرن، وبعضها نشر في القرن الماضي، ولم تطبع ثانية، وفي كلتا الحالتين كان من الصعب العثور على المجلات أو الكتب إلا بعد بحث مضنٍ في العديد من المكتبات، ومما زاد الأمر صعوبة، ضعف مستوى الخدمات في تلك المكتبات، الأمر الذي من شأنه أن يحصر الباحث في زاوية ضيقة ويضطره إلى اللجوء إلى استنساخ النصوص المهمة التي يحتاجها بخط اليد، وإذا علمنا أن مجلة (المقتطف) قد استمرت في الصدور، شهريا، طوال ثلاثة أرباع القرن، وإن عدد مجلداتها قد بلغ خلال ذلك (121) مجلدا، وإنها بالذات قد ضمت معظم كتابات الشميل وصروف وإسماعيل مظهر، وجانبا مهما بين كتابات سلامة موسى والزهاوى، وبعض كتابات فرح انطون أمكننا أن نتصور شدة المعاناة التي يواجهها الباحث حين تضطره الحاجة الماسة إلى التعامل مع تلك المكتبات.

والله ولي التوفيق

المؤلف

صفحة 4

المبحث الأول : الواقع الفكري للمشرق العربي خلال القرن الثامن عشر

شهد القرن السادس عشر الميلادي تزايد اهتمام الدولة العثمانية بالأقطار العربية وسعيها إلى إخضاعها لسلطتها، حتى أنها ما لبثت، خلال النصف الأول من ذلك القرن، أن استكملت احتلالها لمعظم الأقطار العربية احتلالا عسكريا([1]) الأمر الذي سرعان ما انعكست آثاره على جوانب الحياة الأخرى- الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإذا كان الإطار الزمني للدراسة التي نحن بصددها يحول دون الوقوف والتعمق في دراسة تفاصيل الحياة الفكرية والثقافية في المشرق العربي، خلال الفترة منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر، فلا أقل من أن نشير إلى الطابع العام الذي كان يطبع الثقافة خلال تلك الفترة وتسليط بعض الضوء على ما تخلل القرن الثامن العشر بالذات من مظاهر النشاط الفكري والثقافي باعتبار أن مظاهر النشاط تلك تمثل، من جهة، نتيجة وتراكما للإرهاصات التي شهدتها فترة القرن والنصف السابقة عليه، وباعتبار القرن الثامن عشر يعدّ، من جهة أخرى القرن السابق على تنامي التلاقح الحضاري، بشكل مقصود ومنظم ومباشر بين الغرب والمشرق العربي، كما تجلى بعد، أن تولى محمد علي (1769- 1849) حكم مصر.

لقد كان من جملة النتائج التي أسفرت عن احتلال القوات العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول (1512-1520) لمصر (1517) ترتيب انتقال الخلافة الإسلامية من آخر أحفاد العباسيين (محمد المتوكل على الله)- الذي كان يعيش في القاهرة باعتباره خليفة، ولو أسمياً للمسلمين، ووقع أسيرا في قبضة القوات العثمانية التي احتلت مصر- إلى السلطان سليم الأول، الذي تسلم منه والآثار النبوية الشريفة وهي البيرق والسيف والبردة... ومفاتيح الحرمين الشريفين.. ومنذ ذلك الوقت صار كل سلطان عثماني... أميرا للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين([2]). وبالتالي غدا الدين العامل الأساس الذي يكيف أولئك السلاطين سياساتهم- الداخلية والخارجية- وفقا له. وكان من الطبيعي أن ينعكس تأثير هذا العامل على النواحي الفكرية والثقافية في سائر البلاد الخاضعة لسلطانهم والطابَع للثقافة والفكر فيها هو الطابع الديني.

وما يصدق على تلك البلاد يصدق على أقطار المشرق العربي، خلال القرن الثامن عشر، فقد كان الدين هو محور الحياة الفكرية والنشاطات الثقافية التي شهدتها، وكان علماء الدين يمثلون الفئة المثقفة الواقعية في المجتمع، ولذا فإن مهمة الإشراف على التعليم ومؤسساته كانت منوطة بهم دون سواهم.

ويمكننا أن نتعرف على النشاط الثقافي والفكري في أقطار المشرق العربية خلال القرن الثامن عشر، وطبيعته ومداه من خلال مظاهر عديدة، أبرزها المدارس التي كانت قائمة وقتذاك والعلوم التي تدرس فيها، وكذلك ما وصل إلينا من معلومات عن بعض إعلام ذلك القرن والعلوم التي استأثرت باهتمامهم ومؤلفاتهم بها.

ففي مصر كان (الأزهر) يمثل، لما يملكه من عقارات وقفية وما يصله من معونة حكومية، أضخم المؤسسات التعليمية وأهمها، وكان يتبعه عدد من المدارس في القاهرة والمدن المصرية الأخرى، ولم يقتصر تأثيره على مصر فقط بل شمل غيرها من الأقطار العربية والإسلامية، التي تخرج عدد كبير من علمائها فيه([3]).

أما سورية (التي كانت تشمل سورية الحالية وفلسطين ولبنان) فقد كانت في أغلب مدنها الكبيرة، خلال هذا القرن، مدارس، وفي دمشق وحدها بلغ عدد المدارس حوالي خمس وأربعين مدرسة، من بينها( الجامع الأموي) الذي كان يمثل مؤسسة تعليمية شبيهة إلى حد ما بالأزهر، والمدرسة (السليمانية) والمدرسة (العبدلية) وعرفت حلب عددا مماثلا تقريبا من المدارس، منها المدرسة (العثمانية) والمدرسة (المنصورية) أما لبنان فقد عرفت عددا من المدارس الدينية الإسلامية لاسيما في طرابلس، وبعض المدارس الشيعية التي أنشأت في جبل عامل تحاشيا لتحمل مشاق السفر إلى النجف أثر غارات التتار، أما في القدس فقد ازدهرت خلال القرن الثامن عشر مدارس عديدة، كالمدرسة (الصلاحية) والمدرسة (المأمونية) والمدرسة (الحسنية) وغيرها، بل يمكننا أن نضيف انه حتى الأقطار المشرقية الأخرى قد عرفت عددا من المدارس، فالعراق، وعلى الرغم من نصيبه من الثقافة كان اقل من غيره من أقطار المشرق العربي، إلا انه حافظ على بعض التقاليد التعليمية وعرفت بعض مدنه الكبرى، مثل بغداد والموصل والبصرة والنجف وكربلاء، عددا من المدارس الدينية، وفي الوقت ذاته، كانت مدينتا (مكة) و(المدينة) مركزين ثقافيين هامين، وغالبا ما رحل إليهما طالبو العلم من الأقطار العربية والأقطار الإسلامية سعيا وراء التعمق في العلوم الدينية([4]).

وعلى الرغم من أن التعليم في تلك المدارس كان يتركز أساسا على (العلوم) الدينية النابعة من القرآن والسنة- من تفسير وحديث وفقه ونحو وبلاغة، إلا أن اهتمامات المعلمين والمتعلمين قد شملت أيضا، لاسيما في مصر وسورية، بعض (العلوم العقلية) قبل وحتى بعض (علوم الدنيا).

ومن بين (العلوم العقلية) حظي المنطق باهتمام أبناء ذلك القرن.

والواقع أن الاهتمام والإقبال على دراسته لم يكن يخلو من دافع ديني، فإنه كان ضرورة ثقافية للفقهاء، يستعينون به في أحكامه لاسيما عندما يصدرون حكما في أمر مجهول استنادا إلى أمر معلوم، وثمة دلائل على أن دراسة المنطق ( وتحديدا المنطق المشائي متأثرا بالمفردات الغزالية) كانت عريقة في (الأزهر)، كما أن المدارس الإسلامية في سورية قد شهدت هي الأخرى، في هذا القرن إقبالا على دراسة المنطق وتحصيله ([5]).

وما يصدق على المنطق يصدق على (علوم الدنيا) أيضا من حيث أن الاهتمام بها هي الأخرى لم يكن يخلو من دافع ديني، بدليل أن أكثر (علوم الدنيا) التي حظيت باهتمام المعلمين والمتعلمين، خلال القرن الثامن عشر، كانت تلك العلوم التي لها صلة، بشكل أو بآخر، بتعاليم الدين وشعائره، مثل علم الهيئة والفلك والميقات الذي يتصل بركنين من أركان الإسلام هما: الصلاة والصوم، وكذلك الحال بالنسبة لعلوم الحساب، والجبر، والهندسة، والمساحة، والفرائض، والمقاسمات، والمناسخات، التي تساعد على تطبيق حكم القرآن في الميراث([6]).

وعلاوة على ذلك كله، فإن هناك ثمة دلائل على أن بعض المدارس بما فيها الأزهر في مصر، وبعض المدارس في سورية أولت اهتماماً بتدريس الطب على نحو ما، وإن كان مما يلاحظ أن دراسة الطب كان يغلب عليها الطابع النظري، وإنها كانت تمثل بالنسبة لبعض الدارسين جزءاً من اهتمامات أخرى، واستكمالاً لمعارف العصر التي يلمسون بها، كما هو الحال مثلا بالنسبة لأحد أعلام القرن وهو محمد الغزي (ت 1714) الذي كان فقيها، عالما، أديبا، ويرد في سياق ترجمة حياته انه قد صارت له اليد الطولى في علم الطب التآليف الحسنة.. ([7]).

صفحة 5

والواقع أننا إذا حاولنا أن نستدل على طبيعة النشاط الفكري في أقطار المشرق العربي، خلال القرن الثامن عشر، من ما وصل إلينا من معلومات عن بعض إعلام القرن وماهية العلوم التي استأثرت باهتمامهم، والمؤلفات فيها، فسنجد أن هذا القرن قد شهد أيضا اهتماما ببعض العلوم التي باتت تعرف في أيامنا هذه بالعلوم الصرفة، كالكيمياء والفيزياء، وعلى الرغم من أن هذه العلوم لم تكن على صلة بحياة الناس الدينية ومناسكهم وشعائرهم، إلا أن القرن الثامن عشر لم يعدم مظاهر للاهتمام بها وإن كان ذلك على نطاق محدود وأحيانا فردي، أما الكيمياء فإننا نجد في تراجم بعض إعلام القرن إشارات إلى اهتمامهم بها وتأليفهم بعض المؤلفات فيهما، كما في ترجمة عبد المولى السيري (ت 1723) الذي كان مفتي الشافعية في طرابلس (الشام) حيث يرد: كانت له يد طولى في العلوم لاسيما في الطبيعيات والنجوم حتى قيل انه وصل بمعارفه، عند توسط كيوان (التسمية الفارسية للكوكب زحل) إلى استحالة بعض العناصر (أي المعادن) إلى بعض،... وكذلك في ترجمة المفتي حامد العمادي (ت1758)، من انه وضع رسالة في (الأفيون) وأخرى في (القهوة) كما أننا نجد إشارة إلى أن (عبد اللطيف الأطالسي)، وهو أحد أدباء حمص وشعرائها، قد استهوته الكيمياء، وإشارة أخرى إلى أن ( أحمد شاكر الحكواتي المعروف بالشاكر الحموي) وكان شاعرا فقيها، أنفق في الكيمياء صحته وماله، واستهوى بها أناسا كثيرين، وظل يتعاطاها طول حياته([8]).

أما الفيزياء وما يندرج تحتها من فروع المعرفة فإننا يمكن أن نعثر بين أبناء القرن الثامن عشر على من أولاها اهتماما جادا، ولعل أوضح وأبرز مثال على ذلك هو محمد الحلبي العطار (1764-1827)، الرياضي الفلكي، الذي ألف فيها المؤلفات المختلفة، نذكر منها: (رسالة في القبان) تناول فيها بأسلوب إبداعي وبقدر كبير من الموضوعية المستندة إلى رسوم توضيحية ودقة حسابية أداة وزن الأثقال هذه، ومنها رسالته في (المياه الجارية في مدينة دمشق) التي حاول فيها قياس المجرى المائي، بحسب الوسائل والأدوات المتداولة في أيامه، وقد لقيت قياساته للمجرى المائي اهتماما رسميا بحيث أن قاضي القضاة وضع عليها ختما رسميا لتكون محل اعتماد عام. وللمؤلف ذاته رسالة أخرى فريدة في بابها عنوانها: (بلوغ المراد بأهل الكفر والعناد في فن القنبرة والطوب) وعنوان الثانية: (بلوغ المطلوب في فن القنبرة والطوب) اشتملت على ثلاث مقالات، عنوان الأولى (بلوغ المراد بأهل الكفر والعناد في فن القنبرة والطوب) وعنوان الثانية: (إظهار السر المصون في فن رمي اللغوم وإغاظة المعاند الظلوم) وعنوان المقالة الثالثة: (الفتح الظاهر والنصر الباهر في فن رمي الطوب والقنبرة) ولعل مما يزيد في قيمة هذه الرسالة أن مراجعة حسابات المؤلف أبدت صحتها ودقتها([9]).

يتبين لنا من ذلك كله، أن المناخ الثقافي في المشرق العربي خلال القرن الثامن عشر لم يكن ظلما أو حالك الظلام كما يصوره بعض الباحثين- إن لم نقل أغلبهم([10]). بل كان يتخلله علاوة على الاهتمام بـ( العلوم الدينية) وبعض (العلوم العقلية) و(علوم الدنيا)، بصيص من نور (العلوم العصرية) استحال أحيانا، بفضل بعض الشخصيات العلمية، إلى ومضات مشعة، مما يعني وكما عبر الدكتور أسامة عانوتي([11]). أن النفوس لم يكن ينقصها الحس العلمي ولا التهيؤ لإشاعة روح طلب المعرفة العلمية، وإن البيئة، في المشرق العربي، كانت مهيأة بالتالي لاحتضان أية مؤثرات جديدة تأتيها والتفاعل معها بشكل إيجابي ومثمر.

صفحة 6

المبحث الثاني : التواصل مع الغرب

لقد أدى احتلال الدولة العثمانية للأقطار العربية- ضمن ما أدى إليه فقدان هذه الأخيرة كيانها الدولي واندماجها في كيان الدولة العثمانية، الأمر الذي ترتب عليه أنها لم تعد تستطيع عقد صلات وعلاقات مع غيرها من البلاد بشكل مباشر وحسب مشيئتها، بل غدا أمر ذلك مناطا بالدولة العثمانية ذاتها، فهي التي تقرر وتبيح قيام صلة ما بين إحدى ممتلكاتها العربية وبين غيرها من الدول ولاسيما الأوروبية أو تحظره وفقا لمصالحها ومقتضيات أمنها.

وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية كانت، على الدوام، حريصة على تقليص علاقاتها- وضمن ذلك علاقات ممتلكاتها العربية- مع الدول الأوروبية إلى أدنى حد ممكن([12]). خوفا من تغلغل النفوذ الأوروبي إلى تلك الممتلكات، إلا أن التطورات التي شهدتها أوروبا، منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وبضمنها (حركة النهضة) وما تحقق بتأثيرها من تطورات علمية، تضافرت في إيجاد جملة من العوامل- اقتصادية ودينية وعسكرية- حتمت تنامي واتساع العلاقات بين الدول الأوربية من جهة والدولة العثمانية من جهة أخرى، وبطبيعة الحال لم يكن من الممكن أن تظل بعض الأقطار العربية الخاضعة لها- وتحديدا المشرقية- بمعزل عن نتائج وتأثيرات تلك العلاقات.

فمع بداية النصف الأول من القرن الخامس عشر، أخذت الأوساط المسيحية المتنفذة في أوروبا تعيد النظر في مواقفها السابقة تجاه الشرق والأديان السائدة فيه.

وفي الوقت الذي أخذت فيه ردود الفعل العنيفة التي آثارها فشل الحروب الصليبية في تحقيق الأهداف المنشودة من ورائها تخفت شيئا فشيئا، بدأ، على أثر تنامي الإمبراطورية العثمانية على حساب البلقان المسيحي من جهة ونجاح العثمانيين في الاستيلاء على القسطنطينية (سنة 1453) من جهة أخرى، بدأ موقف جديد بالتكون وتجلت الارهاصات الأولى لهذا الموقف الجديد في التساؤلات التي أخذ بعض رجال الدين المسيحي يطرحونها- عما إذا كان اللجوء إلى السلاح يستطيع بالفعل أن يحقق أية نتيجة، وعما إذا كانت المساعي التبشيرية كافية ذاتها، أو حتى مفيدة في شكلها المعتاد، أم أن من المستحيل التقريب بين حملة رسالة عامة ذات محتوى متشابه في الأساس([13])، وما لبث هذا الموقف الجديد أن تبلور في شكل اتجاه يدعو إلى التهادن مع المسلمين، واللجوء إلى وسائل الجدل والاقناع في التفاهم معهم، وقد تزعم هذا الاتجاه خوان دي سيغوفيا Juan of sogovia (حوالي 1400- 1458)، الذي تمثلت الخطوات التي اتخذها في سبيل ذلك في اقتراح عقد سلسلة من المؤتمرات مع الفقهاء المسلمين، وفي القيام بترجمة للقرآن تفادى فيها الأخطاء التي تخللت ترجمات سابقية وكذلك في حث البابا (ببوس الثاني) على إرسال رسالة إلى السلطان العثماني محمد الفاتح محاولا فيها، من خلال الجدل، إقناعه بصواب العقيدة المسيحية.

وغني عن التنويه أن هذا الاتجاه قد أخفق تماما في تحقيق ما كان يصبو إليه، ولذا ما لبث أن حل محله اتجاه آخر حظي بقدر كبير من اهتمام البابوات، لاسيما بعد ما شهدته أوربا من حركات الإصلاح الديني ونشأة البروتستنتية ذلكم هو التفكير، بشكل جدي، في أمر توحيد الكنائس- الأمر الذي كان لابد لتحقيقه من الاتصال بمسيحيي الشرق.

من ناحية أخرى، فإن انطلاق العلم من عقالة، كنتيجة من نتائج حركة النهضة الأوربية، قد أدى إلى تحقيق العديد من الإنجازات التكنولوجية كان لها في الصعيد الاقتصادي فقد تمثلت في الزيادة الهائلة في إنتاج السلع، بفضل انتشار الوسائل الاقتصادية فقد تمثلت في الزيادة الهائلة في إنتاج السلع، بفضل انتشار الوسائل الاقتصادية للإنتاج والتوسع الكبير في تصريف تلك السلع في الأسواق الجديدة التي يسر اكتشافها تحسين أساليب بناء السفن واكتشاف طرق جديدة للملاحة البحرية وتحول القوافل التجارية الأوربية للتنقل عبرها ( اكتشاف فاسكو دي غاما لطريق رأس الرجاء الصالح عام 1498) ونتيجة لذلك فقد شهد الميزان سلبا على الأوضاع تحولا كليا لصالحه- الأمر الذي انعكست إثارة بالمقابل سلبا على الأوضاع الاقتصادية للدولة العثمانية، التي كانت قد احتوت، حتى ذلك الوقت([14])، التجارة في الشرق عن طريق البحر الأحمر للوصول إلى المحيط الهندي، حتى ذلك الوقت، التجارة في الشرق عن طريق البحر الأحمر للوصول إلى المحيط الهندي([15]).

ومن ناحية ثالثة، فإن بعض الدول الأوروبية- وتحديدا النمسا وروسيا- اللتان عانتا أكثر من غيرهما من نتائج سياسة التوسع العسكري التي اتبعتها الدولة العثمانية، سواء في أوربا الوسطى أو في البلقان أو في سواحل البحر الأسود، أخذتا منذ الربع الأخير من القرن السابع عشر، تتحينان الفرص للانقضاض على الدولة العثمانية والاستيلاء على ما كانت قد استحوذت عليه قبلا من أراض في تلك الأجزاء. وما لبثت هاتان الدولتان أن صعدتا نشاطاتهما في هذا السبيل عندما تيقنتا من رجاحة كف النزال في حالة اشتباكهما مع الدولة العثمانية، لصالحهما، ففي الوقت الذي كانت دول أوربا تقطف فيه ثمار النهضة العلمية التكنولوجية التي انعكست آثارها على أوضاعها الاقتصادية والعسكرية، وجعلها تتطلع إلى توسيع دائرة نفوذها، مستندة إلى ما شهدت جيوشها من قوة متنامية نتيجة للتحسن الذي طرأ على صناعة الأسلحة- والمدافع على وجه الخصوص- وأساليب التحصين، سواء بالنسبة للمدن أو بالنسبة للسفن الحربية المهاجمة، والتحسن الذي طرأ على أساليب الإمداد والتموين والخدمات الطبية وغير ذلك من أسباب القوة التي كان من شأنها ترجيح كفة الجيوش الأوروبية عند اشتباكها مع غيرها من الجيوش التي ظلت بمعزل عن تلك التطورات والإنجازات- كان أخذا في الضعف، لأسباب داخلية، بالدرجة الأولى، منها أسباب سياسية منشؤها انتهاء مقاليد الأمور، لاسيما بعد السلطان سليمان القانوني، إلى عدد من السلاطين الضعفاء، غير الأكفاء والسيئي الإدارة، ومنها أسباب اقتصادية منشؤها الفساد الذي أخذ يدب دبيبة في الإدارة الحكومية وسلطات جباية الضراب، ومنها أسباب عسكرية منشؤها انحطاط الجهاز العسكري للدولة وتقادم العهد على أساليبه ونظمه ووسائله الحربية([16]).

وهكذا، وبتأثير هذه العوامل الثلاثة- العامل الديني، والعامل الاقتصادي والعامل العسكري، شهدت العلاقات العثمانية- الأوربية نمواً واتساعا ومن خلالهما وفي سياقها انفتحت بين بعض الدول الأوربية والأقطار العربية المشرقية- مصر وسورية قنوات ومنافذ عديدة قدر لها أن تلعب، مجتمعة، دورا كبيرا في أحداث ما صار يعرف بالنهضة العربية الحديثة، فلنقف عند كل عامل من هذه العوامل الثلاثة ونتعرف على مدى تأثيره وإسهامه في تحقيق التواصل بين أوربا والمشرق العربي.

صفحة 7

العامل الاقتصادي

لقد أسفر توسع العثمانيين عسكريا، خلال القرن الخامس عشر، عن تكوين إمبراطورية واسعة الأرجاء تمتد من نهر الدانوب إلى الخليج العربي ومن سهوب أوكرانيا إلى مدار السرطان في مصر العليا، وقد أتاح لها ذلك السيطرة على طرق التجارة الكبرى في البحر الأبيض المتوسط والبحرين الأسود والأحمر وبعض أنحاء المحيط الهندي([17])، وفي حوالي هذه الفترة برز البرتغاليون كوسطاء تجاريين بين الشرق وأوربا، ولكي يتسنى لهم كسر طوق الاحتكار العثماني لطرق التجارة بين الشرق والغرب عمدوا، بتشجيع من الأمير هنري الملاح Don Hanrique(1394-1460) إلى استكشاف ساحل إفريقيا المحال على المحيط الأطلسي في اتجاه الجنوب، على أمل الوصول إلى الهند عبر طريق لا يسيطر عليه العثمانيون وقد تكللت جهودهم بالنجاح عندما أفلح فاسكودي غاما Vasco da Gama عام 1498 في الوصول إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح، ولقد أدى ذلك إلى توجيه ضربة قاصمة للمصالح الاقتصادية للعثمانيين([18]). فقد ترتب على تحول التجارة العالمية المتنامية نحو الطريق البحري الجديد فقدان العثمانيين سيطرتهم على تجارة الذهب والفضة- الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار، مما زعزع مالية الدولة([19]). وقد لجأت الدولة العثمانية، بغية تدارك ما ترتب على ذلك من تدهور في أوضاعها الاقتصادية، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات والتدابير كان من جملتها المعاهدة التي عقدت عام 1536 بين السلطان سليمان القانوني والملك فرنسوا الأول- ملك فرنسا-ممثلا بسفيره في الأستانة (المسيو جان دي لافوري) والتي تقرر بموجبها منح رعايا ملك فرنسا القاطنين في أراضي الدولة العثمانية بعض الامتيازات، مثل حرية التنقل والإقامة بقصد الاتجار والبيع والشراء في كافة السلع غير الممنوع الاتجار بها ونقلها، ومنح القناصل الفرنسيين صلاحيات البت والفصل والحكم في ما ينشأ بين أفراد رعيته من خلافات سواء في القضايا المدنية أو الجنائية([20]). وهكذا، وبفضل هذه المعاهدة، التي ما لبثت أن ألحقت بها معاهدات مماثلة لها مع دول أوربية أخرى، لاسيما انكلترا([21]). تسنى للتجار وممثلي الشركات التجارية الأوربية- والفرنسية منها على وجه التخصيص- أن يتغلغلوا في أرجاء الإمبراطورية العثمانية- وفي مدن أقطار المشرق العربي خاصة (القاهرة الإسكندرية، بيروت، طرابلس، صيدا، دمشق، وحلب، وغيرها) وأن يحتكوا بسكانها، وإن يحققوا من خلال ذلك نوعا من التواصل بين الغرب والمشرق العربي.

وكان مما زاد من تعميق هذا التواصل وترسيخه، أن هؤلاء التجار وممثلي الشركات التجارية واجهوا خلال قيامهم بنشاطاتهم التجارية عقبات عديدة، سواء عند اتصالهم بالسكان المحليين، أو في رحلاتهم في أرجاء البلاد أو عند تعاملهم مع سلطات الجمارك المحلية، وغير ذلك، البلاد (في مصر كان معظم هؤلاء الوسطاء من اليهود والأقباط والأرمن، أما في سورية فكانوا في المناطق الساحلية من المسيحيين بمختلف طوائفهم، أما في حلب فكانوا من الأرمن على وجه الخصوص) وعلى الرغم من الجهود التي بذلها التجار الأوربيون من أجل حصر نشاط هؤلاء الوسطاء ضمن حدود نشاط الوكلاء، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وسرعان ما أخذ هؤلاء الوكلاء في تطوير نشاطاتهم التجارية لمصلحتهم الخاصة، وغدوا بالتالي نواة لبورجوازية تجارية محلية تمثل امتدادا للبورجوازية التجارية الأوربية، والواقع انه كان مما يسر لهم النجاح في مسعاهم هذا استفادتهم من الامتيازات التي منحت للقناصل الأجانب، والفرنسيين خاصة، بموجب المعاهدة المعقودة عام 1536 التي أشرنا إليها والتي خولتهم حق منح خمسين شخصا ممن يفترض أنهم يعملون في خدمتهم، براءات أو خطابات حماية يصدرها الباب العالي يتمتعون بموجبها بكافة الامتيازات المنصوص عليها في المعاهدة المذكورة، ويبدو أن قناصل الدول الأوربية قد تجاوزوا في استخدامهم لهذا الامتياز الأغراض التي أقر من أجلها، بل أباحوه لكل من يدفع الثمن، لاسيما وإن هذا الامتياز كان يتجدد عند كل تعيين جديد لقنصل أو سفير، ويمكننا أن نتبين مدى سوء استعمال هذا الحق مما وصل إلينا من أن باشا حلب شكا إلى الباب العالي في عام (1793) من أن عدد (تراجمة) القناصل في حلب زاد حتى بلغ حوالي ألفا وخمسمائة، وكلهم معفوون من الضرائب ويعملون في التجارة([22]). وغني عن التنويه أن ذلك بقدر ما يدل على تساهل القناصل الأجانب في استخدام الحق الممنوح لهم، يدل أيضا على تنامي الطبقة البورجوازية التجارية التي نشأت بفضل(الامتيازات الأجنبية).

والواقع أن ما يهمنا من ذلك كله هو أن هذه الفئة المستفيدة من (الامتيازات) أو لنقل هذه الطبقة البورجوازية المتنامية، قد تسنى لها، بحكم معاشرة أفرادها للتجار الأجانب، أن تتعلم تدريجيا فنون والمالية الدولية وان تتعلم غالبا لغة من تعمل في خدمتهم من الممثلين التجاريين، ومعنى هذا، أن نشاطها الاقتصادي قد يسر لها أن تستوعب مظاهر ثقافة الجهات الأجنبية، التي كانت تعمل لصالحها، أي بعبارة أخرى، مظاهر وقيم الحضارة الأوربية، وقد أفضى بها ذلك في نهاية المطاف، حرصا منها على ضمان مصالحها، إلى الدعوة صراحة للاقتداء بالنموذج الأوربي، بل والنظر إلى أوربا باعتبارها صديقة وأن لا ضير من الاستعانة بها لاصلاح حال المجتمع السوري([23]).

العامل الديني

لقط ظلت سورية، وبضمنها لبنان وفلسطين، منذ أيام الحروب الصليبية، موضع اهتمام الأوساط الكاثوليكية المتنفذة في أوربا- وعلى الأخص في إيطاليا وفرنسا([24]). ويمكن القول أن ثلاثة أسباب كانت وراء استمرار هذا الاهتمام وتزايده بمرور الوقت.

أولها- الصلات والروابط الوثيقة التي أنشأها الفرنسيون المشتركون في الحملات الصليبية مع بعض مسيحي سورية، وعلى الأخص الموارنة، الذين باتوا يعتبرون منذ ذلك الوقت على أنهم "فرنجو" المشرق وأنصار فرنسا المسيحية في سورية ([25]). ولقد تعززت هذه التبعية المارونية لفرنسا، بل واتخذت طابعا شبه رسمي، من خلال معاهدة (الامتيازات) الشهيرة، التي عقدت عام 1536، بين سليمان القانوني وفرنسوا الأول، ملك فرنسا، ذلك أن فرنسا ما لبثت أن سحبت الحق الذي خولتها إياه المعاهدة في حماية رعاياها من التجار والقناصل والوكلاء والعملاء داخل الدولة العثمانية ووسعت نطاقه بحيث صار يشمل أيضا المسيحيين الكاثوليك المرتبطين بكنيسة روما، لاسيما أبناء الطائفة المارونية، ولكي تضمن فرنسا ولاء أبناء هذه الطائفة (المارونية) لها عقدت إلى اتخاذ بعض الإجراءات، مثل منح لويس الرابع عشر (1638-1715) أبناء عائلة (الخازن) المارونية شرف تولي وظيفة القنصل الفرنسي في بيروت( وقد ظلت هذه الوظيفة امتيازا لأبناء هذه العائلة من عام 1655 حتى عام 1753) ([26])، وكذلك الإيعاز إلى القناصل الفرنسيين في الدولة العثمانية بوجوب معاملة الرهبان الموارنة كمعاملة المرسلين الفرنسيين ولقد أصدر وزير البحرية الفرنسي (روليه)، في الخامس من آذار 1750، توجيها إلى القناصل الفرنسيين في الدولة العثمانية قال فيه: " أن الرهبان الموارنة الذين يؤلفون رهينة مار انطونيوس في جبل لبنان قد شملهم الملك بحمايته الخاصة في كل وقت، وقد توسلوا إلى جلالته أن يجدد لهم تلك الحماية ويثبتها لهم، فتنازل جلالته واستجاب إليهم وأوصاني أن أكتب اليكم أن تعاملوهم كما تعاملون المرسلين الفرنسيين الذين هم في الشرق من قبل جلالته... ([27]).

وثاني تلك الأسباب التي أدت إلى استمرار وتزايد اهتمام الأوساط الكاثوليك المتنفذة في إيطاليا وفرنسا بمسيحي المشرق العربي، والموارنة على وجه التخصيص، تمكن في المساعدة التي كان أدواق توسكانا يأملون أن يتلقونها من المارونيين، في تحقيق مشروعاتهم الصليبية، ومن أبرز أولئك الأدواق (فردناند دو مديتشي) جرا ندوق توسكانا، الذي كان قبل أن يتولى إمارة توسكانا كاردينالا، وكان كثير الاهتمام بالموارنة وعلى اتصال ببطريركهم، ولعل من أوضح مظاهر اهتمامه، قيامه عام 1586 بتأسيس المطبعة المديتشية الشرقية، التي نشر فيها عام 1590 كتاب القداس الماروني في طبعه متقنة مصوره([28]).

أما ثالث تلك الأسباب فيتمثل في سعي البابوية منذ القرن السادس عشر، إلى توحيد الكنائس المسيحية، الأمر الذي دعاها إلى توثيق صلاتها مع الكنيسة المارونية وتقوية نفوذها عليها([29]). وقد اقتضى ذلك جيلا جديدا من القسس الموارنة يتم إعدادهم إعداد خاصا لكي يتسنى لهم حين يتبوؤا بعد ذلك المناصب الإكليريكية الإسهام بشكل فاعل ومؤثر في تحقيق التوحيد الديني المنشود، وبعد مفاوضات بين روما ولبنان استقر رأي البابا (غريغور يوس الثالث عشر) في عام 1584 على إنشاء (مدرسة الموارنة في روما) وانتدب ممثلين عنه أرسلهم إلى لبنان لكي يختاروا من اللبنانيين الموارنة من يرون فيهم الكفاءة والمقدرة وترشيحهم للالتحاق بالمدرسة المذكورة، حيث يتلقون دراسة منتظمة في العلوم اللاهوتية واللغة اللاتينية وكذلك، ضمنا اللغة الإيطالية- ولقد كان من جملة المهام التي يتعين على خريجي هذه المدرسة للاضطلاع بها، العمل على نشر التعليم الديني، وقد جاء في الأمر الذي أصدره المجمع المقدس المنعقد عام 1736 إلى المطارنة والكهنة ورؤساء الأديرة وطلاب مدرسة (روما) : "أننا نأمر بأن نفتح في المدن والقرى والأديرة مدارس يتلقى فيها الصبيان العلوم... أننا نأمر المعلمين بان يتبعوا الخطوة التالية: أن يعملوا أولا القراة والكتابة في العربية والسريانية، ثم المزامير، وخدمة القداس، والعهد الجديد... على المعلمين الذين يختارون من مدرسة روما أن يعلموا الأولاد في المدارس ويثقفوا الأهلين في القرى المجاورة بكلام الرب... ([30]).

وهكذا، وبتضافر هذه الأسباب الثلاثة، قدر للموازنة أن يغدوا، منذ القرن السادس عشر، وسيلة فرنسا لترسيخ نفوذها في أراضي الدولة العثمانية، وفي الوقت ذاته هدفا للنشاط التبشيري الكاثوليكي، وإن يغدوا بهذا الاعتبار حلقة الوصل بين الغرب- فرنسا وإيطاليا- والمشرق العربي- سوريا عموما ولبنان على وجه التخصيص، وإذا كان النصف الثاني من القرن السادس عشر قد شهد أعداد العدة وتوفير مستلزمات النشاط التبشيري،،فإن بداية القرن السابع عشر شهدت بداية وصول الإرساليات التي مارست نشاطاتها في البداية كانت إرساليات الفرنسيسكان من الإيطاليتين، ثم برزت إرساليات (الكبوشيين) ([31]).

غير أن هؤلاء الأخيرين لم يستمر نشاطهم طويلا لأنهم ما لبثوا أن طردوا من لبنان بسبب دعوتهم بعض العناصر غير المسيحية إلى اعتناق الدين المسيحي([32]).

فحل اليسوعيون محلهم وأخذوا يتابعون بعض أعمالهم، وفي عام 1773 توقف نشاط إرساليات اليسوعيين على أثر حل( البابا كليمان الرابع عشر) الجمعية اليسوعية، فغادر اليسوعيون لبنان عام 1775 وخلفهم المازاريون ([33]). والواقع أن النشاط التبشيري الكاثوليكي قد شهد، بعد ذلك، انحسارا وخمودا، بسبب الثورة الفرنسية وحروب نابليون، ولم يعاود نشاطه إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر([34]). بيد انه حين عاود نشاطه وجد نفسه إزاء تحدٍ جديد استحثه على مضاعفة جهوده، ففي عام 1819 بدأ نشاط الإرساليات الإنجيلية التابعة للمجلس الأميركي للإرساليات وإزاء ذلك ارسل (البابا غرايغوار السادس عشر) في عام 1831 إرسالية من الآباء اليسوعيين لتعمل على توسيع نطاق النشاط التبشيري الكاثوليكي والارتقاء به إلى مستوى يتمكن معه من مواجهة هذا التحدي الجديد. ومنذ ذلك الوقت بدأ التنافس بين الإرساليتين الإنجيلية- البروتستانتية والكاثوليكية- اليسوعية على اكتساب المؤمنين في لبنان وسورية عموما([35]).

وكانت الوسائل التي لجأت إليها كلتا الإرساليتين، في خضم تنافسهما وبغية تحقيق هدفيهما، كثيرة شملت، نشر التعليم الديني، وإنشاء المدارس الحديثة وتأليف الكتب أو ترجمتها من اللغات الأجنبية إلى العربية، وإنشاء مطبعة لطبعها ومن ثم العمل على نشرها على أوسع نطاق تستطيعه كل منها، وعلاوة على ذلك توظيف وسائل التخاطب الجماهيري كالصحافة والجمعيات لنشر أفكارها وتعاليمها الدينية هذا عدا عن وسائل أخرى تنطوي على تقديم خدمات اجتماعية وصحية للناس تشدهم من خلالها إليها، كتنقل بعض المتبشرين بين القرى حاملين معهم أنواعا من الأدوية، أو إنشاء المستوصفات والمستشفيات وإقامة الملاجيء لإيواء المعوزين... وغير ذلك- والواقع أن هذه الوسائل كلها بقدر ما كانت تمثل أدوات أرادت الإرساليات من كلتا الطائفتين أن تحقق من خلالها أغراضها الدينية، كانت في الوقت ذاته منافذ انتقلت من خلالها مظاهر الثقافة الأوربية وانتشرت بين أبناء المشرق العربي.

ولعل أعمق تلك الوسائل تأثيرا وأشدها فاعلية في تحقيق التواصل بين ثقافة الغرب وعقول الشرقيين العرب هي المدارس، ويجمع الباحثون على أن أولى المدارس الحديثة التي أنشئت، في لبنان، هي مدرسة (عينطورة) التي أنشأها اليسوعيون بمعاونة الموارنة عام 1834، تبعتها مدارس أخرى ابتدائية وثانوية للبنين والبنات، أما الإرسالية الإنجيلية- البروتستانتية فقد قامت هي الأخرى بإنشاء عدد من المدارس، كانت أولاها المدرسة التي أنشأها (القس وليم طومسون) الأميركي عام 1835. وفي عام 1847 أنشأ (كرنيليوس فانديك) المدرسة الثانوية في (عبية) ثم لحقتها مدارس أخرى ابتدائية وثانوية للبنين والبنات بلغ عددها حتى عام 1860 زهاء ثلاثين مدرسة، ثم ما لبثت المنافسة بين الإرساليتين أن طالت التعليم العالي، فبعد أن أنشأ رجال الإرسالية الأمريكية، في عام 1866، ( الكلية السورية الإنجيلية)- التي صارت تعرف فيما بعد باسم الجامعة الأمريكية في بيروت- قام رجال الإرسالية الكاثوليكية، عام 1875، بإنشاء (جامعة القديس يوسف) وكانت لغة التدريس في جميع كليات الجامعة الأمريكية في اللغة العربية في البداية، إلا انه في عام 1880 حلت اللغة الإنكليزية محلها في جميع الكليات، عدا كلية الطب التي أخذت بالنظام الجديد عام 1882. أما جامعة القديس يوسف فقد كانت الفرنسية واللاتينية هما لغة التدريس فيها في جميع الأقسام، باستثناء بعض دروس مدرسة الدراسات الشرقية، وفي حين أن الطابع العالم لهذه الجامعة ظل لاهوتيا، فإن الطابع الغالب على الجامعة الأميركية كان علميا([36]). ومع ثمانينات القرن التاسع عشر، دخلت في حوم التنافس الإرساليات الأرثوذكسية المدعومة من روسيا القيصرية، وشرعت هي الأخرى في إنشاء عدد من المدارس التي أخذت تعمل على إشاعة الثقافة الروسية في المشرق العربي، وقد أنشأت أولى هذه المدارس عام 1887 في بيروت وكانت تدرس العربية والروسية والفرنسية([37]).

وإذا كانت الإرساليات التبشيرية قد اتخذت من المدارس وسيلة أساسية لتحقيق أهدافها التبشيرية، فإنه من الطبيعي أن تهتم بتوفير ما تحتاجه المدارس من مستلزمات ضرورية، وفي مقدمتها الكتب المدرسية، وإذ لاحظت افتقار اللغة العربية إلى الكتب التي تساير مناهجها التعليمية، أدركت أن لا مناص من حيث معلمي المدارس على تأليف الكتب المدرسية باللغة العربية أو ترجمتها من اللاتينية إلى العربية، وقد جاء في خطاب موجه إلى التلامذة الموارنة في روما وإلى معلمي المدارس، نحث هؤلاء الطلبة، ومعلمي المدارس أن لا يقتصروا على الاهتمام بشؤونهم الذاتية، بل بشؤون الطائفة أيضا، ذلك أما بأن يؤلفوا في العربية الكتب المدرسية التي عددناها آنفا... وأما أن يترجموها من اللغة اللاتينية إلى العربية على الأقل. ثم فليعنوا ترجمة ونشرا لتأليف الآباء القديسين وأعمال المجمع وقوانينها، وتاريخ الكنيسة وغيرها من المصنفات الحرية بالمطالعة، والتي لا توجد عند الشرقيين لافي السريانية ولا في العربية... ([38]).

والواقع أن خريجي المدرسة المارونية في روما، وبعض رجال الدين المسيحي السوريين، الذين كانوا يعرفون بعض اللغات الأجنبية، سواء من الموارنة (مثل جرمانوس فرحات(1670-1732)، الذي كان يعرف اللاتينية والإيطالية علاوة على السريانية) أو من الأرثوذكس، الذين كانوا يعرفون اليونانية، وكذلك لا تحول دون نقلهم المعاني الأجنبية إلى اللغة العربية (مثل الأب بطرس فرو ملج اليسوعي 1678-1740) ليصوغها من بعدهم، بلغة عربية سوية، كتاب عرب- أقول أن هؤلاء جميعا قد اضطلعوا، منذ وقت مبكر، بدور بارز في حركة الترجمة التي شهدها لبنان، وإن كانت حركة الترجمة هذه دينية الطابع، ولعل من أبرز الأمثلة عليها، ما قام به (جرما نوس فرحات) من تصحيح الترجمة العربية للمزامير والأناجيل وسائر كتب الموارنة الكنائسية، وكذلك تعريب الإنجيل مسجوعا، ووضعه معجما صغيرا أسماه (الأعراب عن لسان الأعراب) وأخيرا انشاؤه في حلب (مجمعا عليما) يعنى اعضاؤه بالترجمة([39]). بل أن الطابع الديني ظل ملازما لحركة الترجمة حتى في القرن الثامن عشر، لاسيما بعد انقسام (الملكيين) إلى طائفتين عام 1774- طائفة متحدة مع روما (كاثوليكية) وأخرى مناوئه لها (ارثوكسية)، الأمر الذي دفع مناصري كلتا الطائفتين إلى تعزيز موقفهم وذلك بالرجوع إلى المصادر اللاهوتية اليونانية، أما الأرثوذكسي إلى تعزيز موقفهم وذلك بالرجوع إلى المصادر اللاهوتية اليونانية، فلكي يدراوا عن أنفسهم تهمة ممالاة الغرب اللاتيني، فمضوا يلتمسون في تصانيف اللاهوتيين البيزنطيين أدلة على صحة معتقد الكنيسة الكاثوليكية([40]).

أما رجال الإرسالية الإنجيلية- البروتستانتيه، فإنهم، أيضا، ما أن أخذوا يعدون العدة لإنشاء مدارسهم، حتى شرعوا في تهيئة الكتب المدرسية التي تغطي مفردات المنهج الدراسي لمدارسهم تلك، وكان سبيلهم إلى ذلك التأليف باللغة العربية أحيانا، والترجمة إلى اللغة العربية أحيانا أخرى، لاسيما وأنهم قد جعلوا لغة التعليم في مدارسهم في البداية العربية، وكان مما يسر عليهم الاضطلاع بهذا الأمر إجادة بعضهم اللغة العربية وتمرسه في الكتابة بها: مثل الدكتور كرتيليوس فانديك (1818-1895) الذي ألف بالعربية العديد من الكتب في علوم عديده- (كالجبر والمقابلة والهندسة والمثلثات والطبيعيات والفلك والباثولوجيا) والدكتور يوحنا ورتبات (1827-1908) الذي ألف كتابين في الفسيولوجيا والتشريح، وأسعد الشدودي (1826-1906) الذي ألف بعض الكتب في العلوم الطبيعية (مثل – العروس البديعة في علم الطبيعة، وأرجوزة الحكيم للحكيم)([41])، بيد أن إتقان بعض رجال الارسالية الأميركية اللغة العربية لم يحل دون استعانتهم بعدد من أبناء البلاد ممن تسنى لهم اتقان بعض اللغات الأجنبية من خلال احتكاكهم بهم، مثل أحمد فارس الشدياق (1804-1887) الذي عمل مترجما في مطبعة الإرسالية في مالطا، وبطرس البستاني (1819-1887) الذي عمل فترة من الوقت في القنصليتين البريطانية والأميركية ببيروت، كما واشترك مع اثنين من المرسلين الأميركان (الدكتور عالي سميث والدكتور فانديك) في ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية([42]).

ولم يكن بوسع الإرساليات التبشيرية أن تحقق أهدافها التعليمية بوجة خاص وأهدافها التبشيرية بوجه عام من دون أن تتوفر لديها وسيلة تيسر لها نشر الكتب والكراسات التي تتضمن تعاليمها وتوجهاتها على أوسع نطاق يكون في وسعها بلوغه، ولقد هيأت لها الطباعة الحديثة الوسيلة التي تفي بالمرام في هذا السبيل وبالتالي فإنه مثلما اقترن قيام المدارس الحديثة التي يتم فيها تعليم العلوم العصرية في المشرق العربي بنشاطات الإرساليات التبشيرية، فإن الشرق عموما والمشرق العربي خاصة لم يعرف المطبعة الحديثة إلا من خلال النشاط التبشيري، وذلك في حوالي منتصف القرن السادس عشر، فقد أنشأت في (الأستانه) اول مطبعة حديثة، طبعت فيها- ضمن ما طبع- بعض الكتب العربية ولكن بحروف عبرية ومن جملتها بعض رسائل (ابن ميمون) وترجمة التوراة إلى العربية (عام 1551) أما مطبعة عرفتها بلاد المشرق العربي فهي مطبعة (دير مار قزحيا)، جنوبي طرابلس، التي أنشأت عام 1610 من قبل بعض خريجي المدرسة المارونية في روما على الأرجح،إلا أن أحرفها كانت سريانية، وقد طبع فيها كتاب (المزامير) باللغة السريانية وباللغة العربية مكتوبة بالحرف المرشوني([43]).

أما أول مطبعة تستعمل فيها الحروف العربية، عرفها المشرق العربي فهي التي أنشأها في حلب عام 1698 (البطريك اثنا سيوس الرابع الدباس) وكان أول مطبوعاتها كتاب في الطقوس الدينية (1702) ثم كتاب (المزامير)، وفي عام 1706 توالت المطابع على لبنان، بعدما استقرت طلائعها في الأديرة، ومن أهم تلك المطابع، مطبعة الروم الكاثوليك في (دير مار يوحنا الصايغ) في (الشوير) التي أسسها (الشماس عبد الله الزاخر) حوالي عام 1733( وما لبث الروم الأرثوذكس أن أنشأوا- بمسعى الشيخ يونس نقولا الجبيلي المعروف بأبي عسكر- مطبعة(القديس جاور جيوس) في بيروت عام 175، لينافسوا بمطبوعاتها الدينية مطبوعات مطبعة الشوير.

صفحة 8

وفي عام 1834 نقلت إلى بيروت المطبعة الأميركية للمرسلين البروتستانت – (وكانت قد أنشأت في مالطا عام 1822) وعلى أثر ذلك أنشأت( عام 1848) المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت، وكانت تطبع على الحجر ثم صارت تطبع الحروف، وفي عام 1857 أنشأت أولى المطابع الأهلية التي يملكها أفراد، حيث أنشأ (خليل الخوري)- (المطبعة السورية)، وبعد ذلك بعشر سنوات أنشأت (مطبعة المعارف) من قبل (بطرس البستاني) وفي عام 1874 أنشأت (المطبعة الأدبية) من قبل (خليل سركيس) ([44]).

ولم يكتف رجال الإرساليات باستخدام المطابع في طبع الكتب والكراسات الدينية فحسب بل استخدموها أيضا في طبع المنشورات أو النشرات الإخبارية التي ما لبثت أن تطورت لتتخذ شكل صحف ومجلات تعكس نشاطات المرسلين والمبشرين في شتى المجالات، ولعل أقدم هذه النشرات صدوراً النشرة التي أصدرها المبشرون الإنجيليون عام 1851 باسم (مجموع الفوائد) وكان يشترك في تحريرها عدد من المبشرين تحت إشراف (القس عالي سميت) ([45]). ثم ألحقوها بنشرات وصحف أخرى، مثل(أخبار عن انتشار الإنجيل) و(النشرة الشهرية) و(كوكب الصبح المنير) و(النشرة الأسبوعية) أما اليسوعيون فقد اصدروا أولا صحيفة المجمع الفاتيكاني التي أنشئت للدفاع عن مجمع الفاتيكان ثم اصدروا عام 1969 جريدة (البشير) ثم ألحقوها بمجلة (المشرق) ([46]).

وعلاوة على ذلك كله، لجأت الإرساليات التبشيرية إلى وسيلة أخرى تتيح لها استقطاب أبناء البلاد التي تعمل فيها، وهذه الوسيلة هي- إنشاء الجمعيات وقد عرف المشرق العربي، ولبنان على وجه الخصوص، منذ حوالي أواسط القرن التاسع عشر إنشاء عدد منها، ففي عام 1847 أنشأ المرسلون الأميركيون (الجمعية السورية)، التي وضعت في مقدمة أهدافها السعي إلى نشر العلوم وترقية الفنون وجمع الكتب، مع مراعاة تحاشي القضايا الدينية، وقد ضمت، إلى جانب العديد من رجال الإرسالية الأميركية (مثل القس عالي سميث، والدكتور فانديك، والقس طومسون، والمستشرق كولتي، والدكتور يوحنا ورتبات) نخبة من المثقفين السوريين الشباب (مثل ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، والدكتور ميخائيل مشاقة، وميخائيل مدور، ونعمة ثابت، وانطونيوس الأميوني) وكان أعضاؤها" يجتمعون مرتين في الشهر فيتناولون الأخبار العلمية، ويقرأون الصحف، ويتباحثون في المسائل المطروحة، وغالبا ما يلقون الخطاب"([47]). وقد استمر نشاط هذه الجمعية حتى عام 1852، حيث تم حلها، وبعد خمس سنوات (عام 1857) أنشأت على غرارها وبهدي قوانينها وشروطها جمعية أخرى عي (الجمعية العلمية السورية)، وفي الوقت ضمت فيه هذه الجمعية عددا من أعضاء الجمعية السابقة، فإنها تميزت عنها في أنها ضمت أيضا عدد من الشخصيات المسلمة (مثل حسين بيهم، وعبد الرحمن بدران، وسليم رمضان) وكانت نشاطات الجمعية تشمل تنظيم محاضرات يقوم بإلقائها بعض أفرادها حول المستجدات والأفكار الأوربية الحديثة التي كانت مثار اهتمامهم ومواقفهم منها.

وبعد أن جمدت الجمعية نشاطها، على أثر نشوب الحرب الأهلية في البلاد عام 1860، عادت ناشطها من جديد عام 1868. بل ونالت اعتراف الدولة العثمانية رسميا بها([48]). وفي عام 1869 أنشأت (جمعية شمس البر) التي كانت فرعا لجمعية اتحاد الشبان المسيحيين في إنكلترا.

وإزاء هذا النشاط من جانب المبشرين البروتستانت، كان من الطبيعي أن يعند اليسوعيون أيضا إلى نشاط مماثل ومقابل، فأسسوا عام 1850 (الجمعية المشرقية) ثم ما لبثت الطوائف الأخرى أن سلكت المسلك نفسه وأنشأت كل منها جمعيتها الخاصة بها، وإن كانت نشاطاتها أميل إلى تحقيق الأهداف الإنسانية الخيرية، فأنشأ (أسعد باشا)- متصرف بيروت العثماني، في عام 1873 (جمعية زهرة الآداب) التي امتازت باستقطابها عددا من الأدباء الشبان (مثل أديب اسحق واسكندر عازار، وسليم النجار، ونخله التويني، وغيرهم) الذين كان من جملة نشاطاتهم تأليف الروايات أو ترجمتها وتمثيلها ورصد ريعها للمشاريع الخيرية، وفي عام 1880 أنشأ الروم الأرثوذكس (جمعية زهرة الإحسان) لتعليم الفتيات وترقية نفوسهن، وفي العام ذاته بادر عدد من الأدباء المسلمين، في محاولة منهم لمواجهة النشاط التبشيري والحدّ من نشاطهم، إلى إنشاء(جمعية المقاصد الخيرية) ([49]).

وفي خضم هذا النمط من أنماط النشاط، وربما بوحي منه، نشأت جمعيات أخرى، منها ما جاهر بسعيه إلى تحقيق إلى تحقيق غايات علمية، مثل( الجمعية العلمية)، التي أنشئت في أوائل عهد الكلية السورية الإنجيلية ومنها ما كانت تسعى من وراء نشاطاتها العلمية العلنية إلى غايات سرية سياسية معارضة للسلطة العثمانية الكلية السورية الإنجيلية (مثل فارس نمر، وإبراهيم الحوراني، ويعقوب صروف وإبراهيم اليازجي، وشاهين مكاريوس) ويبدو أن الجمعية الثانية كانت امتدادا للأولى، وإنها عبرت عن نفسها أخيرا، وعلى نحو علني في ما صار يعرف بـ(المجمع العلمي الشرقي) الذي أنشأ عام 1882، الذي ضم أبرز خريجي الكلية السورية الإنجيلية، من أعضاء (الجمعة العلمية، والذين غدوا فيما بعد عقب تخرجهم، أبرز أعضاء (الجمعية السورية) أيضا. ولعل مما يعزز هذا الاعتقاد أن السبب الأساس الذي أدى إلى تجميد نشاط ( المجمع العلمي الشرقي) فيما بعد، كان سياسيا([50]).

أن كل هذه الوسائل التي لجأت الإرساليات التبشيرية إلى استخدامها في تحقيق أغراضها، كانت في الوقت ذاته، وسائل لانتقال بعض مظاهر الثقافة الأوروبية إلى المشرق العربية وانتشارها بين أبنائه، ويمكن القول أن من بين هذه الوسائل كان للمدارس التي أقامتها الإرساليات، على اختلاف مذاهبها وطوائفها أعمق الأثر في تكوين وإعداد جيل جديد من المتعلمين والمثقفين في سورية ذلك أن كون هذه المدارس دينية التوجية والتعاليم في الأساس لم يحل دون أن تسهم في تكوين عقلية جديدة، أو نمط جديد من التفكير لدى تلامذتها، لاسيما وإنها قد حرصت على تنويع الموارد التعليمية التي غدت بمعطياتها الدينية في عقولهم اهتماما فائقا، راعت، في الوقت ذاته، أن تعمق معرفتهم باللغة العربية وآدابها، من ناحية، وان تهيئ لهم فرصة إجادة لغة أوربية، من ناحية ثانية، وأن تمكنهم من الإلمام بالمعرفة العلمية الحديثة، من ناحية ثالثة، وكان من الطبيعي أن ينعكس تأثير ذلك على عقول التلامذة وطريقتهم في التفكير، ذلك أن تمرسهم باللغة العربية وتلقيهم العلوم الحديثة بواسطتها جعلهم يعون ما تحتاج إليه هذه اللغة من تجديد لكي تتسع لاستيعاب المفاهيم والأفكار الجديدة وتتحول بالتالي إلى أداة فعالة للتخاطب الفكري، ولقد قدر لبعض أولئك التلاميذ أن يقوم فيما بعد، بدور بارز في سبيل رفد اللغة العربية بمقومات التجديد التي تحتاجها.

ومن ناحية ثانية، فإن إجادة أولئك التلاميذ للغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية والإنكليزية، قد فتحت أمامهم آفاقا جديدة ومكنتهم من أن يغدوا على تماس مباشر مع الثقافة الأوربية- علوما وآدابا- الأمر الذي كان له أعمق الأثر في توجهاتهم المستقبلية، فإن ذلك أتاح لهم ليس فقط الاستزادة، فيما بعد، من المعرفة العلمية التي تلقوها أثناء مرحلة الدراسة، بل أتاح لهم أن يضطلعوا (أبو بعضهم على الأقل) بدور ريادي في مجتمعهم، تجلى على الصعيد الثقافي خاصة، في قيامهم بدور الوسيط الذي يعكس مظاهر ثقافة الغرب ويسهم في توصيلها إلى عقول بني جلدته، ومن ناحية ثالثة، فإن إلمام أولئك التلاميذ بالمعرفة العلمية الحديثة وتعرفهم على ما تتضمنه من أفكار ومفاهيم جديدة، قد أدى إلى تكوين نمط جديد من التفكير لديهم، فإن تعرفهم على المبادئ والأفكار العلمية، والمنهج العلمي المستخدم في التوصل إليها، قد نمّى لديهم الرغبة في الاستقصاء، بل وطبع هذا الاستقصاء بطابع نقدي يختلف بلا ريب عن الطابع التسليمي الجازم (أو الدوجماتي) الذي كان يطبع نمط التفكير الذي كان سائدا في مجتمعهم.

وفيما بعد، وعقب تود يعهم حياة التلمذة حاول البعض منهم تبني هذا الموقف النقدي واستخدامه، ليس فقط في السعي إلى اكتشاف معرفة جديدة ما، بل وفي النظر إلى ما كان معروفا لديهم ومسما به([51]). ولعلنا لا نستبق النتائج أو الأحداث إذا قلنا انه من بين تلاميذ تلك المدارس، برز عدد من المفكرين الذين قدر لهم أن يغدوا الرواد الأول للنزعة العلمية في الفكر العربي الحديث وإن يحتلوا بالتالي حيزا لا بأس به من هذه الدراسة التي نحن بصددها.

العامل العسكري

كما أدت الاعتبارات الاقتصادية، والاعتبارات الدينية التبشيرية، إلى أحداث إشكال من التواصل بين الغرب وبعض أقطار المشرق العربي، فإن الاعتبارات العسكرية كان لها دور بارز في ذلك، ولما كانت تلك الأقطار تابعة للدولة العثمانية فإن من الطبيعي أن يكون تأثير الاعتبارات العسكرية في أحداث التواصل بينها وبين الغرب غير مباشر وإن يتم من خلال المؤسسة العسكرية للدولة العثمانية.

ويمكن القول في هذا الصدد، أن فشل محاولة الجيش العثماني محاصرة فبينا(1683) كان بمثابة نقطة تحول في تاريخ الدولة العثمانية ونشاطاتها العسكرية التوسعية، حيث أنها أعقاب ذلك اضطرت إلى تبادل دورا مع دول أوربا- (النمسا وروسيا وفرنسا وبريطانيا) فبعد أن كانت الدولة العثمانية تمثل دور الخصم العنيد والواثق من نفسه، الذي يهدد دول أوروبا ويمد أذرعه العسكرية إلى داخل كياناتها، انعكست الحالة وصارت دول أوربا هي التي تهدد وحدة أراضي الدولة العثمانية وتماسك أجزائها، وقد تجلى ذلك في سلسلة الحروب التي اشتبكت فيها الدولة العثمانية مع الدول الأوروبية، والتي لم تسفر إلا عن تكرار هزيمتها واضطرارها في كل من إلى الخضوع لشروط غالبيها الأوربيين، والاستجابة لضغوطهم عليها للتنازل لهم عن جزء من ممتلكاتها، والتغاضي عن تدخلهم المتزايد في شؤونها([52]).

وبطبيعة الحال فإن هذه السلسة من الهزائم المتلاحقة لم تقع بغتة، بل تضافرت على أحداثها جملة من العوامل تراكمت تأثيراتها بمرور الزمن وأدت إلى هذا الانحدار والتدهور في كيان الدولة العثمانية، ومن بين هذه العوامل عوامل سياسية، فقد كانت تقاليد الحكم التي ترسخت في الدولة، منذ نشأتها، تقضي بأن يكون السلطان محور الدولة والممسك الوحيد بمقاليدها، غير انه ابتداء من القرن السابع عشر كانت السلسلة الطويلة من السلاطين الأقوياء والأذكياء قد انتهت، وأخذ يتولى الحكم جيل من السلاطين، كانت أبرز صفات أفراده ضعف الخلق والذكاء علاوة على الافتقار إلى الخبرة، ولا شك أن الدولة لا يمكن أن تمضي الأمور فيها على نحو سليم إذا كانت مقاليدها بأيدي سلاطين من هذا النوع، ولقد انعكست تأثيرات ذلك على المستويات الأدنى في جهاز الحكم والإدارة والجيش وكان مما زاد الأوضاع تفاقما، ازدياد تأثير الأزمة الاقتصادية التي أخذت الدولة تعاني منها بعد فقدانها السيطرة على التجارة الدولية على أثر تحول خطوط الملاحة التجارية عن مراكزها التجارية في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، بيد أن هناك عاملا آخر بدا في نظر أولى الأمر في الدولة، أكثر أهمية وأعمق تأثيرا في وقوع تلك الهزائم العسكرية وهو ما تميزت به الجيوش الأوروبية من قوة، بفضل الأسلحة والأساليب والنظم الجديدة التي استخدمتها في حروبها، في الوقت الذي ظل الجيش العثماني فيه يستخدم أسلحة وأساليب ونظما قديمة تزيد من ضعفه يوما بعد يوم، وقد أدى هذا التشخيص لسبب تقهقر نفوذ الدولة العثمانية وعزوه إلى العامل العسكري في المقام الأول، أدى بالسلاطين العثمانيين إلى الشروع، مع بداية القرن الثامن عشر، بمحاولات لإصلاح المؤسسة العسكرية العثمانية وتحديثها، سواء من حيث التنظيم والتدريب، أو من حيث المعدات والتسليح([53]). ولم يكن هناك سبيل لتحقيق ذلك سوى استقدام مدربين وخبراء عسكريين أوربيين والاستعانة بهم في فتح مدارس عسكرية حديثة على غرار المدارس الأوروبية، يتم فيها إعداد الضباط وفق الأساليب المتبعة في الجيوش الأوربية.

ولقد تمت أولى المحاولات، في هذا السبيل، في عهد السلطان أحمد الثالث (1703-1730)، الذي عمد إلى تجديد الترسامة وتنظيم البحرية وفقا للأسلوب الأوروبي الحديث، وإنشاء العديد من المدارس، وكذلك إنشاء أول مطبعة في الاستانة بعد إفتاء المفتي بجواز ذلك، شريطة عدم طبع القرآن الكريم خوفا من تعرضه للتحريف([54]). ومن بعده تابع خلفه محمود الأول (1730-1754) خطاه، لاسيما وإن عهده قد شهد توثق العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا، وكان من ثمار ذلك أن أهداه الملك لويس الخامس عشر سفينتين حربيتين وعددا من خبراء المدفعية الفرنسيين، لكي يتولوا تدريب أفراد الجيش العثماني وفقا للنظم الجديدة المتبعة في الجيش الفرنسي، كما أن عهده شهد تأسيس مدرسة الهندسة ومجلس العلوم الرياضية وترجمة عدد من الكتب العسكرية([55]). أما السلطان مصطفى الثالث (1757-1774) فقد شهد عهده تطورات عديدة قام بها خبير عسكري مجرى الأصل فرنسي الجنسية هو البارون دي توت (1733-1793)، شملت، علاوة على تعزيز تحصينات واستحكامات مضيق الدردنيل، إنشاء مسبك لصب المدافع في الاستانة، وإنشاء مدرسة لتخريج ضباط المدفعية، كجزء من خطة لترتيب كتائب المدفعية وفقا للنظم الجديدة، وكذلك إنشاء مدرسة لتخريج ضباط أركان ملمين بالعلوم العسكرية الحديثة، ومدرسة أخرى لإعداد ضباط للبحرية اتخذت مقرا لها في الترسانة([56]).

وجاء عهد السلطان سليم الثالث (1789- 1807) ليشهد الإصلاح فيه دفعا قويا، لاسيما وإنه استعان بخبرة عدد من الشبان العثمانيين الذين درسوا أحوال أوربا عن كتب ووقفوا على دخائل سياستها، ولما انتهى من تكوين تصوره عن سبل لإصلاح ومستلزماته، أصدر في عام 1793 أوامره التي أطلق عليها اسم (نظامي جديد) وكانت تهدف إلى تحقيق الإصلاح في دوائر الدولة وخاصة العسكرية والبحرية منها. وقد اقتضى ذلك استقدام عدد كبير من الخبراء والمستشارين والمدربين العسكريين الأوربيين، من السويد وفرنسا، وقد جاء الخبراء الفرنسيون بقيادة سفير فرنسا الجديد، فقي عهدها الجمهوري، لدى الدولة العثمانية الجنرال أوبرت دو بابيت (الذي كان قد سبق له أن شارك في الثورة الأميركية وحارب تحت قيادة لافاريت) وقد تولى هؤلاء الخبراء الإشراف على معامل صنع المدافع، وتحديث مدرسة البحرية ومدرسة المدفعية (التي كان قد أسسها البارون دي توت) وألحقت بالمدرسة الأخيرة مكتبة كبيرة ضمت أهم ما كتب في العلوم العسكرية الحديثة والرياضيات، كما تمت ترجمة مؤلفات الخبير العسكري الفرنسي (فويان) في مجال الاستحكامات. وعلاوة على ذلك اتخذت الإجراءات من اجل تشكيل وتدريب فرق مشاة جديدة وفقا للنظام الأوربي الحديث، تحل بالتدريج محل فرق (الانكشارية) التي صارت عالة على الدولة ومن أهم أسباب انحطاطها وفي عام 1796 تم تشكيل أولى هذه الفرق وضمت (1600) جنديا، تحت قيادة ضابط إنكليزي أشهر إسلامه وسمي (إنكليز مصطفى) غير أن( الإنكشارية) والقوى المحافظة المؤتلفة معها ما لبثت أن توجست خيفة من محاولة السلطان الإصلاحية هذه، فتألبت وطالبته ليس فقط بإلغاء أوامره الإصلاحية التي سميت (نظامي جديد) بل وأرغمته على التنازل عن العرش([57]). وبعد حوالي سنة، شهدت الدولة خلالها الفتن والاضطرابات في عهد خلفه، تولى الحكم السلطان محمود الثاني (1808-1839)، الذي عمد، وقد اعتبر بالمصير الذي آل إليه سليم الثالث، إلى انتهاج نهج مغاير في تحقيق الإصلاح العسكري. فبدلا من أن يعمل على تشكيل فرق عسكرية جديدة يتم إعدادها وفقا للأساليب الأوربية الحديثة، عمل على حل ما كان قد تم تشكيله منها في عهد سلفه، وحاول أن يجري إصلاحات في أوضاع فرق (الإنكشارية) ذاتها، بالعمل على بعث تقاليدها ونظمها العسكرية الصارمة التي كانت تتبعها في عهد السلطان سليمان القانوني، 1520-1566)، وفي الوقت ذاته، تدريبها وفقا للأصول العسكرية الحديثة المتبعة في الجيوش الأوربية وتسليحها بالأسلحة النارية الحديثة وكان سبيله إلى تحقيق ذلك استصدار فتوى تؤيد خطواته تلك من جهة، وتعيين ضباط الفرق النظامية التي حلها كقادة لفرق (الانكشارية) لكي يضمن تنفيذ أوامره غير أن محاولته هذه اصطدمت باعتراضات ( الإنكشارية) وأثارت لديهم اهتياجا عنيفا، وكاد أن يخسر هو الآخر عرشه لو لم يذعن لطلباتهم، وقد أضطر إلى أرجاء مشروعه الإصلاحي عدة سنوات، حاول خلالها أن يهيئ مستلزماته بحذر وروية، ولم يتسن له أن يوجه شربة قاضية (للإنكشارية) وأن يبيدهم عن بكرة أبيهم إلا في عام 1826. وبعد ذلك أصبح سبيل الإصلاح ممهداً أمامه، فعمد إلى إنشاء مدارس عسكرية جديدة لتخريج الضباط، وتجديد ما أهمل منها، وأخذ يعيد تنظيم فرق الجيش وفقا للنظم والأساليب الأوربية الحديثة، حتى انه لم تمض السنة إلا وقد تم تنظيم عشرين ألفا واتخذت الإجراءات لكي يصل عددهم في ختام السنة التالية مائة وعشرين ألفا، وفي العام ذاته (1826) انشئت أول كلية للطب، وكان معظم أستاذتها من الأوربيين- والفرنسيين على وجه التخصيص- وكان التدريس فيها يتم باللغة الفرنسية، وفي عام 1827 أرسلت أول بعثة تعليمية عثمانية- (ضمت 150 طالبا) إلى عدة دول أوربية، وبعد ذلك بسنوات ارتفع عدد المبعوثين كثيرا حتى بلغ الآلاف، وما لبثت محاولات السلطان محمود الثاني الإصلاحية أن تجاوزت حدود المحاولات العسكرية لتشمل مختلف جوانب الحياة المدنية، فدعا إلى اتباع ما بدا له مستحسنا من العادات الأوربية، فاستبدل العمامة بالطربوش وتزيا بالزي الأوربي، وأمر بأن يكون هو الزي الرسمي لموظفي الدولة، العسكريين منهم والمدنيين. وأسس وساما دعاه (وسام الافتخار) كما انه أعد العدة لإصدار أول جريدة رسمية (صدر عددها الأول في 14 مايس 1832) ([58]).

أن ما يهمنا من ذلك كله هو التأكيد على أن المحاولات التي شهدتها الدولة العثمانية لإدخال الإصلاحات على جيشها قد اقتضت قيام اتصالات بينها وبين بعض الدول الأوربية، وإن تلك الاتصالات قد تجلت في أوجه ومظاهر عديدة، مثل الخبراء العسكريين الذين ثم استقدامهم لتحديث المناهج الدراسية والتدريبية في المدارس العسكرية، وما ترتب على ذلك من تعلم تلامذة تلك المدارس لبعض اللغات الأجنبية- والفرنسية على وجه الخصوص- وكذلك ترجمة بعض المؤلفات والكتب العسكرية الأوربية إلى اللغة التركية، وأيضا تجلى في المبعوثين الدبلوماسيين والسفراء الذين كان يتم إرسالهم إلى الدول الأوربية فيحتكون بمجتمعاتها ويتعرفون على جوانب حياتها المختلفة، وقد يعكسون، بعد عودتهم، انطباعاتهم على الأشخاص المحيطين بهم، وكذلك الحال بالنسبة للطلبة الذين أخذت الدولة العثمانية توصلهم بإعداد متزايدة للدراسة في الدول الأوربية، إذ كان معظمهم أن لم يكن جميعهم، يعودون إلى بلادهم متأثرين، إن قليلا أو كثيرا، بما شاهدوه في الدول التي درسوا فيها، وكان من الطبيعي أن يعكسوا انطباعاتهم على أوساطهم وبيئاتهم، أن أوجه ومظاهر الاتصال هذه كانت بمثابة منافذ وأقنية تسربت من خلالها نظاهر الثقافة الأوروبية، من أفكار وأساليب تفكير، إلى الأوساط المتعلمة والمثقفة العثمانية- والعسكرية منها على وجه الخصوص، والتأثير فيها على نحو ما.

بل يمكن القول أن هذا التأثير لم يقتصر على الأتراك وحدهم، بل شمل أيضا، خاصة في أوقات متأخرة، بعض الفئات المستنيرة من العرب المسلمين ولقد تم ذلك أما من خلال التحاق أفرادها بالمدارس العسكرية العليا في الأستانة، أو من خلال إطلاعها على كتابات المثقفين الأتراك المجددين([59]).

ولكن إذا كان التأثير المباشر للإصلاحات العسكرية التي شهدتها الدولة العثمانية، على أقطار المشرق العربي- من حيث تواصلها مع أوربا، قد ظل محدودا، فإن تأثيرها غير المباشر كان كبيرا جدا، وتجلى في رد الفعل القوى الذي أثارته تلك الإصلاحات في إحدى الأقطار العربية المشرقية- مصر، إذ كان لها أعمق الأثر في دفع هذه الأخيرة، عقب تولى محمد علي (1769-1849) السلطة فيها، إلى الانفتاح في علاقاتها مع أوربا، ولكن قبل الخوض في تفاصيل ذلك، لنحاول أن نتابع السياق التاريخي للأحداث، ونتعرف على الظروف التي يسرت لمحمد علي الوصول إلى دكة الحكم في مصر، بما فيها الحملة الفرنسية التي احتلت مصر طيلة حوالي ثلاثة أعوام.

عندما احتل العثمانيون مصر عام 1517، عقب إلحاقهم الهزيمة بالمماليك حرصوا على عدم المساس بنظم الحكم القائمة فيها، إلا بقدر ما يقتضيه دخولها تحت هيمنتهم ويضمن بقاءها ولاية عثمانية، ومن ثم فقد اكتفوا بإيجاد عدد من الهيئات المتباينة وجعلها تشترك معا في شؤون الحكم، يوازن بعضها بعضا حتى لا تنفرد بالحكم إحداها دون الأخرى، وتمثلت هذه الهيئات في: الوالي أو الباشا، وهو نائب السلطان العثماني في حكم مصر ورئيس السلطة التنفيذية فيها، أما الهيئة الثانية فقد تمثلت في الحامية العثمانية التي أبقيت في مصر لحفظ النظام فيها والدفاع عنها. أما الهيئة الثالثة فقد تمثلت في المماليك، وهم بقايا سلطته المماليك السابقة. وقد أبقاهم العثمانيون لحفظ التوازن بين الوالي ورؤساء الحامية، وكان زعيم المماليك يعتبر ثاني شخصية في مصر، بعد الوالي العثماني.

وقد ظل هذا النظام ساريا طالما بقيت الدولة العثمانية قوية مهابة الجانب ولكن بعد أن أخذت مظاهر الضعف والتداعي تصيب كيان الدولة انعكس ذلك على الأوضاع في مصر، وبدا التطاحن والتصارع بين الولاة ورؤساء الحامية، فما كان من المماليك إلا أن انتهزوا انشغال هؤلاء وتمكنوا من استعادة نفوذهم وسطوتهم، ثم ما لبثوا، خلال القرن الثامن عشر، أن أمسكوا بمقاليد الأمور وباتت السلطة المدنية والعسكرية في أيديهم، حتى أن الوالي العثماني لم يعد يمثل إلا اسما أو رمزا لا حقيقة لحكمه ولا هيبة له.

ولكن على الرغم من السلطة الواسعة التي أحرزها المماليك، فإنهم لم يتمكنوا من الانفصال عن الدولة العثمانية، بسبب عدم اتفاق كلمتهم وتنافسهم فيما بينهم على السلطة، حتى انه عندما حاول أحد زعمائهم، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو: علي بك الكبير (1768-1773) الانفصال عن الدولة العثمانية فإن هذه الأخيرة عمدت إلى تأليب قائد قواته (محمد بك أبو الذهب) عليه، فانقض على سيده وهزمه وخلفه في السلطة، إلا أن أبا الذهب هذا لم يتسن له حكم مصر إلا فترة قصيرة، فقد توفي عام 1775. وما لبثت مقاليد الأمور أن آلت من بعده إلى اثنين من زعماء المماليك، يدعى أحدهما (مراد) والآخر (ابراهيم) وقد أساء هذان استخدام سلطتيهما، وارتكبا الكثير من المظالم في حق أبناء البلاد من المصريين، بل أن مظالمهما، طالت حتى الأجانب المقيمين في مصر، وكانت غالبيتهم من الفرنسيين، فما كان من هؤلاء إلا أن لجأوا إلى حكومة الثورة في فرنسا، يستنجدون بها ويطالبونها بالتدخل لحمايتهم من تسلط ذينك الطاغيتين([60]).

وكانت فرنسا- التي استطاعت عن طريق علاقاتها الوثيقة مع الدولة العثمانية ونتيجة لتوقيع معاهدة (الامتيازات) أن تحتكر تجارة الشرق- تتطلع منذ القرن السادس عشر، ولاسيما بعد أن أخذت كلا من بريطانيا وهولندا تتنافسان من أجل السيطرة على الطريق البحري للتجارة مع الشرق المار عبر رأس الرجاء الصالح كانت تتطلع إلى إحياء الطريق التجاري البري، سواء الذي يمر عبر العراق وسورية والمدن الساحلية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، أو طريق البحر الأحمر الذي يمر عبر مصر، من خلال خليج السويس ثم من خلال طرق مائية أو برية إلى النيل ومنها إلى موانئ مصر على البحر الأبيض المتوسط. بل أن بعض المهتمين بهذه المسألة قد راودتهم في هذا السياق فكرة شق قناة بحرية توصل بين البحرين الأحمر والأبيض وكان ذلك يقتضي، ضمن ما يقتضيه، قيام فرنسا باحتلال مصر. إلا أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لم تبد أي اهتمام بمثل هذه المشاريع، مكتفية بحرصها على المحافظة على مصالحها التقليدية في الطريق البري.

ولكن بعد الثورة الفرنسية (1789)، تغير موقف فرنسا من تلك المسألة لاسيما بعد أن توترت علاقاتها مع بريطانيا وأخذت تعد العدة لمحاربتها، وفي 12 نيسان 1798 قررت (حكومة الإدارة) احتلال مصر، وصدرت التعليمات إلى نابليون بونابرت (1769-1821) بتجهيز الحملة وقيادتها، ولقد اتهمت (حكومة الإدارة) في قرارها الذي أصدرته، زعماء المماليك- (مراد) و (إبراهيم) بالتحالف مع البريطانيين، وإنهاء المهام التي كلف بها نابليون هي: الاستيلاء على منطقة ومصر، وطرد الإنكليز من مؤسساتهم في المشرق ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشق قناة السويس لكي تكون الطريق البديل لطريق رأس الرجاء الصالح الذي يسيطر عليه البريطانيون، وتحسين الأحوال المعيشية للوطنيين في مصر، والاحتفاظ بالعلاقات الطبية مع الباب العالي([61]).

وفي الأول من تموز 1798 وصلت الجملة إلى الإسكندرية وشرعت في احتلالها تمهيدا للتوغل في داخل مصر وصولا إلى القاهرة. والواقع أن ما يهمنا، هنا، من أخبار الحملة إنما يقتصر على ما يمكن أن تكون قد أحدثته من تأثيرات حضارية وثقافية([62])، في مصرن لاسيما وأن نابليون قد الحق بجيشه الذي بلع عدد أفراده حوالي (40,000) جنديا مجموعة من العلماء الفرنسيين المختصين في مختلف صنوف المعرفة بلع عددهم (146) شخصا، شكلوا ما سمي( لجنة العلوم والفنون) ([63]). وقد حمل هؤلاء معهم كمية كبيرة من الكتب والأجهزة والمعدات العلمية، كما أن نابليون جلب معه أيضا مطبعتين، إحداهما فرنسية والأخرى عربية، ويبدو أن الأخيرة كانت معدة للطباعة باللغة التركية أيضا([64]). وعندما استقر المقام في القاهرة، بادر إلى تأسيس ما صار يسمى بـ( المعهد المصري) أو كما سماه عبد الرحمن الجبرتي (1754-1822) المؤرخ المصري المشهور (مدرسة العلم) ([65]) أو (مدرسة العلماء([66])، التي ألحقت بها مكتبة تضم عددا كبيرا من الكتب في مواضيع مختلفة وبلغات عديدة، ومرصد فلكي يضم الكثير من الآلات والمعدات الفلكية، ومرسم، ومتحف للتاريخ الطبيعي، وورشة هندسية، وصيدلية ومختبر، ومعامل نجارة وحدادة([67]). كما أصدر جريدتين باللغة الفرنسية، هما: Le Decade Egyptien وهي جريدة اقتصادية خصصت لنشر أبحاث المعهد المصري، وتصدر كل عشرة أيام مرة، وجريدة Le Gourrier Egypte الناطقة بلسان السلطات الفرنسية وكانت تصدر منه كل أربعة أيام، كما أصدر جريدة عربية سميت (التنبيه) لنشر بياناته على الناس([68])، وما أن تأسس (المعهد المصري) حتى شرع أعضاؤه من العلماء الفرنسيين في دراسة أحوال مصر وظاهر الحياة فيها، تاريخها وآثارها، مناخها وجغرافيتها وتكوينها الجيولوجي، معادنها ونباتها وحيوانها وإمكاناتها الاقتصادية، عادات سكانها وتقاليدهم الاجتماعية وغير ذلك، ولقد حدت بهم الرغبة في استمالة الفئة المتعلمة المتنورة من سكان البلاد إلى دعوة بعض مشايخ الأزهر وطلاب العلم النابهين إلى زيارة المعهد والإطلاع على ما يحتويه من كتب وأجهزة ومعدات، وما يجري فيه من تجارب واختبارات علمية، وقد وصلت الينا انطباعات اثنين من هؤلاء الزوار عن زيارتهم للمعهد، وأولهما هو المؤرخ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، الذي ذكر أنه، ذهب إليهم مرارا" ووصف في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) بأسلوب يشوبه الانبهار والإعجاب ما شاهده خلال زياراته للمعهد ومختلف ملحقاته من "أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا([69])" والثاني هو الشيخ حسن بن محمد العطار (1766-1835) الذي توثقت صلته بالعلماء الفرنسيين من خلال قيامه بتعليم بعضهم اللغة العربية، وتعلم منهم، بالمقابل، بعض علومهم العصرية، بل وكثيرا ما كان يتردد على المرصد الفلكي حيث "كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية" ولقد أعرب العطار في معرض كتابه (المقدمة الأزهرية في علم العربية) وعلى لسان راوٍ صديق، عن انبهاره بما شاهده في المعهد من الأجهزة والكتب، وكلها في العلوم الرياضية والأدبية، وإطلعوني على آلات فلكية وهندسية([70]). ولقد بلغ تجاوبه وتأثره بما إطلعه عليه العلماء الفرنسيون حدا غدا معه مؤمنا بأن "بلادنا لابد أن تتغير ولا بد أن تأخذ عن أوربا العلوم التي لا توجد هنا"([71]). ومن ثم فقد انصرف إلى الكتابة والتأليف في بعض العلوم العصرية كالفلك والطب والطبيعة والكيمياء والهندسة، كما يستدل على ذلك من قائمة مطبوعاته من جهة ومن ما حفلت به حواشي كتبه المختلفة من شروح وتعليقات من جهة أخرى([72]).

ولا بد لنا هنا من وقفه نمحص خلالها بعض الآراء التي راجت بشأن مدى التأثير المباشر للحملة الفرنسية في أحداث اليقظة الفكرية والثقافية العربية الحديثة.

صفحة 9

فلقد كثر الحديث عن التأثير (الخطير) الذي أحدثته الحملة خلال السنوات الثلاث التي أمضتها في مصر، باعتبارها تمثل بداية تعرف العرب على الغرب وانفتاحهم عليها، فجأة دون تنبيه أو إعداد وفي أهم مراكز الأقاليم العربية"([73]). وبالتالي باعتبارها أول مواجهة بين الثقافة" التقليدية" العربية- الإسلامية- العثمانية الطابع، التي تشبع بها المجتمع المصري، والثقافة الأوربية الحديثة بما تنطوي عليه من تقدم علمي وإنجازات تقنية أو تكنولوجية، ويبدو لي، في ضوء الواقع والحقائق التاريخية التي اطلعنا عليها آنفا، أن هذا التقويم لدور الحملة الفرنسية وعزو اليقظة العربية الحديثة إلى تأثيراتها المباشرة، ينطوي على شيء من المغالاة، فلم يمن التواجد العسكري الفرنسي على أرض مصر يمثل أول شكل من أشكال التماس الحضاري بين المشرق العربي والغرب الأوربي، فلقد عرف المشرق العربي، قبل ذلك بفتوة طويلة، التجارة الأوربيين ورجال الإرساليات التبشيرية، كما لم تكن المطبعة التي جلبها نابليون معه أول مطبعة عرفتها بلاد الشرق وتحديدا البلاد العثمانية، وعلاوة على ذلك فإن انشغال رجال الحملة، طيلة السنوات الثلاث لوجودها في المشرق العربي، بالأعمال العسكرية- سواء تلك التي تطلبتها محاولة نابليون غزو الأجزاء الساحلية في سورية، أو تلك التي تطلبتها حماية نفسها من الأخطار التي أخذت تتهددها، الحظر الخارجي المتمثل بتقدم الجيش العثماني، المدعوم بقوات بريطانية، نحو مصر بهدف استعادتها، والخطر الداخلي المتمثل في الثورة والمقاومة المسلحة التي قام بها المصريون ضد الاحتلال الفرنسي- أقول أن انشغال رجال الحملة بذلك قد حال دون تمكنهم من ترسيخ النظم والتدابير والإجراءات التي سعي نابليون إلى تطبيقها، كما أن المحاولات المستمرة التي قام بها رجال الحملة، ولاسيما العلماء من أعضاء المعهد المصري، من أجل كسب ود المصريين وتعاطفهم معهم لم تسفر عن أحداث تأثير يذكر في تفكير المصريين وموقفهم منهم، بل وحتى الفئة (الطليعية) والمستنيرة في المجتمع المصري، المتمثلة في المشايخ ورجال الدين الذين راهن عليهم نابليون وحاول استمالتهم واستخدامهم كوسيلة لاقناع العامة بقبول السلطة المحتلة- حتى هؤلاء ظلوا في قرارة نفوسهم غير متعاطفين مع السلطة وممثيلها وإجراءاتها، الأمر الذي جعل السلطة الفرنسية تعاملهم معاملة فضة([74])، وإذا كانت الانتصارات العسكرية التي حققتها الحملة على قوات المماليك، في بداية غزوها لمصر قد تركت بعض الآثار في أذهان المصريين، فإن تلك الإثارة ما لبثت أن خفت وتلاشت عقب نجاح أهالي ( عكا) في إحباط محاولات نابليون المستميتة من أجل احتلال مدينتهم وإرغامهم إياه على صرف النظر عن مشاريعه الطموحة وتقهقره راجعا إلى مصر يجر أذيال الهزيمة([75]). بل أن المصريين ما لبثوا أن شهد وأقوات (الخليفة) تلحق الهزيمة بقوات الحملة الفرنسية (بغض النظر عن الدعم البريطاني الذي ساندها) وتستعيد منها (أرض الإسلام)، وتعيد الأمور إلى نصابها لكي تغدو مصر، كما كانت، ولاية عثمانية يتولى مقاليدها وال عثماني (هو محمد باشا حرو) ([76])، إن كل هذه الأمور كانت كافية لإقناع المصريين بأن نهجهم في الحياة نهج سليم، أو بالأحرى أن ليس هناك ثمة داع يدعوهم لأن يتخلوا عن نهجهم ويتبنوا نهج (الغزاة) وعلومه، وحتى استثناء الوحيد في هذا المجال، والمتمثل بالشيخ حسن العطار ودعوته إلى الأخذ بعلوم الغرب، لم يقدر له أن يحدث تأثيرا عاما بسبب موقف علماء الأزهر المناوئ لهذه الدعوة([77])، وتبعا لذلك يمكننا القول أن الحملة الفرنسية لم يتسن لها أن تؤثر مباشرا في أوضاع مصر ولا أن تخلف بصمات واضحة في الحياة الثقافية للمصريين، الذين هللوا لمغادرتها وتنفسوا الصعداء لتخلصهم من نيرها([78]). بيد أن هذا لا يعني أنها لم تترك أي أثر على الإطلاق، بقدر ما يعني أن تأثيرها كان محدودا وعلى نحو غير مباشر، تمثل على وجه التحديد في إنها غدت بالنسبة لمحمد علي، الذي تولى مقاليد الأمور في مصر فيما بعد، نموذجا يقتدي به وألهمه السبيل الذي يتعين على مصر أن تسلكه لكي يكون لها شأن ما في الشرق، كما سنبين فيما بعد.

وهكذا، وبعد ثلاث سنوات من التواجد القلق على أرض مصر، أرغمت الحملة الفرنسية، في 18 تشرين الأول 1801، على الجلاء نهائيا، دون أن يتسنى لها تحقيق أي من المهام التي حددتها حكومة الإدارة لقائد الحملة- نابليون.

وفي خضم حالة الفوضى والاضطراب التي شهدتها مصر، عقب جلاء الحملة الفرنسية، نجح محمد علي، الذي كان ضابطا في القوة الألبانية الصغيرة التي أرسلها العثمانيون ضمن جيشهم لطرد الفرنسيين من مصر ثم ما لبث أن عينه محمد باشا خسرو- الوالي العثماني قائدا لتلك القوة- أقول نجح في أن يقنع المصريين بصلاحيته لأن يتولى تدبير أمورهم، وبعد سلسلة من المناورات التي أحكم تدبيرها، اجتمع في 12 مايس 1805 مع المشايخ وعلماء الدين في المحكمة وانتخبوه واليا على مصر، وقام شيخ مشايخ الأزهر- الشيخ الشرقاوي والسيد عمر مكرم- نقيب الإشراف، بتقليده خلعة الولاية وحرروا وثيقة ضمنوها دواعي ومبررات اختيارهم إياه وأرسلوها، بعد تصديق القاضي عليها، إلى الباب العالي لكي يصدر فرماناً – قراراً- بذلك، وفي 9 تموز وصل رسول السلطان يحمل الفرمان السلطاني الذي يقر فيه تولي محمد علي ولاية مصر (اعتبارا من 18 حزيران 1905) ([79]).

ومنذ ذلك التاريخ أخذت مصر- ومن خلالها المشرق العربي- تشهد خطوات حثيثة من اجل الانفتاح على أوربا والتفاعل بشكل أوثق مع مظاهر حضارتها وما حققه العلم فيها من انجازات وتطورات.

لقد كان محمد علي، بنشأته المتواضعة وضآلة نصيبه من التعليم، يمثل نموذجا لأولئك الحكام المغامرين الطموحين الذين يسخرون ذكاءهم الفطري الحاد لتطويع الظروف المحيطة بهم وجعلها في خدمة الأهداف التي يعتقدون أن المقادير قد هيأتهم لتحقيقها، وهو بحكم كونه (عثمانيا) بل وجزء من الآلة العسكرية العثمانية، كان بإمكانه أن يتحسس عن كثب ما آلت إليه حالة الجيش العثماني من ترد وضعف، ويبدو أن استمرار هزائمه على الرغم من محاولات الإصلاح التي قام بها السلاطين العثمانيون المتأخرين، جعله يقتنع بعدم جدوى الأسلوب الذي اتبعوه في الإصلاح لقد بداله أن الإصلاح الحقيقي لا يكون من خلال تنقية (الدم) الفاسد الذي يسري في كيان الجيش ولا بمحاولة إحياء (روحه) المتماوته، بل يكون من خلال تغيير (دم) الآلة العسكرية أو مدها بـ(دم جديد طازج) وتقمصها (روحا) جديدة نشطة وثابة، أما (الدم الجديد) فقد استمده محمد علي من الفلاحين المصريين الذين عمل على تجنيدهم (وذلك عملا بمشورة القنصل الفرنسي في مصر) والاستعاضة بهم عن الأجناس المختلفة التي كانت تشكل قوة مصر العسكرية قبل ذلك- ( الترك والألبان والمغاربة والأكراد) ([80]). وأما (الروح) الجديدة فقد استمدها من النظم والأساليب الحديثة التي كانت تتبعها الجيوش الأوربية- ولاسيما الجيش الفرنسي، بعد أن تولى قيادته نابليون بونابرت وهناك ثمة دلائل على انه كان، منذ صدر شبابه، معجبا بفرنسا وما تحكمه نهضتها من روح جديدة وثابة، وإنه قد أعجب، على الأخص، بشخصية نابليون وحاول ترسم خطاه والنسج على منواله، ولعل مما يجدر ذكره في هذا الصدد انه كان يحلو له أن يشيد بأنه ولد مع نابليون في يوم واحد([81]). كما انه كان شديد الميل إلى تتبع أخباره، فطالب بأن تترجم له بعض الكتب عن الثورة الفرنسية وعن نابليون وتقرأ عليه([82]). لقد بدا لمحمد علي أن بإمكانه أن يبلغ ما بلغه نابليون من مجد وعظمة، وإن السبيل إلى ذلك، جيش فطري مطواع (الدم الجديد) يدربه مدربون متمرسون بأحدث الأساليب والمناهج العسكرية والأوربية على أحدث الأسلحة (الروح الجديدة).

أما الغاية التي كان محمد علي يتطلع إليها ويتحرك باتجاهها، فهي: وراثة الدولة العثمانية، بمجدها (العثماني) وممتلكاتها القائمة، وموقعها الهام، وهناك ثمة دلائل على انه اختار أكثر من سبيل للوصول إلى تلك الغاية: فأما العمل على إحياء الإمبراطورية العثمانية، بمطالبة السلطان العثماني تعيينه صدرا أعظم، وإذا تعذر تحقيق ذلك العمل على عزل السلطان والمناداة بمحمد علي خليفة للمسلمين، أو العمل على استقطاع الأجزاء العربية من سيطرة الإمبراطوية العثمانية وإلحاقها بمصر والعمل علي" عودة الخلافة القديمة إلى الوجود خلال سنتين أو ثلاث"([83]). ويكفي للتدليل على أن أفكارا من هذا القبيل قد راودت محمد علي، أن نتأمل الموقف النهائي الذي موقفه من الدولة العثمانية، بعد أن تسنى له إحراز ما كان يسعى إليه من أسباب القوة وبعد أن وصل جيشه، عبر سلسلة من الانتصارات على الجيش العثماني المقهور، إلى مشارف عاصمة السلطنة (وتحديدا قرب مدينة قونية)- فلقد أعلن محمد علي حينذاك انه سيخلص الإمبراطورية من السلطان الفاسد الذي على التقاليد الإسلامية واتبع أساليب الحياة الغربية([84]). والواقع انه لم تكن تفصل بين جيش محمد علي وعاصمة السلطنة عقبة ما، وكان بالإمكان أن يحقق الهدف الذي طالما تطلع إليه وسعى من أجله، لولا تدخل الدول الأوربية (روسيا وبريطانيا على وجه الخصوص) التي اقتضت مصالحها إحباط مشروعة، وبعد ذلك بسبع سنوات تكرر تهديد جيش محمد علي (في عهد السلطان محمود الثاني) لعاصمة السلطنة، عندما حقق نجله وقائد قواته ابراهيم باشا (1789-1848) انتصارا ساحقا على قوات السلطان في موقعه نزيب (نصيّبين) شمال شرق حلب، وفي الوقت الذي كانت البوادر تشير فيه إلى احتمال تحقيق محمد علي لهدفه النهائي، لاسيما بعد أن انضم إليه قائد الأسطول العثماني وألحق قطعاته بالقوة البحرية المصرية، عادت الدول الأوروبية (انكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا) إلى التدخل في النزاع وعمدت في ضوء ما تمليه عليها مصالحها وبعد سلسلة من المناورات السياسية والعسكرية، إلى إرغام محمد علي على التسليم بمعاهدة لندن ( عام 1840) التي قررت، ضمن ما قررته، اقتصار محمد علي وذريته على حكم مصر حكما وراثيا، مع مراعاة ما يرتئيه الباب العالي في هذا الصدد([85]).

أن ما أريد أن اصل إليه من خلال ذلك كله هو: أن محمد علي في انفتاحه على الحضارة الأوربية وإنجازاتها العلمية- التكنولوجية وفي خطواته من أجل تحديث أجهزة الدولة المصرية، إنما كان مدفوعا أساسا بدوافع عسكرية بحته، وإننا يتعين علينا أن نستحضر هذه الدوافع في أذهاننا دائما ونحن نستعرض ما أصدره من قرارات واتخذه من إجراءات، ولعل مما يؤكد ذلك، أن المدارس التي أنشأها، باعتبارها عماد مشروعه والأساس الذي تبنى عليه الخطوات الأخرى في هذا السبيل قد روعي عند إنشائها تغطيتها للاحتياجات العسكرية، وأنها ظلت لفترة طويلة تابعة من الناحية الإدارية إلى (ديوان الجهادية) وإنها ما لبثت، بعد أن هدأ نشاط محمد علي العسكري في آخر المطاف، أن تقلصت وخفض عددها إلى حد كبير([86]).

لقد كان أول ما أولاه محمد علي اهتمامه، في سعيه إلى تحديث أجهزة الدولة المصرية لاسيما آلتها العسكرية، هو إرساء دعائم الأسلوب الأوربي الحديث في التعليم، ولما كانت المؤسسة التعليمية القائمة- ممثلة بالأزهر- لا تستطيع أن توفر له مرامه، فقد بادر إلى إرسال عدد من البعثات التعليمية إلى أوربا، لكي يتحاشى النتائج الضارة لتوثيق علاقاته سواء مع بريطانيا أو مع فرنسا اللتين كان مدركا لتطلعهما إلى ترسيخ نفوذيهما في مصر، فإنه اختار أن يوجه بعثاته الأولى نحو ايطاليا، التي كانت تربط بينها وبين مصر والمشرق العربي عموما روابط تجارية وثيقة ترجع إلى ماض بعيد، وكان من نتائجها نشوء جالية إيطالية كبيرة في مصر، عند وصول محمد علي إلى الحكم، وكون اللغة الإيطالية اكثر اللغات الأجنبية شيوعا ولاسيما بين سكان المدن المصرية الساحلية وعلى الأخص الإسكندرية، وفي عام1809 غادرت أولى البعثات إلى إيطاليا، تبعتها في 1813 البعثة الثانية.

واستمر إرسال البعوث إلى إيطاليا حتى عام 1819، وقد شملت الموضوعات التي أرسل هؤلاء المبعوثين للتخصص فيها- العلوم العسكرية، وبناء السفن والطباعة والهندسة، وفي عام 1826 أرسل محمد علي إلى فرنسا بعثة بلغ عدد أعضائها بعد عامين، أربعة وأربعين طالبا، وفي الوقت ذاته أرسل اثنين من المبعوثين إلى القارة الأميركية، أحدهما إلى الولايات المتحدة الأميركية لتعلم صناعة السكر والثاني إلى المكسيك لزيارة مناجم الذهب فيها، وبين عامي 1828و 1830 توالى إرسال المبعوثين إلى فرنسا، وفي عام 1829 أرسل عدد كبير من المبعوثين توزعوا بين فرنسا وإنكلترا والنمسا، لدراسة الهندسة وبناء السفن والفنون البحرية، وفي عام 1832 أرسلت بعثتان أخريتان إلى فرنسا لدراسة الطب وموضوعات أخرى وفي عام 1844 بدأ إرسال أكبر البعثات إلى فرنسا لدراسة العلوم العسكرية، حيث بلغ عدد أعضاء هذه البعثة، الذين أرسلوا على وجبات، سبعين طالبا، وكان من جملة الملتحقين بها اثنين من أبناء محمد علي، واثنين من أحفاده (كان أحدهما إسماعيل الذي صار أول خديوي على مصر) وفي عام 1845 أرسلت بعثة طبية إلى النمسا لدراسة الرمد، وإلى فرنسا لدراسة طب الأسنان والطب البيطري والصيدلة وتكرير ملح البارود وتبيض المنسوجات وغير ذلك. وفي عام 1847 أرسلت إلى فرنسا بعثة أخرى لدراسة الطب. وفي العام نفسه طلب محمد علي اختيار خمسة من طلبة الأزهر لإرسالهم إلى فرنسا لدراسة" علم الوكالة في الدعاوى" ثم أرسل في أواخر 1847 أيضا عددا من تلاميذ المكتب العالي لدراسة" أمور السياسة" وعددا آخر من طلبة" المهندسخانة" لدراسة" الميكانيكا والوابورات" والواقع انه من أعضاء هذه البعثات (الذين يتراوح عددهم طبقا للتقديرات المختلفة بين 290و 350) تشكلت الكوادر الوطنية- المصرية التي تولت إدارة المؤسسات والمنشآت والمدارس الاختصاصية العسكرية- والمدنية إلى حد ما([87]).

وقد حاول محمد علي، خلال الفترة الفاضلة بين شروعه في اتخاذ الخطوات الأولى لتحديث أجهزة الدولة وبين عودة الوجبات الأولى من المبعوثين الذين أرسلهم لتحصيل علومهم في أوربا، حاول الاستفادة من الإمكانات الضئيلة المتوفرة لديه، وإنشاء عدد من المدارس الحديثة، وكان لا بد له من تذليل بعض العقبات التي تواجهه في هذا السبيل، فمن ناحية لم يكن من السهل العثور على تلاميذ مؤهلين التأهيل الكافي للالتحاق بتلك المدارس، أو لديهم الرغبة في دراسة العلوم التي طلب منهم دراستها، ولذا فقد وجد محمد علي أن لا مناص من اللجوء إلى الأزهر واختيار النابهين من طلبته وإغرائهم- وأحيانا إرغامهم- على الانتظام في تلك المدارس الحديثة([88]).ومن ناحية ثانية، كانت البلاد تفتقر تماما إلى معلمين متخصصين يتولون تدريس أولئك التلاميذ العلوم المصرية الضرورية، وللتغلب على هذه العقبة عمد محمد علي إلى الاستعانة ببعض المعلمين الأوربيين وللتغلب على هذه العقبة عمد محمد علي إلى الاستعانة ببعض المعلمين الأوربيين الذين كان غالبيتهم في البداية من الإيطاليين ثم انضم إليهم عدد من([89]) الفرنسيين ومن ناحية ثالثة فإن حرص محمد علي على أن تكون لغة التعليم في تلك المدارس هي العربية أقام بوجهه عقبة أخرى تمثلت في توفر الكتب المدرسية التي تغطي مفردات المناهج المقررة في مختلف العلوم العصرية باللغة العربية، وللتغلب على هذه العقبة اتخذ عدة إجراءات في وقت واحد: كان الإجراء الأول هو استنفار جهود جميع المترجمين العاملين في دوائر الحكومة، بما فيهم العاملين في (ديوانه)، وكان غالبيتهم من السوريين، وتكليفهم بمهمة- ترجمة الكتب المدرسية المقررة في المدارس الأوروبية- وعلى الأخص الإيطالية والفرنسية([90]).

التي طلب جلبها وأخذ يوزع ما يصلح منها للتدريس في مدارسه على المترجمين لكي يقوموا بترجمته، وكان الإجراء الثاني هو إعادة طبع الكتب المدرسية التي كانت قد ترجمت قبل إذ إلى اللغة التركية وطبعت في الأستانة([91]). أما الإجراء الثالث: فكان الإيعاز إلى الطلبة المبعوثين إلى الدول الأوروبية للدراسة بموجوب قيام كل فرد منهم بترجمة بعض الكتب المدرسية المقررة عليه في الموضوع الذي يتخصص فيه إلى اللغة العربية وإرسالها بأسرع ما يمكن لكي يتم طبعها في مصر، بل أن هذا الإيعاز سرعان ما تحول إلى شرط لابد للمبعوث من تنفيذه لكي يحق له بعد عودته الالتحاق بإحدى الوظائف الحكومية([92]).

أما الإجراء الرابع، الذي اتخذه محمد علي بغية توفير الكتب المدرسية لتلاميذ المدارس الحديثة التي أنشأها، فكان أن ألحق بالمعلمين الأجانب الذين تعاقد معهم مترجمين يتلقون دروس هؤلاء بلغاتهم الإيطالية أو الفرنسية، ثم ينقلونها إلى اللغة العربية، ثم يدفعونها إلى مصححين لغويين (كانوا غالبا من شيوع الأزهر) حتى إذا أخذت شكلها النهائي باللغة العربية ألقيت على الطلبة، ثم يتم بعد ذلك جمعها وطبعها على هيئة كتب([93]).

وهكذا وبفضل هذه الإجراءات والتدابير صار بالإمكان تهيئة المستلزمات الأساسية للمدارس الحديثة التي قرر محمد علي أنشأها فأنشأ مدرسة الهندسة (1816) والمدرسة الحربية (1822)، ومدرسة الأركان (1825)، ومدرسة الطب ومدرسة الطب البيطري ومدرسة الموسيقى- (1827)، ومدرسة الصيدلة (1829)، ومدرسة المدفعية ومدرسة الفرسان (1831)، ومدرسة القابلات(1832) والهندس خانة ومدرسة التعدين ومدرسة التاريخ والجغرافيا ومدرسة الإدارة الملكية(1834)- وهذه الأخيرة ألغيت بعد عام ونقل تلاميذها إلى مدرسة جديدة خاصة بالترجمة صارت تعرف بمدرسة الألسن.

كما أنشأ في عام (1836) مدرسة الزراعة، وفي (1837) أنشأ مدرستي الطب في الإسكندرية وحلب ([94]).

ولكي يضمن محمد علي تدفق أفواج جديدة من التلاميذ المؤهلين للالتحاق بهذه المدارس "الخصوصية- مستقبلا، عمد إلى إنشاء العديد من المدارس الابتدائية "المبتديان" في الأقاليم، بلغ عددها عام 1836 سبع وستين مدرسة تعد التلاميذ للالتحاق بالمدارس الإعدادية "التجهيزية" التي بدورها تعد التلاميذ للالتحاق بتلك المدارس "الخصوصية" كما انه لكي يضمن توفر الإعداد الكافية من التلاميذ عند إلى "أخذ الأبناء من آبائهم بغير طلب، لعدم استيناس الأمة بالمدارس، أي انه جعل التعليم، في مختلف مراحله، إلزاميا، شأنه شأن الخدمة العسكرية، وعلى هذا الأساس فإن الحكومة كانت تتكفل ليس بتعليم التلاميذ، في المراحل الدراسية الثلاثة، على نفقتها وحسب، بل كانت تتكفل أيضا بطعامهم وكسائهم ومسكنهم([95]).

وبعد عودة أعضاء البعثات التي أرسلها محمد علي للدراسة في أوروبا شهدت مصر حركة ترجمة واسعة، لاسيما وإن محمد علي كان، منذ أن أرسل البعثة الأولى إلى أوربا، كان قد كلف بعض المبعوثين بشراء أعداد كبيرة من الكتب ففي مختلف العلوم العصرية، وفي عام 1824، عندما سعة محمد علي إلى جلب عدد من ضباط المدفعية الذين أراد أن يحقق من خلالهم أساليب التحديث في جيشه، اشترط أن يجلب أولئك الضباط معهم" جميع الكتب التي تتناول أصول الفنون العسكرية التي تخصصوا فيها". كما أن القنصل الفرنسي دروفتي ما لبث أن نقل إلى محمد علي كمية من الكتب، المهداة إليه من قبل ناظر ترسانة بحرية طولون (وهي كتب خاصة) بعلوم البحرية وقوانينها([96]).

وظل محمد علي، بعد ذلك يوعز بشراء الكتب من الإستانة وازمير وفرنسا، ولم يكن الغرض من شراء أو جلب تلك الكتب الكثيرة ملء رفوف مكتبات المدارس، وقد كان لكل مدرسة "خصوصية مكتبة كبيرة" وإنما كان الغرض من ذلك، على ما قاله محمد علي نفسه في أمر أصدره إلى "وكيل الجهادية" هو ترجمتها" والانتفاع بها"([97]).

وفي عام 1835، اتخذت حركة الترجمة في مصر طابعا أكثر انتظاما، عندما أنشأت مدرسة الألسن، وقد اكتمل نموها بعد أربع سنوات وخرجت أول مجموعة من تلاميذها في عام 1839، توفر البارزون من خريجيها على ترجمة الكتب المختلة بإرشاد أساتذتها إشراف مديرها رفاعه رافع الطهطاوي(1801- 1873) وفي عام 1842 ألحق بهذه المدرسة "غرفة الترجمة الخاصة بالمترجمين"، وقد قسمت هذه "الغرفة" إلى أربعة أقسام: أولها لترجمة كتب الرياضيات، وثانيها لترجمة كتب العلوم الطبية والطبيعية، وثالثها لترجمة كتب التاريخ والجغرافيا والمنطق والفلسفة والقانون والأدب، ورابعها لترجمة الكتب التركية، وألحق بكل قسم عدد من الناسخين، حتى إذا تم إعداد الكتب المترجمة أرسلت إلى ديوان المدارس، ليشير بطبع النافع منها بعد الإطلاع عليها. وقد بقيت مدرسة الألسن، وغرفة الترجمة، تمارسان نشاطهما إلى آخر أيام محمد علي فلم يتم إلغاؤها إلا في عام 1849.

وبطبيعة الحال فإن توفير الكتب المدرسية المؤلفة أو المترجمة لتلاميذ المدارس بكميات كافية يستلزم طبعها في المطابع الآلية الحديثة، وعلى الرغم من أن الحملة الفرنسية قد استبقت المطبعة العربية التي كانت قد جلبتها معها، إلا أنها- على ما يبدو- لم تكن ذات نفع في هذا المجال. لذا فقد بادر محمد علي في عام 1815 بإيفاد (نيقولا مسابكي أفندي) إلى إيطاليا للتخصص في فن الطباعة، وبعد أن قضى نيقولا هذا أربع سنوات تعلم خلالها أصول من الطباعة وسبك الحروف وصنع قوالبها، عاد إلى مصر حيث عهد إليه محمد علي بإنشاء "مطبعة صاحب السعادة" أو "المطبعة الأميرية في بولاق" وعلى الرغم من أن إنشائها كان في عام 1820 إلا أنها لم تبدأ عملها إلا في عام 1822 وكان أول كتاب طبعته قاموس عربي- إيطالي وضعه (الأب أنطون رفاييل زاخور راهبه) أحد مترجمي محمد علي. وفي الأعوام التالية أنشئت مطابع أخرى، ألحق بعضها بعدد من المدارس "الخصوصية" وبعضها الآخر بعدد من دواوين الحكومة، منها المطبعة التي ألحقت بمدرسة الطب، وكان أول ما طبعته "كتاب القول الصريح في علم التشريح" –(1832) والمطبعة التي ألحقت بمدرسة المدفعية، وكان أول ما طبعته "الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار"، والمطبعة التي ألحقت بمدرسة الفرسان، والمطبعة التي ألحقت بـ" المهندسخانة"، وهي مطبعة حجر خاصة، أما المطابع التي ألحقت ببعض دواوين الحكومة، فهي المطبعة التي أنشأت في ( القلعة) لطبع "الجرنال الخديوي" والمطبعة التي أنشئت بقصر رأس التين بالإسكندرية، والمطبعة التي ألحقت بديوان الجهادية، والمطبعة التي ألحقت بديوان المدارس وعلى الرغم من أن الغرض الأول والأساس من إنشاء هذه المطابع كان طبع الكتب المدرسية للمدارس على مختلف مراحلها، من ناحية، وتجهيز الجيش بما يحتاجه في تدريبه من كراسات ومنشورات وتعليمات، من ناحية أخرى، إلا أنها أخرجت إلى جانب ذلك كتبا عديدة في الأدب وفروع العلم([98]).

وكان إنشاء المطابع وانتشارها سببا في نشوء الصحافة في مصر، ولقد مر بنا ذكر المطبعة الصغيرة التي أنشأها محمد علي في (القلعة) ليطبع فيها ما يمكن أن نعتبره أول جريدة مصرية سميت "الجرنال الخديوي" وكانت تنشر بعض التقارير الواردة من الأقاليم إلى ديوان محمد علي، بعد عرضها عليه وتنقيحها، باللغتين العربية والتركية، إلا أنها كانت، في الواقع، أشبه بالجريدة الداخلية منها بالجريدة العامة، لأن عدد النسخ المطبوعة منها كان لا يتعدى المائة ويقتصر توزيعها على النظار والمديرين لكي يتعرفوا من خلالها على أهم ما يقع في أنحاء القطر ويلموا بما يريده محمد علي وحكومته، وفي عام 1828 حلت محلها جريدة أخرى سميت" الوقائع المصرية" تميزت عن سابقتها بكونها أكثر عمومية وفي عام 1833 صدرت في الإسكندرية جريدة باللغة الفرنسية اسمها" مونيتير اجيسيان" كان يشرف على تحريرها غرنسي اسمه (كاميل تورل) ويبدو أن لتنامي نفوذ محمد علي وظهور بوادر تدل على طموحاتها العسكرية وتطلعاته السياسية صلة بصدورها، فقد عمل السلطان (محمود الثاني) على إصدار جريدة شبة رسمية ناطقة باللغة الفرنسية سميت "مونيتير أو تمان" استخدمها لمهاجمة محمد علي و"جرح كبريائه" وإزاء عند محمد علي إلى إصدار هذه الجريدة لكي تتولى الدفاع عنه وتفنيد الاتهامات التي تكيلها له الجريدة العثمانية غير أن المتونيتير أجيسيان لم يمتد بها العمر طويلا، إذ ما لبثت أن توقفت، بعد ثمانية أشهر، عن الصدور، فيما كانت "الوقائع المصرية" مستمرة في الصدور باعتبارها الجريدة الرسمية المعبرة عن سياسة محمد علي واتجاهات حكمة. وفي عام 1833 صدرت جريدة أخرى هي "الجريدة العسكرية" تميزت بكونها ذات طابع عسكري واقتصر انتشارها على الأوساط العسكرية. وفيما كانت "الوقائع المصرية" مستمرة في الصدور أصدر محمد علي عام 1842 أمرا دعا فيه إلى تنظيمها، وكان الجديد في أمر هذا التنظيم أن "الوقائع" لم تعد تقتصر على "نشر أخبار مصر فحسب "بل أصبح" من اللازم إضافة نبذ للحوادث الخارجية في الجريدة حتى يتقبلها الناس برغبة وشوق وتقرر أن يعهد إلى رفاعة الطهطاوي بترجمة بعض ما يرد في الصحف الأجنبية، علاوة على "بعض قطع أدبية من الكتب الأوربية، وانتخاب أخبار الملكية، وترتيب الجريدة المصرية بصفة عامة "وقد استمرت "الوقائع" بالصدور وظل رفاعة الطهطاوي يشرف عليها لحين انتهاء عهد محمد علي([99]). الجريدة التجارية الزراعية" ركزت اهتمامها كما يدل اسمها، على متابعة ونشر أخبار النشاطات التجارية والزراعية الجارية في مصر على وجه الخصوص([100]).

ولم يكن من الممكن أن تظل نتائج هذه المؤثرات محصورة ضمن حدود الأغراض العملية- بل والعسكرية التي أرادها محمد علي، بل إن آثارها ما لبثت أن اختمرت في عقول المصريين والأجانب المتمصرين وحركت فيهم الرغبة في إنشاء مؤسسات علمية مستقلة، وتهدف إلى تحقيق أغراض علمية بحتة، وقد تجلى ذلك في سعي بعض العلماء الأجانب المتمصرين، في عام 1835، إلى إنشاء جمعية أسموها في البداية "الجمعية الشرقية" اسمها وجعلوه "الجمعية المصرية" حاولوا من خلالها دراسة مظاهر حضارة الشرق وبعض جوانب الحضارة المصرية، ولاسيما اللغة والإثارة، وقد شمل نشاط تلك الجمعية أيضا إنشاء مكتبة تضم أكبر عدد من الكتب التي تتناول شؤون الشرق وخاصة ما يتعلق منها بمصر، من تاريخية وجغرافية ودينية واجتماعية، وقد استمر نشاط الجمعية حتى عام 1873([101]).

وهكذا يمكن القول، أن المشرق العربي قد شهد من خلال مصر، إشكالا ومظاهر عديدة للتلاقح الحضاري، تسربت من خلالها الإنجازات العلمية- التكنولوجية إليها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار السياسة التوسعية لمحمد علي التي حملته على أن يطوى بلاد الحجاز وسورية تحت جناحه ويحاول أن يرسخ نفوذه العسكري والسياسي فيهما، عقب صلح، الكوتاهية([102])" (1832) أمكننا أن ندرك عمق اتساع نطاق التأثير الذي خلفه مشروع محمد علي لتحديث أجهزة الدولة المصرية، وإذا كانت آثار التحديث قد ظلت محدودة في بلاد الحجاز، لاعتبارات معروفة تتعلق بقدسية المنطقة ورسوخ التقاليد المحافظة فيها، فإن الأمر كان خلاف ذلك في سورية، التي شهدت خلال تواجد الجيش المصري على أرضها نوعا من الانفتاح والازدهار الحضاري([103]).

صفحة 10
المبحث الثالث : ردود الفصل والاستجابات
 
لقد تبين لنا، من خلال المبحث الأول، أن أقطار المشرق العربي كانت في القرن الثامن عشر، مهيأة على نحو ما لاحتضان جديدة تأتيها والتفاعل معها بشكل مثمر وإيجابي، كما تبين لنا، من خلال المبحث الثاني.
 
إن ثمة عوامل- اقتصادية ودينية وعسكرية- حتمت تنامي وإتساع التواصل الحضاري، عبر منافذ وقنوات عديدة، بين بعض الدول الأوربية من جهة، والأقطار العربية المشرقية سورية ومصر- من جهة أخرى، حتى وصل الأمر إلى حد الاحتكاك المباشر بالإنجازات العلمية والتكنولوجية الأوربية في ثلاث حالات على الأقل (وإن تفاوتت في نتائجها) الحضور العلمي الفرنسي في مصر ممثلا بالعلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية و (المعهد المصري) الذي أقاموه، والحضور المصري في المؤسسات التعليمية والعلمية الأوربية، ممثلا بالطلاب الذين ابتعثهم محمد علي لتحصيل العلم في إيطاليا وفرنسا وانكلترا والنمسا، وأخيرا الحضور العلمي الأميركي الذي اقترن بتواجد الإرسالية الأميركية البروتستسانتيه في سورية، ممثلا بالمدارس العالية ومن ثم بالجامعة الأميركية التي أنشأت في سوريا واستقبلت تلاميذ من أبناء البلاد، تعرفوا من خلال مناهجها الدراسية على أحدث المذاهب والنظريات العلمية الأوربية.
 
وهنا نجد أنفسنا إزاء السؤال التالي: ترى ماذا كان رد الفعل الذي نجم عن كل حالة من حالات الاحتكاك المباشر بالإنجازات العلمية والتكنولوجية تلك لدى معاصريها، من المتعلمين والمثقفين العرب؟
 
فيما يتعلق بالحضور العلمي الفرنسي في مصر، يمكننا القول أن أبلغ تعبير عن رد الفعل هذا يتمثل في ما سجله لنا اثنان من الأزهريين من انطباعاتهم بشأن ما شاهدوه أثناء زياراتهم للمعهد المصري الذي أقامه العلماء الفرنسيون- وهذان الأزهريان هما: الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، والشيخ حسن العطار، ولقد أعرب الأول (الجبرتي)، في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار).
 
كما أشرنا في موضع آخر، عن إندهاشه وانبهاره الشديدين لما شاهده أثناء زياراته المتكررة للمعهد، المصري، الذي أنشأه العلماء الفرنسيون، وكان مما استوقفة ما احتوته المكتبة الملحقة بالمعهد من كتب باللغة العربية وبلغات أخرى تتحدث عن الإسلام وتاريخه وشخصياته، بيد أن ما خلب لبه وأدهشه أكثر كان التجارب العلمية- الكيميائية التي أجراها بعض العلماء الفرنسيين بحضوره في المختبر الملحق بالمعهد، فقال في وصفه لتلك التجارب وكأنه يصف أفاعيل ساحر متمرس يستخدم براعته في السحر في استخراج قوى خفية كامنة في بعض القماقم: ومن أغرب ما رأيته في ذلك المكان أن بعض المتقيدين لذلك أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة، فصب منها شيئا في كأس ثم صب عليها شيئا من زجاجة أخرى، فعلى الماء وصعد منه دخان ملون حتى انقطع وجف ما في الكأس وصار حجراً أصفر. فقلبة على البرجات حجرا يابسا أخذناه بأيدينا ونظرناه... وأخذ مرة شيئا قليلا جدا من غبار أبيض ووضعه على السندال وضربه بالمطرقة بلطف فخرج له صوت هائل كصوت القرايانه انزعجنا منه فضحكوا منا.. ([104]).
 
ولكن إذا كان رد فعل الجبرتي الآتي مظاهر الثقافة الأوربية وإنجازاتها العلمية قد انحصر ضمن حدود الأعراب عن الاستغراب والانبهار شاهدوه، فإن رد فعل الشيخ حسن العطار لم يقف عند هذا الحد بل تعداه إلى التجاوب والتفاعل مع المعطيات العلمية التي قدر له أن يطلع عليها، ولقد مر بنا كيف انه كان يتردد على المرصد الفلكي حيث "كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية"، بل انه ما لبث أن صار يدعو على وجوب أن تتغير بلاده وإن" تأخذ عن أوروبا العلوم التي لا توجد هنا"، ومن ثم فقد أقبل على بعض تلك العلوم يطالع كتبا عنها ويشرحها ويعلق على حواشيها([105]).
 
غير أن رد فعل العطار الإيجابي هذا ودعوته المتحمسة للأخذ بعلوم أوروبا لم يقدر لها أن تحدث تأثيرا عاما، بسبب موقف علماء الأزهر المناوئ لها ولعل من أهم أسباب تلك المناوأه المعاملة الفظة التي لقيها هؤلاء من جانب رجال الحملة عندما اعترضوا على وجودها وعلى إجراءاتها. لذا تعين على العطار أن لا يجني ثمار دعوته تلك إلا بعد مضي فترة من الزمن، وبعد أن تولى محمد علي مقاليد الأمور في مصر وشروعه في اتخاذ خطواته لتحديث أجهزة الدولة، وفي سياق ذلك، دفع العطار، الذي كان ذا حظوة لدى محمد علي (حتى انه تولى مشيخه الأزهر عام 1830)، دفع بأحد تلاميذه، ومريديه: (رفاعة الطهطاوي) وهيأ له الفرصة لكي يحقق ما لم يستطع هو تحقيقه كما سنعرف لاحقا([106]).
 
وفيما يتعلق بالحالة الثانية من حالات احتكاك المتنورين العرب احتكاكا مباشرا بالإنجازات العلمية الأوربية، فيمكننا القول أن الانطباعات التي سجلها رفاعة الطهطاوي عن الفترة التي أمضاها في فرنسا مما شاهده خلالها تمثل تعبيرا نموذجيا لرد الفعل العام الذي تولد لدى أولئك المتنورين.