eKtab
EN ع
النزيف الريفي والإحتقان الحضري
اقرأ عينة مجانية

النزيف الريفي والإحتقان الحضري

بقلم صالح خليل الصقور

صفحة 1
توطئة ( Introduction )

اعتمدت الدراسة في جزئها الميداني على بحث الماجستير المعنون باسم الهجرة الداخلية والتنمية الريفية في الأردن وهو البحث الذي تقدم به الباحث إلى كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية وحصل بموجبه على درجة الماجستير في الدراسات السكانية، وبناء عليه فإن الجزء النظري الذي جاء في مقدمة الدراسة يعتبر من الأجزاء الجديدة التي أضيفت للدراسة فأكسبتها سعة وعمق وحداثة في النظرة كما أعطت الباحث فرصة الإشارة للهجرة والتنمية الريفية في العالمين العربي والنامي …الخ الأمر الذي اكسب البحث حيوية وجاذبية كادت أن تنطق أجزائه المختلفة حتى من قبل أن يمعن القارئ في النظر إليها وبالتالي فإن الدراسة في حلتها الجديدة قد أصبحت تتألف من سبعة فصول بدلا من أربعة فصول وبالذات بعد أن تم اعتبار النتائج والتوصيات فصلا مستقلا.

هذا ولقد ركز الفصل الأول من الدراسة على الهجرة في القرآن الكريم والإرث السوسيولوجي كما حدد تعاريفها وأنواعها وأشكالها سواء أكانت طوعية أو قسرية دائمة أو مؤقتة …. الخ . وبالذات النظريات السوسيولوجية التي تؤمن بأن الهجرة ليست بكليتها شرا. أما الفصل الثاني من الدراسة، فلقد سلط الأضواء على التنمية الريفية من حيث المفهوم والتعريفات والأهداف إلى جانب تركيزه على سلطة وادي الأردن أداة التنمية الريفية في الوادي من حيث النشأة والمهام والإنجازات في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا البرامج والمشروعات الريفية التي سعت ويسعى إلى الحد من هجرة السكان من منطقة الوادي إلى المناطق الحضرية من جهة وأحداث هجرة عكسية من المناطق الحضرية إلى مناطق وادي الأردن من جهة أخرى.

كما تناول الفصل الثالث من الدراسة منهجيتها وبالذات ما تعلق منها بأهميتها وأهدافها وفروضها وأسلوب جمع بياناتها الميدانية إلى جانب التعرض لبعض الدراسات السابقة التي تناولت في الهجرة الداخلية.

أما الفصل الرابع، فلقد جاء للتعرف على الخصائص الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية لمجموعتي الدراسة سواء أكانوا من المهاجرين إلى عمان الكبرى، أو من المقيمين في مناطق وادي الأردن وبالذات ما تعلق منها بالنوع والعمر والحالة الزواجية والتعليم والدخل والمهنة وحجم الأسرة…الخ، حيث تم مقارنتها بنتائج العديد من الدراسات السابقة في مجال الهجرة كلما لزم الأمر.

أما بالنسبة للفصل الخامس فلقد انصب على دوافع الهجرة ممثلة في قوى الطرد من مناطق الإرسال والجذب في مناطق الاستقبال، حيث تم التركيز على الوضع الريفي بشكل عام والزراعي بشكل خاص وبالذات العناصر الزراعية الرئيسية وذات الدور المباشر في التأثير على العملية التسويقية، في الريف مثل حجم الملكية الزراعية وقوانين إعادة توزيعها وتخصيصها للسكان وأنظمة الري. وأنواع المحاصيل ومدى التقيد في النمط الزراعي والإرشاد المقدم للمزارعين وطبيعة القوى العاملة في الزراعة. واستخدام التقنية الزراعية وعملية التسويق والاختناقات الزراعية إلى جانب المشاركة الشعبية في المشروعات الريفية … الخ. كما تم التعرف على عوامل الجذب في العاصمة وبالذات ما تعلق منها في توفير الخدمات والأنشطة الترويحية والثقافية وفرص العمل …. الخ.

أما الفصل السادس ، فلقد اهتم بالآثار الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الهجرة على المهاجرين وكلا من مجتمعي الإرسال والاستقبال وبالذات ما تعلق منها بالتكيف مع الحياة الحضرية الجديدة ، وانتظار الحصول على فرص العمل المناسبة والضغط على المساكن وصعوبة المشاركة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية في العاصمة والنظر إلى جدوى عمل المرأة.

أما الفصل السابع والأخير، فلقد قسم إلى جزئين رئيسيين تناول أولاهما النتائج الرئيسية التي تمخضت عن الدراسة وأخراهما التوصيات التي تعتبر بمثابة سياسات لبناء برامج ومشروعات اقتصادية واجتماعية عليها من أجل الحد من النزوح ومواجهة آثار الهجرة على كافة الأطراف المتأثرين بها.

الباحث صالح الصقور
صفحة 2
تقديم الناشر

بالرغم من العدد الهائل من المؤلفات والدراسات التي ما زالت تنتظر طريقها إلى الطباعة والتوزيع إلا أننا في دار زهران للنشر قد وجدنا أنفسنا مندفعين إلى إعطاء هذه الدراسة الأولوية في النشر.

هذا ونرجو أن نوضح منذ البداية بأن اندفاعنا ورغبتنا هذه لم تكن من نوع المحاباة والمجاملة كما أنها ليست بهدف تحقيق مكاسب مادية إضافية وإنما هي من قبيل احترام الأعمال المتميزة ومحاولة تسليط كافة الأضواء عليها بما في ذلك تبليط السبل والقنوات وتنقية الأجواء التي تكفل لها سرعة الانتشار. خصوصا وأن تجوالنا الدائم ما بين عواصم الدول العربية والنامية والمتقدمة كمشاركين في معارضها الدولية وبالذات معارض بغداد والرياض والكويت والقاهرة ودمشق وبيروت وصنعاء ودبي ومسقط والدوحة والمنامة وخلافها من العواصم قد أبانت لنا بأن الهجرة تعتبر من العمليات البشرية الأولي التي صاحبت الوجود الإنساني على هذا الكوكب، بمعنى أنها ظاهرة ديمغرافية واجتماعية واقتصادية وسياسية ….الخ لا يقتصر وجودها على قطر واحد أو زمن بعينه. فأثارها الكبيرة تتبدى في التضخم الواضح في أعداد سكان العواصم والضمور المستمر في سكان بقية المناطق والأرياف، وبالذات النامية منها، وبالتالي فإن نتائج وتوصيات أي بحث أو دراسة أجريت أو تجري في أي بقعة من بقاع الكون تعتبر بمثابة مكاسب خاصة تستطيع كل دولة من الدول أن تنهل منها الكثير من الحلول لمشاكلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، لا بل والثقافية بكل ما تعنيه كلمة ثقافة من معاني مادية وقيمية وروحية، خصوصاً في مجال الحد من تيارات النزوح المتدفقة دائماً نحو العواصم والمدن الكبرى،من أجل تمكين الجميع من تحقيق توازن سكاني سليم بين أريافهم وحواضرهم.

وبناء على هذا الإدراك والتصور، فلقد أخذنا على عاتقنا مهمة أن نكون سفراء ثقافيين أينما وجدنا، نعي قيمة ما نشر ونعرض من المعارف دونما أن نكلف أية جهة من الجهات نفقات مثل هذا الواجب، مكتفيا باكتساب صفة المثقفين وليس المروجين للكتب والدراسات. خصوصاً بعد أن لمسنا بأنفسنا ندرة الدراسات والمؤلفات التي تناولت الهجرة بهذا العمق والصراحة والشمول، فنتائجها أي هذه الدراسة تعتبر بحق البلسم الشافي للكثير من القضايا والمشاكل التي تواجهها كلا من مناطق الإرسال والاستقبال لا بل والمهاجرين أنفسهم سواء منها أو إليها، بكلمات أخرى فلقد تناولت الدراسة بقوة وجرائة العناصر الأساسية التي تعتبر مسؤولة مسؤولية مباشرة عن النزوح في حالة إهمالها وعدم إعطائها كل ما تستحقه من الاهتمام إلى جانب أمور أخرى هامة تم تناولها بكل شفافية وعلمية . نريدك أيها القارئ العزيز أن تكتشفها بنفسك وبدون أية إيحاءات مسبقة من قبلنا .

الناشر . د . عدنان زهران
صفحة 3
الفصل الاول

الهجرة في القرآن والارث السوسيولوجي

(المفهوم والتعريف والأشكال .. الخ)

مقدمة

حظيت الهجرة بشكل عام والداخلية في بشكل خاص باهتمام المفكرين والعلماء و المنظمات الدولية ومراكز البحوث والتخطيط سواء القومية منها أوالدولية منذ أزمان طويلة كما ورد ذكرها في أكثر من آية من آيات القرآن الكريم.

فقد جاء في القرآن الكريم ، قوله تعالى " فأخرجهما مما كانا فيه ، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين " .

معلنا بذلك سبحانه عن أول نزوح (migration) للجنس البشري ، ممثلا بآدم وحواء من الجنة وفاتحا عهدا جديدا من التنقل ، وعدم الاستقرار، فمنذ ذلك الحين لم يقدم لنا التاريخ الإنساني نماذج من مجتمعات كاملة ودائمة الاستقرار، وإنما قدمّ صورا عديدة للإنسان وهو يبحث عن قوته اليومي قاطعا مئات الأميال كما ولم يستطيع الزمن اللاحق أن يوقف تيار الحركات البشرية.

الأمر الذي يؤكد الهجرة على كافة مناحي الحياة سواء أكانت ديمغرافية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية .. الخ و عدم اقتصارها على فترة زمنية بعينها، بمعنى أنها صاحبت الوجود الإنساني الأول على هذا الكوكب منذ إن كان ينتقل الإنسان الأولى من منطقة إلى أخرى بحثا عن الماء والغذاء .

إلا أن الاختلاف ما بين الحركات الفردية والجماعية التي حدثت في الماضي السحيق والحركات الفردية والجماعية التي تفاقمت عقب الثورة الصناعية في أوروبا وفي مطلع القرن العشرين، هو في إن حركات الماضي القديم كانت حرة لم يقف في طريق حريتها سوى الطبيعة التضاريسية الصعبة لبعض المناطق المستهدفة وقدرة الأفراد والجماعات البيولوجية على تحمل مشاق السفر، بمعنى آخر أكثر وضوحا فإن حركات الأفراد والجماعات في الماضي لم تصطدم بأية حواجز أمنية ولا بالأسلاك الشائكة أو المكهربة، كما لم يكن مطلوب منهم أي المهاجرين المرور على أقسام الهجرة والجوازات وكاونترات الجمارك الحدودية لسبب بسيط جدا هو عدم وجود مثل هذه التدابير في القديم السحيق، فهي حواجز من صنع الحضارات اللاحقة التي شهدت تأسيس التكتلات السياسية على أسس عرقية وقومية حيث تم بموجبها تنازل الأفراد والجماعات عن قدر كبير من حرياتهم وبالذات في مجال الحركة والانتقال للدساتير والقوانين التي وضعتها الكيانات الجديدة والمؤسسات الجمعية ، التي أخذت على عاتقها مهمة تنظيم كافة شؤون حياة المجتمع، وبناءاً عليه ، فلقد صار للهجرة مفاهيم وتعريفات وأشكال … الخ جديدة تتفق مع واقع الحياة المعاصرة بما حوته وتحويه من تغيرات شاملة في كافة مناحي وأشكال الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ... الخ.
صفحة 4
أولا :الهجرة في القرآن الكريم والارث السوسيولوجي

الهجرة في الإسلام (Migration In Islam)

إن المتتبع للبعض من آيات القران الكريم والنظريات السوسيولوجية والسيكولوجية التي تناولت ظاهرة الهجرة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة يلمح أنها أي ( الهجرة ) ليست بكلتيها شرا إنسانيا أو عدوا لدودا للتنمية وبالذات في الحالات والظروف الطبيعية القاهرة كانعدام العدل في توزيع الاستثمارات والحاجة إلى إعادة توزيع السكان .. الخ، لهذا فإن البعض من النظريات قد ركزت على إظهار إيجابياتها اكثر من سلبياتها، فيما ركزت نظريات أخرى على إبراز سلبياتها على المهاجرين ومناطق الاستقبال والإرسال اكثر من تركيزها على فوائدها، بمعنى آخر فإن النظر للهجرة على أنها عملية سلبية أو إيجابية أو تجمع ما بين السلبية والإيجابية يجب أن يتم في ضوء دراسة مستفيضة لكافة الظواهر المجتمعية أو على الأقل ذات العلاقة المباشرة وبالذات ما يتعلق منها بالعدالة الاجتماعية في كافة مناحي الحياة وقدرة الظروف الطبيعية التي يعيش في ظلها الأفراد على توفير الرضا والسعادة لهم داخل مناطقهم.

هذا وبالنظر لما تتمتع به آيات القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة من الصدق والثبات على مر الأزمان فإن ما أوردته من قضايا وظواهر اجتماعية واقتصادية … الخ وما خلعت عليها من أحكام ومنحتها من وظائف وأدوار قد جاءت بناءا على علم الهي كلي وكامل تجاوز في صدقة كافة القوانين والنظريات العلمية وان كنا لا نقلل من أهميتها (أي النظريات) في تفسير الظواهر وتتبعها على مر العصور، خصوصا وان نتائج اختباراتها في اكثر من موقف وموضع قد أثبتت صدقها ونجاعت ما جاءت به. كما أن العلم الدنيوي ما هو إلا جزء يسير من العلم الإلهي الذي أمد ويمد به من شاء من عباده من اجل تمكينهم من قهر الظواهر الطبيعية والاستفادة منها وبالتالي العمل على ديمومة مشيئته سبحانه وتعالى في استمرارية تحقيق ادم وحواء وذريتهما خلافتهم للأرض.

وبناء عليه ، فإن الإسلام قد نظر إلى الهجرة من دار الإسلام أو هجرة المسلم من ديار الكفر على أنها تقع ما بين الوجوب والجواز والحرمة، أي إن الدعوة إلى الهجرة قد تصل في مشروعيتها إلى حد أن تكون فرضا أو جزء لا يتجزأ من مفهوم الجهاد في الإسلام خصوصاً إذا ما شعر بأن حياته وعقيدته عرضة للخطر ما دام مقيما في منطقة أو دولة ما لأي سبب من الأسباب والدليل القاطع على أمر اعتبار الهجرة بمثابة الفرض أو الواجب على المسلمين هو قوله تعالى:

(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمين أنفسهم، قالوا فيما كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قال ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا).

إلا أنه سبحانه وتعالى استثنى من هذا الواجب بعض الفئات التي ليس في مقدورها القيام بالهجرة لعدم القدرة عليها حيث قال في الآية (97) من سورة النساء (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى ذلك سبيلا فأولئك عسى الله إن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا).

هذا ولعل من بين هذه الهجرات التي حدثت في العهود الأولى للإسلام والتي جاءت وفقا للمنطوق الكريم لهذه الآية الهجرة إلى الحبشة، وهجرة الرسول إلى الطائف ثم هجرته صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة… الخ، إلا أنه وبالرغم من هذا الحض الإلهي الكريم للمسلمين على الهجرة وبالذات في الحالات التي يخشون فيها على دينهم وأنفسهم فإنه قد قيدها سبحانه وتعالى إلى حد تحريمها من دار الإسلام، إذا ما أمن فيها المسلم على دينه ونفسه وعلى من يعول وبالذات في الحالات التي قد تودي هجرته من إلى إهماله في أداء واجباته الدينية أو في الحالات التي قد تحرم دار الإسلام فيها من أبنائها الذين قد تؤدي هجرتهم إلى إضعافها أو الإخلال بأداء أي واجب من الواجبات الدينية حيث قال الله سبحانه وتعالى: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورياء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعلمون محيط)(1).
صفحة 5
الهجرة في بعض النظريات والدراسات الاجتماعية migration in theories and social studies

تعتبر نظرية ميلر وفورم والمعروفة بالمراحل الخمس لأنماط الحياة المهنية ودراسة جورج فلور التي أجراها من اجل التحقق من بعض جوانب هذه النظرية من بين النظريات التي تجيز الهجرة وتنظر إليها بإيجابية في العديد من المواقف وبالذات المفهوم الذي طوره Flore والمعروف في القدر المناسب من الحراك الوظيفي والذي يؤكد على أهمية التجديد والانتقال من منطقة إلى أخرى في حياة الناس وبالذات لأصحاب الوظائف الإشرافية حيث توصل صاحب هذا الاتجاه إلى أن على محافظ المدينة أن لا يضل فترة طويلة جدا أوقصيرة جدا في وظيفته وأن عليه أن يكون واعيا مدركا لمخاطر الإسراف في الاندماج أو عدم الاندماج في المجتمع المحلي، كيما يضل قادرا على ممارسة مهنته بدرجة اقل من التوتر، هذا وفي الوقت المناسب فإن عليه أن يقوم بحركات منتظمة من مدينة لأخرى(2).

وما ينطبق على المحافظين من شأنه أن ينطبق أيضا على خلافهم من أصحاب المهام والمسؤوليات الهامة التي تحتاج إلى التغير والتجديد ما بين الفينة والفينة الأخرى.

أما فيما يتعلق بالنظرية الانتشارية ونظرية النموذج المثالي فإن (ريدر) قد قال بأن حال هذه المجتمعات والدول سيئة جدا لأنها من جهة سوف تكون مضطرة إلى زيادة استيرادها للمواد الغذائية من الخارج وبالتالي حدوث اضطراب في أمنها الغذائي والوطني ومن ناحية أخرى فإن عواصمها سوف تشهد انفجارا حضريا غير مأمون العواقب إلى جانب مخاطر التأثير الأخرى التي يعاني منها الأفراد وتعاني منها الأسر المهاجرة حيث أشار البعض من علماء الاجتماع والنفس … الخ.

إلى حدوث انقطاع شبه كلي ما بين المهاجرين ومناطقهم الأصل وحدوث فجوة اقتصادية وثقافية واجتماعية ما بين مناطق الإرسال والاستقبال وعدم قدرة الكثيرين من المهاجرين على التكيف مع الحياة الحضرية الجديدة وبالتالي وقوعهم فريسة للأمراض إلى جانب انحراف البعض منهم إلى حد الإقدام على ارتكاب الجرائم كالسرقة والسطو والنهب … الخ.

إلا أنه وبالرغم من أن التراث السوسيولوجي يهدف فيما يهدف إليه إلى معالجة العديد من التأثيرات المختلفة التي تحدثها المدن الكبرى على ساكينيها وبالذات المهاجرين منهم، حيث برزت أطر نظرية وتحليلية عديدة تناولت تأثير التحضر على النظــام الاجتماعي ككل وعلى الأفراد بوصفهم أفرادا لعل من أهمها تفرقة دور كـــايم (Durkheim) بين التضامن العضوي والتضامن الآلي وتفرقة تونيــز (Toennies ) بين " المجتمع المحلي " " والمجتمع "(3) … الخ.

لذا فإن تأثير الحياة الحضرية على المهاجرين يبدو حتميا وجوهريا من أجل العمل على صهرهم داخل نظمها الجديدة وتحويل سلوكاتهم وشخصياتهم من قوالب تقليدية جامدة إلى أخرى اكثر مرونة وتقبل للحياة الحضرية الجديدة .

ماذا وإلا فإنهم سوف يصبحون عبء ثقيلا على انساقها وقوانينها وبالتالي مظاهر خطرة من مظاهر تقويض بناءها وإعاقة تماسكها. وبالنظر إلى أن عملية قوليتهم وصهرهم مع المجتمعات الجديدة لن يكتب لها أن تتم بين ليلة وضحاها أو قد لا يكتب لها أن تتم أبدا حتى لو أعطيت وقتا كافيا لأسباب تتعلق بارتفاع نسبة الأمية بين المهاجرين وهشاشة بنائهم المهني وشدة تدينهم ، .. الخ. بسبب قدومهم من مناطق تشهد أعلى درجات التجانس والتقليدية إلى مجتمعات أخرى متباينة اشد التباين، فإن أمورا كهذه غالبا ما تزيد من قلقهم وحيرتهم حتى إنك لتجد الأحياء الفقيرة والمتخلفة (Slums ) تعاني فيما تعانيه من تدني في مستوى خدماتها الصحية والاجتماعية إلى جانب انتشار الأمراض وبالذات الناجمة منها عن سوء التغذية … الخ . إلا أن هذا لا يمنع من أن لاختلاف المنطلقات الفكرية وتعدد الميول العلمية لدى الباحثين الدور الأكبر في تأخير بروز نظرية شاملة في هذا الشأن إلى حيز الوجود فعلماء الديمغرافيا على سبيل المثال يعتبرونها مشكلة ديموغرافيه، بينما ينظرون لها علماء الانتقاء على أنها مشكلة اقتصادية تتعلق بحركة القوى العاملة، في حين يراها علماء الاجتماع مشكلة اجتماعية تؤثر على الإطار الثقافي للمجتمع بأسره.

ولكن وعلى الرغم من هذا التباين إلا أن نفرا من العلماء استطاعوا أن يتوصلوا إلى بعض القوانين الخاصة بالهجرة، فقد نشر رافنشن (Ravenstion ) في

قوانين الهجرة (Lows of Migration ) سبعة قوانين هي (4):

1. أن غالبية المهاجرين يتحركون إلى مسافات قصيرة من الموطن الأصلي.

2. أن عملية الامتصاص هذه تحدث على نحو مؤاداه، أن سكان الريف المجاورين مباشرة للمدينة يتجهون إليها مباشرة وإن، الفراغ الذي يخلقه المهاجرون يمتلئ بمهاجرين جدد من مناطق أخرى أكثر بعدا حتى يصل المهاجرون إلى أبعد ركن من أركان المدينة.

3. أن عملية التوزيعDestrbution هي نقيض عملية الامتصاص Absorption مع أن لها خصائص متشابهة.

4. كل تيار رئيسي للهجرة يقابله تيار دائري يكافئه.

5. إن تدرج المهاجرين في بعض المسافات الطويلة عموما يقوم على أساس تفضيلهم لأكبر المراكز التجارية والصناعية.

6. سكان المدن الأصليين أقل هجرة من سكان الريف .

7. الإناث أكثر هجرة من الذكور الأصليين.

في حين يرى ستوفر Stoffer " أن حجم المهاجرين الذين يهاجرون إلى مكان ما يتناسب مباشرة مع حجم الفرص الوسيطة المتوفرة في تلك الأماكن".

هذا ولقد أشار كارل ماركس في قانون السكان إلى أنه ( وكلما أنتجت الطبقة المؤجرة تراكم رأس المال وبقدر ما تفلح في هذا الإنتاج فإنها تنتج في الوقت نفسه وسائل إحالتها خارج العمل والإنتاج)(5).

بمعنى أن تراكم رأس المال يتيح لهذه الصناعات المقدرة على تطوير ذاتها وإحداث تحولات فنية فيها، من شأنه أن يساعد على الاستغناء عن الكثير من الفنيين والعمال الذين يصبحون عبئا عليها وبالتالي فلا بد من إنقاص عددهم لإضافة ما كانوا يحصلون عليه من أموال إلى رأس المال.

كما توصل بعض العلماء إلى أن الفئات الشابة (30-20) سنة تهاجر أكثر من غيرها من الفئات. في حين توصل آخرون إلى أن هناك علاقة طردية بن ارتفاع مستوى التكوين المهني واحتمالات الهجرة من الريف إلى المدن.

كما أثبتت بعض الدراسات أن العزاب أكثر مهاجرة من المتزوجين وأن الذكور أكثر مهاجرة من الإناث، كما أشارت بعض البحوث إلى ارتفاع نسبة المهاجرين المتعلمين، خصوصا عندما يكون الدافع اقتصاديا في حالة الجذب.

مما سبق يتضح بأن نظرية واحدة بعينها لا يمكن أن تستوعب أو تفسر جميع الدوافع التي تقف وراء قرار الأفراد في الهجرة من مكان إلى مكان آخر، لأن الدوافع تتنوع من مجتمع إلى آخر، وأنها في تنوعها وتباينها ترتبط بمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إن الحديث عن قوانين ونظريات الهجرة أمر شاق وطويل ويحتاج إلى العديد من البحوث، وقد كان تناولها في هذه العجالة كي تكون عونا لدراسة الهجرة بعمق أكثر.
صفحة 6
ثانيا: الهجرة بشكل عام والداخلية بشكل خاص

1: ما المقصود في الهجرة ؟

بالرغم مما أسفرت عنه جهود الكثيرين من العلماء والمنظمات والوكالات الإقليمية والدولية المعنية بشؤون الهجرة والقضايا الناجمة عنها من اتفاق حول موضوعاتها وتعاريفها وأشكالها إلا أن الخلاف حول تحديدها تحديدا دقيقا ومعترفا به من قبل الجميع ما زال قائما بين العلماء وبالذات بين علماء الاجتماع والديمغرافيا والجغرافيا والانثربولوجيا … الخ.

حيث عرفها أحدهم بأنها: (تغير دائم في مكان الإقامة من بيئة إلى بيئة أخرى بقصد الاستقرار في البيئة الجديدة).

في حين قال آخرون بأن الهجرة : ( ما هي إلا حركة الأفراد داخل المجتمع الواحد من بيئة محلية معينة إلى بيئة محلية أخرى أو انتقالهم من مجتمع إلى آخر عبر الحدود السياسية أو الدولية، وتكون الهجرة داخلية إذا حدثت داخل المجتمع الواحد كما هو الحال بالنسبة لهجرة الريفيين إلى المدينة وخارجية إذا قام بها الأفراد إلى خارج بلادهم لفترة محددة أو بصفة نهائية).

وبناء عليه، فإن الهجرة تكون داخلية إذا تمت بين وحدتين إداريتين داخل حدود الدولة الواحدة وخارجية إذا تجاوزت الحدود السياسية المعترف بها لأية دولة باتجاه دولة أخرى، وبما أننا في هذه الدراسة نتحدث عن الهجرة الداخلية فإن أحد الباحثين قد عرفها أيضا بأنها " التحرك ضمن ظروف أساسية تتيح للأفراد والجماعات تحقيق قدر من التوازن أو الاستمرار في الوجود عن طريق إشباع الحاجات الإنسانية المختلفة البيولوجية والاجتماعية والسيكولوجية والثقافية والسياسية، فهي عملية لإعادة التوازن للنسق الاجتماعي والثقافي"، وبالرغم من شمولية هذا التعريف، إلا أنه يبقى عاجزا عن الإجابة على الكثير من التساؤلات، خصوصا ما يتعلق منها بالوسائل التي من شأنها أن تعيد التوازن للنسق، كما أنه أعطى أهمية من الدرجة الثانية للبعد الاقتصادي.

وبناء لما تقدم فأن تعريف الهجرة الداخلية من وجهة نظر الباحث وبما يتناسب مع طبيعة الدراسة تعني ( كل حركة فردية أو جماعية من منطقة إدارية سواء كانت على مستوى محافظة أو إقليم داخل حدود الدولة الواحدة، بنية الاستقرار والإقامة في المنطقة الإدارية الجديدة سواء أكانت هجرتهم على غير إرادتهم بهدف تحسين نمط حياتهم أو بمحض اختيارهم لتحقيق رغبات واحتياجات اجتماعية وبيولوجية ونفسية واقتصادية عجزت أنساق ونظم المجمع الأصلي عن إشباعها كليا أو جزئيا بغض النظر عن المسافة التي يقطعها المهاجر)، وبالتالي فهي قريبة من مفهوم التوطين. فالتوطين ظاهرة اقتصادية واجتماعية جماعية وتحول في سلوك العشائر البدوية ظل مألوفا عندهم قرونا طويلة، وهي "أي الهجرة" عملية إنشائية تتضمن أحداث تغيير في الظروف الطبيعية القائمة، وفي طريقة استغلالها بهدف تنمية الموارد البشرية والاقتصادية ورفع المستوى الاجتماعي وتحقيق التكامل القومي من خلال توحيد الريف مع البدو مع الحضر عن طريق إدماج المجموعات البدوية في الوحدة السياسية والقانونية والاقتصادية للمجتمع.

وبشكل عام فإن الهجرة الداخلية موضوع الدراسة من العوامل الرئيسية التي تؤثر في حجم وحركة السكان، ويبدو هذا التأثير واضحا في دول العالم الثالث التي غالبا ما تشهد أجزاء منها تيارات عارمة من الهجرة الريفية - الحضرية وبالذات نحو العواصم في حركات أشبه ما تكون تفريغا دائما للريف من سكانه لصالح هذه المراكز التي غالبا ما يوصف البعض منها بأنها ذات بنى اقتصادية هشة، الأمر الذي أصبحت معه عملية الهجرة هذه عبء ثقيلا على كاهل المرافق والخدمات وسوق العمل وعنصرا بغيضا من عناصر الحركة السكانية، وهو أمر مرفوض تماما من قبل الجميع، و يتطلب استبداله خلق نوع من التوازن بين القطبين اللذان حركا ويحركان تيار الهجرة، في كل من منطقتي الإرسال والاستقبال، من اجل المساهمة في إنجاح برامج ومشروعات التنمية الريفية(Rural Development ) وبما يحقق أهدافها ويزيد من مساهمتها في الناتج الاقتصادي القومي.

هذا وبشكل عام فلقد ميز علماء الديمغرافيا والجغرافيا والاجتماع وخلافهم من المعنيين والدارسين للهجرة بين نوعين من أنواع الهجرة هما:
صفحة 7
الهجرة الخارجية أو الدولية (External migration ) :

وهي الحركة أو الحركات التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات أو الشعوب.. الخ من دولة إلى دولة أخرى قاطعين بذلك حدودا سياسية تعرف على أنها هجرة دولية، وبالتالي فإن المسافة التي يقطعها المهاجر ليست بالضرورة المعيار الأوحد لتميز هذا النوع من الهجرة عن الهجرة الداخلية، بمعنى آخر فإن المهاجر الذي يقطن بالقرب من حدود دولة أخرى ويقطع مسافة قصيرة جدا ما بين مكان سكناه والمكان الذي ينوي الاستقرار به في دولة الاستقبال يعد مهاجرا هجرة دولية بالرغم من إن المسافة التي قد يقطعها أثناء انتقاله بين الدولتين قد تقل عن المسافة التي يقطعها المهاجر هجرة داخلية ما بين قريتين أو ما بين قرية ومدينة داخل القطر الواحد.

الهجرة الداخلية (Internal migration )

تم تعريف الهجرة الداخلية في موضع سابق من هذا الجزء على أنها كل حركة انتقال من منطقة إلى منطقة أخرى داخل نفس القطر بهدف الاستقرار في المنطقة الجديدة شريطة إن تصاحب عملية الانتقال التي يقوم بها الأفراد يوميا ما بين مناطق سكناهم ومناطق عملهم، خصوصاً وأن المسافة اليومية التي يقطعها بعض الأفراد من أجل العمل أو التنزه أو العلاج أو الزيارة قد تتجاوز المسافة التي يقطعها حتى المهاجر هجرة خارجية فالفرنسيون على سبيلا المثال يقطعون حوالي المائة كيلو متر ما بين أماكن سكناهم في الضواحي ومراكز عملهم في العاصمة باريس، وهو الأمر الذي يعزز من أهمية الاتفاق مع التعريف العراقي السابق للهجرة على اعتبار إن السجل المدني الذي تمت الإشارة له غالبا ما يكون على مستوى النواحي والاقضية والالوية والمحافظات.

إلا أن ما يلاحظ على هذا التعريف هو قصر الهجرة الداخلية على الهجرة من الريف إلى المدن وبالتالي فإنه لم يشير صراحة إلى الهجرة البدوية ـ البدوية أو الريفية ـ الريفية داخل الناحية أو القضاء الواحد. كما أنه جاء مقتضبا وغير قادر على إيجاد أجوبة للكثير من الأسئلة التي قد تثار حوله فهو لم يشير إلى الهدف أو الأهداف من عملية الانتقال، بمعنى ما

الذي قد يستجد على الفرد أو الأفراد الذين ينتقلون من المنطقة البدوية (س) إلى المنطقة البدوية (ص) ما دامت المنطقة (س) لا تختلف في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية عن المنطقة (ص) بكلمات أخرى، فإن عملية الانتقال من منطقة إلى أخرى يجب إن تحركها اعتبارات اجتماعية واقتصادية ونفسانية، تماما كما هي الهجرة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية خصوصا وأن البعض قد وصفها (أي الهجرة) على أنها ليست مسيرة عمياء نحو الحتف وإنما هي على الأغلب قرارا رشيدا بل وضروريا جدا على المدى البعيد، ماذا وإلا فإن الحركات البدوية ـ البدوية والريفية ـ الريفية تبقى ضربا من التخبط والحركة غير العقلانية.
صفحة 8
2. ما هي أشكال الهجرة ؟

إن المتتبع للهجرة بشكل عام والهجرة الداخلية بشكل خاص يلحظ تعدد أشكالها تبعا لعددا من الاعتبارات منها الدوافع والفترة الزمنية والحجم فمن حيث:

الدوافع فإنها تنقسم إلى ما يلي:

1. الدوافع القسرية

غالبا ما تكون على شكل نزوح يصاحب أو يعقب العنف الذي قد يمارس من قبل بعض الجهات ضد الأفراد أو الجماعات أو الشعوب وهو على شكلين هما:

أ . العنف البدني : غالبا ما يعقب هذا الشكل من أشكال العنف ممثلا بالضرب والطرد والحروب واحتلال أراضي الغير بالقوة … الخ هجرة قسرية.

ب . العنف النفساني : غالبا ما يتخذ هذا الشكل من أشكال إجبار الأفراد والجماعات على ترك مناطقهم التعذيب والقهر والإرهاب وتضييق سبل العيش أمامهم وهي أساليب جائرة غالبا ما تتبعها بعض الأنظمة من اجل كبح جماح المبدعين وأصحاب المبادئ و بالذات الذين تعتقد بأنهم يشكلون خطرا عليها ، وما هجرة الأدمغة أو العقول، إلا نتيجة من نتائج هذا الشكل من أشكال العنف، حيث يحرم أصحاب هذه العقول من المشاركة الفاعلة في تنمية أوطانهم وبما يتفق مع تخصصاتهم وقدراتهم ورغباتهم بمعنى أن حكوماتهم غالبا ما تعهد لهم بأعمال قد تبدو في ظاهرها هامة إلا أنها في جوهرها هامشية أو إن أصحاب الحل والعقد قد فرغوها من مضمونها فباتت بعد ذلك مجرد وسائل الهاء ليس إلا ولعل خير شاهد على مآسي هذا الشكل من أشكال العنف ما حدث لأحد المبدعين الذي عاد إلى وطنه حاملا شهادة عليا في العلوم البحتة بالإضافة إلى آمال وتطلعات كبيرة عانى بسببها ما عاناه من محاولات اصطياد كان هدفها الإبقاء عليه في بلد المهجر الذي تخرج منه، فما كان من حكومة بلاده إلا إن زجت به في أحد مزارعها الصحراوية كيما يعمل مرشدا زراعيا، فما كان منه والحالة كهذه إلا إن عاود الاتصال مع البلد الذي تخرج منه، ففتحت له إحدى وكالات الطاقة النووية فيها بجناحيها فأصبح فيما بعد أحد علمائها ومدرائها البارزين. الأمر الذي استدعى وسائل الإعلام ومن بينها وسائل إعلام بلاده إلى التهليل له عبر برامج تلفزيونية وإذاعية وأعمدة صحفية متخصصة بالرغم من أنها لم تعبأ به ولا يعلمه من قبل.

2. الدوافع القومية( التنموية)

تشير الوقائع والممارسات الميدانية إلى قيام العديد من الحكومات بالطلب من الأفراد والجماعات التخلي عن المناطق التي يقيمون فيها تارة بالترغيب وتارة أخرى في الترهيب وبالذات إذا ما أحست بأن وجودهم يعيق خططها ومشروعاتها التنموية خصوصاً في الحالات التالية:

* اكتشاف النفط والمعادن والخامات الطبيعية.

* الحاجة إلى بناء السدود والأنهار والبحيرات من أجل التوسع في الزراعة المروية.

*التوطين وبناء المستوطنات البشرية الجديدة.

*إزالة السكن العشوائي غير المنظم سواء أكان على شكل صفيح أو كرتون أو عشش.. الخ.
صفحة 9
3. الدوافع الطوعية (الهجرة الاختيارية)

في حالات كثيرة فإن الأفراد والجماعات غالبا ما يقررون ترك مناطقهم الأصلية تركا طوعيا بهدف الاستقرار في مناطق أخرى لأسباب قد لا تعود مباشرة إلى عدم قدرة مناطقهم على توفير أساسيات الحياة لهم ولكن لان طموحاتهم ومدى تطلعاتهم ابعد بكثير من مسافة وإمكانيات مناطقهم بعبارات أخرى فانهم يسعون من وراء هجرتهم هذه إلى تحقيق مكاسب جوهرية تتعلق بالمكانة وهو الأمر الذي غالبا ما يتم تحقيقه من خلال شكلين من أشكال الحراك هما:

أ . الحراك العلمي ( Intergenerations Education Mobility )

نتيجة لعدم رضا نسبة لا يستهان بها من الآباء عن مستواهم العلمي حيث غالبا ما تسود الأمية بين صفوفهم، فإنهم لا يمانعون من التضحية باستقرارهم وأمنهم فيبدأو في هجر مناطق سكناهم إلى مناطق أخرى تتوفر فيها المدارس والمعاهد والجامعات من أجل إلحاق أبنائهم بها وبالتالي ضمان مستقبل مريح لهم بمعنى آخر فإن الأباء الأميون لا يريدون لأبنائهم إن يصبحوا أميون مثلهم. فكاني بهم والحالة كهذه يريدون إن يروا رغباتهم وأحلامهم الشبابية التي لم يستطيعوا تحقيقها في السابق قد أصبحت واقعا معاشا في أبنائهم، فالأب الذي كان يتمنى أن يكون طبيبا، إلا أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد وقفت في طريق تحقيقه لأمنيته لا يستطيع أن يخفي سعادته، وهو يرى فلذة كبده عضوا في نقابة الأطباء، لا بل فإنه يعتبر نفسه شريكا له في مثل هذا النجاح.

ب .الحراك المهني الصاعد (Intergenerations occupation Mobility )

غالبا ما ينتاب الكثيرين من الريفيين الشعور بالحسرة والندم على سنوات عمرهم التي افنوها في أعمال ومهن يعتقدون هم بأنها أصبحت غير ذات جدوى أو لم تعد تواكب التطور والتقدم اللذان حصلا في الحياة مثل الرعي والصيد … الخ وبالتالي فانهم خرجوا ويخرجون عليها من خلال أمرين هما:

1. الانتقال من مناطقهم إلى مناطق أخرى بهدف تغير نمط حياتهم بما فيها طبيعة الأعمال والمهن التي يمتهنونها وذلك من خلال العمل في الوظائف العامة أو قطاع الإنشاءات أو القوات المسلحة … الخ في مناطق الاستقبال.

2. اتجاه البعض منهم إلى مساعدة أبنائهم على إن لا ينخرطوا في نفس الأعمال والمهن التي يقومون فيها ، بمعنى آخر فإن عامل الزراعة أو الراعي أو الصياد … الخ لا يريد لأبنائه إن يمتهنوا نفس المهنة التي يؤديها وبالنظر إلى إن أحداث نقلة في نوعية المهن ليس بالأمر السهل وبالذات داخل مناطقهم الأصل فإن المطلوب منهم إن يرحلوا مع أبنائهم إلى المناطق التي قد يتمكن فيها أبنائهم من الالتحاق بكليات الطب أو المحاماة أو الهندسة أو الصيدلة… الخ أو على الأقل إن يرسلوا بأبنائهم إلى مثل هذه المناطق أولا ثم ما يلبثوا أن يلحقوا بهم فيما بعد. هذا وتشير دراسات الحراك الاجتماعي بشكل عام والمهني بشكل خاص إلى أن شكل الحراك المهني سواء أكان بين الأجيال أو داخل الحيل الواحد" يسيران معا في خطوط موازية لأشكال الحراك الاجتماعي وأن اختلفت في بعض التفاصيل التي تنجم عن طبيعة المهن ذاتها.. فكلما زاد التباين بين مهن الأبناء والآباء والأجداد، كلما أشار ذلك إلى حدوث قدر ملحوظ من الحراك المهني، فإذا حقق الجيل اللاحق مستوى مهني أعلى من الجيل السابق، فان ذلك يشير إلى حدوث حراك مهني صاعد بين الأجيال، أما إذا كان الحراك المهني للجيل السابق أعلى من المستوى المهني للجيل اللاحق فان هذا يعني حدوث حراكا مهنيا هابطا بين الأجيال"
صفحة 10
4. الرغبة في تغير المكانة الاقتصادية والاجتماعية

بالرغم من أن المكانة المهنية تتأثر بشكل واضح بمقدار الدخل الذي يتحصل عليه الأفراد لقاء ممارساتهم المهنية إلا أن واقع الحال يشير إلى إن هناك فارق ما بين المكانة المهنية والمكانة الاقتصادية والاجتماعية للأفراد فبرغم من أن البعض ممن يمارسون مهنا تعتبر من المهن التي تقع في أعلى السلم المهني (كالطب والمحاماة والهندسة والصحافة والخدمة الاجتماعية .. الخ) إلا أنهم قد يتحصلون على دخل شهري اقل بكثير مما يحصل عليه تجار الخردة والأثاث المستعمل .. الخ مع من أن مهنهم تعتبر من مهن الياقات البيضاء، وبناء عليه فان الدخل بشكل عام يعتبر عامل هام من عوامل المكانة الاقتصادية والاجتماعية لهذا فان الأفراد غالبا ما يسعون إلى تعزيز مكانتهم هذه من خلال الانتقال إلى المناطق التي يعتقدون بان من شأنها إن تحقق لهم الدخل الكافي سواء داخل البلاد أو خارجها أو على الأقل تحريض أبنائهم على الهجرة إلى المناطق التي من شأنها أن توفر لهم مثل هذه الدخول العالية إلا أنه من غير المستبعد أن ينجح الأبناء خلال رحلة البحث والعمل هذه في مناطق الاستقبال بحيث يصبحوا بعد ذلك بمثابة الطعم الذي يجلب بقية أفراد الأسرة إلى المناطق التي هاجروا إليها .. الخ.

ولعل خير دليل على أن المهنة وحدها لا تغني عن الدخل في تحقيق الهيبة وبالذات ما يتعلق منها بالمكانة الاقتصادية. خصوصا في هذا الزمن المادي البحت هو قبول البعض من الأطباء في أن يعملوا كممرضين والمهندسين كعمال فنيين في الورش الكهربائية والميكانيكية .. الخ وإذا ما كان الدخل الذي يتحصلون عليه من خلال هذه الأعمال يفوق كثيرا جدا ما قد يتحصلون عليه فيما لو عملوا في مهنهم الأصل خصوصاً إذا ما كانوا من المهاجرين هجرة خارجية.