صفحة 1
الفصل 1
استيقظ ببطء شديد على سرير فاخر من القطن، سرير لم يعتد النوم عليه يوماً· في بادئ الأمر اعتقد أنه هذيان الاستيقاظ، لكنه سرعان ما انتبه أنه لم يكن يهذي، صعق لما رآه وصاح في نفسه: أين أنا؟! ما الذي جاء بي إلى هذا المكان الغريب!كان يسمع أصواتاً من خارج الغرفة التي تبدو تفاصيلها غريبةً عليه وعلى ثقافته، لوحات معلقة على الجدران، ومزهريات فضية على رفوف جدارية، وأشياء لا يعرف ماهيتها هنا وهناك·· قصاصات ورق كلها مكتوبة بالإنجليزية·· لا شيء مكتوب بالعربية!··
دارت بداخله الكثيرُ من التساؤلات التي سببت له التوهان مع بعض الألم في معدته، بينما يحاول أن يتذكرَ شيئاً أو خيطاً ما قد يفسر له سبب استيقاظه في هذا المكان الغريب··
نظر إلى الجدار مرةً أخرى من زاويةٍ مختلفة ليجد صوراً لأشخاص لا يعرفهم، فجأةً فتح فمه إلى أعلى حد وصاح هذه المرة بصوت مسموع، وهو يجد شيئاً أغرب من كل تصوراته الخيالية، شيئاً يستحيل أن يكون حقيقياً: إنني ما أزالُ أحلم، إنني ما أزالُ أحلم·· هذا مستحيل! كان يردد لنفسه كالمحموم: ما هذا؟، ما الذي أراه؟!··
وجد على الجدار وبقرب السرير صوراً له وهو برفقة أشخاص لم يعرفهم يوماً، وصورةً كان فيها مع سيدةٍ كبيرة في السن، سيدة أجنبية وغريبة عنه، وأخرى ما تزال شابة·· كانت الصورة تحمل وضعية حميمية وكأنهما يعرفانه ومقرَّبتان منه، وهو في الصورة يقف بينهما مبتسماً، ولا يبدو عليه أي أثر للحيرة التي هو عليها الآن وهو ينظر إلى هذه الصور التي لا توحي له بأي شيء حقيقي، لا توحي له إلاَّ بأنه يحلم، حتــى إنــه شــك بأنها فعلاً صورته، فقد كان يبدو أكثر وسامةً وتألقاً وبهجةً، ويرتدي ملابسَ غريبة عليه، لم يألف ارتداءها يوماً·
كيف أحلم وأنا الآن أعرف أنني أحلم؟!، وأنا الآن أقومُ بإنكار الحلم وأنتقده بل وأريدُ بقوة الخروج منه؟! هذا ما كان يقوله لنفسه وكأنه دخل في أحد النقاشات السفسطائية·
اقترب من الغرفة أحد الأصوات البعيدة التي كان يسمعها في الخارج، سمع باب الغرفة يقرع بهدوء جاك·· جاك··مازلت نائماً؟ استيقظْ·· هناك من يريد رؤيتك.
صفحة 2
كان يسمع هذا الصوت النسائي بلغة إنجليزية، وما أثار دهشته أنه كان يشعر بأنه يفهم كل كلمة مع أنه لم يكن يجيد اللغة الإنجليزية على هذا النحو الواضح والمألوف!·· شعر أن الأشياء الغريبةَ تقوم بالاصطدام بوعيه الواحـد تلـو الآخر حد الصداع: ما الذي يحدث؟!··
استمر الصوت المنبعث من خلف الباب بالمناداة ما بين الحين والآخر بطريقة استحيائية، بينما ما يزال متبلداً بصدمته التي لم يستوعب إلى الآن شيئاً منها، كان يجلس بتبلد وخوف ودهشة جعلته يبدو كالمسحور·
جاااك، لم أعرف أن نومك بهذا الثقل بني؟ هل أنت بخير؟! بدأ القلق يُرْسَمُ على ملامح السيدة التي تقف خلف الباب، فهي تعرف أن جاك لا يتأخر في النوم عادةً، كما أنه لا يتأخر أيضاً في الإجابة عن من يحاول إيقاظه·
فزَّ من شروده الهذياني وهو يسأل نفسه بشيء من الواقعية ما الذي يمكن أن أفعله الآن؟ بماذا أجيب هذه السيدة التي تنادي باسم جاك؟! هل تقصدني؟! كيف أخبرها أنّه ليس هنا؟ وكيف أخبرها عن كيفية وصولي إلى هذه الغرفة التي استيقظت فيها؟! ومن هو جاك هذا؟! قرر أن يتجاهل الصوت حتى يخرج من هذه الدوامة الغرائبية التي استيقظ عليها، قرر ذلك وهو يخاف مما قد ينتظره وراء هذا الباب، وراء حائطِ هذه الغرفة، أو ربما وراء هذا الحلم!··
تزايد القرع على الباب بتزايد قلق السيدة التي تقف خلفه، وتزايد النداء، وفجأة اختفى الصوت لفترة ثم عاد وبرفقة صوت آخر·· كان الصوت الجديد يبدو حاداً لسيدة أصغر، كان هناك بعض الهمس المتردد قبل أن ينطلق الصوت الجديد ويفصحُ عن ملامحه بوضوح: جاك أيها الكسول، استيقظْ لقد أقلقت أمي عليك، لماذا لا ترد؟· جااك، لقد أفسدت مفاجَأتي لك
زاد قلقه أكثر لهذه الواقعية التي تتضاخم في هذا الحلم اللعين ربما أنا لا أحلم، ربما أكون قد خطفت أو حدث شيء ما جعلني أصل إلى هنا؟ هكذا بدأ بيأس يحاول التفكير بشكل أكثر واقعية، لكن هذه الفكرة أيضاً مستحيلة وغريبة أكثر من فكرة الحلم·
آآآه فليخبرني أحدهم ما الذي يحدث معي؟!·
بعد فترة طويلة من الطرق والمناداة القلقة من السيدتين خلف الباب، قررتا أخيراً وعلى وجل فتح الباب··
استمر الصوت المنبعث من خلف الباب بالمناداة ما بين الحين والآخر بطريقة استحيائية، بينما ما يزال متبلداً بصدمته التي لم يستوعب إلى الآن شيئاً منها، كان يجلس بتبلد وخوف ودهشة جعلته يبدو كالمسحور·
جاااك، لم أعرف أن نومك بهذا الثقل بني؟ هل أنت بخير؟! بدأ القلق يُرْسَمُ على ملامح السيدة التي تقف خلف الباب، فهي تعرف أن جاك لا يتأخر في النوم عادةً، كما أنه لا يتأخر أيضاً في الإجابة عن من يحاول إيقاظه·
فزَّ من شروده الهذياني وهو يسأل نفسه بشيء من الواقعية ما الذي يمكن أن أفعله الآن؟ بماذا أجيب هذه السيدة التي تنادي باسم جاك؟! هل تقصدني؟! كيف أخبرها أنّه ليس هنا؟ وكيف أخبرها عن كيفية وصولي إلى هذه الغرفة التي استيقظت فيها؟! ومن هو جاك هذا؟! قرر أن يتجاهل الصوت حتى يخرج من هذه الدوامة الغرائبية التي استيقظ عليها، قرر ذلك وهو يخاف مما قد ينتظره وراء هذا الباب، وراء حائطِ هذه الغرفة، أو ربما وراء هذا الحلم!··
تزايد القرع على الباب بتزايد قلق السيدة التي تقف خلفه، وتزايد النداء، وفجأة اختفى الصوت لفترة ثم عاد وبرفقة صوت آخر·· كان الصوت الجديد يبدو حاداً لسيدة أصغر، كان هناك بعض الهمس المتردد قبل أن ينطلق الصوت الجديد ويفصحُ عن ملامحه بوضوح: جاك أيها الكسول، استيقظْ لقد أقلقت أمي عليك، لماذا لا ترد؟· جااك، لقد أفسدت مفاجَأتي لك
زاد قلقه أكثر لهذه الواقعية التي تتضاخم في هذا الحلم اللعين ربما أنا لا أحلم، ربما أكون قد خطفت أو حدث شيء ما جعلني أصل إلى هنا؟ هكذا بدأ بيأس يحاول التفكير بشكل أكثر واقعية، لكن هذه الفكرة أيضاً مستحيلة وغريبة أكثر من فكرة الحلم·
آآآه فليخبرني أحدهم ما الذي يحدث معي؟!·
بعد فترة طويلة من الطرق والمناداة القلقة من السيدتين خلف الباب، قررتا أخيراً وعلى وجل فتح الباب··
صفحة 3
الفصل 2
فُتح الباب بطريقة خجلة يشوبها الفزع في الوقت نفسه، ووجدتا ما أقلقهما أكثر، وجدتاه مستيقظاً، وهو في حالة واضحة من التبلد والخوف··سألته السيدة الكبيرة : ماذا بك جاك؟! لماذا لا ترد علينا وتتجاهل نداءنا لك؟
أضافت السيدة الصغيرة: هل تعمدت ذلك؟ هل هذه أحد مزحاتك الثقيلة لتفسد مفاجأتي لك، مبروك ، لقد نجحت وببراعة قالتها وهي توحي بالعتب·
أجاب بصوت متردد: من أنتم؟ ولماذا أنا هنا؟ وكانت المفاجأة الأكثر إرباكاً له أنه يتحدث الإنجليزية بطريقة تلقائية أيضاً رغم علمه بعدم تمكنه منها··
كان الفزع واضحاً على ملامح السيدة الكبيرة لأنها تعرف بأن ابنها جاك لا يمكن أن يستمر في مزحةٍ إلى هذا الحد، وبهذه الملامح الجادة والمفجوعة، فهو في الغالب لا يجيد المزاح وليس من طبعه· أما الأخرى فكانت ملامحها تميل إلى الحنق أكثر منها إلى الفزع والقلق· قالت: يكفي، توقف عن مسرحيتك الهزلية هذه، لم أكن أعرف أنك من الممكن أن تقابل أختك بعد غياب طويل بهذه المزحة الثقيلة!
كان مشدوها ولم يعرف عمَّ تتحدثان ؟· لماذا يحدثانني وكأني أحد أفراد العائلة؟!··
أخيراً نطق بدفاعية خائفة: أنا إبراهيم، ولست جاك· ما الذي أتى بي إلى هنا؟ وعمّ تتحدثان؟!
قالت السيدة الكبيرة بفزع: جاك ماذا بك؟ هل فعلا ما زلت تمزح؟! هل جننت حتى تخيفنا بهذا الهذيان الذي تدعيه؟
أجاب أنا لا أُهرج، أنا إبراهيم أقسم لكما، كما أني لست حتى أجنبياً· كيف أتيت إلى هنا؟!
أنت بين عائلتك التي تقوم الآن بإفزاعها انطلق صوت ريتا بحدة··
صفحة 4
حل الصمت قليلاً، ثم لاحظت السيدة الكبيرة أن ملامحه لم تتغير أو تبادر بإبداء أي فعل يثبت عدم جديته، قائلة بصوت مرعوب: أنا امك ماري، وهذه أختك ريتا· ماذا حدث لك؟! بدأت تتحدث وكأنها استسلمت لفكرة أنَّ ابنها لا يمزح فعلاً·
ازداد القلق مع ازدياد الحدة والإنكار، وزادت ثقتهما بأنه جاد، قد يكون مصاباً بصدمة ما أفقدته الذاكرة، أو أن هناك خطباً ما قد أصابه· كانت الكثير من الاحتمالات يتساقط على ذهن السيدتين الخائفتين··
ذهبت السيدة الكبيرة مسرعة لتجري اتصالاً بالمستشفى ليأتوا وينظروا في حالة جاك الغريبة وما الذي حدث له··؟!· ثم عادت فوجدته يحدث أخته ريتا بإصرار عن كيف أنه إبراهيم، وأنه من اليمن، ولم يأتِ أبداً إلى هذا المكان من قبل، وأنه لا يعرفهم، ولا يعرف كيف جاء ووجد نفسه في هذه الغرفة الغريبة، وهذه الصور الملفقة له على الحائط·
كان يُصر على أن تلك الصور ملفقة أو أنها ليست له في الأساس· كان يتحدث وكأنه يهذي·· والأخت ريتا والأم تنظران إليه بخوف وقلق من حالته المفاجئة هذه· كانتا تحاولان تهدئته لكيلا يتأثر بهذه الهلوسات أكثر ويندمج معها، وربما لكيلا يفزعهما أكثر من حالته الغريبة·
أمرتاه بأن يهدأ ويبقى مسترخياً، حتى يأتي الطبيب، أو الإسعاف إن تطلب الأمر، وأخبرتاه بأن كل شيء سيكون بخير وكأنه طفل في العاشرة·
تزايد القلق والتوتر أكثر فأكثر على إبراهيم، وبدأت معدته تعتصر ألماً بشكلٍ أكثر لتفكيره بما يحدث وقد يحدث عندما يأتي الطبيب المزعوم، وربما الشرطة من يعرف· إنه في الحقيقة لم يعد يعرف شيئاً في هذا الصباح الذي استيقظ عليه·
عاد ليفكر ويقنع نفسه أن ما يحدث ليس أكثر من حلم·· هكذا كان يطمئن نفسه ويكرر بداخله: إنه حلم·· حلم·· حلم·· حلم ويتوسل وعيه أن يستيقظ، حتى أنه قام بقرص نفسه عدة مرات، ولكن لا فائدة·
ازداد القلق مع ازدياد الحدة والإنكار، وزادت ثقتهما بأنه جاد، قد يكون مصاباً بصدمة ما أفقدته الذاكرة، أو أن هناك خطباً ما قد أصابه· كانت الكثير من الاحتمالات يتساقط على ذهن السيدتين الخائفتين··
ذهبت السيدة الكبيرة مسرعة لتجري اتصالاً بالمستشفى ليأتوا وينظروا في حالة جاك الغريبة وما الذي حدث له··؟!· ثم عادت فوجدته يحدث أخته ريتا بإصرار عن كيف أنه إبراهيم، وأنه من اليمن، ولم يأتِ أبداً إلى هذا المكان من قبل، وأنه لا يعرفهم، ولا يعرف كيف جاء ووجد نفسه في هذه الغرفة الغريبة، وهذه الصور الملفقة له على الحائط·
كان يُصر على أن تلك الصور ملفقة أو أنها ليست له في الأساس· كان يتحدث وكأنه يهذي·· والأخت ريتا والأم تنظران إليه بخوف وقلق من حالته المفاجئة هذه· كانتا تحاولان تهدئته لكيلا يتأثر بهذه الهلوسات أكثر ويندمج معها، وربما لكيلا يفزعهما أكثر من حالته الغريبة·
أمرتاه بأن يهدأ ويبقى مسترخياً، حتى يأتي الطبيب، أو الإسعاف إن تطلب الأمر، وأخبرتاه بأن كل شيء سيكون بخير وكأنه طفل في العاشرة·
تزايد القلق والتوتر أكثر فأكثر على إبراهيم، وبدأت معدته تعتصر ألماً بشكلٍ أكثر لتفكيره بما يحدث وقد يحدث عندما يأتي الطبيب المزعوم، وربما الشرطة من يعرف· إنه في الحقيقة لم يعد يعرف شيئاً في هذا الصباح الذي استيقظ عليه·
عاد ليفكر ويقنع نفسه أن ما يحدث ليس أكثر من حلم·· هكذا كان يطمئن نفسه ويكرر بداخله: إنه حلم·· حلم·· حلم·· حلم ويتوسل وعيه أن يستيقظ، حتى أنه قام بقرص نفسه عدة مرات، ولكن لا فائدة·
صفحة 5
كانت الأم ماري بقربه واضعة يدها على رأسه، وتطمئنه بخوف، بينما كان يبتعد بقلق متحاشياً هذه المرأة الغريبة والأجنبية، بشعرها الأصفر السافر، وعينيها الواسعتين، وبشرتها البيضاء، وجسدها القريب إلى البدانة، والتي تجلس بجواره وتدعي بأنّها أمه!· بينما كانت ريتا حينها تجري اتصالاً وتتحدث مع أحدِهم- بنبرة مرتعدة وجادة- عن أخيها الذي يبدو فاقداً للذاكرة لسبب ما، ويبدو مشتتاً وفي حالة من الهلوسة ترافقها ادعاءات غريبة· كانت تتحدث وهي تبتعد لكيلا يسمعها أخوها وتتأثر حالته أكثر·
وفي أثناء لحظات التوتر هذه وصلت سيارة الإسعاف، ورن جرس الباب، فتحته ريتا، دخل الدكتور مع عدته الطبية، ومرافق له، وبينما كانا يسيران باتجاه الغرفة مع ريتا، كانت تقص باختصار تفاصيل ما حدث لأخيها والدكتور يهز رأسه، ويطمئنها على عجل· سيكون كل شيء على ما يرام، اطمئني هذا ما قاله لريتا وهو يدخل الغرفة المنشودة··، نظر إلى الغرفة بشكل سريع حتى وقع بصره على الشاب الذي يجلس بوضع غير مستقر على السرير، وسيدة أخرى تجلس بقربه بطريقة مرتبكة·
بعد أن ألقى الدكتور التحية على السيدة، ورحبت به بنوع من الترقب··، اقترب من الشاب وهو يسأله: هل أنت بخير؟ بماذا تشعر؟
أجابه: أشعر بخوف، وحيرة لا تطاق من كل ما يحدث معي· لماذا أنا موجود هنا؟! من أنتم؟
سأله الدكتور: ألا تتذكر شيئاً؟ حاول أن تتذكر شيئاً عن الأمس، وماذا حدث لك؟
أجابه قائلاً: أتذكر أني بالأمس كنت في بيتي وبين عائلتي، هذا ما أتذكره فقط ، لا أتذكر كيف وصلت إلى هنا؟ وما أتذكره أنا ومتأكد منه أيضاً أني لست المزعوم جاك هذا، أقسم لكم على ذلك
وبينما كان يشرح للدكتور ويبرر ويسرد كالمحموم، وبلغتين مختلفتين العربية والإنجليزية؛ كان الدكتور يفحص عيني إبراهيم وحركاتهما وعلاماتهما الدلالية، ويتفحص رأسه باحثا عن أثرٍ ما، أو أي إشارة قد توحي بشكل طبي عن سبب المشكلة التي يواجهها الآن· لم يجد الدكتور أي شيء يوحي بخلل سواءٌ في الرأس، أو حركة العينين، أو أي شيء آخر يخص التشخيصات الظاهرية الأولية· لم يجد شيئاً يثير الغرابة في التشخيص الذي قام به·
سأل الدكتور السيدتين: هل تعرَّض إلى أي ضغوط نفسية، أو أي مشكلة صدمته نفسياً؟ هل يمر بأي مشكلات في الفترة الحالية؟ أو أي صدمة جسدية قوية في الماضي، سواءٌ كحادث سيارة أو سقوط؟ أو وجود أي أمراض سابقة في دماغه، وأعضائه ، هل يعاني من شيء تودان ذكره ؟·· وغيرها من الأسئلة التي قد تشير إلى ما يفتح مجالاً لفهم الحالة وتشخيصها مبدئياً··
وفي أثناء لحظات التوتر هذه وصلت سيارة الإسعاف، ورن جرس الباب، فتحته ريتا، دخل الدكتور مع عدته الطبية، ومرافق له، وبينما كانا يسيران باتجاه الغرفة مع ريتا، كانت تقص باختصار تفاصيل ما حدث لأخيها والدكتور يهز رأسه، ويطمئنها على عجل· سيكون كل شيء على ما يرام، اطمئني هذا ما قاله لريتا وهو يدخل الغرفة المنشودة··، نظر إلى الغرفة بشكل سريع حتى وقع بصره على الشاب الذي يجلس بوضع غير مستقر على السرير، وسيدة أخرى تجلس بقربه بطريقة مرتبكة·
بعد أن ألقى الدكتور التحية على السيدة، ورحبت به بنوع من الترقب··، اقترب من الشاب وهو يسأله: هل أنت بخير؟ بماذا تشعر؟
أجابه: أشعر بخوف، وحيرة لا تطاق من كل ما يحدث معي· لماذا أنا موجود هنا؟! من أنتم؟
سأله الدكتور: ألا تتذكر شيئاً؟ حاول أن تتذكر شيئاً عن الأمس، وماذا حدث لك؟
أجابه قائلاً: أتذكر أني بالأمس كنت في بيتي وبين عائلتي، هذا ما أتذكره فقط ، لا أتذكر كيف وصلت إلى هنا؟ وما أتذكره أنا ومتأكد منه أيضاً أني لست المزعوم جاك هذا، أقسم لكم على ذلك
وبينما كان يشرح للدكتور ويبرر ويسرد كالمحموم، وبلغتين مختلفتين العربية والإنجليزية؛ كان الدكتور يفحص عيني إبراهيم وحركاتهما وعلاماتهما الدلالية، ويتفحص رأسه باحثا عن أثرٍ ما، أو أي إشارة قد توحي بشكل طبي عن سبب المشكلة التي يواجهها الآن· لم يجد الدكتور أي شيء يوحي بخلل سواءٌ في الرأس، أو حركة العينين، أو أي شيء آخر يخص التشخيصات الظاهرية الأولية· لم يجد شيئاً يثير الغرابة في التشخيص الذي قام به·
سأل الدكتور السيدتين: هل تعرَّض إلى أي ضغوط نفسية، أو أي مشكلة صدمته نفسياً؟ هل يمر بأي مشكلات في الفترة الحالية؟ أو أي صدمة جسدية قوية في الماضي، سواءٌ كحادث سيارة أو سقوط؟ أو وجود أي أمراض سابقة في دماغه، وأعضائه ، هل يعاني من شيء تودان ذكره ؟·· وغيرها من الأسئلة التي قد تشير إلى ما يفتح مجالاً لفهم الحالة وتشخيصها مبدئياً··
صفحة 6
في الحقيقة كان الدكتور متفاجئاً قليلاً من حالة الشاب، وخاصة مع الإحلالات المزيفة في ذاكرته وشخصيته التي تحل محل ذاكرته وشخصيته الحقيقية، مُحدثة شخصية جديدة بكل هذه الادعاءات المتواصلة بأنه شخص آخر· إنه يسرد قصته بشكل يبدو ثابتاً لا يتوفر-غالباً- عند من فقدوا ذاكرتهم بشكل فجائي، بل يبدو ذلك كالذي يحدث عند الذين أصيبوا ببعض التعارضات الشخصية الحادة، كالانفصام والإحلالات الجديدة التي تطرأ على الذاكرة، وعلى الشخصية المضطربة، كما عرف من السيدتين أنه لا يعاني من أمراض وراثية ونفسية، أو مشكلات قوية وصادمة، سواءٌ على المستوى العضوي أو النفسي!· وما أثار غرابة الأمر أكثر أنه أيضاً يتحدث أحياناً بلغة غريبة تبدو فعلاً كالعربية·· تشخيصات عديدة وأولوية دارت في ذهن الدكتور·
وقف الدكتور وهو يقول للسيدتين: يجب نقله إلى المستشفى، حتى يتم فحصه بشكل أدق ومعرفة ما حدث له
أحس إبراهيم بنوبات قلقه تتزايد وهو يفكر بما يقولونه، متسائلاَ في نفسه عما ينتظره خارج الغرفة؟!· تمنى من أعماقه أن يخرج من هذا الحلم لا من الغرفة فقط· للحظات سخر من إصراره على أنه مجرد حلم رغم كل ما يحدث، وعدم قدرته على الاستيقاظ·
حاول في البداية أن يرفض الذهاب معهم، وهو يقول: إلى أين نذهب؟ قلت لكم إني إبراهيم وأنا متأكد من ذلك، لست بحاجة إلى دكتور أو إلى أي شخص ليخبرني عمن أكون! أقسم لكم إني إبراهيم، دعوني أذهب كان قد بدأ بالدخول إلى مرحلة من الجدل والتبرير، والتي لا يعرف فيها هو نفسه عما يتحدث؟!·
بدأ صوته بالارتفاع مع تزايد رفضه وخوفه؛ مما أوحى للدكتور أنه في بداية دخوله في حالة عصبية أو هستيرية ، وكانت تبدو ملامح الخوف على وجه ماري والأخت ريتا، حاول الدكتور تهدئته وطمأنته، بينما كان في طريقه للإشارة لمرافقه بأن يعطيه حقنة مهدئة، لكن إبراهيم هدأ تدريجياً وكأنه استسلم للأمر خوفاً من أن تزداد الأحداث توتراً، وبادر بالخروج مع الدكتور والسيدتين·
وقف الدكتور وهو يقول للسيدتين: يجب نقله إلى المستشفى، حتى يتم فحصه بشكل أدق ومعرفة ما حدث له
أحس إبراهيم بنوبات قلقه تتزايد وهو يفكر بما يقولونه، متسائلاَ في نفسه عما ينتظره خارج الغرفة؟!· تمنى من أعماقه أن يخرج من هذا الحلم لا من الغرفة فقط· للحظات سخر من إصراره على أنه مجرد حلم رغم كل ما يحدث، وعدم قدرته على الاستيقاظ·
حاول في البداية أن يرفض الذهاب معهم، وهو يقول: إلى أين نذهب؟ قلت لكم إني إبراهيم وأنا متأكد من ذلك، لست بحاجة إلى دكتور أو إلى أي شخص ليخبرني عمن أكون! أقسم لكم إني إبراهيم، دعوني أذهب كان قد بدأ بالدخول إلى مرحلة من الجدل والتبرير، والتي لا يعرف فيها هو نفسه عما يتحدث؟!·
بدأ صوته بالارتفاع مع تزايد رفضه وخوفه؛ مما أوحى للدكتور أنه في بداية دخوله في حالة عصبية أو هستيرية ، وكانت تبدو ملامح الخوف على وجه ماري والأخت ريتا، حاول الدكتور تهدئته وطمأنته، بينما كان في طريقه للإشارة لمرافقه بأن يعطيه حقنة مهدئة، لكن إبراهيم هدأ تدريجياً وكأنه استسلم للأمر خوفاً من أن تزداد الأحداث توتراً، وبادر بالخروج مع الدكتور والسيدتين·
صفحة 7
في أثناء خروجه من الغرفة نظر إلى التفاصيل من حوله، كان البيت أنيقاً وجميلاً ويشبه القصر مقارنة بالبيت الذي كان يعيش فيه· كانت هنالك صالة كبيرة، ودرج متمايل بني اللون، وسلالم خشبية منحوتة وبشكل ملتوٍ في داخل المنزل تؤدي إلى طابق علوي· كانت هناك مزهريات كبيرة على بعض الزوايا، وتمثال قاتم اللون لرجل نصف عار عند أول الدرج، وأريكةً حمراء فاخرة في وسط الصالة، ولوحة كبيرة للمسيح بألوان زيتية معلقة على الجدار، ومطبخ بعيد مفتوح بطريقة غريبة جعلته يبدو كتلك البارات التي كان يشاهدها في الأفلام الأجنبية· كان يتأمل كل تلك التفاصيل بانبهار رغم عدم توقفه عن الخوف·
لمح الدكتور الطريقة المتفحصة التي ينظر بها الشاب إلى المكان، سأله قائلاً: هل تتذكر شيئاً في هذا المكان؟ وكأن الدكتور كان يجري محاولة اختبار أخيرة لذاكرته·
أجاب بشكل مباشر، وبلا تردد: لا أتذكر شيئاً، لم أكن هنا يوماً
حسناً لا بأس قال الدكتور·
استمروا بالسير حتى وصلوا إلى باب المنزل الذي اكتشف إبراهيم حينها أنه عبارة عن فيللا صغيرة محاطة بأشجار جميلة ومشعة بتناغمها·
لامس ضوء الشمس عيني إبراهيم وأحس بأن هذه الأشعة مختلفة عن الأشعة التي يعرفها، أو اعتاد عليها، كانت تبدو له أكثر برودة، قال لنفسه: ربما كان هذا الفارق بين أشعة شمس الحياة الحقيقية، وأشعة شمس الحلم حاول إبعاد هذه الأفكار سريعاً، وكأنه يهرب من الهلوسة والجنون·
لمح الدكتور الطريقة المتفحصة التي ينظر بها الشاب إلى المكان، سأله قائلاً: هل تتذكر شيئاً في هذا المكان؟ وكأن الدكتور كان يجري محاولة اختبار أخيرة لذاكرته·
أجاب بشكل مباشر، وبلا تردد: لا أتذكر شيئاً، لم أكن هنا يوماً
حسناً لا بأس قال الدكتور·
استمروا بالسير حتى وصلوا إلى باب المنزل الذي اكتشف إبراهيم حينها أنه عبارة عن فيللا صغيرة محاطة بأشجار جميلة ومشعة بتناغمها·
لامس ضوء الشمس عيني إبراهيم وأحس بأن هذه الأشعة مختلفة عن الأشعة التي يعرفها، أو اعتاد عليها، كانت تبدو له أكثر برودة، قال لنفسه: ربما كان هذا الفارق بين أشعة شمس الحياة الحقيقية، وأشعة شمس الحلم حاول إبعاد هذه الأفكار سريعاً، وكأنه يهرب من الهلوسة والجنون·
صفحة 8
نظر حوله، إلى كل التفاصيل الخلابة، وتبادرت إلى أذنيه أصوات الحياة خارج الفيللا، كانت أصوات تبدو منظمة ومتناسقة· وحين خرج من بوابة سور الفيللا إلى الشارع وجد عالماً جديداً لم يعرفه أبداً حتى في أحلامه، عالماً لم يكن ليراه إلا في الأفلام الغربية، والأجنبية، سيدات بملابس كانت تبدو جريئة وفضاضة، وشعر مكشوف، بلا حجاب على غير الذي اعتاد رؤيته في اليمن، حيث تغطي المرأة كل ملامحها إلا عينيها، وأطفالاً بملابس أنيقة ونظيفة، وشوارع منظمة، وبيوتاً تبدو متشابهة وكأنها مرسومة بيد رسام ماهر، وسياراتٍ مركونة بانتظام، لم ينظر إلى كل التفاصيل حوله بشكل دقيق لأنه وجد نفسه يدخل سيارة الإسعاف مع السيدتين بجواره، لكنه أدرك- بما لا يدع مجالاً للشك- أنه ليس في اليمن، وهذا ما زاد غرابة الأمر وعزز من شكوكه بكونه يحلم فعلاً، حيث لا يمكن لأحد أن يختطفه من اليمن إلى هذا المكان الذي يبدو في دولة أجنبية بينما كان نائماً! أو أن يظهر هكذا فجـأة في هذا المكان· لم يصل البشر بعد إلى اختراع تلك الآلة التي تستطيع تحقيق هذا المعجزة، لا وجود لأي منطق واقعي في أي احتمال ممكن يفسر وجوده هنا، في هذه الدولة الغريبة وبين هذه العائلة التي تعامله كأنه أحد أفراد العائلة!·
انطلقت السيارة، وشعر إبراهيم برغبة بالسؤال عن المكان أو المنطقة التي هو الآن فيها، تردد طويلاً عن طرح السؤال، لأنه شعر أن طرحه للسؤال قد يعني استسلامه للأمر، استسلامه للحلم وانتصار الحلم عليه، أو انتصار هذا الحدث المجهول الغريب عليه·
ظل لفترة من الوقت ساكتاً، بينما كانت السيدتان تنظران إليه بابتسامة مطمئنة، وقلق مختبئ وراء توتر ابتساماتهن· كانتا تخافان الحديث معه لكيلا يعود مرة أخرى إلى هلوسته، قررتا الصمت - وكأنهما قد اتفقتا على ذلك - حتى يصلوا إلى المستشفى وإلى الدكتور المختص؛ كما يقرر المتهم الصمت حتى يحضر محاميه··
انطلقت السيارة، وشعر إبراهيم برغبة بالسؤال عن المكان أو المنطقة التي هو الآن فيها، تردد طويلاً عن طرح السؤال، لأنه شعر أن طرحه للسؤال قد يعني استسلامه للأمر، استسلامه للحلم وانتصار الحلم عليه، أو انتصار هذا الحدث المجهول الغريب عليه·
ظل لفترة من الوقت ساكتاً، بينما كانت السيدتان تنظران إليه بابتسامة مطمئنة، وقلق مختبئ وراء توتر ابتساماتهن· كانتا تخافان الحديث معه لكيلا يعود مرة أخرى إلى هلوسته، قررتا الصمت - وكأنهما قد اتفقتا على ذلك - حتى يصلوا إلى المستشفى وإلى الدكتور المختص؛ كما يقرر المتهم الصمت حتى يحضر محاميه··
صفحة 9
تسلل صوت إبراهيم بهدوء، بعد تردد طويل: أين أنا الآن؟، لا يبدو لي أننا في اليمن
نحن الآن نعبر أكسفورد ستريت·· في لندن أجاب الصوت المميز لريتا·
رد بدهشة: لندن!، كيف يمكن ذلك؟!
لم تفهم السيدتان ما الذي قصده بتساؤله الغريب هذا··؟!·
قالت ماري بصوت أمومي دافئ: لا تقلق، سنعرف كل شيء في المستشفى
كان الدكتور حينها يراقب كلام وتصرفات الشاب، يراقب ما يمكن أن يجده في حركاته وتصرفاته وما يقوله وقد يوحي بمشكلة نفسية أو عصبية ، أو قد يبرز تناقضاً ما، أو فكرة توحي بشيء يخرجه من طور هذه الشخصية الجديدة التي يدَّعيها ويتقمصها ببراعة· رغم كل هذا كان الدكتور يعرف بأن كل شيء من الممكن حدوثه· فقط كان ما يزال يفكر في مسألة اللغة العربية، أو الغريبة التي كان يتحدث بها هذا الشاب·
نحن الآن نعبر أكسفورد ستريت·· في لندن أجاب الصوت المميز لريتا·
رد بدهشة: لندن!، كيف يمكن ذلك؟!
لم تفهم السيدتان ما الذي قصده بتساؤله الغريب هذا··؟!·
قالت ماري بصوت أمومي دافئ: لا تقلق، سنعرف كل شيء في المستشفى
كان الدكتور حينها يراقب كلام وتصرفات الشاب، يراقب ما يمكن أن يجده في حركاته وتصرفاته وما يقوله وقد يوحي بمشكلة نفسية أو عصبية ، أو قد يبرز تناقضاً ما، أو فكرة توحي بشيء يخرجه من طور هذه الشخصية الجديدة التي يدَّعيها ويتقمصها ببراعة· رغم كل هذا كان الدكتور يعرف بأن كل شيء من الممكن حدوثه· فقط كان ما يزال يفكر في مسألة اللغة العربية، أو الغريبة التي كان يتحدث بها هذا الشاب·
صفحة 10
الفصل 3
أُجريت الكثير من الفحوصات لإبراهيم حين وصل إلى المستشفى، كان يبدو وكأنه قد استسلم، وقرر التوقف عن المقاومة، والبقاء في وضعية المترقب، متسائلاً عما يمكن أنْ يحدث؟··هل سأصحو في الأخير من هذا الحلم؟ أم سأكتشف شيئاً آخر أكثر غرابة من حلم واقعي حبست بداخله؟!·
لم يظهر على غالب الفحوصات- كفحوصات الدماغ والأعصاب والقلب والدم- أي شيء يوحي بالمشكلة التي حدثت له·
إنه يبدو سليماً من ناحية الفحوصات التي أجريناها عليه حتى الآن، لا شيء عضوياً يوضح سبب المشكلة التي يعاني منها، حتى إنه يبدو بصحة جيدة جداً هذا ما قاله الدكتور روبرت للسيدتين·
كيف حدث هذا إذن؟! ما الذي يمكن فعله، هل سيبقى أخي جاك بهذه الشخصية الغريبة التي يدعيها؟ كانت ريتا تبدو اندفاعية في كلامها هذا، مع أنها تشعر أنه قد يكون كلاماً مبالغاً فيه·
رد الدكتور روبرت مبتسماً، وكأنه يتحدث مع طفلة: اطمئني، هذا ليس كل شيء، هناك المزيد من الفحوصات والتشخيصات، حتى إننا سنحيله أيضاً إلى متخصصين نفسيين ليتم إجراء فحوصات نفسية ربما تستطيع تشخيص مشكلته وعلاجها، وأنا أُرجحُ أن المشكلة ستكون نفسية بشكل كبير، حيث لا يوجد في الفحوصات التي أجريناها حتى الآن أي أضرار عضوية واضحة، دماغية كانت، أو أمراضاً وراثية كانت سبباً في ما حدث له
ردت ريتا إن أخي لا يعاني من أي مشكلة نفسية سابقة، كما أنه شخص مسالم ومشكلاته في الحياة قليلة لا تتجاوز فضوله المعرفي
أي فضول تقصدين؟ رد الدكتور وهو يوحي باهتمامه·