صفحة 1
المقدمة
تبدأ صلتي بهذا الموضوع من رغبتي في التعرّف إلى الأدب النسائيّ، وتتبّع اتجاهاته، ومن ثمّ الوقوف على دور المرأة العربيّة في عصور متعدّدة؛ فقد تضمّن تراثنا العربيّ صورة للمرأة رسمها الرجل فغدت أشبه بالأسطورة، وتضمّن التراث ذاته المرأة الواقع؛ لذلك رأيت أن أكتب عن ليلى الأخيليّة، المرأة الشاعرة، التي عاشت في حقبة من حقب التاريخ العربيّ الإسلاميّ، اشتملت على صراعات سياسيّة وقبليّة ودينيّة واجتماعيّة، وذلك في النصف الأوّل من تاريخ الدولة الأمويّة.
كان لليلى دور سياسيّ قبليّ؛ فوفدت على الخلفاء والأمراء والقادة، وعبّرت عن جانب من موقف قبيلتها - بني عامر- من الصراع الدائر على الحكم، كما كان لها دور اجتماعيّ أدبيّ حين غدت تُهاجي كبار شعراء هذه الحقبة التاريخية أمثال؛ النابغة الجعديّ وتميم بن أُبَي بن مُقبل، واتّصلت كذلك بشعراء آخرين أمثال؛ سوّار بن أوفي وحُميد بن ثور وأوس بن مغراء والعُجير السلولي وغيرهم.
أمّا الدور الاجتماعيّ الأدبيّ الذي قامت به ليلى، فقد تمثّل في صلتها المتينة بالشاعر توبة بن الحميّر الخفاجي الذي أحبّته حبًّا عذريًّا - وكلاهما من قبيلة عامر - ولما مات رثته بحرقة، فشكّلت ظاهرة فريدة من ظواهر الشعر العربيّ، إذ كنّا نجد المرأة العربيّة ترثي أخاها أو أباها أو زوجها أو ابنها، أمّا ليلى فقد رثت حبيبها الذي قتل فطالبت بالثأر له، وخلّدت ذكره في قصائدها، ممّا جعل أحد الباحثين يشكّ في وجود هذه المرأة لاعتقاده أنّ المجتمع العربيّ آنذاك لم يكن ليسمح لامرأة أن تقول مثل هذا الشعر في حبيب لم تكن زوجًا له.
ولعلّ من دواعي الكتابة عن هذه الشاعرة، أنّ المكتبة العربيّة خلت من دراسة جادّة ومستقصية عن حياتها وشعرها، فقد كان يكتب عنها عبر سلاسل عامّة عن نساء العرب أو الإسلام، دون أن تخصّص لها دراسة وافية، كما أنّ قيام الباحثين خليل إبراهيم العطية وجليل العطية سنة 1967م، بجمع ديوانها مع مقدمة ضافية عن حياتها وشعرها، أظهر أنّ ليلى طرقت من الموضوعات الشعريّة ما يصلح لأن يدرس دراسة مستقصية، فقد اشتمل ديوانها على موضوعات متعدّدة منها الرثاء والمدح والهجاء والفخر، فشكّلت مجتمعة مادةً كافية للدرس.
وقد رأيت أن تكون دراستي هذه في خمسة فصول:
يعرّف الفصل الأوّل بليلى الأخيليّة من حيث اسمها ونسبها وصفتها، ويأتي على مناقشة خبر زواجها وأولادها، وأخيرًا يعرض لوفاتها من حيث الزمان والكيفيّة والمكان.
ويدرس الفصل الثاني صلة ليلى بأعلام عصرها، فيبدأ بدراسة صلتها بتوبة بن الحميّر الشاعر الذي أحبته، ثمّ سائر الشعراء الذين اتّصلت بهم في حياتها؛ ويحلّل القسم الثاني من هذا الفصل صلتها بالخلفاء والأمراء والقادة في الدولة الأمويّة، وطبيعة تلك الصلات، وعلى الأخصّ ما كان بينها وبين عبد الملك بن مروان والحجّاج بن يوسف الثقفيّ.
ويعرض الفصل الثالث لبحث ديوان ليلى بين القدماء والمحدثين؛ فيخصّص القسم الأوّل منه للحديث على رحلة الديوان عبر التاريخ، متى كان؟ ومن اعتنى به قديمًا؟ ومتى فقد؟ وكيف تم جمعه حديثًا؟ ويتصدّى القسم الثاني من هذا الفصل لمناقشة آراء جماعة من القدماء والمحدثين في شعرها، وطبيعة عناية هؤلاء به، ومحاولات تقييمهم له، وكيف أنّ كثيرًا منهم قرنها بالخنساء؛ فمنهم من فضّلها عليها، ومنهم من جعلها دونها، كما أنّ ذكرها ارتبط عند آخرين بذكر كبار شعراء العربيّة وفحولها.
أمّا الفصل الرابع فيتناول بالبحث موضوعات شعر ليلى، ويعرض لها حسب أهمية كل موضوع، فيبدأ برصد شعر الرثاء وما قدّمت فيه ليلى من الوجهة الفنّيّة، ثمّ شعر المدح وما كشف عن مواقف لها تجاه الذين مدحتهم من الخلفاء والأمراء والقادة، ومدى التزامها بموقف قومها السياسيّ. ثمّ يأتي بحث موضوع الهجاء والمعاني التي نعتت بها ليلى الأشخاص الذين هجتهم، مع تطرّق إلى دواعي ذلك الهجاء وأسبابه، ويختم الفصل بالحديث على الفخر الذي خصّت به ليلى قومها بني الأخيل من عُقيل، وبعض بطون بني عامر ممن كانوا إلى جانب العُقيليين.
ويأتي الفصل الأخير ليشكّل وقفة مع فنّ ليلى الشعريّ، وذلك ضمن محورين؛ أوّلهما يبحث في نهج القصيدة التقليديّة عندها، وكيف كانت صلتها بالموروث الشعريّ وتقاليده، وكيف بنت قصيدتها، على الرغم من أنّ ما وصل إلينا من قصائدها الطويلة يعد قليلًا ولا يسعف على تقرّي ملامح بناء القصيدة لديها بوضوح.
أمّا المحور الآخر فيتركّز في بحث تجلّيات ظاهرة التكرار في شعرها، وقد أمكن لي دراسته ضمن مستويات متعدّدة هي؛ تكرار الحرف ثمّ تكرار الكلمة ثمّ تكرار الصيغة اللغوية، وصلة ذلك بطبيعة الندب واستيلاء ظاهرة الحزن على شعرها، كما أنّ فيه إبانة عن مقدرتها الفنّيّة. ويختم هذا المحور بتحليل نموذج شعري طويل تتجلّى من خلاله تلك المستويات بوضوح.
وبذلك تتمّ هذه الدراسة التي أعدّها إشارة تلفت النظر إلى الأدب النسائيّ في الثقافة العربيّة عبر تاريخها الطويل.
صفحة 2
التعريف بليلى الأخيليّة
يعرض هذا الفصل بالبحث لجوانب متعدّدة تتآزر لتعرفنا على حياة الشاعرة، وهذه الجوانب تتلخّص في بحث؛ اسمها ونسبها وصفتها وزواجها وأولادها ووفاتها؛ وسوف نتناول بحث هذه الجوانب مفصّلة كلًّا على حدة.
أ - اسمها ونسبها:
تجمع المصادر القديمة التي عرضت لذكر هذه الشاعرة أو ترجمت لها على أنّ اسمها الأوّل هو ليلى، كما تجمع على نسبتها إلى جدّها الأعلى الملقَّب بالأخيل، فيكون اسمها الذي اشتهرت به وأجمعت عليه المصادر دون خلاف هو «ليلى الأخيليّة»، إلا أنّ الخلاف يقع بين هذين الاسمين في سلسلة نسبها، بزيادة أو نقصان أو اختلاف في الترتيب.
إنّ من أقدم الكتب التي وصلت إلينا ويرد فيها ذكر لها باسمها الذي اشتهرت به هما كتابا (جمهرة النسب) للكلبيّ (ت204هـ) و (فحولة الشعراء) للأصمعيّ (ت216هـ)(1)، أمّا أقدم كتاب فصّل القول في حياتها وأخبارها مع توبة فقد يكون كتاب الزبير بن بكّار (ت 256هـ) الموسوم بـ (أخبار توبة بن الحميّر وليلى الأخيليّة) الذي أشار إليه ابن النديم (ت385هـ) في (الفهرست) وياقوت الحموي (ت626هـ) في (معجم الأدباء) (2)، ولا ندري كيف جاء ذكر اسمها ونسبها فيه على وجه التحديد؛ لأنّ يد الدهر قد عدت على الكتاب فلم نظفر به.
أمّا ابن قتيبة (ت 276هـ) فهو يهتمّ بأخبارها وبعض أشعارها في كتابه (الشعر والشعراء)، ويورد اسمها بنسبتها إلى جدّها الأخيل غاضًّا الطرف عن ذكر اسم أبيها وما علاه حتى يصل إلى الأخيل، بيد أنّه يذكر تفصيل نسبها في موقع آخر عندما يتحدّث عن توبة بن الحميّر، فيقول: هي «ليلى بنت عبد الله بن الرحالة بن كعب بن معادوية، ومعاوية هو الأخيل بن عبادة، من بني عُقيل بن كعب»(3)، وكان الكلبيّ قد ذكر سلسلة مخالفة لهذه عندما قال عنها: «ليلى بنت حذيفة بن شدّاد بن كعب بن معاوية بن عبادة بن عُقيل، ويقال: ليلى بنت الرحالة، قال الكلبيّ: فلا أدري: أهو حذيفة أم ماذا»(4).
ويذهب صاحب كتاب (بلاغات النساء)، أحمد بن أبي طاهر بن طيفور (ت280هـ) إلى أنّ اسمها «ليلى بنت الأخيل بن ذي الرحالة بن شدّاد بن عبادة بن عقيل»(5). ولعله بذلك ينسبها إلى جدّها ولا يقصد أنّ الأخيل هو والدها، إذ لم يقل أحد بهذا، ونجده يضع كلمة «ذا» قبل اسم الرحالة ويتبعه بذكر شدّاد، ممّا يقوّي أن يكون الرحالة هذا هو حذيفة كما تساءل الكلبيّ.
صفحة 3
أمّا أبو الفرج الأصفهانيّ (ت 356هـ) فقد قدّم لنا ترجمة مسهبة للشاعرة، واسترسل في ذكر أخبارها، واعتنى بذكر نسبها فقال: «هي ليلى بنت عبد الله بن الرحال - وقيل ابن الرحالة- بن شدّاد بن كعب بن معاوية، وهو الأخيل، وهو فارس الهرّار، ابن عبادة بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة»(6) فلم يزد على ما ذكر ابن قتيبة إلّا شدّادًا، ثمّ أكمل سلسلة النسب حتى وصل إلى عامر بن صعصعة.
ونجد المرزبانيّ (ت 378هـ) في (معجم الشعراء) يتابع الكلبيّ في ذكر حذيفة بن كعب بن معاوية(7)، في حين يسقط الحصريّ القيرواني (ت 453هـ) صاحب (زهر الآداب) شدّادًا من النسب ويجعل كعبًا بعد عبد الله وقبل الرحالة، فيكون الاسم عنده «ليلى بنت عبد الله بن كعب بن ذي الرحالة بن معاوية بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة»(8).
لكنّ ابن حزم الأندلسيّ (ت 456هـ) يجعل من حذيفة أبًا لها متابعًا الكلبيّ ومن نقل عنه، ويؤكّد أنّ كعبًا هو الأخيل وليس معاوية، وليس من شكّ في أنّه نقل عن الكلبيّ؛ إذ بينهما تطابق في السلسلة؛ إلا أنّ ابن حزم يضع بعد شدّاد بن كعب «ذاالرحالة» وما دون ذلك فإنّه يذكر كلام الكلبيّ(8). وعن ابن حزم أخذ ابن ميمون (ت597هـ) (9) والقلقشنديّ (ت 821هـ)(10).
ويتّضح ممّا تقدّم أنّ أقدم مصدر ذكرها هو الكلبيّ الذي يمكننا اعتماده، بحيث يكون اسمها ليلى بنت حذيفة أو عبد الله وقد يكون اسمه الرحالة أو ذا الرحالة، ابن شدّاد بن كعب بن معاوية بن عبادة بن عقيل. ونكون بذلك قد استرشدنا ببعض المصادر الأخرى، وقد حذفنا الرحالة أو ذا الرحالة من أن يكون مستقلًّا عن حذيفة أو عبد الله لأنّنا نميل إلى القول بوجود ثلاثة أسماء بين ليلى ومعاوية حسب؛ إذ ذكرت المصادر أنّ معاوية هو فارس الهرّار أو الهزّار أو الهرّاز(12)، وأنّه أدرك الإسلام ووفد على الرسول ﷺ وله صحبه(13)، وإذا كان ذلك كذلك فلا بدّ من اختصار السلسلة بينه وبين ليلى قدر المستطاع، فهي ماتت في الأغلب ما بين عامي 86 و96 هـ، وقد تكون ولدت مع بداية الدعوة الإسلاميّة، وليس من السهل أن تجتمع هي ووالد جدّ جدّها، وإن أمكن أن تجتمع بجدّ جدّها في حياته، فيكون معاوية هو جدّ جدّها.
لكنّنا نردّ قول الكلبيّ في أنّ الأخيل هو كعب بن معاوية، آخذين بقول الآخرين الذين ذهبوا إلى أنّ الأخيل هو معاوية، ويسندنا في هذا أمران؛ أحدهما أنّ الأبيات الأربعة التي مطلعها:
صفحة 4
نَحْنُ الأَخَايِلُ مَا يَزالُ غُلامُنَا
حَتَّى يَدُبَّ عَلَى العَصَا مَذْكُورَا
تنسب في أحد الأقوال إلى كعب جدّ ليلى وليس إليها وذلك عند المرزبانيّ والحصريّ(14)، ولذلك نستبعد أن يكون هذا الرجل ذاته الأخيل ويقول «نحن الأَخايِل»، إذ لو كان ذاته الأخيل لقال: أنا الأخيل وأولادي الأخايل. أمّا الأمر الآخر الذي نعتمده، فهو أن ليلى من رهط الأخيل، وتوبة من رهط خفاجة، وإذا نظرنا في سلسلة نسب كل منهما وجدنا أنّ معاوية يقابل خفاجة من حيث العدد ما بين توبة وليلى وكل منهما، وعليه فإنّنا نرجّح أن يكون معاوية مجمع الرهط؛ لأنّه هو الأخيل، وليس كعبًا المتأخّر عنه.
أمّا داوود الأنطاكيّ (ت 1008هـ) في (تزيين الأسواق) فهو كما يبدو أخذ السلسلة عن ابن حزم ثمّ جعل أباها رئيسًا لبني الأخيل؛ لأنّ هذا شأنه مع كلّ المحبّين الذين يسلّي سمّاره بقصصهم فقد قال: «وكان رئيس بني الأخيل حذيفة بن شدّاد بن كعب وكان له ابنة قد شاع في العرب ذكرها....» (15). إذ لا نجد مصدرًا قديمًا واحدًا يحدّثنا أيّ حديث عن أبيها صفة أو منزلة إلّا ما وجدنا من ذكر لاسمه في سلسلة نسبها، فمن أين جاء الأنطاكيّ بهذا الوصف له؟
وقد رأيت بعد كل هذا أن أثبت جدولًا أضع فيه نسب ليلى كما خلصت إليه، ثمّ أضع سلسلة نسب لجماعة من شعراء قومها الذين سيكون لها معهم شأن، لنتبيّن مدى قربهم منها أو بعدهم عنها.
هذه سلسلة ابن قتيبة، أمّا سلسلة الكلبيّ فهي ليلى بنت حذيفة بن شدّاد بن كعب (الأخيل) بن معاوية (فارس الهرّاز) بن عبادة.
صفحة 5
ب - صفاتها وشكلها
تتفاوت المصادر القديمة فيما بينها في العناية بذكر صفاتها وشكلها، فقد يهتمّ راوي الخبر بذكر صفة من صفاتها ليؤكّد للسامع صدق مقولته، ودقّته في النقل، ولكن بعض رواة شعرها وأخبارها لم يلتفتوا إلى ذلك البتة.
إنّ أوّل ملمح شكليّ لليلى نعثر عليه في كتاب (بلاغات النساء) في الخبر المرويّ عن الزبير بن بكّار والذي قال فيه: «حدّثني يحيى بن مقداد الرفعي عن عمّه موسى بن يعقوب قال دخل عبد الملك بن مروان على زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فرأى عندها امرأة بدويّة فأنكرها، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الوالهة الحرّى ليلى الأخيليّة»(16)، وفي تمام الخبر أنّها وثبت فجلست على راحلتها، فهي بدويّة المظهر تثب على الراحلة، وقد يكون أنكرها الأمير لأنّها ليست من أهل دمشق.
ويؤيّد بروز هذه الصفة فيها ما يرد في خبر قدومها على الحجّاج، إذ يقول آذنه: «أصلح الله الأمير: بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير النادّ، قال: أدخلها» (17)، فلعلّ الآذن شبّهها بالبعير النادّ -أي الشرود- لما رأى فيها من مظاهر البداوة.
بيد أن تلك الصفة لم تكن تنفي عن ليلى الحسن والجمال، فقد جاء في الأغاني أنّها دخلت على الحجّاج فإذا هي «امرأة طويلة دعجاء العينين حسنة المشية إلى الفوه (؟) ما هي حسنة الثغر»(18)، ويورد الأصفهانيّ الخبر مطوّلًا ثمّ يختمه بسؤال الحجّاج جلساءه عن ليلى بعد أن تفرغ من قول الشعر «فقال لهم: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله ما رأينا امرأة أفصح ولا أبلغ منها ولا أحسن إنشادًا، قال: هذه ليلى صاحبة توبة» (19)، فهذه البدويّة طويلة تتّصف عيناها بالدعج -أي شدّة سواد السواد في العين وسعتها (20)، وهي صفة محبّبة في المرأة والرجل عند العرب، ثمّ هي ممشوقة القوام حسنة المشية، أمّا قوله «إلى الفوه ما هي» فقد يكون ممّا أعجمته أيدي النسّاخ، وقد يكون المقصود نفي الفوه عنها، أي أنّ فمها لم يكن واسعًا، وقد يكون غير ذلك، ولكن قوله «حسنة الثغر» يثبت صفة جماليّة جديدة فيها، وتتمّة الخبر قد أتت على ذكر صفات أخرى لها تميل إلى وصف الناحية المعنويّة، فهي امرأة فصيحة بليغة حسنة الإنشاد.
يذكر أبو عليّ القاليّ (ت356هـ) خبر قدومها على الحجّاج برواية مختلفة يرد فيه أنّها أسنّت، إذ يقول: «.... فنظرت فإذا هي امرأة قد أسنّت، حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيليّة، فسألها الحجّاج عن نسبها فانتسبت (....) ثمّ أقبل الحجّاج على جلسائه، فقال، أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير، إلا أنّا لم نر قطّ أفصح لسانًا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجهًا، ولا أرصن شعرًا منها، فقال: هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة الخفاجيّ من حبِّها»(21).
صفحة 6
إنّ تقدّم سنّ هذه المرأة لم يفقدها جمالها ورونقها، فهي حسنة الخلق على الرغم من كبر سنّها البادي للعيان، ولنا أن نستنتج من ذلك أنّها كانت في شبابها من الجميلات، وقد زاد جلساء الحجّاج، في هذه الرواية، على ملاحة الوجه الظاهرة فيها، فصاحة اللسان وحسن المحاورة ورصانة الشعر.
ولعلّ الصفات التي يذكرها الحصريّ في (زهر الآداب) لليلى، هي تكرار -مع بعض التغيير- للصفات السابقة، فالخبر عند الحصريّ، ما هو إلّا رواية ثالثة للخبر السابق، «فلم تلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهنّ وأتمهنّ خلقًا، وأحسنهنّ محاورة، فلما دنت سلّمت ثمّ قالت: أتأذن أيّها الأمير؟ قال: نعم، فأنشدت: (الأبيات) حتى أتت على آخرها؛ فقال الحجّاج لمن عنده: أتعرفون من هذه؟ قالوا: ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لسانًا منها ولا أجمل وجهًا ولا أحسن لفظًا، فمن هي - أصلح الله الأمير-؟ قال: هي ليلى الأخيليّة؛ صاحبة توبة بن الحميّر»(22).
ليس من شكّ في أنّ تعدّد رواية الخبر، وكثرة تناقله، يؤدّيان إلى تغيير فيه، وقد اتّضح ذلك في الروايات الثلاث السابقة لخبر واحد، كما أنّنا نجد بعض المتأخّرين ينقلون الخبر ويغيّرون فيه، فهذا ابن قيم الجوزيّة (ت 751هـ) يورد في (أخبار النساء) الخبر السابق برواية الهيثمّ بن عديّ، وهو واحد من سلسلة رواة الخبر في (الأغاني)، إلّا أنّه لا يلتزم بنصّها فيقول «... قالوا: أصلح الله الأمير، ولكنّا لم نر امرأة أكمل منها كمالًا ولا أجمل منها جمالًا ولا أطلق لسانًا ولا أبين بيانًا، فمن هي؟ قال: هي هذه ليلى الأخيليّة صاحبة توبة بن الحميّر»(23).
كذلك ينقل ابن طولون الدمشقيّ (ت 953هـ) في (بسط سامع المُسامر) عن القاليّ لكنّه يذكر قوله «ولا أحسن مجاودة»(24) بدل قوله «ولا أحسن محاورة»، وقد تعني المجاودة أن يكون المرء أجود حجّة؛ ففي اللسان «يتجاودون: ينظرون أيّهم أجود حجّة»(25)، وأظنّ أنّ ابن طولون حرّف محاورة فجعلها مجاودة، ولم يقصد إلى المعنى الوارد في اللسان؛ لأنّ أحدًا من القدماء قبله لم يذكر المجاودة في هذا الموطن.
أمّا ما يرويه ابن قتيبة عن لقائها بعبد الملك بن مروان في قوله: «ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنّت، فقال لها: ما رأى فيك توبة حين هويك؟ قالت: ما رآه النّاس فيك حين ولّوك، فضحك عبد الملك حتى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها» (26)، فيجب ألّا يدعونا إلى القول إنّها لم تكن حسنة أو جميلة، فالواضح من هذا الخبر أنّها كانت قد أسنّت، وهناك من صرّح بأنّها كانت حسنة على الرغم من كبر سنّها، لكن علاقتها بعبد الملك بن مروان جعلته يمازحها بقوله: ما رأى فيك توبة حين هويك؟ أي أنّه يسخر من هيئتها، ولا يجد مسوّغًا لحبّ توبة لها، وذلك على سبيل الظرف، وممّا يؤكّد لنا صدق مقولتنا هو ردّها الودّيّ الساخر الذي قالت له فيه: ما رآه النّاس فيك حين ولّوك؛ إذ لا تقدر امرأة على قول ذلك جادّة أمام الخليفة، ومع ذلك نرى الخليفة يقابل كلامها بالضحك المفرط.
صفحة 7
ج - زواجهـا
لعلّ حُبّ توبة ليلى، وإنشاده الشعر فيها، قد تسبّبا في حرمانه من الزواج منها عندما خطبها إلى أبيها، كما هي عادة العذريين. فقد ذكر الأصفهانيّ برواية أبي عبيدة عن أنيس ابن عمرو العامريّ أنّه قال: «كان توبة بن الحميّر أحد بني الأسديّة، وهي عامرة بنت والبة بن الحارث. وكان يتعشّق ليلى بنت عبد الله بن الرحالة ويقول فيها الشعر، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إيّاها وزوجها في بني الأدلع»(27). إنّ علّة رفض أبيها تزويجها له تأتي من عشقه لها وقوله الشعر فيها كما يبدو.
أمّا زوجها هذا فلا نعرف عنه شيئًا محدّدًا فهو من بني الأدلع أو الأذلع أو الأذلغ(28)، إذ ورد ضبط هذا الاسم بالأوجه الثلاثة في المصادر المختلفة، وقد يكون «الأذلغ» هو أصوبها؛ لأنّ الصاغانيّ (ت 650هـ) نقل عن ابن الكلبيّ «الأذلغ -بالذال والغين- هو عوف بن ربيعة بن عبادة» (29). وكتاب ابن الكلبيّ من أقدم كتب الأنساب، وقد فات ناجي حسن محقّق كتاب (جمهرة النسب) لابن الكلبيّ أن يضبط هذا الاسم بدقّة، فلم يرجع إلى مصادر أخرى، وذكره بالذال والعين دون تمحيص. ويورده ابن منظور (ت711هـ) صاحب اللسان، بالذال والغين نقلًا عن ابن برّيّ (30). وأخيرًا فإنّ هذا الاسم يرد في شعر النابغة الجعديّ بالذال والغين في ديوانه، ويرد هذا البيت في (تاج العروس) للمرتضى الزبيديّ (ت 1205هـ) بالضبط ذاته، فهذه كلّها مجتمعة تؤكّد أن يكون ضبطه (الأذلغ)، والأذلغي هذا يلتقي نسبه مع ليلى عند جدّها شدّاد أو معاوية - كما يورد ابن الكلبيّ- وبذلك يكون أقرب إليها نسبًا من توبة.
بقي أن نعرف أنّ هذا الزوج قد وصف بالغيرة والتضييق على ليلى؛ لأنّها بقيت تلتقي توبة وهي زوج له؛ «قال أبو عبيدة وحدّثني غير أُنيس أنّه كان يكثر زيارتها -يقصد توبة- فعاتبه أخوها وقومها فلم يُعتب، وشكوه إلى قومه فلم يقلع، فتظلّموا منه إلى السلطان فأهدر دمه إن أتاهم، وعلمت ليلى بذلك، وجاءها زوجها وكان غيورًا فحلف لئن لم تعلمه بمجيئه ليقتلنّها، ولئن أنذرته بذلك ليقتلنّها....»(31).
وقد أورد الأصفهانيّ خبرًا ليبيّن فيه غيرة هذا الزوج على زوجه، ويلقي ضوءًا على طبيعة العلاقة القائمة بينهما، ورأينا أن نثبت هذا الخبر هنا على طوله لما نظنّ فيه من فائدة، يذكر الأصفهانيّ في الخبر المرويّ عن أبي زياد الكلابيّ أنه قال: «خرج رجل من بني كلاب، ثمّ من بني الصحمة، يبتغي إبلًا له حتّى أوحش وأرمل؛ ثمّ أمسى بأرض فنظر إلى بيت بوادٍ، فأقبل حتى نزل حيث ينزل الضيف، فأبصر امرأة وصبيانًا يدورون بالخباء فلم يكلّمه أحد، فلمّا كان بعد هدأةٍ من الليل سمع جرجرة إبل رائحة، وسمع فيها صوت رجل حتى جاء بها فأناخها على البيت، ثمّ تقدّم فسمع الرجل يناجي المرأة ويقول: ما هذا السواد حذاءك؟ قالت: راكبٌ أناخ بنا حين غابت الشمس ولم أكلّمه. فقال لها: كذبت، ما هو إلا بعض خُلاّنك، ونهض يضربها وهي تناشده، قال الرجل: فسمعته يقول: والله لا أترك ضربك حتى يأتي ضيفك هذا فيغيثك، فلمّا عيل صبرها قال: يا صاحب البعير، يا رجل، وأخذ الصحميّ هراوته ثمّ أقبل يحضر حتّى أتاها وهو يضربها، فضربه ثلاث ضربات أو أربعًا ثمّ أدركته المرأة، فقالت: يا عبد الله، مالك ولنا، نحّ عنّا نفسك، فانصرف فجلس على راحلته وأدلج ليلته كلّها وقد ظنّ أنّه قتل الرجل وهو لا يدري من الحيُّ بعدُ، حتى أصبح في أخبية من النّاس، ورأى غنمًا فيها أمةٌ مولّدة، فسألها عن أشياء حتّى بلغ به الذكر، فقال: أخبريني عن أناس وجدتهم بشعب كذا، فضحكت وقالت: إنك لتسألني عن شيء وأنت به عالم.
صفحة 8
فقال وما ذاك لله بلادك؟ فوالله ما أنا به عالم. قال: ذاك خباء ليلى الأخيليّة وهي أحسن النّاس وجهًا وزوجها رجلٌ غيور، فهو يعزب بها عن النّاس فلا يحلّ معهم، والله ما يقربها أحد ولا يضيفها، فكيف نزلت أنت بها؟ قال: إنّما مررت فنظرت إلى الخباء ولم أقربه، وكتمها الأمر، وتحدّث النّاس عن رجل نزل بها فضربها زوجها، فضربه الرجل ولم يُدر من هو فلمّا أخبر باسم المرأة وأقرّ على نفسه، تغنّى بشعر دلّ فيه على نفسه، وقال:
أَلَا يَا لَيْلَ أُخْتَ بَنِي عُقَيْلٍ
أَنَا الصَّحْمِيُّ إِنْ لَمْ تَعْرِفِينِي
دَعَتْنِي دَعْوَةً فَحَجَزْتُ عَنْهَا
بِصَكَّاتٍ رَفَعْتُ بِهَا يَمِينِي
فَإِنْ تَكُ غَيْرةٌ أُبْرِئْكَ مِنْهَا
وَإِنْ تَكُ قَدْ جُنِنْتَ فَذَا جُنُونِي»(32)
هكذا يفعل من تكون زوجه جميلة، ويكون غيورًا عليها، وقد يكون ثمّة أصل لبعض هذه القصّة، لكن تفاصيلها على غير ما رويت عليه، ذلك أنّ أحداثها ذيّلت بأبيات من الشعر توحي بأنّ القصّة قُدّت لتناسبها. أمّا شاهدنا في هذا الخبر فهو أنّ ليلى تزوّجت في أثناء حياة توبة من أحد بني قومها، وبقيت تتّصل به؛ يؤيّد ذلك قولها تخاطبه، وقد طلب منها حاجة:
لَنَا صَاحِبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُونَه
وَأَنْتَ لِأُخْرَى فَارِغٌ وَحَلِيلُ(33)
وقد عرّض توبة بهذا الزوج، فقال:
لَعَلَّكَ يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ
مُعَاقِبُ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا(34)
وهو ذاته الزوج الذي ذكره النابغة الجعديّ في تعريضه بليلى، فذكر أنّه أخيليّ وأذلغيّ، إذ قال:
وَقَدْ أَكَلتْ بَقْلًا وَخِيمًا نَبَاتُهُ
وَقَدْ أُنْكِحَتْ شَرَّ الأَخَايِلِ أَخْيَلَا
صفحة 9
دَعِي عَنْكِ تَهْجَاءَ الرِّجَالِ وَأَقْبِلِي
عَلَى أَذْلَغِيٍّ يَمْلَأُ اسْتَكِ فَيْشَلَا(35)
قال البغداديّ (ت 1093هـ) في (خزانة الأدب) بعد أن ذكر بيت النابغة الأوّل: «أراد أنّها تزوّجت بأشرّ بني الأخيل، وأخيل صفة لشرّ؛ لتأويله بمشؤوم، فإنّ الأخيل هو الشقران، والعرب تتشاءم به»(36).
والأذلغ «هو عوف بن ربيعة بن عبادة»(37)، وقيل إنّه: «الأذلغ بن شدّاد من بني عبادة بن عقيل»(38)، فهو إمّا أن يكون أخًا لمعاوية (الأخيل)، أو أحد بنيه، كما ذكر الجعديّ في شعره، وفي الحالتين يكون زوجها أخيليًّا أو أذلغيًّا دونما تعارض، لذلك لا يبقى شكّ في أنّ ليلى تزوّجت من هذا الرجل الأذلغيّ العقيليّ الذي سيكون أقرب نسبًا إليها من توبة، وليس من شكّ في أنّه رجل عامريّ، ولم يكن كما وهم بروكلمان حين ذكر أنّ ليلى تزوّجت في غير بني عامر(39).
لقد ثبت لدينا أنّها تزوّجت من هذا الرجل، لكن ما قصّة زواجها من رجل آخر بعده، هو سوّار بن أوفى - كما يرى بعضهم-؟ فلعلّ قولهم لا يستند إلى حجّة قويّة، بل قد يسهل على المدقّق ردّه وإبطاله.
أوّل من يذكر خبر هذا الزواج هو ابن قتيبة، فقد علّق على الأبيات الثلاثة، التي غلبت ليلى فيهنّ النابغة الجعديّ، بقوله تعليقًا على البيت:
تُسَاوِرُ سوّارًا إِلَى المَجْدِ وَالعُلَى
وَفِي ذِمَّتِي لَئِنْ فَعَلْتُ لَيَفْعَلَا
«أي ليفعلن» وسوّار بن أوفى القشيريّ، وكان زوجها»(40)، فإذا كان ابن قتيبة قد استنتج من هذا البيت أنّ سوّارًا زوجها، فإنّ أحدًا من القدماء، ممّن رووا هذه الأبيات وخبر تفوّقها على النابغة لم يذهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة، فهذا الأصمعيّ يذكر قصّة المهاجاة، لكنّه لا يرى سوّارًا زوجًا لها، يقول: «أشعر النّاس مُغلّبو مُضر حُميد والراعي وابن مقبل، فأمّا الراعي فغلبه جرير وغلبه خنزر -رجل من بني بكر- والجعديّ غلبته ليلى الأخيليّة وسوّار بن الحيا....» (41)، كما يذكر الأصفهانيّ الخبر بتفصيل أدقّ إذ يقول في الخبر الذي يرفعه إلى أبي عمرو الشيبانيّ (ت206هـ): «كان سبب المهاجاة بين ليلى الأخيليّة وبين الجعديّ أن رجلًا من قُشير - يقال له ابن الحيا- (وهي أمّه) واسمه سوّار ابن أوفى بن سبرة- هجاه وسبّ أخواله من أزد في أمر كان بين قُشير وبين بني جعدة وهم بأصبهان متجاورون، فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضحة - سمّيت بذلك لأنّه ذكر فيها مساوئ، قُشير وعُقيل، وكل ما كانوا يُسبّون به، وفخر بمآثر قومه وبما كان لسائر بطون بني عامر سوى هذين الحيّين من قُشير وعُقيل-:
صفحة 10
جَهِلْتَ عَلَيَّ ابْنَ الحَيَا وَظَلَمْتَنِي
وَجَمَعْتَ قَوْلًا جَاءَ بَيْتًا مُضَلَّلَا»(42)
فالخبر لا يستلزم أن يكون سوّار زوجًا لها، بل يكفي أن يذكر الجعديّ مساوئ عُقيل لتهب ليلى الأخيليّة العُقيلية منافحة ومدافعة عن عشيرتها الأقربين، وعن بني عمومتها الذين عرّض النابغة بهم، لذلك فقد كانت ليلى هي الغالبة وهي أشعر من النابغة؛ لأنّها هجته دون أن تنتقص من قدر عشيرته التي ينتمي إليها لأنّها من كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، إذ يجمعهم جميعًا أنّهم من مُضر ومن عامر بن صعصعة على وجه التحديد، فقد رأت أن تهجو النابغة دون قومه وأن تفضّل عليه سوّارًا.
وقد يكون في دفاعها عن سوّار هذا وقوف إلى جانب قُشير، إذ إنّ الجعديّ سبَّ قُشيرًا وعُقيلًا معاً؛ لأنّهما كانتا تتّمان بعضهما فكان يقال: «البيت في قُشير والعدد في عُقيل»(43).
ويؤيّد ما ذهبنا إليه من أنّ سوّارًا لم يكن زوجها أنّ ابن قتيبة ذاته أورد بيت الشعر الذي قال فيه النابغة:
وَقَدْ أَكَلَتْ بَقْلًا وَخِيمًا نَبَاتُهُ
وَقَدْ نَكَحَتْ شَرَّ الأَخَايِلِ أَخْيَلَا(44)
ونحن نعلم أنّ سوّارًا كان قُشيريًّا ولم يكن أخيليًّا، فكيف يعيّر النابغة ليلى بأنّها زوج لشرّ الأخايل، وفي الوقت ذاته تكون زوجًا لسوّار؟ فالذي جعل ابن قتيبة يتوهّم ذلك هو أنّها ختمت هجاءها له بقولها «تساور سوّارًا»، لتذكّره بما كان من هجاء سوّار له فقرن ابن قتيبة بين هجاء النابغة لزوجها وذكرها لسوّار، وظن سوّارًا زوجها، وهذا وهم.
ولعلّ من أسباب قصّة المهاجاة بين ليلى والنابغة أنّها فضّلت العُجير السلولي عليه في تحكيمها بين الشعراء، كما يذكر المرزبانيّ في (أشعار النساء) (45) وقد يكون هذا سببًا كافيًا لوقوع المهاجاة بينهما، ولا يعود لسوّار أي دور فيها. إلّا أن ليلى، لتغيظ النابغة، فضّلت عليه شاعرًا آخر غير العُجير، هو سوّار الذي هجاه فتكون قد أصابته في الحالتين وانتصفت لعشيرتها التي هجيت بسبب القشيريّ.
لقد أثبتت لنا الروايات السابقة أمرين؛ أوّلهما: أنّ ليلى كانت زوجًا للأذلغيّ أو الأخيليّ وهو شخص واحد، وآخرهما: أنّها لم تتزوّج من سوّار بن أوفى كما وهم ابن قتيبة.
والذي أراه أنّ ليلى لم تتزوّج بعد الأذلغيّ أيّ زوج آخر، سواء أكان سوّارًا أم غيره، وإنّي أذهب إلى الشكّ في قول ابن عساكر (ت 571هـ): «إنّ ليلى الأخيليّة بعد موت توبة تزوّجت»(46)، الذي نقله ابن طولون(47)، واستدلّ به محقّقا الديوان على زواجها مرّة ثانية(48)، وذلك لأنّهما قبلا بما أورده ابن قتيبة من خبر زواجها من سوّار بن أوفى، وكان ثبت لديهما أنّها تزوّجت من الأذلغيّ، فجعلا في قول ابن عساكر هذا دليلًا على الزواج ثانية، وإن لم يصرّح هو بذلك.