eKtab
EN ع
ألوان المغيب
اقرأ عينة مجانية

ألوان المغيب

بقلم عبد الواحد لؤلؤة

صفحة 1

ألوان المغيب

أهي ألوانُ الشموس الغاربة ، بما فيها من بقايا ألـَـقِ النهار الذي مضى، وما فيها من حِــلكةِ آفاقٍ تجمـّـعت عليها الغيوم ، حتى احتـَـجـَـبـَـتْ آخرُ ذؤابات النوِر في آخر النـَـفق من ليل السـُّـرى؟ قد يفضـّـل بعضنا أن نستدير إلى النهار الذي مضى ، ونـُـطيل النظر في ما كان يبعث من نور ، ونأملُ ··· نأملُ أن يعود ذلك النور في غـَــِدنا المنتظر !

أليس الصبُّحُ بقريب !

في أمسنا البعيد ، المنير ، كنا نطلبُ مزيداً من النور ، من آفاقٍ غائمة اللغة والعبارة· نقلَ أجدادُنا علومَ الأعاجم والأغريق ، بـِـرَطانـَـتها التي طوّعتها طلاوة العربية· لكن بعضها بقي عصـيـّـاً على الذائقة العربية، حتى أمكن استساغتها بعد حين ، ولم يكن ذلك جهداً ضائعاً·

في كتاب لي قبل هذا الكتاب بعنوان أوراق الخريف نقلتُ نصف كتاب صَــدَرَ بالإنـگـليزية ، قوامه ثماني دراسات حول نظرية الأدب الحديثة ، كما ظهرت في بلاد الغرب وتطوّرت فيه· وها أنا انقل النصف الثاني من ذلك الكتاب· كانت استجابة عددٍ من القرّاء الجادّين في بلاد عربية شتى مشجـّـعة بوجه عام ، مشفقة على جهد قد يحسـَبـُـهُ آخرون لا طائل تحته ولا فوقه ، في أوطان بلغت نسبة القارئين فيها دَرَكاً ··· لا نـُـحسد عليه !

ولكن ··· لابـُـدّ من صنعا ···

عبدالواحد لؤلؤة

دبي - الإمارات العربية المتحدة

كانون الثاني 2009

صفحة 2

دراسات نقدية

شفيق جبري:

شاعر القديم المـُـحـَـدث

القديم المـُـحدث صفة تضارع الكلاسي المحدث في وصف الشعر وفنون العمارة في الحضارة الغربية، مما شاع في أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر بخاصة، حيث راح الشعراء وأصحاب العمارة في أورپـا يقلـّـدون أمثلة القديم، بأسلوب لا يعيد تصويره كما كان في الأصل، بل يضفي عليه مسحة حديثة· ففي الأدب الفرنسي نجد بوالو يكتب فن الشعر L'Art Poétique عام 1674 يمجـّـد فيه آراء الشعراء اللاتين مثل هوراس صاحب فن الشعر Ars Poetica الذي يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد· يريد بوالو مثل هوراس أن يتميز الشعر الجيـّـد بالتوازن لا بالتطرف، وباللياقة لا بالشطط، وأن يقضي الشاعر في دراسة الشعر والمران عليه ما لايقل عن تسع سنين· كل هذا ليتكون لدى الشاعر شبيه أرضية صلبة واسعة من المعرفة· وهذا يذكـّـرنا بقول أبي نواس ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستين من شواعر العرب، فما بالك بالشعراء! وقد طبعت آراء الشاعر الناقد الفرنسي بوالو أجواء الشعر الفرنسي في أواخر القرن السابع عشر، ومنها امتدت إلى أجواء الشعر الإنـگـليزي في فترة عودة الملكية عام 1660· فقد كانت الأجواء تدعو إلى العودة إلى القديم، أي إلى ما قبل ثورة المتطهـّـرين الـپـيوريتان في عقد 1640· صارت القوى السياسية - وتبعها الشعراء، في بريطانيا - ترى في عودة الملكية عودةً إلى الاستقرار وإلى القيم الثابتة التيكان قديم الشعر خير ما يمثلها· وقد سار في هذا الاتجاه الشاعر الإنـگـليزي ألـگـزاندر پوپ (1886-1744) الذي كتب قصيدة طويلةً من ثلاثة أقسام بعنوان مقال في النقد (1711) تكاد تكون صورة عن آراء بوالو في فن الشعر وقد ترجم پوپ إلى الإنـگـليزية إلياذة هوميروس من القرن التاسع قبل الميلاد، ترجمةً هي أشبه بالتلخيص منها بالترجمة، ويقول في مقال في النقد: إجعل هوميروس درسـَـك ومتعتـَـك إقرأه في النهار واحلم به في الليل!

هذه العودة إلى القديم في الشعر وفي غيره من الفنون في التراث الأورپـي في القرن الثامن عشر لها ما يضارعها في الشعر العربي في النصف الأول من القرن العشرين· ولم يكن بالشاعر العربي حاجة إلى ترجمة تراثه القديم، فهو في متناول يده، لأن اللغة ما تزال هي العربية ذاتها· لذا كان الرجوع إلى المعلقات وإلى قديم الشعر العربي مسألة استعداد طبيعي ساعدت في نموه ظروف الحياة السياسية في البلاد العربية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وزوال كابوس الحكم العثماني· وقد ظهرت آثار ذلك في أقطار عربية شتى، وبدرجات متفاوتة، لكنها تميـّـزت جميعاً بالتوكيد على عروبة البلاد وثقافتها· وفي سوريا كان الاتجاه العروبي قد تبلور بفعل قيام كيان حكومي عربي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، على الرغم من عدم استمرار ذلك الكيان سوى لـِسنوات قليلة، لكنه كان صورة من تنامي الشعور القومي في البلاد·

صفحة 3

في هذه الفترة نشطت الكتاتيب وحلقات المشايخ في تعليم العربية وعلوم الدين· وظهرت مجموعة من الشعراء والأدباء، على قلـّـتهم في العقدين أو الثلاثة العقود التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، لكنهم كانوا نواة حركة أدبية في دمشق، تضاهيها وتتفوق عليها أحياناً، حركة مماثلة في حلب·

في هذا الجو الثقافي ظهر عدد من شعراء الجيل الأول في سوريا، منهم عمر أبوريشة، وبدوي الجبل ومحمود البزم وشفيق جبري، على تفاوت مواهبهم الشعرية· وشعر هذا الأخير هو موضوع الدراسة في هذه الورقة·

بدأ شفيق جبري في كتابة الشعر في حدود عام1917 وهو لمـّـا يبلغ العشرين من العمر، كما يؤرخ لذلك في قصائد قليلة منشورة في ديوانه نوح العندليب (1984)· وكان آخر ما كتبه من شعر عام 1980 قبل وفاته بقليل· والملاحظ في قصائد هذا الديوان أنها جميعاً من الشعر التقليدي ذي الشطرين، وكأنه لم يستجب إلى ما تطوّر من شعر عربي بعد الحرب العالمية الثانية، وبخاصة في عقد الستينات من القرن الماضي· من أجل ذلك لا يمكن النظر إلى شعر جبري من منظور التطور اللاحق في شعرنا العربي، بل ليس من الإنصاف محاولة ذلك· لقد بقي شعر جبري محصوراً في حدود التراث القديم، إلى جانب تراث معاصريه من شعراء العربية، الذين هم ي الغالب من شعراء عصر الإحياء أي إحياء التراث القديم، ممـّـا يسوغ وصـف شعر جبري بالقديم المـُـحدث· إلى جانب ذلك، لا نجد أثراً لثقافة أجنبية في شعره· ففي سلسلة محاضرات ألقاها في معهد الدراسات العربية العليا في القاهرة، أعاد إصدارها في كتاب بعنوان أنا والشعر (1959) يفسـّـر جبري طريقته في نظم الشعر، وكأنه يقول لنا: هكذا يـُـنظم الشعر· وبمعنى بعينه يشيرنا قوله تضميناً إلى آراء بوالو ومريده پوپ في توكيدهما على أن يكون قديم الشعر هو النبراس الذي يهدي الشاعر· ويحسن الوقوف قليلاً عند قصيدته الزمان ص 613 - 317، فهي من باكورة الشعر بين 1917 - 1918 كما أثبت الشاعر في ذيل القصيدة وكما أشار في كتابه أنا والشعر ص 11، قائلاً إنه كان يقلـّـب النظر في مختارات من الأدب الفرنسي فاهتدى إلى قطعة لخطيب فرنسي مشهور من رجال الكنيسة هو ماسيـّـون (1663 - 1742) عنوانها الزمن يقول جبري إن هذا الخطيب الكنسي الفرنسي امتاز بفصاحة لسانه، وقوة تأثيره، وعذوبة أسلوبه ثم يضيف: طالعتُ قطعة ماسيـّـون فرأيت أن لا قدرة لي على تثبيت أفكارها في شئ من الشعر، فإن شعر الشعراء الذين أنستُ بدواوينهم في القديم لم يألف هذا النحو من الأفكار

ليس واضحاً أمام القارئ إن كان الشاعر قد قرأ تلك القطعة بنصـّـها الفرنسي، كما يوحي به إطراؤه أسلوب الخطيب الكنسي، أو أنه قرأها في ترجمة عربية· فإذا كان الاحتمال الأول قائماً فإن ذلك يدلّ على أن الشاعر قد نشأ في مدرسة فرنسية في فترة الحكم العثماني (مدرسة اللعازاريين)، وأتقن اللغة الفرنسية وآدابها وهو دون العشرين من العمر· ولو صحّ هذا الاحتمال يكون من الغريب جداً أن الشاعر لم يـطوّر ثقافته بقراءة الأدب الفرنسي، مما كان سيطوّر شعره في اتجاه آخر· أما إذا كان الشاعر قد قرأ تلك القطعة في ترجمة عربية فإن العجب سيزداد من وجود ترجمات عربية عن الأدب الفرنسي في ذلك الزمن المبكـّـر بينما كانت سوريا ماتزال تحت الحكم العثماني· غير أن الشاعر يسارع إلى القول إن مرحلة الاقتباس عن كبار الكتـّـاب أو عن أدب الغرب··· لو ثابرت عليها لتغيـّـرت آفاق شعري

والملاحظ أن فترة الخطيب الكنسي الفرنسي الذي أُعجب جبري بأدبه هي الفترة نفسها التي ازدهر فيها أدب بوالو وپوپ الإنـگـليزي، وهي فترة الكلاسية المحدثة التي ينعكس فيها أثر براعة الأسلوب القديم من إغريقي أو لاتيني· في قصيدة الزمان وسابقتها قصيدة خيال الغد من الفترة الزمنية نفسها يخبرنا الشاعر أنه فضـّـل الاقتباس من المنفلوطي والمتنبي واستلهام الصور والأفكار منهما لا من قطعة الخطيب الكنسي الفرنسي· فالمتنبي يمثل التراث العربي القديم والمنفلوطي يمثل التراث العربي المعاصر للشاعر، وهذه هي الصفة الغالبة في شعر جبري·

صفحة 4

هذا التمسك بالتراث في أول نشأة جبري في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى هو نوع من الموقف ضد الحكم العثماني وسياسة التتريك التي لم تستطع النيل من التيار العروبي المتنامي في سوريا· وقد انعكس هذا الموقف في قصائد جبري الوطنية مما لازمه في شعره اللاحق طوال فترة الشباب الأولى· فمن بواكير شعره الوطني قصيدة فتيان قريش (ص 81-02) وهي في ثورة الحسين أي في ثورة العرب الكبرى··· وهي ثالث قصيدة عملتها في فاتحة أمري (أنا والشعر، ص 65) ويعود تاريخها إلى 42 كانون الأول 1918· في هذه القصيدة المبكـَـرة، كما في شعره اللاحق، أصداء من شعراء آخرين، إذا غابت عن بعض القرّاء فإن الشاعر قد تكفـّـل بالإشارة إليها في كتابه أنا والشعر الذي يفسـّـر فيه طريقته في كتابة الشعر· بوسع القارئ أن يحصي ما يقرب من عشرين شاعراً عربياً قديماً، أو محدثاً معاصراً يردد جبري أصداءهم في شعره، ويشير إلى ذلك في زَهوٍ هو زَهوُ الشباب الناشىء الذي يريد لك أن تعرف أنه قرأ هؤلاء الشعراء وتأثـّـر بهم· من هذه الأسماء شعراء قرأهم في الحماسة لأبي تمـّام أو في كتاب الأغاني وهما من أمهـّـات كتب التراث الشعري العربي· إلى جانب الإشارات تضميناً أو تناصـّـاً من المعلقات او من الكامل للمبـرِّد، نجده يعارض قصائد لشعراء أو يقتبس عبارات أو أبياتاً من: عروة بن أذينه، أبو تمـّام، البحتري، أبو فراس، المتنبي، المعرّي، الشريف الرضي؛ أو من معاصريه مثل المنفلوطي، الرافعي، شوقي، حافظ، مطران من شعراء مصر؛ أو من معاصريه من شعراء العراق مثل الشبيبي والرصافي؛ أو السوريين مثل خير الدين الزركلي والشيخ فؤاد الخطيب وآخرين·

في قصيدة فتيان قريش تتجاوب أصداء المعلقات بمفرداتها وإيقاعاتها، وصورها الصحراوية وكثبانها، وخيولها العتاق وسيوفها البيض التي لا تطيق البقاء حبيسة في أجفانها أغمادها وطوال الرماح في أيدي أبطال تهزّ الجبال وأركانها دفاعاً عن مجد العروبة الذي بـَـنـَـتـْـهُ لنا قريش، وتصيح في تحدٍّ إذا ما تصدّت الحادثات لذلك المجد: سـَـعـَـرْنا الحروب ونيرانها وكأنه يستذكر إذا ما غضبنا غضبة مضريـّة هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماً من الشعر الجاهلي· تبدأ القصيدة بتحية لدمشق وتمجيد لشأنها وهي الواقعة تحت النير العثماني الذي جاء فتيان قريش لتحريرها منه· والقصيدة معارضة لقصيدة خير الدين الزركلي في رثاء شهداء العرب، على نفس الوزن والقافية، كما هي مثل قصيدة الزركلي: وطنية تدور حول دمشق والعروبة وتحدّي ظلم العثمانيين·

معارضة الشعراء الآخرين، من قدماء ومـُـحدثين ومعاصرين كانت وسيلة جبري في كتابة الشعر، وبقيت كذلك حتى أواخر أيامه، فهو لا يجد ضيراً في ذلك، بل يحسبها وسيلةً للتواصل مع التراث العربي في الشعر، وصفةً تميز وطنية الشاعر· وربما أمكننا الإشارة إلى أن الإكثار من المعارضة وتضمين شعر الآخرين يقع في الفترة 1917-1925أو أكثر من ذلك بقليل· ففي قصيدة أغنية المغلول (1925) يذكر جبري في ذيل القصيدة أنه أعجب بقصيدة مصطفى صادق الرافعي المنشورة في جريدة الأهرام بعنوان ترقيص طفلة فجرى على هذا الأسلوب في ثلاث قصائد منها أغنية المغلول ومناجاة الطير (1926) وترقيص الطفلة التي أصبحت مناغاة الطفلة (1923وهذا، كما يشير جبري، من الخفائف في الغناء العربي القديم؛ لذا لابأس من المحاكاة: أنا يا طير مغولُ متى أنجو من الغـُـل؟ مفاعيلـُـن مفاعيلُ، هـَـِزجنا في أغانيكم وشاقتنا معانيكـُـم· والهزج من الغناء العربي القديم؛ ولكنه هنا غناء وطني، على ما فيه من نغم حزين، كان الشاعر يحسّ به، وبما كانت نفوس الناس في الشام تشعر به بعد انحسار الآمال بالحكومة العربية التي تشكلت بعد انسحاب الترك، وما أعقب ذلك من دخول الفرنسيين في تموز 1920· والنغم الحزين صفة القصائد الوطنية في هذه المرحلة، مثل وطني دمشق (1923) ولو أنها لا تشبه الخفائف ووزن الهزج الراقص· في هذه القصيدة من البحر الكامل نغم حزين كذلك ونبرة من التفجـُّـع على ما آلت إليه حال البلاد بعد إخفاق الحكومة العربية ودخول الفرنسيين· قافية هذه القصيدة مَـرْكـَـبٌ صعبٌ، يحاول الشاعر الشاب تذليله بالتزام القافية نفسها في الشطر الأول؛ لكن الوهن يأخذ منه في البيت الثالث - من أصل عشرة أبيات - الذي لا تستقيم قافية شطره مكسورة اللام مع قافية القصيدة مفتوحة اللام· وهذه محاولة لا أرى لها من داعٍ، لكنه طموح شاعر شاب يريد إثبات براعته في النظم، ويريد شهادة الآخرين، بمن فيهم الشعراء، على تميـّـزه، كما يذكر في أكثر من موضع في انا والشعر، وفي هوامش بعض القصائد· ورغبة الشاعر الشاب في إثبات الذات في الشعر الوطني تمثلها ملاحظة أثبتها على الصفحة الأولى من اثنتي عشرة قصيدة تشكل وطني دمشق إحداها، تظهر عليها روح الثورة وذيـّـلها بعبارة لم يسمح المراقب بنشرها

مثل هذا الجهد العقيم في اصطناع القوافي نجده في قصيدة بكت النجوم (1912)· هنا استعراض لتمكـّـن الشاعر من اللغة في مفردات اضطر محقق الديوان إلى تفسير بعضها في هوامش ليست بالقليلة· ثمة مترادفات مرصوفة رصفاً لغرض الحفاظ على الوزن والقافية· البؤس والشقاء، الأشجان والشجون، البـُـرحاء واللأواء (ما أندر هذه الكلمة!)، الحوباء (بمعنى النفس!)، أجبال جمع قلـّـة من جبــل، السلـّـو والعزاء؛ ثم ما معنى البيت ما رابهُ إلاّ تبدُّدُ آلهِ أيدي سبا في أرضه وسمائه؟ لقد تألم الشاعر لتفرّق آله وصحبه كما تفرق أيدي سبا (جنود سبا) في أرض اليمن وصحرائها· ولكن كيف تفرقوا في أرضه وسمائه؟ تفرّقَ قومُ سبا بعد طغيان السيل عليهم، لكنهم تفرقوا في الأرض لا في السماء· أم أن ذكر الأرض يستدعي ذكر السماء، لضرورة القافية؟!

صفحة 5

قصيدة وطني (1912) ذات المطلع علـّـموه كيف يـَـعنو فـَـعـَـنا تكاد تصيح بك من أول بيت أن هذه معارضة لقصيدة شوقي بغناء عبدالوهاب علـّـموه كيف يجفو فجفا ظالمٌ لاقيتُ منه ما كفى ولكن، كيف لقصيدة غزلية أن توحي بقصيدة وطنية؟ وتستمر في القراءة فتلمس التفجـّـع على حال الوطن، وتتناسى مـُـسـِرفٌ في هجره··· أتـُـراهم علـّـموه السـَّـرفا وتتذكـّـر من أيام المدرسة قصيدة وطنية، فيها نقد لاذع لأحوال المجتمع هي للشاعر العراقي محمد رضا الشبيبي، كما يظــهر من ملاحظة جبري نفسه في هامش على القصيدة، ثم نقرأ فعارضته بقصيدتي يقول الشبيبي:

فتنةُ الناس، وُقينا الِـفتـَـنا

باطلُ الحمدِ، ومكذوبُ الثنا

ربَّ جـَـهـمٍ حـوّلاه قـمـراً

وقبـيـحٍ صـَـيـّـراه حــسـَـنا···

ويستحسن جبري ما رأى في قصيدة الشبيبي فيقول:

وطني كيف أُرجـّـي بيعـَـةُ؟

ذلَّ من راح يبـيـعُ الـوطـنا

أيـها الطـامع في حـَــوزتـِــه

لستُ أرضى بالثريـّـا ثـمنـاً···

وهذا صدى من قول الشبيبي:

خسـِـرت صفقتكم من معشرٍ

شـَـروا العار وباعوا الوطنا

أرخصوه، ولو اعتاضوا بـه

هـذه الدنـيـا·· لـقـلـّـت ثـمـنا·

بمن تـُعجب في هذه الحال، بقصيدة الشبيبي أم بقصيدة جبري؟

في قصيدة بين الشام والعراق (1923) مثال آخر من إعجاب جبري بشعر الشبيبي الذي ازدهر في عشرينات القرن الماضي· وهذه قصيدة وطنية عروبية وحدوية يتجلى فيها حنين الشامي إلى بغداد ويذكـّـرنا بحنين أبي العلاء المعرّي (الشامي) إلى بغداد، يوم ركب الإبل وأحسّ بحنينها إلى بغداد وهي في طريقها إليها:

طـَـربنَ لضوء البارقِ المتعـالي

ببغداد وهْـناً مالهـنّ ومـالـي

إذَا طال عنها سرّها لو رؤوسها

تـُـمدُّ إليه في رؤوس عوالي

ضوء البارق المتعالي عند المعريّ هو كلّ رَبع بدجلةٍ يضيء ضياء البارق المتألق عند جبري· وثمة أصداء أخرى من شعر قديم يـُـنبـ؟ـهـُـكَ إليها ورود كلمات نادرة الاستعمال في العصور اللاحقة:

مـَحـَضْـتـُـكِ يا بغداد ودّي على النوى

وإني إن أمحض وداديَ أصدُق

المحض، بمعنى الخالص من الشوائب صفة مألوفة، على ندرتها· ولكن مـَحـَضَ يمحضُ هو فعل لا أحسب أنه تكررّ منذ الجاهلية:

محضتـُـهـُـمُ نـُـصحي بمنعـَـرَجِ اللـِّـوى

فلم يستبينوا النصح إلاّ ضـُحى الغدِِ

والنـَفـَس الجاهلي وما جرى مجراه تجده في مخاطبة المثنى عند جبري: قفا حدِّثاني بالعراق··· قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومـَـنزِلِ·· يا صاحـِـبي؟ تقصيـّـا نظريكما تـَـرَيا وجوهَ الأرض كيف تـُـصـَـوَّر· ثم هل الملـِـكُ الجبـّـار بالكرخ موثقٌ؟ تستذكر إذا الملك الجبـّـار صعـَّـر خدَّه مـَـشينا إليه بالسيوف نعاتبه ولكن من هو هذا الملك الجبـّـار؟ هل هو الملك فيصل؟ لم يكن ذلك الملك جباراً، ولم يكن منزله بالكرخ، وهو الجانب الغربي من نهر دجلة، وليس محلة ببغداد كما أورد المحقق· كان بلاطه في الرصافة، الضفة الشرقية، والإشارة إلى الملكية في العراق تكون دائماً إلى البلاط، لكن الإشارة إلى الكرخ في تاريخ العراق الملكي هي إشارة إلى السفارة البريطانية، ممثلة الاستعمار البريطاني، فهل من كان يقيم فيها هو الملك الجبـّـار وهل كان موثقاً تنوء به الأغلال؟ اختلطت الصور هنا·

صفحة 6

شعر الثورة هو الشعر الوطني عند جبري· ففي عدد من القصائد التي نظمها في أول عهده بالشعر إلى حدود 1925 كانت ثورة النفس هي صفة تلك القصائد، وهي ثورة النفس الشابة ضد المحتل الفرنسي الذي حلّ محلّ المحتل العثماني· من أمثلة ذلك، إضافة إلى ما تقدم، قصيدة الأمم الثائرة والآمال الذاهبة وشطّ المزار وشكوى ودموع وجميعها تعود في التاريخ إلى عام (1920)· وكان الباعث على تلك الثورة في المقام الأول نقض لحلفاء لوعودهم كما يقول في أنا والشعر (ص 51)· والآمال الذاهبة هي الآمال بوحدة العرب من أقصى العراق إلى الشآ مِ إلى الحجاز إلى ذرا الأهرام وذهاب آمال الشاعر بوحدة العرب دفعت به إلى اليأس والتفكير بترك البلاد وشدّ الرحال إلى ظلال خيام والتسويغ أن في الأرض مـُـنتـَـدَحٌ لمن كـِره الأذى بين الرُّبا ومسارح الآرام ترى هل دفع اليأس بالشباب إلى التفكير بالهجرة، لأنه:

وفي الأرضِ منأى للكريم عن الأذى

وفيها لمن رام العلا مـُتـَحـَوَّلُ؟

وقصيدة شـَـطَّ المزار مثل سابقتها، تفجـّـع مراسيمي أشبه ببعض القصائد الأندلسية ذات اللحن الرئيس أين الأُلى··· يتفجـّـع الشاعر على الآمال الذاهبة التي كانت تتوقع ثورة تجمع البلاد العربية إلى بعضها· والتشوّق إلى دجلة والفرات والعراق واستذكار مجد الرشيد هو صورة للتشوق إلى الحكومة العربية في الشام التي انتقلت إلى العراق بعد إخفاقها في الشام· ومما يزيد في لوعة الشاعر العروبي الوحدوي أن ثورة 1919 في مصر لم تنتشر إلى العراق، ولا حرّكت مظاهرةُ السيدات في الثورة المصرية تلك السنة مظاهرةً مماثلة في العراق ولا في الشام· لكن الملاحظ في هذه القصيدة التي تنتمي إلى سنة 1920، مثل سابقتها من قصائد ثورة النفوس الشابة، هذه اللغة الجاهلية العتيقة التي لم يعد لأغلب مفرداتها من وجود إلاّ في شعر المعلـّـقات: سباسب، أباطح، طوائح، فوادح، جوائح، مـُـناضح، سائف (حامل السيف)، رامح (حامل الرمح) صحاصح، لهاذم، صفائح، سانح وبارح، وهي الطريدة التي تمرّ إلى يمين الصياد أو إلى شماله·

مما يخفـّـف من المرارة في قصيدة شكوى أن إيقاعها يذكـّـر القارئ بعذوبة بعض الشعر العباسي أهـُـنَّ عوادي يوسفٍ أم صـَـواحِـبـُـه فـَعـَـزْماً فقِـدْماً أدرك السؤل طالبـُـه ولكن شتان ما بين الموضوعين· هنا الشكوى نفسها من تنكـّـر الحلفاء لوعودهم باستقلال البلاد العربية· وكل ما استطعنا فعله، نحن الشعراء، أننا

غضِـبنا له والنصر لم يبـْـدُ نجمـُـه

ولم ندر أن الغرب سودٌ رغائبه

ومِــلـنا إلـيـه بـالـسـيـوف وبـالـقـنا

ولو لا مواضينا لضلـّـت ركائبه

هنا كذلك، الروح الجاهلية نفسها:

إذا المـلـكُ الـجـبـّـار صـعـّـر خـدّه

مـشينا إليـه بالسـيـوف نـعـاتـبـه·

في قصيدة دموع، وقد تكون آخر ما كتب من قصائد الثورة عام 1920، لانجد اختلافاً كبيراً عن سابقاتها في التفجـّـع على حال الوطن العربي، الذي لم يستجب لثورة عارمة في جميع أرجائه بسبب شتاتِ جموعه فالوطن العربي قد جرّت عليه وبالـَـه أحزابـُـه وهذا التفرّق قد بعث اليأس في نفس الشاعر، فانقلبت ثورة النفس الشابـّـة إلى خيبة أمل، حتى سـُـدت مسالكه فضاق مجالـُـه وعندما خارت قواه ولم يـُـعِـنهُ رجالـُـه كان أن نـَـبـَـتِ الديارُ به فأزمَـع هجرَها ويبدو أن التفكير بالهجرة كان في أذهان بعض الشباب في سوريا ولبنان في هذه الفترة· فالملاحظ كثرة العوائل ذات الأصول السورية في مناطق مثل بوستن وغيرها من المدن في الولايات الشرقية في أميركا، إضافة إلى أقطار أميركا الجنوبية وافريقيا، ممن هاجر بعد الحرب العالمية الأولى· وتتكرر الإشارة إلى الرغبة في الهجرة في عدد من قصائد ثورة النفس الشابة عند جبري· وقصيدة دموع كانت قبل دخول الفرنسيين بأسبوع كما يشير جبري في أنا والشعر (ص 71) حيث كانت معارضة لقصيدة خير الدين الزركلي، وزناً وقافية·

والشعور بثورة النفس هو ما يطبع الشعر الوطني عند جبري؛ وهو شعور عاصف في قصائده الأولى؛ وإذا خفّ عصف هذا الشعور قليلا فهو لا يلبث أن يثور من جديد في قصائد نظمها بعد دخول الفرنسيين· فالغضب تجاه الاستعمار العثماني لم يكن أقل منه تجاه الاستعمار الفرنسي· ففي قصيدة أفيقوا (1912) خفـّـت ثورة النفس الشابـّـة لتغدو يأساً وخيبة، كما رأينا في قصيدة دموع هنا يخاطب الشاعرُ الأمـّـة من خلال مخاطبة الشام وأهلها: فهل في الشآم أخو هِـمـِّـةٍ يردّ على الشام لألاءها؟··· أفيقوا، أفيقوا رجال الشآم أما ملـَّـتِ العينُ إغفاءَها؟

صفحة 7

والتغنـّي بالحرية صورة من صور الشعر الوطني عند جبري، لأن الحرية، ببساطة، هي ضد الاستعمار، عثمانياً كان أو فرنسياً· ففي قصيدة الحرية (1922) نجد الشاعر يتغزّل بهذه الحرية، ففيها نجد كلمة الحب نادرة الوجود في شعر جبري أول مرّة، بل إنه في بعض المواضع يصرّح بأنه يخجل من ذكر الحب في شعره· دبّ مضيض الحب في أضلعي لا تحسبنـّـي طاوياً سرّها ومضيض هذه تفسد صورة الحب، التي زادها فساداً شرح المحقق بأنها تفيد الألم من وجع المصيبة هل كان الشاعر يقصد أن الحب، ولو كان حب الحرية، يؤدي إلى الألم من وجع المصيبة؟ ياليته قال : دبّ لهيب الحب في أضلعي، أو أوار الحب، أو حتى دبيب الحب· فبقية المقطع بأبياته التسعة لغة رائقة، تقترب من لغة الحب العذري لأن الشاعر يقول عن محبوبته الحرية: عشقتـُـها، والله أدرى بنا ما مسّ صدري في الهوى صدرها! ألم يقل عمر بن أبي ربيعة وهو على فراش الموت: يعلم الله أني ما حللتُ إزري على حرام؟!

الغريب في هذه القصيدة أن الشاعر يذكر في أنا والشعر (ص 32) أنه قرأ في كتاب الأغاني بيتين لشاعر نسي اسمه، ويذكر المبـر؟د في الكامل أنهما لسليمان بن قتـّـة، والشاعر المدّاح يخاطب ناقته وهو في طريقه إلى ممدوحه قـُـثـَم بقوله:

نـَجَـوتِ من حلٍّ ومن رحلةٍ

يا ناقُ إن قرَّبتِـني من قـُثـَـمْ

إنـكِ إن قــرّبـتــنــيـه غــداً

عاش لنا اليـُسر ومات العدم

ما الذي أعجب جبري في هذين البيتين؟ وكيف تحرّكت قريحته فنظم قصيدة عن الحرية؟ وما العلاقة بين شاعر يتكسـّـب بشعره وبين شاعر عروبي يغنـّـي لحرية دمشق والعرب؟ وكيف تنهض النفس لعمل قصيدة بسبب هذا البيت أو هذين البيتين؟ وما العلاقة بين هذين البيتين وبين مطلع قصيدة جبري عن الحريـّـة:

هاجَ نسيمُ الريح لي أمرها

بالله ياريـحُ ابعـثي ذِكـرهـا

أو بينهما وبين خاتمة القصيدة:

نـَجوتَ من ظلمٍ ومن ظالمٍ

يا دهرُ إن يسـَّـرت لي عُـسرها

من أين يأتي الظلم للدهر؟ ومن هو الظالم؟ أم تراه صف حكي لا غير؟ ربما أُعجب جري بايقاع بحر السريع: بحرٌ سريع مالهُ ساحلُ مُـستـَفعِـلـُـن مُـستـَفعِـلـُن فاعلُ· ولكن ألا توجد قصائد في كتابَـي الأغاني والكامل فيها ما يمثـّـل عمود الشعر العربي في شرف المعنى وصحته وفي جزالة اللفظ واستقامته كما يقول عبدالفتاح عفيفي عن شعر جبري في كتابه شاعر الشام شفيق جبري (1986 ص 5)؟

والإشارة إلى الحب في قصيدة الحرية يقود إلى السؤال عن ندرة شعر الغزل عند جبري، وهي مسألة لا تتـّـسق مع ما جرى عليه الشعراء منذ وقف امرؤ القيس يبكي من ذكرى حبيبٍ··· ومنزلِ· ففي معرض حديثه عن المرأة والحب، يقول جبري: فما كنتُ غريباً عن هذا الحب··· وكثيراً ما يسألني بعض الصحاب عن شعري في الغزل فأخجل من نفسي··· وأقول لهم: ليس لي شئ من هذا الشعر فلا يكادون يصدقون ما أقول (أنا والشعر، ص 83)· وفي الصفحة 04 من هذا الكتاب يقول جبري: كان حديث المرأة في عنفوان الشباب ملء مجالسنا··· كانت صورة المرأة نصب عيني ونصب خاطري··· هذا ما نلمسه في قصيدة ظبية الوادي (1923) يوم كان الشاعر في الخامسة والعشرين من العمر· والمقطوعة ذات الأبيات الستة هذه صحراوية الأجواء جاهلية الألفاظ، لا ينقصها سوى ذكر البان والشيح والعرعر·

يا ظبية البان ترعى في خمائله

ليـَهْـنكِ اليومَ إن القلب مرعاكِ

الماء عـندك مـبـذول لـشـاربـه

وليسَ يرويكِ إلاّ مدمعي الباكي

يشير جبري غالباً إلى غوطة دمشق وأرز لبنان وغاباته، فكيف انقلب في هذه المقطوعة إلى شجر الأراك وأشواكه وإلى الفلوات والأنجاد والبطاح؟ أم هي الرغبة العارمة في محاكاة القديم ومعارضة الشيخ فؤاد الخطيب في قصيدته التراثية عن الثورة:

لمن المضارب في ظلال الوادي

ريـّـانة الجـَنـَبـَات بالورّاد

نتساءل مع الشاعر: أيـّـة ظبية هذه؟ وأيّ وادٍ هذا؟··· هل كان في الفكر شئ من الغزل؟ وهذا بعيد، أم كان في الفكر الإشارة إلى الوطن، وهي من الشعر الرمزي، فالطبيعة ترمز إلى بلاد الشام، وهذا الأصح (ص 42)· كيف ترمز الفلوات والبطاح والأنجاد إلى ربوع الشام؟ ولماذا هذا الخجل من الغزل في هذه المقطوعة وثلاث قصائد أخرى؟

وفي سنّ الخامسة والعشرين كذلك نظم جبري قصيدة الهوى الذاهل (1923) ولم يجرؤهذه المرّة على التنصـّـل من تهمة الغزل لأنه سجـّل اعترافاً إذ قال: سعيتُ مرّة أن أعبـّـر عن عاطفة الحب في شعري، وكنتُ أحفظ الأبيات المشهورة: إن التي زعمت فؤادكَ ملـّـها خـُـلقت هواكَ كما خُـلقتَ هوى لها والقصيدة لعروة بن أُذينة، من شعراء الغزل في العصر الأموي، وقد توفي عام 031هـ 747م· لكن جبري يسارع للاعتذار: قلت هذه الأبيات ولم أقل غيرها، ولستُ أعلمُ ما الذي صدّني عن هذا السبيل (ص 83)· البيت الأخير في قصيدة الهوى الذاهل محاكاة في كثير من التكلـّـف والافتعال لمطلع قصيدة عروة: إن التي ملأت فؤادك صـَبوةً قطعت حبالك فاعتلِـق بحبالها·إذا كان الشاعر يريد أن يعتلِـقَ بحبالها فلماذا ادّعاء الخجل من الغزل؟ وقصيدة عروة استقاها جبري من كتب التراث الشعري المشهورة: الأغاني، زهر الآداب، وديوان الحماسة لأبي تمام· وهذا التحديث للتراث الشعري عند جبري أوضح أمثلة الكلاسية المـُـحدثة في العربية، على مافي هذا المثال من اصطناع موقف في الحب يتراوح بين الإقدام الخجول والإحجام المتعثـّـر· أوضح الأمثلة لا أفضلها· ففي شعر شوقي مثلاً نجد التراث القديم حاضراً غائباً تطغى عليه شخصية شوقي وأسلوبه· أما هنا فلا نستطيع القول إلا أن هذا الشعر نوع من الخليط يعوزه التجانس، خليط بين القديم وبين ما يشبه الجديد· وإلاّ فما معنى إقحام مجالها لتفيد تجوّلها نقيض قعودها، وما جدوى هذه المحسـّـنات البلاغية في حَـلـّـتها وحِـلالها؟ وبين ذ َهـَلـَـت وتـَـذهالها؟ خطاب النفس في مطلع القصيدة والاستفهام الإنكاري في أتظن؟ أنك قد خطرتَ ببالها معارضة تـُـفسد جمال أسلوب التقرير في الأصل خـُـلقت هواكَ كما خـُـلِـقتَ هوىً لها عروة بن أذينة عاشق واثق من نفسه، يمتلك ناصية عواطفه، متسامح في شأن دلِّ صاحبته، ملتمس لها عذراً في وجود بعض ِرقبتها أي في وجود رقيب يتابع تصرفات هذه الحبيبة الصدود التي تذكـّرنا بقصيدة الشاعر الإنـگـليزي أندرو مارفـيل (1621-1678) ولكن أي نوع من العشـّـاق نجد في قصيدة جبري التي هي إسقاط من شخصية الشاعر الخجول من ذكر الحب والغزل والمعتذِر عنه صراحةً لاضمناً؟

الغزل في شعر جبري غزلٌ من وراء حجاب· ففي قصيدة مناغاة الطفلة (1923) وهي معارضة لقصيدة مصطفى صادق الرافعي، نجد الخطاب لا يناسب طفلة بل هو أشبه بتغزّل بحبيبة تـُـلهم الشعر من سحرها، ويذوب القلب من دمعها كيف يخاطب شاعر في الخامسة والعشرين من العمر طفلة بقوله: ويحلو الحب؟ في شرعِـك فذوقي لوعة الحبِّ؟ نجد الجواب في اعترافٍ آخر أثبته العاشق في ص 93 من كتابه أنا والشعر: إني لم أعرف في حياتي التي قلت فيها هذا الشعر طفلة على هذا الشكل، ولكني أردتُ بهذه الطفلة المرأة نفسها كما تصوّرتـُـها مرّة أخرى، عاشق يخجل من الحب والتعبير عنه، فيحتال بالتغزّل من وراء حجاب· ويبدو أن سنّ الخامسة والعشرين هو موسم الحب بامتياز لدى شفيق جبري·

في قصيدة لولاكِ من الفترة نفسها نلمس حجاباً من نوع آخر يرتفع بين الشاعر وبين المرأة، يحدثنا عنه في أنا والشعر ص 04 حيث يقول لئن لم أباشر الغزل مباشرة، لقد جئته من جهة ثانية··· فلئن لم أستطع أن أتخيل هذه المرأة في شعري من ناحية حبـّـها واللـّـهج بهذا الحب، لقد تخيـّـلتـُـها من ناحية مقامها الاجتماعي، حتى كان هذا التخيل يخفـّـف عنـّـي في بعض الأزمات العاطفية شيئاً من عنف هذه الأزمات ثم يضيف: إن هذه القصيدة تدخل في الشعر الاجتماعي، فيها إشارة إلى مقام المرأة في المجتمع، ولئن عـُـنيت بمقامها الاجتماعي في ظاهر القصيدة، لقد عـُـنيتُ في باطن القصيدة، وفي باطني أنا نفسي بشئ آخر غير مقامها الاجتماعي، عـُـنيت بمقامها في قلبي··· ولقد كنتُ أجد في مثل هذا الأسلوب بعض العزاء، فكنت أخفـّـف بهذا العزاء من عاطفة القلب

قد يرى أصحاب التحليل النفسي في هذا الكلام ظاهرة يسمـّونها التسامي sublimation وهي ظاهرة سلوكية تلازم بعض المراهقين، يحدث فيها تسامي الدافع الجنسي ليغدو اهتماماً بالفن مثلا، من رسم أو موسيقى··· أو شعر· هنا أصبح الاهتمام بالمرأة وهو ميل طبيعي عند بني البشر، تكتنفه عوائق اجتماعية أو شخصية، فيتحول إلى ميل من نوع آخر، سليم في حالة التسامي، وغير سليم في حالة الهبوط إلى التهتـّـك· في هذه القصيدة أصبح مقام المرأة في القلب مرتفعاً إلى مقامها الاجتماعي، كما يقول الشاعر· لكنه في جوهره غزل بالمرأة: لولاكِ لم تـَـطِـب الحياة وإنما طيب الحياة يفيض من واديكِ· هزّي القريض فأنتِ من فـُـرسانه ما الشـِّـعر إلاّ من بشاشةِ فيكِ· هل غـَـزَلٌ بعد هذا الغـَـزَل؟ ولا عبرة بعد ذلك بأن المرأة أمّ بنين، مربيـّة أطفال، آسية جراح··· والقصيدة تخاطب سيـّـدات في النادي النسائي الأدبي بدمشق، لذا كان الغـَـزَل محتشماً في حضرة السيدات، غزل من وراء حجاب اجتماعي·

صفحة 8

في قصيدة المرأة في الشعر ما يشبه مانفيستو جبري حول مصدر الشعر عنده· فهو يطلب من المرأة أن تناجيه كما ناجاها في سواد الليل، فهي ملهمة الشعر:

هاكِ القريض فهزّي سلكه هاكِ

ناجي الـذي في سـواد اللـيـل ناجـاكِ

إذا القوافي أبت يوماً مطاوعتي

نـَحوتُ في خطرات الشعر منحاكِ

وبعد ذلك تأتي سلسلة الأوصاف التقليدية في التغزّل بالمرأة: أنتِ الحياة، والأنس، والربيع، والعنادل، وغصن البان؛ وعيونكِ مصدر سحر عيون المها، وضياء الشمس، وهبة الريح الناعمة، ومرآكِ هو الذي تيـّم الليلة الليلاء· هنا يسخـّر الشاعر جمال الطبيعة لتكون في خدمة أوصاف المرأة·وإذ يعترف الشاعر في أول قصيدته أن المرأة هي التي تلهم الشعر، فكيف له أن يعتذر عن غزله بعد كل هذا؟

وثمة نوع آخر من الحب في شعر جبري ليس بالشاعر حاجة للاعتذار عنه· إنه حبّ البلاد العربية، وحبّ لبنان بخاصة: ففي قصيدة في ظلال الأرز (1924) نجد الشعور الوطني الوحدوي في أصفى صورة· تبدأ القصيدة بداية تراثية، إمعاناً في الإنغراس بالتراث، الصحراوي الجاهلي إن شئت: يا طاويَ البيد إن يمـّـمت لبنانا· هل في بلاد الشام، التي يبدأ الشاعر أو المخاطب فيها رحلته، أية بيدٍ، كما في الصحارى العربية؟ إنه يتوجـّـه إلى بلاد الأرز لينثر عليه ورداً وريحاناً حمله من غوطة الشام· ثم لا ينسى البكاء منذ أن أوقف امرؤ القيس راحلته ليبكي· ولا ينسى كذلك نسمة في ظلال الأرز طيبـّـة··· هبـّت عليّ وفي أعطافها أرَجٌ من صنوبر بيروت كما هبـّـت الريح من تِـلقاء فاطمةٍ وبعد المقدمة، ندخل في الجدّ· فدخول لبنان يُـزيل الهموم والأشجان· ففي جنان الأرز تـُـسمع أحاديث الحسان ذوات السـِّـحر الذي يملأ أهداباً وأجفاناً ولا همّ لهن سوى جر الذيول أما نحن، فقد كـُـتِـبَ القتلُ والقتال علينا وعلى الغانيات سحب الذيول وفي رواية وعلى الآنسات ووجود الحسان سبب تـَـقـَـرّ به خواطرنا فنطيق عذاب العيش وهنا نهاية مقطع ثانٍ من القصيدة الغزلية أساساً· وفي المقطع الثالث دعوة صريحة إلى وحدة لبنان وسوريا، وعتاب على أهل الأرز الذين آثروا الهجران· والهجران عكس المحبة، وموضوع القصيدة، محبـّـة الغوطة للأرز· الدين لله والوطن للجميع، ويجب ألا تكون الأديان سبب فرقة، لأننا جميعاً نمتُّ إلى أحياء عدنانا

تعود هذه القصيدة الوحدوية إلى أوائل عهد الانتداب الفرنسي، ولبنان أقرب البلاد إلى الشام وهذه واحدة من أربع قصائد تفصح عن أول رغبة في وحدة البلاد وإذ يمتزج في هذه القصائد اللهج بالطبيعة باللهج بالشعور الوطني: فإنها قصائد غزل بالوطن بالدرجة الأولى·

وقصيدة مناجاة الأرز (1920) قيلت بعد دخول الفرنسيين بخمسة شهور، والشاعر في الثانية والعشرين من العمر، مما يدعو إلى الإعجاب بامتلاكه ناصية اللغة والنظم الدقيق· والقصيدة في هذا الوقت المبكـّـر من عهد جبري بالشعر تعبـّـر عن التصاق شديد بالنمط التراثي الجاهلي، وتتردد فيها أصداء كثير من قراءاته في الشعر القديم· فالوزن الذي يجري على بحر الطويل يذكـّـر بأجواء معلقة امرىء القيس· والجوى في حواشي الصدر والوجد الذي أنا حامله تعيد للذهن أجواء كِـليني لهمِّ يا أُمـَـيمةٌ ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب وهذه البلابل التي في الأحشاء وفي القلب هي من غريب اللغة التي تصرف الذهن عن البلابل المغرّدة· وأرعى النجوم هذه صدى من وليس الذي يرعى النجوم بآيبِ والحنين إلى لبنان والأرز مائج لماذا تنوح عليه في العشا يا عنادله ورحلة الشاعر إلى لبنان رحلة فرح واستبشار؟ أم أن البكاء لا بد منه عند ذكر الحبيب والمنزل؟ حبّ لبنان والوطن واضح في عبارة تقريرية: لنا وطنٌ لا ينبغي أن نبيعه فما في نعيم الدهر شئ يعادله، تستذكر: ولي وطنٌ آليتُ ألاّ أبيعه وألاّ أرى غيري له الدهرَ مالكا· وتستذكر كذلك قول الشبيبي: خسِـرت صفقتكم من معشرٍ شروا العار وباعوا الوطنا، أرخصوه، ولو اعتاضوا به هذه الدنيا لقلـّـت ثمنا· ثم تأتي الدعوة الصريحة إلى توحيد لبنان والشام، في عتاب رقيق، لا يسلم من المفردات العتيقة مثل اللهاذم والصياقل، وكأن الفتى بالشام مايزال يطوي فِـجاجها فترتاع في طيّ الفجاج رواحله لا أدري كيف اجتمعت غيطان الشام مع الفجاج التي لا تسير فيها سوى الرواحل والإبل· أهي محاولة لإضفاء المـُـحدث على القديم؟!

في قصيدة لبنان أيتها الرياح غزل بلبنان وبمراتع الغزلان وقد هِـجْـنَ صبابتي مع عتاب لساكني لبنان ودعوة لنبذ الشتات، لأنه وإذا القبيل تقاطعت أرحامهم هبطت مراتبهم على الأزمان

في القصائد التي تخاطب لبنان دعوة صريحة إلى الوحدة، وهو ما يميز الشعور الوطني لدى الشاعر في الحقبة التي أعقبت زوال الاحتلال العثماني وما تبعه من احتلال فرنسي· عواطف جياشة ولغة فيها جزالة الشعر القديم في تناول موضوعات معاصرة·

ثمة عدد من قصائد التنويه بشخصيات أدبية أو من المراثي لشعراء كبار، عالجها جبري ووردت في ديوانه نوح العندليب· من ذلك ذكرى ولي الدين يـَكـَنْ (1912) وقد أُُلقيت هذه القصيدة في المجمع العلمي العربي بدمشق، وهو تكريم نادر لشاعر شاب في أوائل العشرين من العمر يرثى أديباً مرموقاً· ليس في هذه القصيدة ما يذكـّـر بالشعر القديم من حيث الصياغة أو المفردات العتيق، بل تبدو كأنها كتبت بالأمس القريب على وزن بحر الكامل: متفاعِـلنْ متفاعِـلنْ متفاعلُ· لكن الملاحظ أن جبري، بعد اطلاعه على قصيدة اللبناني قبلان الرياشي، كما يخبرنا في أنا والشعر ص 05، رأى أن يعيد النظر في قصيدته لتشير إلى أعمال يـَـكـَـنْ، لتكون المرثاة خاصة به دون غيره· وكنت من ذلك التاريخ لا أرثي شاعراً أو كاتباً دون أن أرجع إلى طائفة من آثار شعره أو كتابته، حتى أقتبس عنها ما أضمـّـنه في رثائي··· ليس هذا من باب التواضع في التعلـّـم من شاعر معاصر وجد جبري أنه يستطيع أن يفيد منه وحسب، بل إنه يقع في باب التعلـّـم من الشعر، قديمه وحديثه، وهي صفة محمودة ولاشك·

في قصيدة أمير البيان (1924) في رثاء المنفلوطي، وقد أُلقيت في المجمع العلمي العربي بدمشق كذلك، نجد مزيداً من الإشارات إلى أعمال المنفلوطي واقتباسات من أفكاره· في رثاء وليّ الدين يـَـكـَـنْ ثمة مبالغةً في مديح الفقيد، تعبيراً عن إكبار الشاعر له:

أرضُ الـعـراق وما ثِــلاتُ ديـاره

تبكي عليك بطونـُـها وظهورُها

قـَـلِـقـَـتْ لضجعتك الشآم فزُلزلت

غـيطانها وسـهـولها ووعـورها

ربما كان وليّ الدين يـَـكـَـنْ معروفاً في أوساط الأدب في بلاد الشام بحيث تتزلزل الغيطان والسهول والوعور لضجعة الفقيد· ولكني لست واثقاً أن هذا الأديب كان معروفا في العراق إلى درجة أن أرض العراق وماثلاتُ دياره تبكي عليك بطونها وظهورها ثم، كيف تبكي البطون والظهور؟ هذه استعارة أو كناية أو مجاز علمه عند ربي! والمبالغة في المديح في رثاء المنفلوطي أكثر اتساعاً مما في القصيدة السابقة· فقد تغلغل وحي المنفلوطي في الغوطتين، وفُـجع النيل بموته، كما فـُـجعت بقايا مضر من العرب، وهذا في نظري أكثر من الكثير· ويفخر الشاعر بأن بعض الصحف أشارت إلى حفلة التأبين وما قيل فيها من شعر وبخاصة إلى أحد أبيات قصيدة جبري:

ألـَـم يكفِـنا أن نـُـضيع الدِّيار

فرُحنا نضيع رجال الفكر

ويرى أن ذلك يدل على مقدار الشعور الوطني في البلاد· أليس في هذا تجاوز لحدود الفخر؟!

في قصيدة المتنبي (1935) التي ألقاها جبري في مهرجان الجامعة الأميركيةببيروت، نجد أفضل أمثلة التناص والتضمين من شعر المتنبي في قصيدة شارفت على السبعين بيتاً، نلمس فيها نضوج اللغة الشعرية عند جبري· وكأن الشاعر يستمد ديباجته من جزالة شعر المتنبي، ماليء الدنيا وشاغل الناس، على رأي ابن رشيق القيرواني في كتاب العـُـمدة· هوامش محقق الديوان تسدي خدمة كبيرة للقصيدة، وبخاصة لغير المطـّـلع على شعر المتنبي· ففي بيت مثل: في سماع الزمان منه دويٌّ ترك الشعرَ خالداً إنشادُه قد تستوقف القارئ كلمة دويّ التي قد توحي خارج السياق بمعنى غير محبـّـب، إذ قد تفيد الضوضاء· لكن الإشارة إلى بيت المتنبي: وتركـُـكَ في الدنيا دويـّاً كأنما تداولَ سمعَ المرء أنمـُـلـُـه العـَشرُ تبعث حياة ثرّة في الكلمة، هي حياة شعر المتنبي الدائمة على مرّ العصور وملء الأسماع· ومثل ذلك البيت المها والمدام والوتر المطرا بُ لـَـغوٌ يعافه تـَـوْءادُه أي رزانته في الحياة· كأن في هذا ردّاً على مذهب الخيـّام في انصرافه إلى الشراب والنساء والغناء· هنا إشارة إلى بيت المتنبي: وغير فؤادي للغواني رميـَّـة ٌ وغير بناني للزجاج ركابُ والزجاج والزجاجة كناية عن قدح الخمر، كما في شعر المتصوّفة: رقّ الزجاج ورقـّـت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر، فكأنـّما خمرٌ ولا قدحٌ وكأنـّما قدحٌ ولا خمرُ بنان المتنبي ليمسك بالقلم ليكتب الشعر، لا ليمسك بقدح الشراب، فقد ترك ذلك لغـَـيرِهِ ومثل هذه الإشارات والتضمينات كثيرة في هذه القصيدة، مما يثري قيمتها الفنـّـية بشكل ملحوظ يجعلها تختلف كثيراً عن قصائد سابقة· يخبرنا جبري في كتابه أنا والشعر، ص 65 ومواضع أخرى أنه منذ بداية المراثي بقصيدة وليّ الدين يـَـكـَـنْ صار يخطط لقصائده وينسـّـق لها في ذهنه بالرجوع إلى شعر المرثيّ وأعماله، ليستخلص منها صورة لشخصيته في زمانه، ويتابع بعض حوادث في حياته، ويشير إلى البلاد التي زارها أو أقام فيها وما عرض له في بعض تلك البلاد، مثل إصابته بالحمـّـى في مصر، وتذكـّـره العروبة في دمشق، ومشاهد بوّان وملاعب جـِـنـّـةٍ لو سار فيها سليمانٌ لسار بترجـُـمان، ووصف الثلوج في جبال لبنان، إلخ· ويرى جبري أنه بهذا التنسيق وتقسيم القصيدة إلى مقاطع يكون قد وفـّـى المتنبي حقـّـه·

في قصيدة أبو العلاء المعرّي(1944) وقد أَلقاها في مهرجان المعرّي في مدرج الجامعة السورية، نجد مثالاً آخر لنضوج اللغة الشعرية، وتقسيم الموضوع وكثرة الإشارات إلى شعر المعري وحياته، مما يقدم صورة المعري للشاعر وللقارىء من بعده· ومثل مانجد في قصيدة المتنبي، تكون الهوامش والإشارات ذات قيمة كبرى في تذوّق قصيدة جبري هذه· وكأن جبري يتلبـّـس آراء المعري في الحياة والناس من خلال التناص مع شعر أبي العلاء· مـَـثـَـلُ ذلك قول جبري: فـَـسـَـد الخلقُ من قديم الليالي واستوت في فساده أزمانـُـه وهذا ينظر إلى قول المعرّي بعبارة جبري: كذاك كان بنو الإنسان مذ خلقوا فلا يظن جهولٌ أنهم فسدوا وثمة قول جبري: ليتَ نوحاً على السفينة والكو نُ غريقٌ يـَـعـُـمـُّـه طوفانه صورة من بيت المعرّي: والأرض للطوفان مـُـشتاقةٌ لعلـّـها من دَرَنٍ تـُـغسـَـلُ ويسوّغ جبري هذا الاهتمام بالمعرّي وبالتراث الشعري جميعه بأنـّـه: ليس يفنى شعبٌ تغنـّـى بماضٍ ملأ الدنيا نعمةً عـُـنفوانـُه هنا روح جبري العريقة في تقديس الماضي، من خلال إحياء ذلك الماضي، بالاستهداء بما أبدع من شعرٍ ظلَّ يهتدي به الشاعر في ما كـُـتب من شعر· وقد حضر مهرجان المعري أئمة الأدب في بلاد العرب كلها وأولهم طه حسين· فلما ألقى الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قصيدة مطلعها:

قِـف بالمعرَّةِ وامسح خدَّها التـَـرِبا

واستوحِ من طوّق الدنيا بما وهبا

ألهب مشاعر الحاضرين؛ فلما بلغ قوله في الحديث عن فكر المعرّي النيـّر:

لـثـورةِ الفِـكـر تـاريــخٌ يـُـخـبـِّـرنـا

بأن ألفَ مـسيحٍ دونـهـَـا صـُـلـبا

نهض طه حسين من مجلسه في ما يدعى سجدة شعرية وصاح: صـَـدَق الرسول الكريم: إن من البيان لسحرا

في هذه القصيدة، كما في غيرها، يشير جبري إلى أنه يغتنم الفرصة للإعلاء من شأن الشعر، لاعتقاده أن بعض رجال الحكومات يكرهون الشعر والشعراء، أو يكرهون شعراء بأعيانهم، فاغتنمتُ فرصة القصيدة لأرفع من منزلة الشعر (أنا والشعر، ص 07)· هنا كذلك، يشرح جبري طريقته في النظم، إذ توحي لفظة بصورة تتبعها صور أخرى، حتى تستقيم الأبيات في صورة واسعة متكاملة· وهذا هو مفهوم ترابط الأفكار association of ideas في الشعر الرومانسي، الذي شاع خطأ في الكتابات العربية في شكل تداعي المعاني فالكلمة في الأصل تفيد الأفكار لا المعاني meanings· كما في قصائده الأخرى في التنويه بمنزلة الشاعر موضوع الرثاء، نجد صنوفاً من المبالغات في التعبير عن رأي جبري من تميـّـز ممدوحه سواء في قصيدته عن المتنبي أو المعري أو يـَـكـَـنْ، وهذا تعبير صادق عن إعجاب مخلص، لا ينمّ عن مجاملة ولا رياء· مثل ذلك نجده في قصيدته في مهرجان شوقي بعنوان شاعر العرب (1985) وقد أُلقيت في مهرجان أسبوع شوقي في القاهرة· يبدو لي أن جبري كان يحسّ بالتماهي مع شوقي، فهو أقرب شعراء الكلاسية المحدثة إليه في الزمان وفي الأسلوب، على ما بين الأسلوبين من فرق في استلهام قديم الشعر العربي· وكما نجد المبالغات في قصائد الرثاء السابقة في التعبير عن إعجاب جبري بشاعره، نجد مثل ذلك في قصيدته عن شوقي:

إيه شوقي! لو كان للشعر ربٌّ

جَـعَـلـَـتـْـكَ الأذواقُ للشعر ربـّـا

وهذا يجعل من شوقي أپـولـّو عربياً؛ وعلينا أن نبحث له عن معبدٍ وبخور!

في جميع ما كتب جبري من شعر ضمـّـه ديوان نوح العندليب نلمس إحساساً واضحاً في صورة الأناويـّة أي التوكيد على أنا الذات· وقد يكون ذلك مما يمكن التغاضي عنه لدى شاعر في مطلع العشرينات من العمر، يقول قصيدة بعنوان شطَّ المزار كتب جبري في أنا والشعر (ص 61): وأذكر أني ألقيتُ هذه القصيدة في سهرة خاصة في دار خير الدين الزركلي في دمشق· ولم نكن إلا أربعة بيننا الشيخ رضا الشبيبي··· ولما فرغتُ من إلقاء قصيدتي ظهرت الكآبة على وجه الشبيبي فقال: لو لا أن قصيدتك أبكتنا لصفـّـقنا لكل بيت هذه ذَرْذَرَةُ أسماء لكبار الشخصيات، أحسب أنّ الغرض منها: كنتُ مع هؤلاء الكبار! وحول قصيدة ياللثغور وقد كتبها يوم تجاوز العشرين من العمر بسنة واحدة، كتب في ص (69) من كتابه: وقد كنتُ جالساً في مقهى من مقاهي دمشق، وإلى جنبي معروف الرصافي، وكان اسمه في تلك الأيام مدوّيا، فأحببتُ أن أتعرّف إليه، فانتسبتُ إليه وقلت: إن معي قصيدة أريد أن أعرف رأيك فيها· فقال: هاتها، ولكنه لم يحفل بي كثيراً أول الأمر، فأخرجتُ القصيدة، وشرعتُ في قراءتها، فما كدتُ أقرأ منها بيتين أو ثلاثة أبيات حتى اهتزّ وأخذ يهتم بي، فلما أتيتُ على القصيدة كلها: سألني: متى شرعتَ في نظم الشعر؟ فقلت له: من ثلاث سنين، فلم يصدّق قولي· وقال: هذا الشعر لا يتأتـّى لصاحبه إلاّ بعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة··· وفي الثانية والعشرين من العمر نشر جبري قصيدة مناجاة الأرز في جريدة البرق لصاحبها بشارة الخوري، دعوت فيها إلى انضمام لبنان إلى الشام فعلـّـق الخوري على القصيدة بقوله: بمثل هذا البيان يخطب ودّ القلوب· وبمثل تلك العاطفة تتوثـّـق عـُرا المودّة (أنا والشعر، ص 02)· وحول قصيدته عن المتنبي في مهرجان الجامعة الأميركية في بيروت قال جبري إنه كان من بين كتـّـاب وشعراء، في جملتهم حسين هيكل والرصافي ولما عاد الرصافي إلى دمشق بعد المهرجان سأله المرحوم معروف الارناؤوط، صاحب رواية سيدّ قريش كيف كان مهرجانكم؟ فقال له الرصافي: لم يصفـّـقوا لي، ولكنهم صفـّـقوا لشفيق لجبري (أنا والشعر، ص 69)·

على الرغم من مظاهر الأناويـّة هذه عند شفيق جبري، وعما يتسم به شعره من مبالغات وحماسة في التعبير عن مشاعر تجاه موضوعاته، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى شعره في حدود ظروف زمانه ومكانه، وقبل ظهور شاعر عملاق لا يخجل من الغزل ولا من التعبير عن أدق مشاعر الحب، سواء كان ذلك في طفولة نهد أو في قالت لي السمراء·

صفحة 9

ستيفان مالارميه ··· عربيـّـاً

يـُـعدّ ستيفان مالارميه (1842 - 1898) من أبرز شعراء الرمزية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر· وقد بدأت الرمزية في الشعر وغيره من الفنون الأدبية والتشكيلية في صورة ردّة فعل ضد المذهب الطبيعي والمذهب الواقعي ، مما شاع في أواسط القرن التاسع عشر بخاصة، في فرنسا كما في الأدب الإنـگـليزي، حيث يـُـصوّر الواقع في خشونته الجاسية، ويـُـرفع العادي والمألوف فوق منزلة المثالي· وقد تبنـّـت الرمزية جانبَ الروحانية والخيال والأحلام، وسارت على هذا الطريق في ما صدر من أعمال شعراء أمثال شارل بودلير (1821 - 1867) الذي نشر عام 1857 مجموعته الشعرية الشهيرة بعنوان أزهار الشرّ LesFleursduMal، ومثل پـول فـيرلين (1844 - 1896) وآرتور رامبو 1854 - 1891) وپـول فـاليري (1871 - 1945) وجول لافورگ 1860 - 1887) الذي تأثــّـر به كثيراً الشاعر الأنـگـلو-أميركي ت·س·إليوت (1888-1965)· وفي بريطانيا ظهرت آثار الرمزية في أعمال أوسكار وايلد (1854-1900)ووليم بتلر ييـْـتس (1865-1939)· وفي أميركا ظهرت آثارها في أعمال إدگـار آلن پـو (1809-1849) في معزل عن ظهورها في فرنسا، على ما يبدو، لكن بودلير كان معجباً بأعمال پـو فترجم منها إلى الفرنسية ما غذّى التوجـّـه الرمزي لدى معاصريه ومن تبعهم، مثل مالارميه الذي كان شديد التأثر بأعمال پـو

يؤمن الرمزيـّـون بأن الفن يجب أن يسعى إلى التعبير عن الحقائق المطلقة، التي لا يمكن التعبير عنها إلا بطرق غير مباشرة· ومن هنا جاء أسلوبهم مشحوناً بالمجازات والإيحاءات، مما يضفي على الصور والأشياء معاني رمزية· وفي عام 1886 نشر جان مورياس (1856-1910) في صحيفة الفيـگـارو بيانَ الرمزية، الذي أعلن فيه أن الرمزية تعادي المعنى الواضح والأسلوب الخطابي والميوعة العاطفية والأوصاف المألوفة وأن هدف الرمزية هو أن تـُـسربلَ المثالي بشكل ممكن الإدراك··· لا يوجد غرضه في حدّ ذاته؛ بل إن هدفه الوحيد هو التعبير عن المثالي ثم يضيف وهكذا، في هذا الفن، مشاهد الطبيعة والأنشطة البشرية وجميع مظاهر العالم الواقعية لن توصف لذاتها؛ فهي هنا وجوه ممكنة الإدراك تـُـمثـِّـلُ علاقاتـِـها الخفيـّـة َ مع الأفكار البدئية

أراد الشعراء الرمزيون أن يحررّوا أساليب النظم لكي يفسحوا مجالاً أكبر أمام السيولة وبذلك اقتربوا من حركة الشعر الحرّ التي دعا إليها گـوستاف كان Gustave Kahn (1859-1936) الذي قال إنـّـه مخترع الشعر الحرّ وربما كان يقصد الشعر الحرّ بالفرنسية، لأن من المعلوم أن الشاعر الأميركي والت وتمان هو الذي أوجد هذا المفهوم، كما ذكر في مقدمة مجموعته من الشعر الحرّ بعنوان أوراق العشب (5581) وكان گـوستاف كان يومها لم يولد بعد!

إن الرغبة في تحرير أساليب النظم ليست جديدة على الشعر الأورپـي أو الأميركي· إذ نجد شكسبير (1654-1616) قد حاول التحرر من نظام الغنائية (sonnet) الإيطالية التي قنـَّنها پـتراركا (1304-1374) بأربعة عشر بيتاً، ثمانية تعالج فكرة القصيدة، قافيتها ا- ب - ب - ا، ا- ب - ب - ا· وستة أبيات تفسـّـر أو تعالج الفكرة الرئيسة أو تمثل لها، وقافيتها ج- د- هـ مكرّرة أو مقلوبة· لكن شكسبير قسـّـم الأبيات الأربعة عشر إلى ثلاثة مقاطع من أربعة أبيات في المقطع الواحد، يعالج كل مقطع وجهاً من وجوه الفكرة العامة في القصيدة، وتتحرّر القافية إلى ا- ب - ا- ب· ج- د - ج- د· هـ - و- هـ -و· وتنتهي الغنائية بمزدوجة قافيتها ز- ز· وهي بمقام الخاتمة أو التعليق على القصيدة كلها· ثم جاء ملتـُـن (1608-1847) وأحدث تغييراً في نظام القوافي، ولم يتوقف بنهاية البيت الثامن الذي ينهي الفكرة الرئيسة في الغنائية الإيطالية، بل استمر إلى ما بعده ليستكمل الفكرة أو الصورة· لكن الشعر الحرّ الذي استحدثه وتمان ومن تبعه من شعراء أميركا وبريطانيا، وأولهم إليوت هو شعر يخلو من الوزن والقافية، إلاّ ما جاء منها عـَـرَضاً·وهذا ما سعى إليه گـوستاف كان ومن تبعه· لكن أغلب شعراء الحداثة في فرنسا، من رمزيـّـين وغيرهم، بقوا محافظين على الوزن الإسكندري Alexandrine بمقاطعة الصوتية الإثني عشر، التي تنتظم في الغالب مقطعاً قصيراً يتبعه مقطع طويل، أو العكس من ذلك، شريطة ألاّ تتعدى المقاطع الصوتية في البيت الواحد إثني عشر مقطعاً· وهذا ما نجده في قصائد مالارميه على قلـّـتها العددية، وهو ما تقوم عليه قصيدة رمية نرد موضوع هذا المقال، ولو أن الشاعر يبعثر المقاطع لا يلغيها، كما يقول·

صفحة 10

ترمي القصائد الرمزية إلى الاستثارة واستدعاء المشاعر، لا إلى الوصف، أو الحكي، كما ان الصور الرمزية تعبـّـر عن حالة الشاعر الروحية· وثمة ظاهرة خلط الحواس synesthesia التي عـُـني بها الرمزيون عناية خاصة، فكان بعضهم يحدّد ثم يمزج الحواس ببعضها، مثل حاسة الشم والسمع واللون· ففي قصيدة تطابقات Correspendences يتحدث بودلير عن غابات الرموز فنقرأ:

ثمة عطورٌغضـّـة ٌ كأجساد الأطفال

عذبة ٌ كالنايات، خضراءُ كالـمـروج

وغيرها، فاسدة ٌ، غنية ٌ، منتـصرة ٌ،

لهـا اتــّـساع الأشــيـاء اللامـحـدودة،

كالعنبر، والمسك، واللـّـبان، والبخور،

التي تصدح بابتهاج الروح والحواس·

ويتحدث رامبو عن حروف العلـّـة ونظائرها من الحركات:

الألف سوداء، الياء بيضاء، الكسرة حمراء، الضـّـمة خضراء، الواو زرقاء···

ويحاول كلا الشاعرين تماهي الأحاسيس مع بعضها· وهذا يذكـّـرنا بقول نزار قباني في وصف قدرة الخيال الرمزية على خلط الأحاسيس:

كميـْـسِ الهوادج، شرقيـّـة ٌ

تسوق إلى الشمس حلو الحـُـدا

مـَـيسُ الهوادج حركة ٌ لكنها تسوق، كما الإبل، هذا الإحساس بالحركة حـُـداءً هو صوت ٌ يندفع بعيداً·· إلى الشمس، وهو تصـّـور لا يستطيعه سوى الخيال الرمزي:

تخيـّـلتُ حتى جـَـعلتُ العطورَ

تـُـرى، ويـُـشمُّ اهتزازُ الصدى

مـَـن غيرُ نزار يستطيع أن يتخيـّـل مثل هذا الخيال؟!

في عام 1884 نشر پـول فـيرلين سلسلة مقالات عن ثلاثة من معاصريه من شعراء الرمزية، هم تريستان كوربيير وآرتور رامبو وستيفان مالارميه تحت عنوان الشعراء الملاعين· يرى فـيرلين أن كل واحد من هؤلاء الشعراء الذين كانوا مـُـهـْـمـَـلين حتى - لك التاريخ يجد في النبوغ لعنـَـةً فنبوغهم يجعلهم معزولين عن معاصريهم، مما يدفعهم إلى الرهبـَـنـَـة والانغلاق على الذات واتخاذ أساليب في الكتابة تختصـّـهم دون سواهم· يعود مفهوم الشاعر الملعون عند فـيرلين إلى بودلير في أولى قصائد أزهار الشرّ بعنوان مباركة Bénédiction التي تصف شاعراً لا يضطرب صفاؤه الداخلي بما يحيطه من ازدراء الآخرين من حوله· بهذا المفهوم عن النبوغ وعن دور الشاعر، يشير فـيرلين بشكل موارب إلى جماليات آرتور شوپـنهاور (1788-1860) شاعر التشاؤم الألماني، الذي يرى أن غرض الفن هو توفير ملاذ مؤقت بعيداً عن عالم صراع الإدارة الأعمى· ويشترك المسار الرمزي مع شوپـنهاور في عدد من المفاهيم· فكلاهما يرى في الفن ملجأ للتأمل، بعيداً عن عالم الصراع والإرادة· ومن هذه الرغبة في ملجأ فنـّـي بعيد عن العالم، توجـّـه الرمزيون إلى موضوعات من التصوّف والانشغال بالعالم الآخر وفكرة الموت والفناء وإدراك مخاطر قوة الجنس المهلكة· ونجد هذه الموضوعات في قصيدة مالارميه بعنوان النوافذ هنا نجد إنساناً يحتضر في سرير مستشفى، يبحث عن مهرب من الألم والرعب مما يتجسـّـد حوله، فيستدير إلى النافذة، متقزّزاً من الإنسان ذي الروح القاسية، حيث لا تتغذّى سوى شهواته··· فيدير ظهر للحياة ويهتف:

أعجب لنفسي، أجدني ملاكاً! أموت، أحـِـبّ

- ليت الزجاج يغدو فنـّـاً، أو تصوّفاً-

لكي أولد من جديد، أحمل حلمي إكليلاً

تحت سماء الأمس تلك، حيث كان الجمال يزدهر!

أمـّـا كيف يغدو زجاج النافذة فنـّـاً، أو تصوّفاً فهو منطق مقصور على أصحاب الرمزية؛ والمعنى دائماً في قلب الشاعر، وقيل في بطن الشاعر، والله أعلم !

قام الشاعر المغربي المبدع محمد بنـّـيـس بصنع أول ترجمة عربية لقصيدة مالارميه بعنوان رَميةُ نـَردٍ أبداً لن تـُـبطـِـلَ الزهر Un coup de dés jamais nصabolira le hasard نشرتها دار توبقال في الدار البيضاء بالمغرب في 7 أيلول (سـپـتمبر) 2007، في طبعة فاخرة، بحجم ونوع من الحروف يحترم رغبة الشاعر، كما يشرح المترجم في صلة وصل مع القصيدة· وقد صدر من هذه الترجمة 002 نسخة فقط ، كما صدرت 99 نسخة أخرى صحبة النسخة الفرنسية من القصيدة، مع صلة وصل بالعربية والفرنسية، وفي التاريخ نفسه·

فلأسارع بالقول إن ترجمة العنوان قد تكون مفهومةً في المغرب العربي؛ ولكني أخشى أن تغشاها ضبابية ٌ لدى القرّاء في المشرق العربي، وأنا لا أفكـّـر بالعبارة المؤلمة: الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيَ الإثنان أبداً ولا طيـّـب الله ثرى رَديارد كـپـلنـگ شاعر الإمـپراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر·

نقرأ في لسان العرب: النـّـرد لعبة ٌ، وهي فارسية مـُـعرّبة، وضعه أرد شير بن بالك من ملوك الفرس، ولهذا أضيف إليه فقيل النردشير ثم الزَّهـْـر جمع الزَّهرة، وزَهر النـَّـرد (أي الطاولة) القـِـطع التي يلعبون بها (مولـَّـدة) وفي الفارسية الحديثة تسمى اللعبة تـَـخـْـتـَـه نـَـردْ وتخته هذه هي صفة الخشبة التي تجري عليها اللعبة؛ والتـَـخت، كما هو معروف، هو السرير، ومنه تـَـخت المـُـلـْـك· والكلمة الفارسية المعرّبة شائعة الاستعمال في المشرق العربي، واسم اللعبة في المشرق العربي طاولة زَهـْـر وطاولة هذه إيطالية معرّبة بدورها عن tavola· وفي العراق تخفـّـفـت كلمة زَهـْـر إلى زار وإذا كانت كلمة زَهر في اللعبة تعني الحظ في المغرب العربي فإنها لا تعني ذلك في المشرق؛ بل إن الزار يكون أحيانا هدف لعنة عندما لا يحالف الحظ اللاعب، لكنه لا يفيد الحظ كما هو الحال في المغرب فيقال لك: إذا لم تصل على الموعد فهذا زهرك

لذلك، فالمشرقي لا يقول رَمـْـيةُ نـَـرد بل رمية زَهـْـر أو رمية زار فيغدو العنوان مفهوماً أكثر للمشرقي إذا قيل رَمـْـيةُ زَهــْـرٍ أبداً لن تـُـبطل الحظ أو الصـُـدفة وهي الكلمة التي تردّد المترجم في استعمالها، وهي ما تفضله الترجمات الإنـگـليزية: chance، والإيطالية caso وربما في لغات أخرى·

لكن ما تثيره ترجمة العنوان من غموض ليس سوى مقدمة لغموض القصيدة التي تستعصي على القراءة مـَـثنى وثـُـلاث ورُبـاع· وهذا ما يتحدث عنه المترجم الذي بقي يعالج القصيدة على مستويات شتى لمدة عشرين سنة تقريباً، ويجنـّـد لفهمها وتذليل غرائبها عدداً من أصدقائه من شعراء المغرب، ذوي ثقافة فرنسية مثله، مع شعراء وباحثين آخرين من جنسيات وثقافات فرنسية أو إيطالية·