صفحة 1
اشتقت كثيرا الى صديقي داني الذي سافر مع زوجته الى استراليا قبل ثلاثة اسابيع فقط لزيارة ابنته هناك. لا أعرف لماذا، زاد اشتياقي الى هذا الحدّ مع أنني كنت معتاداً على تمضية فترات أطول دون أن أراه.
كان قد أخبرني بواسطة الواتس أب أنه مضطر لتأجيل عودته الى لبنان لعدة أيام، لكنه لم يوضح لي السبب فكان من المفترض بي أن أفرح باعتبار أن التأجيل هو دليل على نجاح رحلته وعلى حاجته الى بضعة أيام إضافية للاستمتاع بجمال مدينة سدني أكثر فأكثر. فسدني مدينة رائعة الجمال كنا قد هاجرنا اليها سوية قبل عقدين من الزمن هرباً من خطورة العيش في لبنان وصعوبته.
ولكم فرحنا يوم قبلت طلبات هجرتنا مع كل أفراد الأسرتين الى استراليا، الدولة التي يحلم بها كل طالب هجرة. وأذكر أنني نظمت فيها الشعر يومها وكتبت عنها أكثر من رواية، فهي غنية بثرواتها الطبيعية وغنية أيضاًً بتنوعها الثقافي الذي يضم نماذج من مختلف ثقافات العالم.
إلتقيته بعد ساعات قليلة من وصوله الى مطار بيروت بناء على رغبته وإلحاحه على اللقاء وأنا أعلم أن الآتي من استراليا يحتاج الى وقت لكي يرتاح من مشقة الطريق والى وقت إضافي للنوم لكي يعوّض جسمه ما فاتَهُ بسبب اختلاف التوقيت وتبادل الأدوار بين ساعات الليل وساعات النهار.
جلسنا في مقهى متواضع في منطقة تفصل بيروت عن ضاحيتها الجنوبية وتفصلها أيضاً عن بعض ضاحيتها الشرقية، في مكان غير بعيد عما كان يسمى بحرج بيروت وصار يسمى حرج الصنوبر.
- الحمدلله على رجوعك بالسلامة يا داني وهنيئاً لك استمتاعك بلقاء ابنتك ولقاء الوطن الثاني استراليا الحبيبة. لا شك أنك استمتعت برحلتك، وزادت متعتك بمرافقة زوجتك التي تحب السفر.
- شكراً حبيبي. رحلة استراليا مشروع كبير فهي أطول من «سفر برلك» بكثير، لعلها البلد الأبعد مسافة عنّا، فرغم اختصار مدة السفر بافتتاح خط مباشر من دبي الى سدني الا أن الجلوس لمدة أربع عشرة ساعة متواصلة في رحلة واحدة عملية متعبة للغاية للذين غادروا عمر الشباب، فقد أصبحنا من المسنين يا عصام، شئنا ذلك أم أبينا، والمكابرة هنا لا تنفع، فلا شيء يعيد الزمن الى الوراء ولا شيء يعيد الى خلايا أجسامنا شبابها.
- في استراليا ينسيك جمال الطبيعة مشقة السفر وتنسيك الحميمية اثناء لقائك بالوطن الذي نعيش بعيدين عنه بعض التعب، وتفرحك حرارة اللقاء بالاصدقاء الكثر.
- لقد تحولت وزوجتي الى سائحين حقيقيين هذه المرة فمارسنا نشاطات سياحية متواصلة، وكادت رحلتنا أن تكون هي الأنجح لولا أن أمراً من فعل الشيطان قد حدث فخرّب جزءاً من فرحتنا.
- قل لي ماذا حدث يا داني! لقد قرأت الحزن في عينيك، ولم أعتد عليك بشكلك المتعب من قبل. لم ألمح الهمَّ مستوطناً في ناظريك قبل اليوم يا داني!
- سأخبرك بكل شيء يا عصام، لكن دعني أسرد لك تفاصيل الرحلة بالتسلسل المفصّل، فهناك محطات مفرحة يجب أن أنقلها اليك ولا أريد للأخبار السيئة أن تطغي عليها وتخفي بريقها.
قبل أسابيع من موعد سفرنا أحسست ولأول مرة في حياتي أنني مسافر الى استراليا رغماً عني، وكأنني كنت خائفا من شيء مجهول توقعت أن يكون سبب ذلك خوفي من المكيف داخل الطائرة لأنني حساس تجاه المكيفات فتوقعت أن يسبب لي السفر الطويل مشكلة في التنفس. وزوجتي من جهتها كانت تشعر بأنها تسير خطوة الى الأمام وخطوتين الى الوراء. لكن الرحلة كان لا بد منها مهما كلف الأمر.
- أنا أصغي اليك يا داني فصّل في حديثك قدر الاستطاعة، أرجو أن ينقلني حديثك الى مدينة سدني التي أحب.
- الرحلة بين بيروت ودبي كانت عادية وسريعة، أما الرحلة بين دبي وسدني فهي الأطول في عالمنا كما أظن، فمع أن الطائرة مريحة والخدمة فيها جيدة الا أن الجلوس في مقعد ضيق مدة أربع عشرة ساعة أمر مملّ ومضرُّ بالصحة، لم ينسنا إزعاجَه الا لقاؤنا بإبنتنا التي انتظرتنا في المطار، فضمة واحدة الى الصدر كفيلة بجمع كل ما اعتصر التاريخ من حنين.
نقلتنا لولو بسيارتها الصغيرة من المطار الى الشقة التي تسكن فيها مع صديقتها الأفريقية برتا، فقد شاءت الظروف أن تكون جارتها مسافرة الى بلدها زيمبابوي فاستأذنتها لولو باستضافتنا في الشقة الى حين عودتها من السفر، فوافقت برتا بكل طيبة خاطر ووضعت غرفتها بتصرفنا أيضاًً. كانت علاقتها بلولو جيدة، فلولو تتميز بكرمها الشرقي وهي مضيافة وتهتم بأصدقائها.
وصلنا الى الشقة في عتمة المساء فتوزعنا على غرفة لولو والصالون المشترك. وكان من حسن حظنا أن في الشقة حمامين، واحد منهما داخل غرفة برتا التي لم نستعملها والآخر تستعمله لولو والضيوف. كان لقاؤنا بلولو حاراً، وجدانياً وحنينياً فيه نكهة الاعتزاز بطفلة كبرت في غفلة من الزمن فصارت خريجة جامعة تحمل شهادة وتستعد لاكمال دراساتها العليا.
كان قد أخبرني بواسطة الواتس أب أنه مضطر لتأجيل عودته الى لبنان لعدة أيام، لكنه لم يوضح لي السبب فكان من المفترض بي أن أفرح باعتبار أن التأجيل هو دليل على نجاح رحلته وعلى حاجته الى بضعة أيام إضافية للاستمتاع بجمال مدينة سدني أكثر فأكثر. فسدني مدينة رائعة الجمال كنا قد هاجرنا اليها سوية قبل عقدين من الزمن هرباً من خطورة العيش في لبنان وصعوبته.
ولكم فرحنا يوم قبلت طلبات هجرتنا مع كل أفراد الأسرتين الى استراليا، الدولة التي يحلم بها كل طالب هجرة. وأذكر أنني نظمت فيها الشعر يومها وكتبت عنها أكثر من رواية، فهي غنية بثرواتها الطبيعية وغنية أيضاًً بتنوعها الثقافي الذي يضم نماذج من مختلف ثقافات العالم.
إلتقيته بعد ساعات قليلة من وصوله الى مطار بيروت بناء على رغبته وإلحاحه على اللقاء وأنا أعلم أن الآتي من استراليا يحتاج الى وقت لكي يرتاح من مشقة الطريق والى وقت إضافي للنوم لكي يعوّض جسمه ما فاتَهُ بسبب اختلاف التوقيت وتبادل الأدوار بين ساعات الليل وساعات النهار.
جلسنا في مقهى متواضع في منطقة تفصل بيروت عن ضاحيتها الجنوبية وتفصلها أيضاً عن بعض ضاحيتها الشرقية، في مكان غير بعيد عما كان يسمى بحرج بيروت وصار يسمى حرج الصنوبر.
- الحمدلله على رجوعك بالسلامة يا داني وهنيئاً لك استمتاعك بلقاء ابنتك ولقاء الوطن الثاني استراليا الحبيبة. لا شك أنك استمتعت برحلتك، وزادت متعتك بمرافقة زوجتك التي تحب السفر.
- شكراً حبيبي. رحلة استراليا مشروع كبير فهي أطول من «سفر برلك» بكثير، لعلها البلد الأبعد مسافة عنّا، فرغم اختصار مدة السفر بافتتاح خط مباشر من دبي الى سدني الا أن الجلوس لمدة أربع عشرة ساعة متواصلة في رحلة واحدة عملية متعبة للغاية للذين غادروا عمر الشباب، فقد أصبحنا من المسنين يا عصام، شئنا ذلك أم أبينا، والمكابرة هنا لا تنفع، فلا شيء يعيد الزمن الى الوراء ولا شيء يعيد الى خلايا أجسامنا شبابها.
- في استراليا ينسيك جمال الطبيعة مشقة السفر وتنسيك الحميمية اثناء لقائك بالوطن الذي نعيش بعيدين عنه بعض التعب، وتفرحك حرارة اللقاء بالاصدقاء الكثر.
- لقد تحولت وزوجتي الى سائحين حقيقيين هذه المرة فمارسنا نشاطات سياحية متواصلة، وكادت رحلتنا أن تكون هي الأنجح لولا أن أمراً من فعل الشيطان قد حدث فخرّب جزءاً من فرحتنا.
- قل لي ماذا حدث يا داني! لقد قرأت الحزن في عينيك، ولم أعتد عليك بشكلك المتعب من قبل. لم ألمح الهمَّ مستوطناً في ناظريك قبل اليوم يا داني!
- سأخبرك بكل شيء يا عصام، لكن دعني أسرد لك تفاصيل الرحلة بالتسلسل المفصّل، فهناك محطات مفرحة يجب أن أنقلها اليك ولا أريد للأخبار السيئة أن تطغي عليها وتخفي بريقها.
قبل أسابيع من موعد سفرنا أحسست ولأول مرة في حياتي أنني مسافر الى استراليا رغماً عني، وكأنني كنت خائفا من شيء مجهول توقعت أن يكون سبب ذلك خوفي من المكيف داخل الطائرة لأنني حساس تجاه المكيفات فتوقعت أن يسبب لي السفر الطويل مشكلة في التنفس. وزوجتي من جهتها كانت تشعر بأنها تسير خطوة الى الأمام وخطوتين الى الوراء. لكن الرحلة كان لا بد منها مهما كلف الأمر.
- أنا أصغي اليك يا داني فصّل في حديثك قدر الاستطاعة، أرجو أن ينقلني حديثك الى مدينة سدني التي أحب.
- الرحلة بين بيروت ودبي كانت عادية وسريعة، أما الرحلة بين دبي وسدني فهي الأطول في عالمنا كما أظن، فمع أن الطائرة مريحة والخدمة فيها جيدة الا أن الجلوس في مقعد ضيق مدة أربع عشرة ساعة أمر مملّ ومضرُّ بالصحة، لم ينسنا إزعاجَه الا لقاؤنا بإبنتنا التي انتظرتنا في المطار، فضمة واحدة الى الصدر كفيلة بجمع كل ما اعتصر التاريخ من حنين.
نقلتنا لولو بسيارتها الصغيرة من المطار الى الشقة التي تسكن فيها مع صديقتها الأفريقية برتا، فقد شاءت الظروف أن تكون جارتها مسافرة الى بلدها زيمبابوي فاستأذنتها لولو باستضافتنا في الشقة الى حين عودتها من السفر، فوافقت برتا بكل طيبة خاطر ووضعت غرفتها بتصرفنا أيضاًً. كانت علاقتها بلولو جيدة، فلولو تتميز بكرمها الشرقي وهي مضيافة وتهتم بأصدقائها.
وصلنا الى الشقة في عتمة المساء فتوزعنا على غرفة لولو والصالون المشترك. وكان من حسن حظنا أن في الشقة حمامين، واحد منهما داخل غرفة برتا التي لم نستعملها والآخر تستعمله لولو والضيوف. كان لقاؤنا بلولو حاراً، وجدانياً وحنينياً فيه نكهة الاعتزاز بطفلة كبرت في غفلة من الزمن فصارت خريجة جامعة تحمل شهادة وتستعد لاكمال دراساتها العليا.
صفحة 2
سألتنا لولو عن لبنان وعن أوضاعه المتردية، وعن ظروف العيش فيه في ضوء موجة العنف التي تضرب المنطقة. وسألناها عن درسها وحياتها ونشاطاتها، وعن مشاريعها المستقبلية.
ورغم أننا كنا نحن المسافرين المتعبين المحتاجين الى النوم، الا أن لولو قد نامت قبلنا لأنها مضطرة للنهوض باكراً والذهاب الى عملها. نامت المسكينة على كنبة الصالون وتركت لنا سريرها في غرفتها. أما غرفة الأفريقية فبقيت مقفلة لسبب لم أعرفه في اليوم الأول.
في الصباح الباكر نهضت لولو بهدوء وذهبت الى عملها أما نحن فربحنا ساعات إضافية للنوم، نهضنا بعدها وانطلقنا الى محطة القطار الذي أوصلنا الى مركز المدينة.
لقد مشينا في ذلك اليوم سيراً على الأقدام أكثر من أي يوم مضى، زرعنا المدينة بخطواتنا وعبرنا كل الشوارع والزوايا في وسط المدينة حيث قطعنا جورج ستريت مرتين، وقطعنا تشاينا تاون ثم تغدينا في الحديقة اليابانية بعد أن التقطنا ما شئنا من صور. لقد فرحت بجولتي كما لو أنني أزور سدني لأول مرة، أما زوجتي ندى فقد طارت من الفرح وكانت توزع بسماتها على كل الشوارع والأبنية والساحات.
وهكذا غدت لنا شوارع سدني مكاناً للراحة والاستجمام نقصدها كل صباح فبعد أن نتناول طعام الفطور في شقة لولو (وأدويتنا أيضاًً)، نطلب بواسطة الهاتف سيارة تاكسي توصلنا الى محطة القطار ومنها نستقل القطار الى محطة سنترال، ندور هناك في شتى الأرجاء، ندخل إلـى بعض المحَال التجارية أحياناً ونطوف مع كاميراتنا حول الأبنية الجميلة أحياناً أخرى. وكانت أقدامنا توصلنا في بعض الأحيان الى ساحة الأوبرا هاوس والى الحديقة المجاورة الغنية بأشجارها المعمّرة.
الكل يعرف أن البحر يزيّن مدينة سدني ويدخل في تفاصيل اليابسة فيرسم فيها لوحة فنية جميلة يحلو منظرها من الأعلى، لكنه يظهر جلياً أيضاًً من على الأرض،أما السرّ السحري الرهيب الذي لا يلتقطه الجميع، أو يلتقطه كل على هواه، فهو تلك التوليفة الرهيبة بين بحر نظيف وجميل ويابسة هي الأقدم على كوكبنا ومع ذلك ما زالت تحتفظ بتنوع بيولوجي بالغ الغنى، وبين حضارة غربية مستوردة في آخر طبعتها وأحدث مبتكراتها. فحين تجلس في «البوتانك غاردن» وهي الحديقة المجاورة لمبنى الاوبرا هاوس لتلتقط صورة، قد تدخل في اطار صورتك تلك المباني العصرية الشاهقة التي تناطح السحاب وذلك البرج العالي الذي يغازلها.
هذا وقد اغتنت استراليا المكتشفة حديثاً بثقافات العالم أجمع حيث يقصدها المهاجرون من كافة أنحاء العالم فيقيمون فيها آمنين مطمئنين ومحترمين، يحملون معهم ثقافاتهم فيلقون الدعم والتشجيع، فينسون قمع بلدانهم الأصلية وقهرها وحرمانها. عذراً عصام، لقد أطلت عليك في شرح تفاصيل تعرفها أنت عن ظهر قلب لكنها تفرض نفسها على الراوي لشدة التأثّر بها.
- بالعكس، استمتع بكل ما تقوله يا داني لكنني متحمس لسماع ما ستقوله في المقلب الآخر، فارتياحك غير مكتمل ولهجتك تخفي وراءها حسرة.
- حسب تخطيط لولو كانت اقامتنا موزعة على مكانين، ففي الفترة التي تكون فيها صديقتها خارج استراليا كان مرسوماً لنا أن نعيش في الشقة، على أن ننتقل الى الفندق بعد عودتها. فللزمان أيضاًً خريطته، وهو مؤلف من وحدات، تطول أو تقصر حسب مشيئتنا أحياناً، وقد تتمرد على هذه المشيئة في كثير من الأحيان. فالليل والنهار محكومان بخطوط تماس متحركة دوماً وخاضعة للتعديل في كل صباح ومساء. أما الانتقال من مقصورة زمنية الى مقصورة أخرى فغالباً ما يكون مصحوباً بمخاضات منها انبلاج الصباح ورحيل الشمس في المساء.
اما الفترة الفاصلة بين اقامتنا في شقة لولو ومرتا وفترة اقامتنا في الفندق فقد حفلت بمفاجآت غير سارة، بل إنها حفلتْ بمفاجأة لا بد أن تصدم كل من يسمع عنها أو يقرأ حاضراً ومستقبلاً.
اليوم الأخير لاقامتنا في الشقة كان يوم الجمعة الذي تصل فيه مرتا من السفر وكنّا مدعوين فيه لتمضية النهار في رحلة بحرية مع الصديق كمال وزوجته لا أدري لماذا صحونا باكراً في ذلك الصباح، زوجتي وأنا. ربما تأثرنا بحركة لولو قبل مغادرتها الى العمل أو ربما لأسباب أخرى، لكننا صحونا ولم يصمت أحد منا كما نفعل في العادة لكي يفسح المجال للأخر كي يواصل نومه. اكتشف كل منا أن الآخر قد صار في عالم الصحوة فبدأنا لتونا بالحديث.
قلت لها: مسكينة لولو تنام في الصالون على كنبة غير مريحة، فليت أنَّ صديقتها قد تركت باب غرفتها مفتوحاً لتنام لولو على سريرها.
هنا ضحكت ندى وأجابتني:
الغرفة مفتوحة ومرتا قد ألحّتْ على لولو أن تنام على السرير لكن الدخول الى الغرفة يعتبر مغامرة بحد ذاته، هناك فوضى مطلقة ورائحة لا تحتمل. أرجوك حبيبي إذهب الى غرفتها لكي تخرج منها مذهولاً.
فرفضت اقتراحها قائلاً:
أولاً ليست لدي رغبة بمشاهدة المناظر القبيحة وثانياً أخاف أن تكون قد وصلت الى غرفتها أثناء الليل فتفاجأ بدخولي الى غرفتها.
لكن ندى اصرّت عليّ مرددة:
بليز، بليز، اذهب الى غرفتها فهي لم تأت بعد، ولو كانت قد وصلت لأحدثت ضجيجاً أثناء نقل الأمتعة.
ذهبت نحو باب غرفتها، لكنني عدت أدراجي قبل الوصول اليه قائلاً لزوجتي:
أحس بخوف مجهول من دخول غرفتها، فلعلها داخل الغرفة.
ورغم أننا كنا نحن المسافرين المتعبين المحتاجين الى النوم، الا أن لولو قد نامت قبلنا لأنها مضطرة للنهوض باكراً والذهاب الى عملها. نامت المسكينة على كنبة الصالون وتركت لنا سريرها في غرفتها. أما غرفة الأفريقية فبقيت مقفلة لسبب لم أعرفه في اليوم الأول.
في الصباح الباكر نهضت لولو بهدوء وذهبت الى عملها أما نحن فربحنا ساعات إضافية للنوم، نهضنا بعدها وانطلقنا الى محطة القطار الذي أوصلنا الى مركز المدينة.
لقد مشينا في ذلك اليوم سيراً على الأقدام أكثر من أي يوم مضى، زرعنا المدينة بخطواتنا وعبرنا كل الشوارع والزوايا في وسط المدينة حيث قطعنا جورج ستريت مرتين، وقطعنا تشاينا تاون ثم تغدينا في الحديقة اليابانية بعد أن التقطنا ما شئنا من صور. لقد فرحت بجولتي كما لو أنني أزور سدني لأول مرة، أما زوجتي ندى فقد طارت من الفرح وكانت توزع بسماتها على كل الشوارع والأبنية والساحات.
وهكذا غدت لنا شوارع سدني مكاناً للراحة والاستجمام نقصدها كل صباح فبعد أن نتناول طعام الفطور في شقة لولو (وأدويتنا أيضاًً)، نطلب بواسطة الهاتف سيارة تاكسي توصلنا الى محطة القطار ومنها نستقل القطار الى محطة سنترال، ندور هناك في شتى الأرجاء، ندخل إلـى بعض المحَال التجارية أحياناً ونطوف مع كاميراتنا حول الأبنية الجميلة أحياناً أخرى. وكانت أقدامنا توصلنا في بعض الأحيان الى ساحة الأوبرا هاوس والى الحديقة المجاورة الغنية بأشجارها المعمّرة.
الكل يعرف أن البحر يزيّن مدينة سدني ويدخل في تفاصيل اليابسة فيرسم فيها لوحة فنية جميلة يحلو منظرها من الأعلى، لكنه يظهر جلياً أيضاًً من على الأرض،أما السرّ السحري الرهيب الذي لا يلتقطه الجميع، أو يلتقطه كل على هواه، فهو تلك التوليفة الرهيبة بين بحر نظيف وجميل ويابسة هي الأقدم على كوكبنا ومع ذلك ما زالت تحتفظ بتنوع بيولوجي بالغ الغنى، وبين حضارة غربية مستوردة في آخر طبعتها وأحدث مبتكراتها. فحين تجلس في «البوتانك غاردن» وهي الحديقة المجاورة لمبنى الاوبرا هاوس لتلتقط صورة، قد تدخل في اطار صورتك تلك المباني العصرية الشاهقة التي تناطح السحاب وذلك البرج العالي الذي يغازلها.
هذا وقد اغتنت استراليا المكتشفة حديثاً بثقافات العالم أجمع حيث يقصدها المهاجرون من كافة أنحاء العالم فيقيمون فيها آمنين مطمئنين ومحترمين، يحملون معهم ثقافاتهم فيلقون الدعم والتشجيع، فينسون قمع بلدانهم الأصلية وقهرها وحرمانها. عذراً عصام، لقد أطلت عليك في شرح تفاصيل تعرفها أنت عن ظهر قلب لكنها تفرض نفسها على الراوي لشدة التأثّر بها.
- بالعكس، استمتع بكل ما تقوله يا داني لكنني متحمس لسماع ما ستقوله في المقلب الآخر، فارتياحك غير مكتمل ولهجتك تخفي وراءها حسرة.
- حسب تخطيط لولو كانت اقامتنا موزعة على مكانين، ففي الفترة التي تكون فيها صديقتها خارج استراليا كان مرسوماً لنا أن نعيش في الشقة، على أن ننتقل الى الفندق بعد عودتها. فللزمان أيضاًً خريطته، وهو مؤلف من وحدات، تطول أو تقصر حسب مشيئتنا أحياناً، وقد تتمرد على هذه المشيئة في كثير من الأحيان. فالليل والنهار محكومان بخطوط تماس متحركة دوماً وخاضعة للتعديل في كل صباح ومساء. أما الانتقال من مقصورة زمنية الى مقصورة أخرى فغالباً ما يكون مصحوباً بمخاضات منها انبلاج الصباح ورحيل الشمس في المساء.
اما الفترة الفاصلة بين اقامتنا في شقة لولو ومرتا وفترة اقامتنا في الفندق فقد حفلت بمفاجآت غير سارة، بل إنها حفلتْ بمفاجأة لا بد أن تصدم كل من يسمع عنها أو يقرأ حاضراً ومستقبلاً.
اليوم الأخير لاقامتنا في الشقة كان يوم الجمعة الذي تصل فيه مرتا من السفر وكنّا مدعوين فيه لتمضية النهار في رحلة بحرية مع الصديق كمال وزوجته لا أدري لماذا صحونا باكراً في ذلك الصباح، زوجتي وأنا. ربما تأثرنا بحركة لولو قبل مغادرتها الى العمل أو ربما لأسباب أخرى، لكننا صحونا ولم يصمت أحد منا كما نفعل في العادة لكي يفسح المجال للأخر كي يواصل نومه. اكتشف كل منا أن الآخر قد صار في عالم الصحوة فبدأنا لتونا بالحديث.
قلت لها: مسكينة لولو تنام في الصالون على كنبة غير مريحة، فليت أنَّ صديقتها قد تركت باب غرفتها مفتوحاً لتنام لولو على سريرها.
هنا ضحكت ندى وأجابتني:
الغرفة مفتوحة ومرتا قد ألحّتْ على لولو أن تنام على السرير لكن الدخول الى الغرفة يعتبر مغامرة بحد ذاته، هناك فوضى مطلقة ورائحة لا تحتمل. أرجوك حبيبي إذهب الى غرفتها لكي تخرج منها مذهولاً.
فرفضت اقتراحها قائلاً:
أولاً ليست لدي رغبة بمشاهدة المناظر القبيحة وثانياً أخاف أن تكون قد وصلت الى غرفتها أثناء الليل فتفاجأ بدخولي الى غرفتها.
لكن ندى اصرّت عليّ مرددة:
بليز، بليز، اذهب الى غرفتها فهي لم تأت بعد، ولو كانت قد وصلت لأحدثت ضجيجاً أثناء نقل الأمتعة.
ذهبت نحو باب غرفتها، لكنني عدت أدراجي قبل الوصول اليه قائلاً لزوجتي:
أحس بخوف مجهول من دخول غرفتها، فلعلها داخل الغرفة.